"الإزالة": خطط "الفصائل" بعد إخراج الجيش الأمريكي 

آدم حسين

15 شباط 2024

تضع الفصائل المسلحة خطّة "إزالة" تَلحق انسحاب الجيش الأمريكي من العراق، تتضمّن "تطهير" مؤسسات و"اجتثاث" أفراد متعاونين.. لكن هل يتم الانسحاب؟ وما هي خطط الأطراف المتصارعة بعد رحيل التحالف الدولي؟

تقول حكومة بغداد إن القوات الأمريكية، التي تقود التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ستخرج قريباً، وهي رواية تختلف قليلاً عن تلك الأمريكية التي تتمحوّر حول “إعادة تقييم” الأوضاع بعد انتهاء العمليات العسكرية ضدّ التنظيم المتطرف. 

واستبقت الفصائل المسلحة الشيعية المقرّبة من إيران مآلات المفاوضات بين بغداد وواشنطن، وحضّرت ما يشبه خارطة تسعى إلى ما سمته “إزالة آثار الاحتلال” من بعض المؤسسات، واجتثاث الشخصيات التي تعاونت مع الإدارة الأمريكية. 

وبحسب وجهة نظر “المقاومة”، فإن البلاد ذاهبة صوب “ثورة شاملة” تقودها الفصائل المسلحة التي اشتد عودها إبان الحرب ضد “داعش” في 2014 والسنوات التي تلتها، مستثمرة ما عرف حينها بفتوى “الجهاد الكفائي” التي صدرت عن المرجعية الشيعية في النجف. 

من داخل المقاومة 

في الطريق إلى جبهة مقرات التحالف، تحارب هذه الفصائل -كتائب حزب الله، النجباء، سيد الشهداء- على جبهة أخرى داخلية، حيث تسلل الشك لزعمائها، أو يمكن القول لزعيمي الفصيلين الأكبر: كتائب حزب الله والنجباء، وسرعان ما تحول إلى اختلاف مع زعيمين فصائليين بارزين أيضا وهما هادي العامري زعيم منظمة بدر وقيس الخزعلي زعيم عصائب أهل الحق، لدرجة اتهامهما بأن لديهما علاقات مع الولايات المتحدة، ويدخلان السفارة الأمريكية في بغداد من “الأبواب الخلفية”، بحسب إشارات وردت في تغريدة للمتحدث العسكري في كتائب حزب الله المعروف بـ”أبو علي العسكري”. 

بعد انتهاء العمليات العسكرية ضد “داعش” في 2017، انخرط العامري والخزعلي، بشكل أكبر في السياسة، ودخل زعيم بدر في 2018 تحالفاً سياسياً مع مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، ليشكل الحكومة آنذاك، فيما خاض الخزعلي الانتخابات مرتين (2018 و2021) ورفع عدد مقاعده من 1 في الأولى حتى 16 مقعداً في الثانية. 

وترى الفصائل المسلحة، وخصوصا النجباء، التي حسب ادعائها لم تشكل أيّ حزب سياسي، على خلاف كتائب حزب الله التي تملك كتلة حقوق في البرلمان، أن ذلك “خيانة للمقاومة”. 

يُسوَّق زعيم النجباء، أكرم الكعبي، كوجه رسمي لـ”المقاومة الإسلامية”، ويُصدَّرُ، ضمناً، كرجل إجماع ولائي، حيث يرفع الحرس الثوري الإيراني من شأنه، وبثّ مع عمليات “طوفان الاقصى” مقطعاً مسجلاً عن إمكانيات الفصيل، وبأنه الأجدر في القتال داخل إسرائيل، كما يمتلك الكعبي علاقات مع روسيا، ويظهر بشكل علني مع بعض المسؤولين الروس. 

وفي سيناريو “النجباء” لمرحلة ما بعد رحيل القوات الأمريكية من العراق، بضغط ضربات المقاومة، سيقوم الفصيل وأصدقاؤه بـ”استكمال طرد المحتل” من خلال إنهاء دور السفارة الأمريكية في بغداد، وإلغاء الاتفاقيات والقرارات مع الولايات المتحدة، في إشارة إلى اتفاقية الإطار الاستراتيجي التي وقعت في زمن نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب الدعوة. 

كما يخطط الفصيل إلى إلغاء “قوانين بريمر” التي يقول إن جزءاً منها مازال فاعلاً حتى الآن، وهو الجزء المتعلق بـ”إجبار هيئة الإعلام والاتصالات على التعامل مع السفارة في حال انسحاب سلطة الائتلاف” السابقة التي تشكلت عقب الاجتياح الأمريكي للعراق في 2003. 

كذلك ينوي “النجباء”، بحسب خطة أطلق عليها “الرؤية لاستقلال العراق وتحريره”، إنهاء سيطرة الولايات المتحدة على قيادة العمليات المشتركة، وسيطرة الشركات الأمريكية على الكهرباء والملاحة الجوية وبرقيات الطيران، بحسب وصفه. 

ولم يتجاهل الفصيل ترتيب الأوضاع في الداخل مع العراقيين أنفسهم، حيث يشير إلى تكرار “سيناريو أفغانستان”، ويطالب من وصفهم بـ”الخونة” من العراقيين المتعاملين مع القوات الأمريكية، بأن يتداركوا أمرهم قبل أن يجري ما جرى في أفغانستان. 

ويعرض “النجباء” أمام تلك المجموعة خيارَيْن: إما الهرب بـ”شكل مخزٍ” أو البقاء والخضوع لمحاكمة “قريبة”. 

أما عن السلاح الذي يملكه الفصيل، فالنجباء مستمر بمهاجمته القوات الأمريكية في المنطقة لحين “تحقيق النصر في غزة” و”طرد آخر جندي” من الأراضي العراقية، حيث يشكك الفصيل برواية “جدولة الانسحاب” التي تتحدث عنها حكومة بغداد. 

والتخلي عن السلاح فرضيةٌ مستبعدة للفصائل المسلحة، التي ترى نفسها في “حرب شاملة” بين ولاية الفقيه التي تقودها إيران، ودولة “الشيطان الأكبر” وهي أمريكا، ومن ورائها إسرائيل، وأمام الفصائل عمل طويل في “تحرير الخليج واليمن”، فضلاً عن القضية المركزية وهي “تحرير فلسطين”، بحسب الأجندة التي تستمر بعرضها. 

ماذا عن الحكومة؟ 

منذ ترشيح محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء، لمنصبه أواخر 2022  اشترط على الإطار التنسيقي الشيعي الذي سيطر على أغلبية البرلمان عقب انسحاب الصدر، أن تتوقف “المقاومة” عن استهداف المصالح الأمريكية مقابل استخدام الطريق السلمي للتعامل مع قوات التحالف التي تقودها واشنطن. 

وبالفعل توقفت الهجمات التي كانت خلال آخر سنتين قبل استلام السوداني للسلطة، قد تجاوزت 100 هجمة، وبنحو 300 صاروخ وطائرة مسيّرة على القواعد العراقية التي تستضيف مستشارين غربيين. 

وقبل ذلك في احتجاجات تشرين 2019 التي أسقطت حكومة عادل عبد المهدي، جاء مصطفى الكاظمي إلى رئاسة الوزراء ليعلن عن انطلاق حوارات مع واشنطن انتهت في 2021 بتأكيد الحكومة انتهاء الدور القتالي لقوات التحالف، مع ذلك تشكك القوى الشيعية برواية الحكومة، إذ نفى العامري في ذلك الوقت، مزاعم الحكومة بانتهاء الدور القتالي للقوات الغربية، وطالب بإنهاء وجود التحالف الدولي. 

وتصاعد غضب الأطراف الشيعية من القوات الأمريكية عقب حادثة الاغتيال الشهيرة التي طالت أبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد والجنرال الإيراني قاسم سليماني في غارة أمريكية قرب مطار بغداد مطلع 2020. 

آنذاك، فوّض البرلمان الحكومة في قرار سحب القوات الأمريكية، باتخاذ الإجراءات اللازمة. وعلى الرغم من أن السلطة كانت حينها ائتلافية بين ما عرف بعد ذلك بـ”قوى الإطار التنسيقي” ومقتدى الصدر، بقيادة عادل عبد المهدي، إلا أنها لم تستطع تنفيذ طلب البرلمان. 

وكان إعلان الكاظمي رحيل القوات القتالية في 2021، بمثابة الخروج الثاني للقوات الأمريكية من العراق، فبعد الإطاحة بالنظام العراقي السابق انسحبت القوات الأمريكية من البلاد عام 2011. 

بينهما وفي عام 2014 بعد سيطرة ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على مدينة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية وإعلانه “الخلافة الإسلامية” في المناطق التي تمكن من بسط نفوذه عليها في العراق وسوريا، طلبت الحكومة العراقية رسمياً من الولايات المتحدة والأمم المتحدة مساعدتها في هزيمة التنظيم وحماية أراضي العراق وشعبه. 

وأفضى هذا الطلب إلى عودة قوات تحالف تتقدمها الولايات المتحدة الأمريكية إلى البلاد، وبدء ما يعرف بعملية “العزم الصلب” الرامية إلى مساعدة القوات العراقية على دحر قوات التنظيم واستعادة الأراضي التي سيطر عليها. 

وكان الهدف المعلن للقوات الأمريكية تدريب الجيش العراقي وتقديم المشورة له. كما وفر التحالف غطاءً جويا لقوات الأمن العراقية والفصائل المسلحة وقوات البيشمركة الكردية التي حاربت التنظيم بين عامي 2015-2017، إلى أن تمت استعادة السيطرة على الأراضي التي انتزعها. 

لكن المسؤولون الأمريكيون، أعلنوا أكثر من مرّة، أن وجود الجيش الأمريكي في العراق، يهدف إلى الحدّ من نفوذ إيران في المنطقة، وعدم تسليم بغداد لطهران. 

واحتفظت واشنطن بحوالي 2500 جندي في العراق، حتى بعد إنهاء مساعي تنظيم الدولة لإقامة خلافة إسلامية في عام 2019. وبحلول نهاية عام 2021، اُعلن رسمياً انتهاء العمليات القتالية الأمريكية في العراق، واقتصار مهمة التحالف الدولي على تقديم المشورة والعون للقوات العراقية لزيادة قدرتها على أن تعمل بشكل مستقل ضمن جهودها الرامية إلى التركيز على تحقيق الاستقرار للمناطق التي كانت خاضعة لسيطرة التنظيم وإعادة إعمارها، وفي الوقت ذاته مواصلة مداهمتها للمواقع الصغيرة التي لا يزال يتحصن بها التنظيم في غرب البلاد وفي مناطق واقعة عبر الحدود مع إقليم كردستان. 

في نهاية 2022 انفرد “الإطار” بالحكومة، لكن المفاجأة أن الحكومة المدعومة من الفريق الشيعي باتت أقرب من أي حكومة عراقية سابقة مع الولايات المتحدة، حتى شنّت إسرائيل حرباً وحشيّة على غزة في 7 تشرين الأول 2023. 

ووصل الأمر إلى أن يصف ائتلاف إدارة الدولة الذي يضم كل القوى السياسية الفائزة في انتخابات 2021 وفي مقدمتها “الإطار”، الولايات المتحدة بـ”الدولة الصديقة”. 

وكانت حينها حكومة الإطار تشعر بتهديد بسبب أزمة الدولار المسيطر عليه من الولايات المتحدة. 

وفي مطلع 2023 ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، أن السوداني، الذي قابلته، دافع عن وجود قوات أمريكية في بلاده ولم يحدد جدولاً زمنياً لانسحابها، مؤكداً أهميتها في مكافحة تنظيم “داعش”. 

وأضاف في المقابلة أن “الحاجة للقوات الأجنبية لا تزال قائمة وأن القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) يحتاج إلى مزيد من الوقت”. 

ظل الحال على ما هو عليه حتى إعلان ما يعرف بـ”المقاومة الإسلامية في العراق” في تشرين الأول 2023، لاستهداف المصالح الأمريكية في العراق بسبب تدخل واشنطن بالحرب الإسرائيلية على غزة، وهو ما أدى إلى انهيار الاتفاق بين حكومة السوداني والفصائل. 

وبعد بضعة أشهر وعشرات الهجمات المسلحة بالصواريخ والمسيرات على معسكرات عراقية تضم قوات أجنبية -وفق تصريحات الحكومة- أعلنت الأخيرة أنها تريد إخراج القوات الأمريكية من العراق. 

وقبل ذلك، كانت الحكومة قد وعدت واشنطن، مراراً، بأنها “ستمنع تلك الهجمات” و”تعتقل المنفذين”، لكن الاستهدافات تصاعدت وبدأت الولايات المتحدة بالرد في الداخل العراقي ضد من تصفهم بـ”الميليشيات المدعومة من إيران”. 

عقد السوداني و”الإطار”، على الأقل، 3 اجتماعات مع المجموعة التي تسمي نفسها بـ”المقاومة”، لكنها لم تقتنع بمبررات وقف التصعيد إلّا بـ”وقف واشنطن دعم الإسرائيليين في حرب غزة”، بحسب مصادر من داخل الفصائل وموقفها المعلن من العمليات وشروطها. 

وحتى مع بدء المفاوضات بين بغداد وواشنطن، تمهيداً لانسحاب قوات التحالف من العراق، أعلنت تلك الجماعات أنها ستستمر حتى رحيل “آخر جندي أمريكي”، ثم تقوم بعد ذلك بعمليات “تطهير” لما تبقى من آثار الاحتلال، بحسب مزاعمها. 

يعبّر حيدر البرزنجي، المحلل السياسي القريب من الفصائل، في رؤيته لما بعد رحيل قوات التحالف، بأن “وجود القوات الأمريكية في العراق لا يدعو للاطمئنان لأنه عامل فوضى وباب من أبواب عدم الاستقرار لهذا البلد”. 

ويضيف خلال حديثه لـ”جمّار” أن “تواجد القوات الأمريكية والتحالف الدولي لم يقدم أيّ شيء، على عكس مرحلة سابقة قدّم فيها الدعم الجوي والاستخباري وكان بطلب عراقي”. 

وعن المخاوف بعد انسحاب تلك القوات، يقول البرزنجي “البعض لديه قلق من أن الولايات المتحدة ستضغط على العراق من خلال الدولار، ممكن أن يكون هذا وارداً، لكن الحكومة ترى التعامل بدبلوماسية وتفاوض حتى لا تخرج تلك القوات مكسورة كما خرجت في 2011 وعادت لنا من بوابة أخرى، وكانت المعلومات تشير إلى أنها هي من صنعت وخططت لإسقاط ثلث العراق بزمن نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق”. 

ويتابع البرزنجي أن “الوضع اختلف الآن، فالقوات العراقية بكل صنوفها والحشد الشعبي تمتلك قدرة قتالية وخبرة تراكمية تغني عن وجود قوات أخرى”. 

يختلف مع هذه الرؤية أوس الخفاجي، الذي كان يتزعم فيصلاً مسلحاً أيام عمليات التحرير ضد “داعش” في 2016، تحت اسم “أبو الفضل العباس”. 

يحذر الخفاجي في حديثه مع “جمّار” من وقوع “حرب أهلية بعد رحيل تلك القوات” بسبب تعدد الأقطاب والمشاريع في العراق. 

“في الغالب لن تجري عملية انسحاب للقوات الأمريكية والتحالف الدولي في العراق في السنوات الخمس المقبلة”، يضيف الخفاجي. 

ويشير إلى أن “دولا إقليمية سترعى حرباً أهلية في العراق بعد ذلك”. 

أين ستذهب الفصائل بعد رحيل الأمريكان ومن البديل؟ 

حتى الآن، لم تتحدث الحكومة عن مصير الفصائل في حال انسحبت قوات التحالف، وقد كانت ترفض دوماً تسمية تلك الجماعات بـ”الميليشيات” وتدعي أنها ضمن منظومة الحشد الشعبي التابعة للدولة. 

وتسود ضبابية في توصيف الجهات التي تقوم الآن بعمليات القصف الصاروخي ضد قوات التحالف، فيتم توصيفها من الحكومة مؤخراً بأنها “إرهابية”، بمعنى أنها ليست مجموعة واضحة يمكن التفاهم معها أو دمجها بعد ذلك في المنظومة العسكرية أو الأمنية. 

وعلى الرغم من أن وزارة الداخلية أعلنت مؤخراً أنها خصصت ميزانية لشراء السلاح من المواطنين، إلا أنها لم تذكر وجود سلاح لدى جماعات منظمة سيتم سحبه أو شراؤه، وإنما هي عملية تنظيمية للسلاح الذي يمتلكه مدنيون لأسباب الحماية الشخصية أو ربما لمظاهر عشائرية. 

كما يبدو أن مبلغ مليار دينار خصص لكل محافظة لشراء السلاح، متواضع مقارنة بكمية الأسلحة الموجودة، حيث يشير خبراء إلى أن ذلك يعني ألف دينار (أقل من دولار واحد) لكل قطعة سلاح، في وقت يقدر فيه حجم السلاح في العراق بين 12 و15 مليون قطعة. 

ولا تتحدث الحكومة حتى الآن، عن وجود “مقاومة” في العراق، كما أن زعامات الحشد تنفي أن تكون الفصائل الناشطة خارج العراق تابعة لها، ما يعني أن هذه الفصائل ستبقى تؤدي الدور ذاته بعد رحيل قوات التحالف. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

تقول حكومة بغداد إن القوات الأمريكية، التي تقود التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ستخرج قريباً، وهي رواية تختلف قليلاً عن تلك الأمريكية التي تتمحوّر حول “إعادة تقييم” الأوضاع بعد انتهاء العمليات العسكرية ضدّ التنظيم المتطرف. 

واستبقت الفصائل المسلحة الشيعية المقرّبة من إيران مآلات المفاوضات بين بغداد وواشنطن، وحضّرت ما يشبه خارطة تسعى إلى ما سمته “إزالة آثار الاحتلال” من بعض المؤسسات، واجتثاث الشخصيات التي تعاونت مع الإدارة الأمريكية. 

وبحسب وجهة نظر “المقاومة”، فإن البلاد ذاهبة صوب “ثورة شاملة” تقودها الفصائل المسلحة التي اشتد عودها إبان الحرب ضد “داعش” في 2014 والسنوات التي تلتها، مستثمرة ما عرف حينها بفتوى “الجهاد الكفائي” التي صدرت عن المرجعية الشيعية في النجف. 

من داخل المقاومة 

في الطريق إلى جبهة مقرات التحالف، تحارب هذه الفصائل -كتائب حزب الله، النجباء، سيد الشهداء- على جبهة أخرى داخلية، حيث تسلل الشك لزعمائها، أو يمكن القول لزعيمي الفصيلين الأكبر: كتائب حزب الله والنجباء، وسرعان ما تحول إلى اختلاف مع زعيمين فصائليين بارزين أيضا وهما هادي العامري زعيم منظمة بدر وقيس الخزعلي زعيم عصائب أهل الحق، لدرجة اتهامهما بأن لديهما علاقات مع الولايات المتحدة، ويدخلان السفارة الأمريكية في بغداد من “الأبواب الخلفية”، بحسب إشارات وردت في تغريدة للمتحدث العسكري في كتائب حزب الله المعروف بـ”أبو علي العسكري”. 

بعد انتهاء العمليات العسكرية ضد “داعش” في 2017، انخرط العامري والخزعلي، بشكل أكبر في السياسة، ودخل زعيم بدر في 2018 تحالفاً سياسياً مع مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، ليشكل الحكومة آنذاك، فيما خاض الخزعلي الانتخابات مرتين (2018 و2021) ورفع عدد مقاعده من 1 في الأولى حتى 16 مقعداً في الثانية. 

وترى الفصائل المسلحة، وخصوصا النجباء، التي حسب ادعائها لم تشكل أيّ حزب سياسي، على خلاف كتائب حزب الله التي تملك كتلة حقوق في البرلمان، أن ذلك “خيانة للمقاومة”. 

يُسوَّق زعيم النجباء، أكرم الكعبي، كوجه رسمي لـ”المقاومة الإسلامية”، ويُصدَّرُ، ضمناً، كرجل إجماع ولائي، حيث يرفع الحرس الثوري الإيراني من شأنه، وبثّ مع عمليات “طوفان الاقصى” مقطعاً مسجلاً عن إمكانيات الفصيل، وبأنه الأجدر في القتال داخل إسرائيل، كما يمتلك الكعبي علاقات مع روسيا، ويظهر بشكل علني مع بعض المسؤولين الروس. 

وفي سيناريو “النجباء” لمرحلة ما بعد رحيل القوات الأمريكية من العراق، بضغط ضربات المقاومة، سيقوم الفصيل وأصدقاؤه بـ”استكمال طرد المحتل” من خلال إنهاء دور السفارة الأمريكية في بغداد، وإلغاء الاتفاقيات والقرارات مع الولايات المتحدة، في إشارة إلى اتفاقية الإطار الاستراتيجي التي وقعت في زمن نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب الدعوة. 

كما يخطط الفصيل إلى إلغاء “قوانين بريمر” التي يقول إن جزءاً منها مازال فاعلاً حتى الآن، وهو الجزء المتعلق بـ”إجبار هيئة الإعلام والاتصالات على التعامل مع السفارة في حال انسحاب سلطة الائتلاف” السابقة التي تشكلت عقب الاجتياح الأمريكي للعراق في 2003. 

كذلك ينوي “النجباء”، بحسب خطة أطلق عليها “الرؤية لاستقلال العراق وتحريره”، إنهاء سيطرة الولايات المتحدة على قيادة العمليات المشتركة، وسيطرة الشركات الأمريكية على الكهرباء والملاحة الجوية وبرقيات الطيران، بحسب وصفه. 

ولم يتجاهل الفصيل ترتيب الأوضاع في الداخل مع العراقيين أنفسهم، حيث يشير إلى تكرار “سيناريو أفغانستان”، ويطالب من وصفهم بـ”الخونة” من العراقيين المتعاملين مع القوات الأمريكية، بأن يتداركوا أمرهم قبل أن يجري ما جرى في أفغانستان. 

ويعرض “النجباء” أمام تلك المجموعة خيارَيْن: إما الهرب بـ”شكل مخزٍ” أو البقاء والخضوع لمحاكمة “قريبة”. 

أما عن السلاح الذي يملكه الفصيل، فالنجباء مستمر بمهاجمته القوات الأمريكية في المنطقة لحين “تحقيق النصر في غزة” و”طرد آخر جندي” من الأراضي العراقية، حيث يشكك الفصيل برواية “جدولة الانسحاب” التي تتحدث عنها حكومة بغداد. 

والتخلي عن السلاح فرضيةٌ مستبعدة للفصائل المسلحة، التي ترى نفسها في “حرب شاملة” بين ولاية الفقيه التي تقودها إيران، ودولة “الشيطان الأكبر” وهي أمريكا، ومن ورائها إسرائيل، وأمام الفصائل عمل طويل في “تحرير الخليج واليمن”، فضلاً عن القضية المركزية وهي “تحرير فلسطين”، بحسب الأجندة التي تستمر بعرضها. 

ماذا عن الحكومة؟ 

منذ ترشيح محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء، لمنصبه أواخر 2022  اشترط على الإطار التنسيقي الشيعي الذي سيطر على أغلبية البرلمان عقب انسحاب الصدر، أن تتوقف “المقاومة” عن استهداف المصالح الأمريكية مقابل استخدام الطريق السلمي للتعامل مع قوات التحالف التي تقودها واشنطن. 

وبالفعل توقفت الهجمات التي كانت خلال آخر سنتين قبل استلام السوداني للسلطة، قد تجاوزت 100 هجمة، وبنحو 300 صاروخ وطائرة مسيّرة على القواعد العراقية التي تستضيف مستشارين غربيين. 

وقبل ذلك في احتجاجات تشرين 2019 التي أسقطت حكومة عادل عبد المهدي، جاء مصطفى الكاظمي إلى رئاسة الوزراء ليعلن عن انطلاق حوارات مع واشنطن انتهت في 2021 بتأكيد الحكومة انتهاء الدور القتالي لقوات التحالف، مع ذلك تشكك القوى الشيعية برواية الحكومة، إذ نفى العامري في ذلك الوقت، مزاعم الحكومة بانتهاء الدور القتالي للقوات الغربية، وطالب بإنهاء وجود التحالف الدولي. 

وتصاعد غضب الأطراف الشيعية من القوات الأمريكية عقب حادثة الاغتيال الشهيرة التي طالت أبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد والجنرال الإيراني قاسم سليماني في غارة أمريكية قرب مطار بغداد مطلع 2020. 

آنذاك، فوّض البرلمان الحكومة في قرار سحب القوات الأمريكية، باتخاذ الإجراءات اللازمة. وعلى الرغم من أن السلطة كانت حينها ائتلافية بين ما عرف بعد ذلك بـ”قوى الإطار التنسيقي” ومقتدى الصدر، بقيادة عادل عبد المهدي، إلا أنها لم تستطع تنفيذ طلب البرلمان. 

وكان إعلان الكاظمي رحيل القوات القتالية في 2021، بمثابة الخروج الثاني للقوات الأمريكية من العراق، فبعد الإطاحة بالنظام العراقي السابق انسحبت القوات الأمريكية من البلاد عام 2011. 

بينهما وفي عام 2014 بعد سيطرة ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على مدينة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية وإعلانه “الخلافة الإسلامية” في المناطق التي تمكن من بسط نفوذه عليها في العراق وسوريا، طلبت الحكومة العراقية رسمياً من الولايات المتحدة والأمم المتحدة مساعدتها في هزيمة التنظيم وحماية أراضي العراق وشعبه. 

وأفضى هذا الطلب إلى عودة قوات تحالف تتقدمها الولايات المتحدة الأمريكية إلى البلاد، وبدء ما يعرف بعملية “العزم الصلب” الرامية إلى مساعدة القوات العراقية على دحر قوات التنظيم واستعادة الأراضي التي سيطر عليها. 

وكان الهدف المعلن للقوات الأمريكية تدريب الجيش العراقي وتقديم المشورة له. كما وفر التحالف غطاءً جويا لقوات الأمن العراقية والفصائل المسلحة وقوات البيشمركة الكردية التي حاربت التنظيم بين عامي 2015-2017، إلى أن تمت استعادة السيطرة على الأراضي التي انتزعها. 

لكن المسؤولون الأمريكيون، أعلنوا أكثر من مرّة، أن وجود الجيش الأمريكي في العراق، يهدف إلى الحدّ من نفوذ إيران في المنطقة، وعدم تسليم بغداد لطهران. 

واحتفظت واشنطن بحوالي 2500 جندي في العراق، حتى بعد إنهاء مساعي تنظيم الدولة لإقامة خلافة إسلامية في عام 2019. وبحلول نهاية عام 2021، اُعلن رسمياً انتهاء العمليات القتالية الأمريكية في العراق، واقتصار مهمة التحالف الدولي على تقديم المشورة والعون للقوات العراقية لزيادة قدرتها على أن تعمل بشكل مستقل ضمن جهودها الرامية إلى التركيز على تحقيق الاستقرار للمناطق التي كانت خاضعة لسيطرة التنظيم وإعادة إعمارها، وفي الوقت ذاته مواصلة مداهمتها للمواقع الصغيرة التي لا يزال يتحصن بها التنظيم في غرب البلاد وفي مناطق واقعة عبر الحدود مع إقليم كردستان. 

في نهاية 2022 انفرد “الإطار” بالحكومة، لكن المفاجأة أن الحكومة المدعومة من الفريق الشيعي باتت أقرب من أي حكومة عراقية سابقة مع الولايات المتحدة، حتى شنّت إسرائيل حرباً وحشيّة على غزة في 7 تشرين الأول 2023. 

ووصل الأمر إلى أن يصف ائتلاف إدارة الدولة الذي يضم كل القوى السياسية الفائزة في انتخابات 2021 وفي مقدمتها “الإطار”، الولايات المتحدة بـ”الدولة الصديقة”. 

وكانت حينها حكومة الإطار تشعر بتهديد بسبب أزمة الدولار المسيطر عليه من الولايات المتحدة. 

وفي مطلع 2023 ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، أن السوداني، الذي قابلته، دافع عن وجود قوات أمريكية في بلاده ولم يحدد جدولاً زمنياً لانسحابها، مؤكداً أهميتها في مكافحة تنظيم “داعش”. 

وأضاف في المقابلة أن “الحاجة للقوات الأجنبية لا تزال قائمة وأن القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) يحتاج إلى مزيد من الوقت”. 

ظل الحال على ما هو عليه حتى إعلان ما يعرف بـ”المقاومة الإسلامية في العراق” في تشرين الأول 2023، لاستهداف المصالح الأمريكية في العراق بسبب تدخل واشنطن بالحرب الإسرائيلية على غزة، وهو ما أدى إلى انهيار الاتفاق بين حكومة السوداني والفصائل. 

وبعد بضعة أشهر وعشرات الهجمات المسلحة بالصواريخ والمسيرات على معسكرات عراقية تضم قوات أجنبية -وفق تصريحات الحكومة- أعلنت الأخيرة أنها تريد إخراج القوات الأمريكية من العراق. 

وقبل ذلك، كانت الحكومة قد وعدت واشنطن، مراراً، بأنها “ستمنع تلك الهجمات” و”تعتقل المنفذين”، لكن الاستهدافات تصاعدت وبدأت الولايات المتحدة بالرد في الداخل العراقي ضد من تصفهم بـ”الميليشيات المدعومة من إيران”. 

عقد السوداني و”الإطار”، على الأقل، 3 اجتماعات مع المجموعة التي تسمي نفسها بـ”المقاومة”، لكنها لم تقتنع بمبررات وقف التصعيد إلّا بـ”وقف واشنطن دعم الإسرائيليين في حرب غزة”، بحسب مصادر من داخل الفصائل وموقفها المعلن من العمليات وشروطها. 

وحتى مع بدء المفاوضات بين بغداد وواشنطن، تمهيداً لانسحاب قوات التحالف من العراق، أعلنت تلك الجماعات أنها ستستمر حتى رحيل “آخر جندي أمريكي”، ثم تقوم بعد ذلك بعمليات “تطهير” لما تبقى من آثار الاحتلال، بحسب مزاعمها. 

يعبّر حيدر البرزنجي، المحلل السياسي القريب من الفصائل، في رؤيته لما بعد رحيل قوات التحالف، بأن “وجود القوات الأمريكية في العراق لا يدعو للاطمئنان لأنه عامل فوضى وباب من أبواب عدم الاستقرار لهذا البلد”. 

ويضيف خلال حديثه لـ”جمّار” أن “تواجد القوات الأمريكية والتحالف الدولي لم يقدم أيّ شيء، على عكس مرحلة سابقة قدّم فيها الدعم الجوي والاستخباري وكان بطلب عراقي”. 

وعن المخاوف بعد انسحاب تلك القوات، يقول البرزنجي “البعض لديه قلق من أن الولايات المتحدة ستضغط على العراق من خلال الدولار، ممكن أن يكون هذا وارداً، لكن الحكومة ترى التعامل بدبلوماسية وتفاوض حتى لا تخرج تلك القوات مكسورة كما خرجت في 2011 وعادت لنا من بوابة أخرى، وكانت المعلومات تشير إلى أنها هي من صنعت وخططت لإسقاط ثلث العراق بزمن نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق”. 

ويتابع البرزنجي أن “الوضع اختلف الآن، فالقوات العراقية بكل صنوفها والحشد الشعبي تمتلك قدرة قتالية وخبرة تراكمية تغني عن وجود قوات أخرى”. 

يختلف مع هذه الرؤية أوس الخفاجي، الذي كان يتزعم فيصلاً مسلحاً أيام عمليات التحرير ضد “داعش” في 2016، تحت اسم “أبو الفضل العباس”. 

يحذر الخفاجي في حديثه مع “جمّار” من وقوع “حرب أهلية بعد رحيل تلك القوات” بسبب تعدد الأقطاب والمشاريع في العراق. 

“في الغالب لن تجري عملية انسحاب للقوات الأمريكية والتحالف الدولي في العراق في السنوات الخمس المقبلة”، يضيف الخفاجي. 

ويشير إلى أن “دولا إقليمية سترعى حرباً أهلية في العراق بعد ذلك”. 

أين ستذهب الفصائل بعد رحيل الأمريكان ومن البديل؟ 

حتى الآن، لم تتحدث الحكومة عن مصير الفصائل في حال انسحبت قوات التحالف، وقد كانت ترفض دوماً تسمية تلك الجماعات بـ”الميليشيات” وتدعي أنها ضمن منظومة الحشد الشعبي التابعة للدولة. 

وتسود ضبابية في توصيف الجهات التي تقوم الآن بعمليات القصف الصاروخي ضد قوات التحالف، فيتم توصيفها من الحكومة مؤخراً بأنها “إرهابية”، بمعنى أنها ليست مجموعة واضحة يمكن التفاهم معها أو دمجها بعد ذلك في المنظومة العسكرية أو الأمنية. 

وعلى الرغم من أن وزارة الداخلية أعلنت مؤخراً أنها خصصت ميزانية لشراء السلاح من المواطنين، إلا أنها لم تذكر وجود سلاح لدى جماعات منظمة سيتم سحبه أو شراؤه، وإنما هي عملية تنظيمية للسلاح الذي يمتلكه مدنيون لأسباب الحماية الشخصية أو ربما لمظاهر عشائرية. 

كما يبدو أن مبلغ مليار دينار خصص لكل محافظة لشراء السلاح، متواضع مقارنة بكمية الأسلحة الموجودة، حيث يشير خبراء إلى أن ذلك يعني ألف دينار (أقل من دولار واحد) لكل قطعة سلاح، في وقت يقدر فيه حجم السلاح في العراق بين 12 و15 مليون قطعة. 

ولا تتحدث الحكومة حتى الآن، عن وجود “مقاومة” في العراق، كما أن زعامات الحشد تنفي أن تكون الفصائل الناشطة خارج العراق تابعة لها، ما يعني أن هذه الفصائل ستبقى تؤدي الدور ذاته بعد رحيل قوات التحالف.