"سُعار مُموَّل".. عن رهام يعقوب والحرب على النساء في العراق 

بلسم مصطفى

20 آب 2023

السلطات السياسية والدينية والعشائرية تبدو عازمة اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى على "تكميم أفواه النساء". وبينما نستذكر اغتيال رِهام وسبي الإيزيديات على يد خصوم وأعداء لا يلتقون ولو ظاهرياً، إلا أنهم يشكلون وجهين لعملةٍ واحدة في حربهم على النساء وفي قمعهم للحريات المدنية والفردية.. عن رهامات جديدات هُنّ أكثر ما يخشاه الأضداد..

“آب اللهاب”، هكذا يصف العراقيون هذا الشهر كاستعارةٍ تصف لهيب شمسه الحارقة وحرارة الصيف التي تصل ذروتها خلال هذا الوقت من السنة. لكن آب العراقيين لهابٌ بتواريخ متشابكة مثلت أحداثاً مفصلية في تاريخ هذا البلد المنكوب: من غزو الكويت عام 1990 -بعد أن ظن العراقيون أن نهاية الحرب الإيرانية العراقية التي يصدف أنها حدثت في الشهر نفسه من عام 1988 كانت النسمة التي ستفتح للشتاء باباً-، مروراً بسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” على سنجار عام 2014 وما تلاه من سبي النساء الإيزيديات والإبادة الإيزيدية، وليس انتهاءً بسلسلة اغتيالات الناشطات والنشطاء في البصرة تحديداً إبان الفوضى الأمنية التي شهدتها المحافظة صيف عام 2020، وهي تتمة لسلسلة من الاغتيالات وأعمال الخطف والتغييب التي طالت مجموعة كبيرة من متظاهري تشرين وصحفيين ومحامين آخرين. فقبلها بشهرٍ واحد فقط، أُغتيل الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الإرهابية والإسلامية هشام الهاشمي.  

لهبٌ تفترق وتتقاطع في أحداثها وأسبابها ومآلاتها، لكن هناك لهيباً ذا طابعٍ جندري تقاطعي -كلمة جندري باتت لهيباً من نوعٍ خاص- يتعلق بالحرب على النساء: حربٌ تتجلى بأشكالٍ وطرق مختلفة. فالإيزيديات تم سبيهن على يد تنظيم “داعش” الإرهابي بسبب جنسهن وديانتهن، بعد أن سبى “داعش” واستباح التركمانيات والشبك المنسيات، وهن منسيات لهذا السبب: كونهن نساء وما يجلبه هذا الجنس البايولوجي والتكوين الاجتماعي من ويلات العيب والعار. وكذلك فإن اغتيال الناشطات له البعد ذاته: إذ تتداخل الدوافع السياسية مع جنس الناشطات والطريقة التي يتم من خلالها التحريض عليهن والتشهير بهن وما يلي الاغتيال أحياناً من معلوماتٍ متضاربة تصل الى حد تشويه السمعة أو -على أقل تقدير- جعل قضية الاغتيال طيّ النسيان. فالعدالة الغائبة أصلاً في العراق تندر المطالبة بها حين تكون الضحية امرأة.  

ولكن خلافاً لغيرها من الناشطات المنخرطات بشكلٍ واضح في النشاط الاحتجاجي السياسي كالناشطة لوديا ريمون، التي نجت هي الأخرى من محاولة اغتيال قبل يومين فقط من مقتل خبيرة التغذية واللياقة رِهام يعقوبi واضطرت على إثرها أن تغادر البصرة لمدة من الزمن، فإن الأخيرة -وبحسب شهادات الكثير- كانت قد انسحبت نهائياً من أي نشاط سياسي بعد مشاركة بسيطة في احتجاجات البصرة لعام 2018، فكان وقع نبأ اغتيالها صاعقاً لكل من عرفها. فأن يتم اغتيال أو التنكيل بالناشط السياسي على فظاعته أصبح أمراً معتاداً تمارسه حكومات ما بعد 2003. أما رِهام فلم تكن ناشطة سياسية، فلماذا اغتيلت؟ أحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال شهادات لناشطاتٍ بِصريّات قابلتهن كجزء من بحثي الأكاديمي عن النشاط النسوي وعلاقته بوسائل التواصل الاجتماعي في العراق ودول أخرى. كل شهادة تحمل بين طياتها رثاء من نوعٍ خاص: فرِهام لم تكن بالنسبة للكثير من رفيقاتها الناشطات أو القواعد من النساء في مدينتها بشكلٍ عام شخصية عادية، بل كانت استثنائية بتأثيرها ودعمها وإلهامها وشغفها اللامتناهي. والأهم من ذلك تؤشر هذه الشهادات مجتمعة على الخطر اليومي المحدق بالنساء، إذ تظل المرأة الحلقة الأضعف والأوهن في بيئة يحكمها السلاح والميليشا والعشيرة والسلطة الدينية: “الثالوث القاتل للنساء”، ومجتمع يغلب عليه طابع التسلط الأبوي والنزعة الذكورية المستفحلة.  

فيديو لمتظاهرة أخرى 

ترتبط ذكرى مقتل رِهام بفيديو انتشر انتشاراً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر فيه ناشطة شجاعة تهتف بالمحتجين ويصدح صوتها بأهزوجة: “أنا الحسيني المِن صدك، إنت منو.. أنا الولائي للوطن، إنت منو!” لا تزال تلك الأهزوجة تُتداول على مواقع التواصل الاجتماعي وتُنسب لرِهام. لكن تاريخ هذا الفيديو يعود الى سياق تظاهرات تشرين وما تلاها من احتجاجات، ولم يكن في البصرة، وخلال تلك الفترة كانت رِهام غائبة عن المشهد الاحتجاجي الواقعي أو الإلكتروني، وبحسب إحدى الناشطات اللاتي تحدثت إليهن، فإن الفيديو المقصود يعود لتظاهرة في بغداد. 

فلماذا تم استهداف رِهام إذاً؟ عُرفت رِهام المولودة عام 1990 بنشاطها الرياضي المكرس لدعم النساء بعد أن نالت شهادة البكالوريوس في التربية البدنية وعلوم الرياضة من جامعة البصرة في عام 2013 وعملت كموظفة في لجنة الشباب والرياضة التابعة لمجلس المحافظة. تصف الكاتبة أماني الحسن في فصلٍ يسرد حياة الراحلة بأسلوب روائي على لسانها كيف أنها قررت ترك الوظيفة لتتبع شغفها في العمل الحر ضمن مجالها، فعملت بعدها مدربة في نادٍ رياضي ثم حصلت على شهادة الماجستير في التدريب الرياضي.ii  

رغم كونها داعمة للمطالب الاحتجاجية إبان تظاهرات الماء المالح في البصرة عام 2018، إلا أنها لم تكن ترغب في البداية أن تشارك بها حرصاً منها على أمن النساء، ولكن بعد إلحاحٍ منهن نظمت مسيرة نسائية بالتنسيق مع ريمون كما ذكرت لي. ويبدو أن حظها العاثر، وحظ رفيقتها ريمون أيضاً، قادها الى الظهور الإعلامي والحديث بشجاعةٍ عن مظالم مدينتها وأهلها. تسبب ظهورها الإعلامي في تصاعد حملة التشويه والتشهير ونشر صور تظهر فيها برفقة نشطاء وناشطات أخريات مع القنصل الأمريكي في المحافظة في “مناسبة يوم المرأة العالمي”.iii تصف الحسن في فصلها أن المناسبة كانت “مدعومة حكومياً”، وهذا ما أكدته لي ريمون أيضاً: “كانت معنا نساء منتميات الى أحزاب حاكمة كحزب الفضيلة”. ولكن ماكنة الإعلام الإيراني والحزبي والولائي لم ترحم رِهام بل استغلت تلك المناسبة، كما هو ديدنها، للتشهير بكل من شارك بها، وعلى رأسهم هي، واتهامهم بالتواطؤ والعمالة، ثأراً من الاحتجاجات وأعمال حرق القنصلية الإيرانية ومكاتب الأحزاب الولائية الهوى في المحافظة. وفي حالة رِهام، أشارت أيضاً الى دورها في التأثير على النساء. كانت تهماً جزافاً تزامنت مع تسجيل أسمائهم في قوائم عائدة للأمن الوطني كما في حال رِهام ومع لغة سردية عدائية تصاعدت إبان تظاهرات تشرين، ونعت المتظاهرين من خلالها بـ”أبناء أو بنات السفارات” و”الجوكرية”. مفردات تحولت الى سلاحٍ فتك بالعديد منهم في وقتٍ كانوا يطالبون فيه بالمساءلة والعدالة. وفي حالة رِهام، حتى بعد أن تمكنت عائلتها بوساطاتٍ ما من رفع اسمها من تلك القائمة، إلا أن ذلك لم يُنجيها من القتل، كما لو أن الرسالة المقصود تمريرها أن كل من ذّكر اسمه أو اسمها في تلك القائمة هو مشروع اغتيال مؤجل، تقول لي صحفية كانت مقربة منها (ت.و). 

مقاومة من نوع آخر 

على الرغم من حملة التحريض ضدها والتهديدات التي تلقتها خلال عامي 2019 و2020، إلا أن ذلك لم يثنِ رِهام عن مواصلة نشاطها الاجتماعي النسوي، وأنا هنا استخدم هذه الصفة كممارسة وسلوك لا كهوية أو فكر، إذ كان هذا همها الأول. فبحسب ريمون، لم يكن مصطلح “نسوية” شائعاً حينها، ولكنها كانت مؤمنة إيماناً كبيراً بقضايا المرأة وحقوقها. وعلى النقيض من صورتها المرتبطة بالاحتجاجات في ذاكرة الشباب العراقي، تتذكرها الناشطات بطريقة أخرى. فوثقت رِهام علاقتها مع نساء مدينتها التي أحبتها حباً جماً، نابعاً من شعورها بالانتماء لها والفخر بهويتها، من خلال عملها الرياضي ومبادرتها المبتكرة في دعوة النساء للمشي في شوارع البصرة على نحوٍ غير مألوف سابقاً فجمعت البصريات على تنوع خلفياتهن الاجتماعية. وبهذا الصدد، تحكي لي إحدى الناشطات البصريات كيف أن رِهام “كانت صديقة لكثيرٍ من صديقاتي… حتى والدتي كانت تحبها كثيراً…هي لم تكن نسوية بقدر كونها تسعى لتوصيل المرأة لمكانةٍ معينة.. لعبت رِهام على وترٍ حساس ألا وهو نقل المرأة من الحيز الخاص الى العام عن طريق المشي والتحرك في شوارع البصرة”. كانت لرِهام “شعبية كبيرة بين نساء البصرة”، تضيف الصحفية (ت.و).  

تذكر الحسن في فصلها كيف استطاعت رِهام بعد سنواتٍ من الشراكة مع شخصٍ آخر في أحد النوادي الرياضية أن تؤسس أول صالة رياضية نسائية خاصة بها مطلع عام 2020 وأن تحول نشاطها الى التدريب عن بعد خلال فترة الوباء وحتى قبل أن تقوم السلطات بإجراءات الحظر حرصاً منها على سلامة النساء أولاً ورغبةً منها في الوصول الى حبيسات المنازل قسراً ثانياً وكانت في الوقت ذاته تُحضر رسالة الدكتوراه في اختصاصها.  

تخبرني إحدى الناشطات والنساء اللاتي كن يتدربن في النادي أن رِهام كانت “قدوة لنا.. كانت تجتمع معنا في الجيم وتحدثنا عن الكثير من الأمور…نحن عرفناها كنسوية (بأفعالها) لا كسياسية”. وبحسب ريمون، فإنها كرست نفسها لتقديم كل أنواع الدعم النفسي والعاطفي والمادي للنساء اللواتي يتدربنّ معها في النادي الرياضي، الى جانب محاولاتها الدؤوبة في توعيتهن بحقوقهن في الحياة بالإضافة الى حثهن على الاهتمام بصحتهن وأجسادهن. كان النادي عبارة عن “مملكتها” وهي “القائدة” والنساء المتدربات “جيشها النسوي”، كما تصف الحسن.iv  

نفهم من خلال هذه الشهادات أن دور رِهام الاجتماعي وتأثيرها في محيطها النسائي كان أهم بكثير من دورها السياسي المقتضب والمحدود والآني. فعملها مع النساء كان طموحها الأول واستطاعت أن تحقق نجاحات ملموسة ربما عجزت عن تحقيقها منظمات كاملة. فهي أبت الا تتنازل عن مبادئها المتعلقة بالاهتمام بالنساء وكان لحضورها في حياتهن وتجاربهن استمرارية لم ينجح أي شيء في زعزعتها أو انقطاعها. ولذا بات إسكات ذلك الصوت والى الأبد حاجة ماسة للأحزاب الحاكمة وفصائلها. فرِهام جسدت النقيض النوعي لنموذج المرأة الذي سعت أحزاب ما بعد 2003 الى تشكيله وقولبته وديمومته، فمثلت مصدر إزعاج وتهديداً حقيقياً لمشروع تجهيل المرأة العراقية وتحويلها الى مجرد تابع للحزب الحاكم وتجنيدها لخدمة أيديولوجياته المناهضة لأفكار المساواة والعدالة الاجتماعية مع خضوعها التام للنظام الأبوي وقبولها بدونيتها بل وإيمانها أنها الصواب، فوجب التخلص منها- أي من رِهام. 

آبٌ لهّاب جديد 

ونحن نستذكر الذكرى الثالثة لاغتيال رِهام، نعيش آباً لهاباً آخر إذ يتجلى هذا المشروع الآنف ذكره في أبهى صوره مع تصاعد الحملة الشرسة ضد مفهوم الجندر أو النوع الاجتماعي المعني بالأدوار والأنماط والسلوكيات الخاصة بالرجال والنساء الناتجة عن التنشئة الاجتماعية والتكوين الثقافي والتمييز الناجم عن تلك العلاقة الهرمية بينهما عن طريق الترجمة المُدلِّسة والمضللة لمعانيه وربطه بالبيدوفيليا، أي الاعتداء الجنسي على الأطفال، والممارسة الجنسية مع الحيوان، أو العلاقات المثلية، مع الخلط المضلل والمتعمد بين النوع الاجتماعي والهوية الجندرية، وهي مفهوم لم يدخل القاموس القانوني والاجتماعي العراقي بعد، ولن يكون ذلك حتى في المستقبل المنظور لانعدام المناخ المناسب لتوفير الحريات الفردية.v وبغض النظر عن الدوافع لإثارة هذه الحملة في هذا الوقت تحديداً، وهذا بحد ذاته موضوع يطول شرحه، إلا أن تلك الحملة لا تبدو وليدة اللحظة أو عشوائية فهي تحمل بصمة الإعلام الإيراني وتعود بجذورها الى سياق ما بعد تشرين، مستفيدةً من تحشيد القوى المتطرفة والمحافظة عالمياً ضد ما يُسمى بأيديوليوجية الجندر وتصويرها بأنها الخطر الذي يهدد قيم الأسرة والأطفال. وفي العراق، فإن عواقبها تمس النساء بشكل مباشر. فكانت الاستجابة الحكومية سريعة كسرعة البرق، إذ سارعت جهات مؤسساتية في بغداد وعدد من المحافظات،  كمجالس المحافظات ونقابة الأطباء ووزارة التعليم العالي وهيئة الإعلام والاتصالات وديوان الوقف الشيعي، الى إصدار أوامر إدارية ليس فقط بحظر استخدام مفردة الجندر أو النوع الاجتماعي، بل بتبديل أسماء وحدات تمكين المرأة الى “شعب خاصة بالأسرة والتنمية المجتمعية”، كما أشارت كتب مسربة عبر الإنترنت، رغم أن تلك الوحدات كان وجودها شكلياً في المقام الأول.vi  

وغصت وسائل التواصل الاجتماعي بعشرات المقاطع المصورة والمنشورات التي تهاجم النسوية وقانون العنف الأسري باعتبارهما تهديداً للقيم الدينية والاجتماعية المقدسة. فيما يبث عدد من المعممين والرواديد أو منشدي الأناشيد الدينية الخاصة مستثمرين في مناسبة شهر محرم خطاباً تحريضياً علنياً مستعيراً اللغة التي شيطنت متظاهري ومتظاهرات تشرين نفسها، فاسُتبدلت مفردة “جوكرية” بـ”جنادرية” و”أبناء وبنات السفارات” بـ”أبناء وبنات الجنادر”، وجُيشت الجيوش الإلكترونية في كل مكان للتشهير والطعن بالناشطات وبكل من تجرأ على توضيح المفهوم.  

إن وقوف هذه الأحزاب علناً ضد مشروع قانون مناهضة العنف الأسري على ما يعتريه من خللٍ كبير ونقاط ضعف كثيرة لهو دليلٌ دامغٌ على رغبتها في أن يستمر تعنيف النساء والأطفال، وهي تغذيه من جانبها بلغةٍ عدائية وخطابٍ عنيف. حملات ممنهجة من الواضح أنها ضُخت لها أموال كان من المفترض أن تنفق لتوفير حياة كريمة للمواطنين. 

وظّفت الأحزاب الإسلامية الحاكمة وحشدت النساء الإسلامويات للمشاركة في هذا السُعار والتعنيف السردي فليس أقسى وأَمَرَّ من منظر امرأة تهتف ضد قانون العنف الأسري الذي من المفترض أن يحميها ويحمي أطفالها أو ضد المساواة التي من المفترض أن تنتشلها من موقعها الدوني وتحيل العلاقة الهرمية بينها وبين الرجل الى علاقة أفقية.vii هذا المشهد بالذات يستحضر حكاية الأَمَة أو الخادمة لمؤلفتها الكندية مارجريت أتوود ورؤيتها المستقبلية الديسوتوبية لوضع النساء في الغرب بعد أن يعاود النظام الأبوي فرض سيطرته بالكامل نتيجة صعود القوى المتطرفة والمحافظة ويقبض على النساء وكافة الفئات المهمشة الأخرى. فيما تتحقق بعض تفاصيل هذه الديسوتبويا في كل بقاع العالم اليوم، فإنها ليست بالأمر الجديد على دولة كالعراق فالواقع مليء بما هو أفظع، ويزداد سوءاً يوماً بعد يوم. خصوصاً وأن السياق العام والبيئة التي مكنت الحراكات النسوية والحقوقية في الدول الغربية تختلف اختلافاً جذرياً عن سياق الدول ذات الأغلبية العربية والإسلامية ومن ضمنها العراق. فإن ردة الفعل العنيفة أو “الباكلاش – Backlash” بالإنجليزية التي تواجه بها تلك الحراكات لتحاول تقويض مكتسباتها والعودة الى نقطة في الماضي البعيد حيث كان النظام الأبوي مسيطراً بشكل كلي تحدث في بيئة محمية ببنية تحتية من مؤسساتٍ رصينة ودساتير وقوانين قابلة الى التطوير، وبالتالي فإن تبعاتها مختلفة عن عواقبها في دول لا تزال محكومة بهذا النظام. فلعراق لا يزال يعيش في تلك النقطة البعيدة وضمن هذا السياق الزماني والمكاني تناضل النساء؛ ومن تخرج عن الصورة التي رُسمت لها أو تحاول التفكير خارج نطاق الصندوق يتم وصمها بالعهر، فتُقتل معنوياً قبل قتلها مادياً، وكأننا نعيش في زمانٍ يشبه العصور الوسطى المظلمة، حيث كانت الكنائس تلاحق وتطارد النساء المفكرات، وتنصب لهن المحاكم بعد وصمهن بالساحرات المشعوذات، ليتم إعدامهن وحرقهن من بعدها. بدل وصم الساحرة، تُوصم المرأة المخالفة لما هو سائد في سياقنا بـ”العاهرة”، وهكذا يُحكم عليها بالموت حتى لو كانت محظوظة ونجت بجسدها. تُخبرني ناشطة بصرية أنها لا تخشى الموت بقدر خشيتها من تشويه سمعتها بعده. 

فالسلطات السياسية والدينية والعشائرية تبدو عازمة اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى على “تكميم أفواه النساء” كما تصف الصحفية (ت.و). وبينما نستذكر اغتيال رِهام وسبي الإيزيديات على يد خصوم وأعداء لا يلتقون ولو ظاهرياً، إلا أنهم يشكلون وجهين لعملةٍ واحدة في حربهم على النساء وفي قمعهم للحريات المدنية والفردية.  

إن وجود رهاماتٍ أخريات أو ميلاد جديدات هو أكثر ما يخشاه هؤلاء الأضداد. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

“آب اللهاب”، هكذا يصف العراقيون هذا الشهر كاستعارةٍ تصف لهيب شمسه الحارقة وحرارة الصيف التي تصل ذروتها خلال هذا الوقت من السنة. لكن آب العراقيين لهابٌ بتواريخ متشابكة مثلت أحداثاً مفصلية في تاريخ هذا البلد المنكوب: من غزو الكويت عام 1990 -بعد أن ظن العراقيون أن نهاية الحرب الإيرانية العراقية التي يصدف أنها حدثت في الشهر نفسه من عام 1988 كانت النسمة التي ستفتح للشتاء باباً-، مروراً بسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” على سنجار عام 2014 وما تلاه من سبي النساء الإيزيديات والإبادة الإيزيدية، وليس انتهاءً بسلسلة اغتيالات الناشطات والنشطاء في البصرة تحديداً إبان الفوضى الأمنية التي شهدتها المحافظة صيف عام 2020، وهي تتمة لسلسلة من الاغتيالات وأعمال الخطف والتغييب التي طالت مجموعة كبيرة من متظاهري تشرين وصحفيين ومحامين آخرين. فقبلها بشهرٍ واحد فقط، أُغتيل الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الإرهابية والإسلامية هشام الهاشمي.  

لهبٌ تفترق وتتقاطع في أحداثها وأسبابها ومآلاتها، لكن هناك لهيباً ذا طابعٍ جندري تقاطعي -كلمة جندري باتت لهيباً من نوعٍ خاص- يتعلق بالحرب على النساء: حربٌ تتجلى بأشكالٍ وطرق مختلفة. فالإيزيديات تم سبيهن على يد تنظيم “داعش” الإرهابي بسبب جنسهن وديانتهن، بعد أن سبى “داعش” واستباح التركمانيات والشبك المنسيات، وهن منسيات لهذا السبب: كونهن نساء وما يجلبه هذا الجنس البايولوجي والتكوين الاجتماعي من ويلات العيب والعار. وكذلك فإن اغتيال الناشطات له البعد ذاته: إذ تتداخل الدوافع السياسية مع جنس الناشطات والطريقة التي يتم من خلالها التحريض عليهن والتشهير بهن وما يلي الاغتيال أحياناً من معلوماتٍ متضاربة تصل الى حد تشويه السمعة أو -على أقل تقدير- جعل قضية الاغتيال طيّ النسيان. فالعدالة الغائبة أصلاً في العراق تندر المطالبة بها حين تكون الضحية امرأة.  

ولكن خلافاً لغيرها من الناشطات المنخرطات بشكلٍ واضح في النشاط الاحتجاجي السياسي كالناشطة لوديا ريمون، التي نجت هي الأخرى من محاولة اغتيال قبل يومين فقط من مقتل خبيرة التغذية واللياقة رِهام يعقوبi واضطرت على إثرها أن تغادر البصرة لمدة من الزمن، فإن الأخيرة -وبحسب شهادات الكثير- كانت قد انسحبت نهائياً من أي نشاط سياسي بعد مشاركة بسيطة في احتجاجات البصرة لعام 2018، فكان وقع نبأ اغتيالها صاعقاً لكل من عرفها. فأن يتم اغتيال أو التنكيل بالناشط السياسي على فظاعته أصبح أمراً معتاداً تمارسه حكومات ما بعد 2003. أما رِهام فلم تكن ناشطة سياسية، فلماذا اغتيلت؟ أحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال شهادات لناشطاتٍ بِصريّات قابلتهن كجزء من بحثي الأكاديمي عن النشاط النسوي وعلاقته بوسائل التواصل الاجتماعي في العراق ودول أخرى. كل شهادة تحمل بين طياتها رثاء من نوعٍ خاص: فرِهام لم تكن بالنسبة للكثير من رفيقاتها الناشطات أو القواعد من النساء في مدينتها بشكلٍ عام شخصية عادية، بل كانت استثنائية بتأثيرها ودعمها وإلهامها وشغفها اللامتناهي. والأهم من ذلك تؤشر هذه الشهادات مجتمعة على الخطر اليومي المحدق بالنساء، إذ تظل المرأة الحلقة الأضعف والأوهن في بيئة يحكمها السلاح والميليشا والعشيرة والسلطة الدينية: “الثالوث القاتل للنساء”، ومجتمع يغلب عليه طابع التسلط الأبوي والنزعة الذكورية المستفحلة.  

فيديو لمتظاهرة أخرى 

ترتبط ذكرى مقتل رِهام بفيديو انتشر انتشاراً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر فيه ناشطة شجاعة تهتف بالمحتجين ويصدح صوتها بأهزوجة: “أنا الحسيني المِن صدك، إنت منو.. أنا الولائي للوطن، إنت منو!” لا تزال تلك الأهزوجة تُتداول على مواقع التواصل الاجتماعي وتُنسب لرِهام. لكن تاريخ هذا الفيديو يعود الى سياق تظاهرات تشرين وما تلاها من احتجاجات، ولم يكن في البصرة، وخلال تلك الفترة كانت رِهام غائبة عن المشهد الاحتجاجي الواقعي أو الإلكتروني، وبحسب إحدى الناشطات اللاتي تحدثت إليهن، فإن الفيديو المقصود يعود لتظاهرة في بغداد. 

فلماذا تم استهداف رِهام إذاً؟ عُرفت رِهام المولودة عام 1990 بنشاطها الرياضي المكرس لدعم النساء بعد أن نالت شهادة البكالوريوس في التربية البدنية وعلوم الرياضة من جامعة البصرة في عام 2013 وعملت كموظفة في لجنة الشباب والرياضة التابعة لمجلس المحافظة. تصف الكاتبة أماني الحسن في فصلٍ يسرد حياة الراحلة بأسلوب روائي على لسانها كيف أنها قررت ترك الوظيفة لتتبع شغفها في العمل الحر ضمن مجالها، فعملت بعدها مدربة في نادٍ رياضي ثم حصلت على شهادة الماجستير في التدريب الرياضي.ii  

رغم كونها داعمة للمطالب الاحتجاجية إبان تظاهرات الماء المالح في البصرة عام 2018، إلا أنها لم تكن ترغب في البداية أن تشارك بها حرصاً منها على أمن النساء، ولكن بعد إلحاحٍ منهن نظمت مسيرة نسائية بالتنسيق مع ريمون كما ذكرت لي. ويبدو أن حظها العاثر، وحظ رفيقتها ريمون أيضاً، قادها الى الظهور الإعلامي والحديث بشجاعةٍ عن مظالم مدينتها وأهلها. تسبب ظهورها الإعلامي في تصاعد حملة التشويه والتشهير ونشر صور تظهر فيها برفقة نشطاء وناشطات أخريات مع القنصل الأمريكي في المحافظة في “مناسبة يوم المرأة العالمي”.iii تصف الحسن في فصلها أن المناسبة كانت “مدعومة حكومياً”، وهذا ما أكدته لي ريمون أيضاً: “كانت معنا نساء منتميات الى أحزاب حاكمة كحزب الفضيلة”. ولكن ماكنة الإعلام الإيراني والحزبي والولائي لم ترحم رِهام بل استغلت تلك المناسبة، كما هو ديدنها، للتشهير بكل من شارك بها، وعلى رأسهم هي، واتهامهم بالتواطؤ والعمالة، ثأراً من الاحتجاجات وأعمال حرق القنصلية الإيرانية ومكاتب الأحزاب الولائية الهوى في المحافظة. وفي حالة رِهام، أشارت أيضاً الى دورها في التأثير على النساء. كانت تهماً جزافاً تزامنت مع تسجيل أسمائهم في قوائم عائدة للأمن الوطني كما في حال رِهام ومع لغة سردية عدائية تصاعدت إبان تظاهرات تشرين، ونعت المتظاهرين من خلالها بـ”أبناء أو بنات السفارات” و”الجوكرية”. مفردات تحولت الى سلاحٍ فتك بالعديد منهم في وقتٍ كانوا يطالبون فيه بالمساءلة والعدالة. وفي حالة رِهام، حتى بعد أن تمكنت عائلتها بوساطاتٍ ما من رفع اسمها من تلك القائمة، إلا أن ذلك لم يُنجيها من القتل، كما لو أن الرسالة المقصود تمريرها أن كل من ذّكر اسمه أو اسمها في تلك القائمة هو مشروع اغتيال مؤجل، تقول لي صحفية كانت مقربة منها (ت.و). 

مقاومة من نوع آخر 

على الرغم من حملة التحريض ضدها والتهديدات التي تلقتها خلال عامي 2019 و2020، إلا أن ذلك لم يثنِ رِهام عن مواصلة نشاطها الاجتماعي النسوي، وأنا هنا استخدم هذه الصفة كممارسة وسلوك لا كهوية أو فكر، إذ كان هذا همها الأول. فبحسب ريمون، لم يكن مصطلح “نسوية” شائعاً حينها، ولكنها كانت مؤمنة إيماناً كبيراً بقضايا المرأة وحقوقها. وعلى النقيض من صورتها المرتبطة بالاحتجاجات في ذاكرة الشباب العراقي، تتذكرها الناشطات بطريقة أخرى. فوثقت رِهام علاقتها مع نساء مدينتها التي أحبتها حباً جماً، نابعاً من شعورها بالانتماء لها والفخر بهويتها، من خلال عملها الرياضي ومبادرتها المبتكرة في دعوة النساء للمشي في شوارع البصرة على نحوٍ غير مألوف سابقاً فجمعت البصريات على تنوع خلفياتهن الاجتماعية. وبهذا الصدد، تحكي لي إحدى الناشطات البصريات كيف أن رِهام “كانت صديقة لكثيرٍ من صديقاتي… حتى والدتي كانت تحبها كثيراً…هي لم تكن نسوية بقدر كونها تسعى لتوصيل المرأة لمكانةٍ معينة.. لعبت رِهام على وترٍ حساس ألا وهو نقل المرأة من الحيز الخاص الى العام عن طريق المشي والتحرك في شوارع البصرة”. كانت لرِهام “شعبية كبيرة بين نساء البصرة”، تضيف الصحفية (ت.و).  

تذكر الحسن في فصلها كيف استطاعت رِهام بعد سنواتٍ من الشراكة مع شخصٍ آخر في أحد النوادي الرياضية أن تؤسس أول صالة رياضية نسائية خاصة بها مطلع عام 2020 وأن تحول نشاطها الى التدريب عن بعد خلال فترة الوباء وحتى قبل أن تقوم السلطات بإجراءات الحظر حرصاً منها على سلامة النساء أولاً ورغبةً منها في الوصول الى حبيسات المنازل قسراً ثانياً وكانت في الوقت ذاته تُحضر رسالة الدكتوراه في اختصاصها.  

تخبرني إحدى الناشطات والنساء اللاتي كن يتدربن في النادي أن رِهام كانت “قدوة لنا.. كانت تجتمع معنا في الجيم وتحدثنا عن الكثير من الأمور…نحن عرفناها كنسوية (بأفعالها) لا كسياسية”. وبحسب ريمون، فإنها كرست نفسها لتقديم كل أنواع الدعم النفسي والعاطفي والمادي للنساء اللواتي يتدربنّ معها في النادي الرياضي، الى جانب محاولاتها الدؤوبة في توعيتهن بحقوقهن في الحياة بالإضافة الى حثهن على الاهتمام بصحتهن وأجسادهن. كان النادي عبارة عن “مملكتها” وهي “القائدة” والنساء المتدربات “جيشها النسوي”، كما تصف الحسن.iv  

نفهم من خلال هذه الشهادات أن دور رِهام الاجتماعي وتأثيرها في محيطها النسائي كان أهم بكثير من دورها السياسي المقتضب والمحدود والآني. فعملها مع النساء كان طموحها الأول واستطاعت أن تحقق نجاحات ملموسة ربما عجزت عن تحقيقها منظمات كاملة. فهي أبت الا تتنازل عن مبادئها المتعلقة بالاهتمام بالنساء وكان لحضورها في حياتهن وتجاربهن استمرارية لم ينجح أي شيء في زعزعتها أو انقطاعها. ولذا بات إسكات ذلك الصوت والى الأبد حاجة ماسة للأحزاب الحاكمة وفصائلها. فرِهام جسدت النقيض النوعي لنموذج المرأة الذي سعت أحزاب ما بعد 2003 الى تشكيله وقولبته وديمومته، فمثلت مصدر إزعاج وتهديداً حقيقياً لمشروع تجهيل المرأة العراقية وتحويلها الى مجرد تابع للحزب الحاكم وتجنيدها لخدمة أيديولوجياته المناهضة لأفكار المساواة والعدالة الاجتماعية مع خضوعها التام للنظام الأبوي وقبولها بدونيتها بل وإيمانها أنها الصواب، فوجب التخلص منها- أي من رِهام. 

آبٌ لهّاب جديد 

ونحن نستذكر الذكرى الثالثة لاغتيال رِهام، نعيش آباً لهاباً آخر إذ يتجلى هذا المشروع الآنف ذكره في أبهى صوره مع تصاعد الحملة الشرسة ضد مفهوم الجندر أو النوع الاجتماعي المعني بالأدوار والأنماط والسلوكيات الخاصة بالرجال والنساء الناتجة عن التنشئة الاجتماعية والتكوين الثقافي والتمييز الناجم عن تلك العلاقة الهرمية بينهما عن طريق الترجمة المُدلِّسة والمضللة لمعانيه وربطه بالبيدوفيليا، أي الاعتداء الجنسي على الأطفال، والممارسة الجنسية مع الحيوان، أو العلاقات المثلية، مع الخلط المضلل والمتعمد بين النوع الاجتماعي والهوية الجندرية، وهي مفهوم لم يدخل القاموس القانوني والاجتماعي العراقي بعد، ولن يكون ذلك حتى في المستقبل المنظور لانعدام المناخ المناسب لتوفير الحريات الفردية.v وبغض النظر عن الدوافع لإثارة هذه الحملة في هذا الوقت تحديداً، وهذا بحد ذاته موضوع يطول شرحه، إلا أن تلك الحملة لا تبدو وليدة اللحظة أو عشوائية فهي تحمل بصمة الإعلام الإيراني وتعود بجذورها الى سياق ما بعد تشرين، مستفيدةً من تحشيد القوى المتطرفة والمحافظة عالمياً ضد ما يُسمى بأيديوليوجية الجندر وتصويرها بأنها الخطر الذي يهدد قيم الأسرة والأطفال. وفي العراق، فإن عواقبها تمس النساء بشكل مباشر. فكانت الاستجابة الحكومية سريعة كسرعة البرق، إذ سارعت جهات مؤسساتية في بغداد وعدد من المحافظات،  كمجالس المحافظات ونقابة الأطباء ووزارة التعليم العالي وهيئة الإعلام والاتصالات وديوان الوقف الشيعي، الى إصدار أوامر إدارية ليس فقط بحظر استخدام مفردة الجندر أو النوع الاجتماعي، بل بتبديل أسماء وحدات تمكين المرأة الى “شعب خاصة بالأسرة والتنمية المجتمعية”، كما أشارت كتب مسربة عبر الإنترنت، رغم أن تلك الوحدات كان وجودها شكلياً في المقام الأول.vi  

وغصت وسائل التواصل الاجتماعي بعشرات المقاطع المصورة والمنشورات التي تهاجم النسوية وقانون العنف الأسري باعتبارهما تهديداً للقيم الدينية والاجتماعية المقدسة. فيما يبث عدد من المعممين والرواديد أو منشدي الأناشيد الدينية الخاصة مستثمرين في مناسبة شهر محرم خطاباً تحريضياً علنياً مستعيراً اللغة التي شيطنت متظاهري ومتظاهرات تشرين نفسها، فاسُتبدلت مفردة “جوكرية” بـ”جنادرية” و”أبناء وبنات السفارات” بـ”أبناء وبنات الجنادر”، وجُيشت الجيوش الإلكترونية في كل مكان للتشهير والطعن بالناشطات وبكل من تجرأ على توضيح المفهوم.  

إن وقوف هذه الأحزاب علناً ضد مشروع قانون مناهضة العنف الأسري على ما يعتريه من خللٍ كبير ونقاط ضعف كثيرة لهو دليلٌ دامغٌ على رغبتها في أن يستمر تعنيف النساء والأطفال، وهي تغذيه من جانبها بلغةٍ عدائية وخطابٍ عنيف. حملات ممنهجة من الواضح أنها ضُخت لها أموال كان من المفترض أن تنفق لتوفير حياة كريمة للمواطنين. 

وظّفت الأحزاب الإسلامية الحاكمة وحشدت النساء الإسلامويات للمشاركة في هذا السُعار والتعنيف السردي فليس أقسى وأَمَرَّ من منظر امرأة تهتف ضد قانون العنف الأسري الذي من المفترض أن يحميها ويحمي أطفالها أو ضد المساواة التي من المفترض أن تنتشلها من موقعها الدوني وتحيل العلاقة الهرمية بينها وبين الرجل الى علاقة أفقية.vii هذا المشهد بالذات يستحضر حكاية الأَمَة أو الخادمة لمؤلفتها الكندية مارجريت أتوود ورؤيتها المستقبلية الديسوتوبية لوضع النساء في الغرب بعد أن يعاود النظام الأبوي فرض سيطرته بالكامل نتيجة صعود القوى المتطرفة والمحافظة ويقبض على النساء وكافة الفئات المهمشة الأخرى. فيما تتحقق بعض تفاصيل هذه الديسوتبويا في كل بقاع العالم اليوم، فإنها ليست بالأمر الجديد على دولة كالعراق فالواقع مليء بما هو أفظع، ويزداد سوءاً يوماً بعد يوم. خصوصاً وأن السياق العام والبيئة التي مكنت الحراكات النسوية والحقوقية في الدول الغربية تختلف اختلافاً جذرياً عن سياق الدول ذات الأغلبية العربية والإسلامية ومن ضمنها العراق. فإن ردة الفعل العنيفة أو “الباكلاش – Backlash” بالإنجليزية التي تواجه بها تلك الحراكات لتحاول تقويض مكتسباتها والعودة الى نقطة في الماضي البعيد حيث كان النظام الأبوي مسيطراً بشكل كلي تحدث في بيئة محمية ببنية تحتية من مؤسساتٍ رصينة ودساتير وقوانين قابلة الى التطوير، وبالتالي فإن تبعاتها مختلفة عن عواقبها في دول لا تزال محكومة بهذا النظام. فلعراق لا يزال يعيش في تلك النقطة البعيدة وضمن هذا السياق الزماني والمكاني تناضل النساء؛ ومن تخرج عن الصورة التي رُسمت لها أو تحاول التفكير خارج نطاق الصندوق يتم وصمها بالعهر، فتُقتل معنوياً قبل قتلها مادياً، وكأننا نعيش في زمانٍ يشبه العصور الوسطى المظلمة، حيث كانت الكنائس تلاحق وتطارد النساء المفكرات، وتنصب لهن المحاكم بعد وصمهن بالساحرات المشعوذات، ليتم إعدامهن وحرقهن من بعدها. بدل وصم الساحرة، تُوصم المرأة المخالفة لما هو سائد في سياقنا بـ”العاهرة”، وهكذا يُحكم عليها بالموت حتى لو كانت محظوظة ونجت بجسدها. تُخبرني ناشطة بصرية أنها لا تخشى الموت بقدر خشيتها من تشويه سمعتها بعده. 

فالسلطات السياسية والدينية والعشائرية تبدو عازمة اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى على “تكميم أفواه النساء” كما تصف الصحفية (ت.و). وبينما نستذكر اغتيال رِهام وسبي الإيزيديات على يد خصوم وأعداء لا يلتقون ولو ظاهرياً، إلا أنهم يشكلون وجهين لعملةٍ واحدة في حربهم على النساء وفي قمعهم للحريات المدنية والفردية.  

إن وجود رهاماتٍ أخريات أو ميلاد جديدات هو أكثر ما يخشاه هؤلاء الأضداد.