الموازنة الثلاثيّة في العراق: خرائط الوصول إلى حافة الإفلاس 

سجاد حسين

04 حزيران 2023

شابه حكومة محمد شياع السوداني في العديد من النقاط حكومة نوري المالكي، فالاثنتان تفرطان بـ"العطاء"، حتى أوصلت الأولى الدولة إلى حافة الإفلاس، ويبدو أن حكومة السوداني تتجه الاتجاه نفسه بخطوات واسعة وهذه المرّة بمعية موازنة اتحادية ملغومة بالمخاطر..

في دولة الأرقام المتناقضة وتغييب الدراسات الدقيقة والاختصاص، تنشغل القوى السياسية بمأزق مشروع الموازنة الاتحادية، المتكرر على مدار 20 عاماً، والذي يمثل مغنماً كبيراً لأقطاب السلطة وأحزابها. 

شرّع نظام ما بعد 2003 أبواب الدولة للارتجال السياسي، وآخر أطواره تقديم حكومة محمد شياع السوداني مشروع موازنة اتحادية إلى البرلمان لمدة 3 أعوام (2023-2024-2025)، وهي خطوة تحرّر الحكومة، نسبياً، من أوراق ضغط البرلمان وقواه السياسية، التي تُخضع كلّ فقرة من قانون الموازنة للمقايضات. 

في المالية العامة هنالك أربع قواعد تحكم إعداد الموازنة وهي: الوحدة والعمومية والتوازن والسنوية، وغاية هذه الأخيرة، تسهيل مراقبة السلطات التشريعية للموازنة، خاصةً وأن كل المتغيّرات الاقتصادية تُحسَب على أساس سنوي مثل معدلات النمو الاقتصادي والتوظيف والفقر والديون، ولأن تنظيمها على أساس سنوي يوفر دقة في تقدير النفقات والإيرادات. 

ورغم تسويقها حكومياً كموازنة إنقاذ وإصلاح وتغيير جذري لاقتصاد العراق المتخلّف، إلا أنها خلت من هذا كله. فموازنة السنوات الثلاث في الواقع بسيطة جداً، تتكرر فيها أرقام السنة الأولى في الثانية والثالثة، مع إلزامية الأولى وقابلية الأُخريَين للتعديل، كما اكتفى مجلس الوزراء بإرسال خلاصة الموازنة فقط إلى مجلس النواب، منزوعة من الجداول التفصيلية للنفقات والإيرادات بالغة الأهمية. 

انتحار ريعي  

تُعد الموازنة الجدلية هذه الأكبر تاريخياً في العراق، إذ تبلغ أكثر من 197 تريليون دينار للعام الأول (أكثر من 151 مليار دولار) لتفوق موازنة 2021 بنسبة 53 بالمئة بمقدار 68 تريليون دينار، وأكبر من النفقات الفعلية لعام 2022 بنحو 81 تريليون دينار، بنفقات تشغيلية وصلت إلى 150 تريليون دينار وزيادة مقدارها 50 تريليون دينار عن موازنة 2021، وتفوّقت على النفقات التشغيلية الفعلية لعام 2022 بنحو 46 تريليون دينار. 

ولأنها موازنة أرقام قياسية، يتجاوز العجز فيها 64 تريليون دينار ليكون الأكبر في تاريخ البلاد، معتمداً بتمويل ثُلثَيْه على الاقتراضين الخارجي والداخلي، مع ترك الثالث لرحمة الفائض المدوّر من حساب وزارة المالية. وتجدر الإشارة إلى أن عجز موازنة عام 2021 بلغ، بالنسخة المقترحة، 50 تريليون دينار، قبل أن يخفّضه البرلمان آنذاك إلى أقل من 29 تريليون دينار. 

وإيغالاً بالريعية، تستمر وتتضخم هيمنة فقرتي الرواتب والرعاية الاجتماعية حيث تبلغان لوحديهما 87 تريليون دينار والذي يمثل 58 بالمئة من إجمالي النفقات التشغيلية و74 بالمئة من الإيرادات النفطية، فضلاً عن اعتماد سعر نفط تخطيطي غير متحوط في الموازنة (70 دولاراً للبرميل) وهو الأعلى بين موازنات أغلب الدول النفطية، وأكثر من سعره في موازنة عام 2021 والذي بلغ حينها 45 دولاراً. 

ولفهم مخاطر هذه الخطوة، فإن انخفاضاً بقيمة دولار واحد عن السعر المقدّر في الموازنة، من شأنه أن يقضم الإيرادات بنحو 1.660 تريليون دينار على الصعيد السنوي، وهو ما سيفاقم عجز الموازنة ويعظّم الديون الداخلية والخارجية، خاصة وأن العراق على عكس الدول النفطية كلها، لا يمتلك صندوقاً سيادياً يمكن أن يكون مصدّاً في حالات كهذه. 

وفي مشروع الموازنة أيضاً، تفاؤل مفرط بالإيرادات غير النفطية وصولاً إلى 17 تريليوناً، في حين لم تزد عن 7 تريليونات دينار عام 2022 وستنخفض كثيراً إذا لم يمرّر البرلمان حُزمة الضرائب التي تضمنتها فقرات الموازنة، والذي سينعكس بدوره على عجز أكبر بتغطية النفقات التشغيلية والأخرى. 

تكرّر، على مدار 20 عاماً، عجز الحكومات العراقية المتعاقبة عن السيطرة على مصادر الإيرادات غير النفطية، وآخر المحاولات ذات النتيجة الصفرية، ما حدث خلال حقبة مصطفى الكاظمي، رئيس الوزراء السابق، حين أطلق حملة “كبيرة” رُوِّج لها بقوة لضبط المنافذ الحدودية، لكن شيئاً لم يحدث نتيجة لفارق القوة بين الحكومة والجهات ذات النفوذ السياسي والعسكري، والعقائدي أيضاً، المسيطرة على تلك المنافذ. 

توسّع بالتوظيف الحكومي 

للنفقات التشغيلية، في الموازنة الثلاثية، الحصة الأكبر، حيث بلغت 150 تريليون دينار، وعند حساب قيمة الإيرادات النفطية المتوقعة (117 تريليون دينار) وإضافة الرصيد المدوّر في وزارة المالية (23 تريليون دينار) تظل الموازنة عاجزة عن إيفاء النفقات التشغيلية بـ 10 تريليونات دينار، ترتفع كلما انخفض سعر برميل النفط. 

وبحسب تقرير اللجنة المالية النيابية، بلغ عدد الموظفين في عام 2023 نحو 4 ملايين و96 ألف موظف بزيادة أكثر من 800 ألف موظف، وبنسبة 13 بالمئة، وصار عدد العاملين في الأجهزة الأمنية أكثر من مليون و500 ألف شخص -يشكلون 36.7 بالمئة من اجمالي الموظفين-، بزيادة نسبتها 3 بالمئة في وزارة الداخلية، و6 بالمئة في وزارة الدفاع، بينما بلغت نسبة الزيادة في هيئة الحشد الشعبي 95 بالمئة، والتي انتقلت أعداد منتسبيها من 122 ألفاً إلى 238 ألفاً، فيما زاد منتسبو وزارة التربية بنسبة 525 بالمئة (من 154 ألفاً في 2021 إلى 963 ألفاً)، ووزارة الصحة بنسبة 320 بالمئة (من 116 ألفاً في 2021 إلى 488 ألفاً). 

ويُلاحظ، في تقرير اللجنة المالية في مجلس النواب، أن هناك تناقضاً بالأرقام، فبينما سجلت إحدى ملاحظاته زيادة بأعداد الموظفين قدرها (832.967)، يوضح جدول مرفق بالفقرة ذاتها أن الزيادة تبلغ (1.406.746) مع الأخذ بالاعتبار أن الجدول لم يستوفِ جميع وحدات الإنفاق التشغيلي. 

وبلغت رواتب الموظفين على الملاك الثابت 59.814 تريليون دينار، والرواتب التقاعدية 18.122 تريليون دينار، ورواتب الرعاية الاجتماعية27.941   تريليون دينار، ورواتب التمويل الذاتي وشركات الوزارات 9.913 تريليون دينار، واجمالي الرواتب الحكومية 92.566 تريليون دينار، حيث بلغت نسبتها من الإيرادات النفطية 79 بالمئة. 

الاستثمار والتنمية 

استثمارياً، بلغت التخصيصات في موازنة 2023 نحو 49.462 تريليون دينار (24.8 بالمئة من إجمالي النفقات العامة)، وزارة النفط تستحوذ على الحصة الأكبر من التخصيصات الاستثمارية بنحو 16 تريليون دينار وبنسبة 32 بالمئة من النفقات الاستثمارية، ويأتي قطاع الكهرباء بالمرتبة الثانية بحوالي 6.113 تريليون دينار وبنسبة 12 بالمئة أي أن قطاعي النفط والكهرباء يستحوذان على 44 بالمئة من النفقات، ما يدلّ على استمرار الحكومة بالاستثمار في المجال النفطي على الرغم من تحديات السوق واضطرار الدول المنتجة (بضمنها العراق) لتقليص الإنتاج من أجل السيطرة على الأسعار، ويشير كذلك إلى عدم وجود رؤية جادة تؤكد تصريحات الحكومة المتكررة بشأن عملها لتعظيم الإيرادات غير النفطية. 

وللمقارنة، خصصت موازنة 2023 تريليوناً واحداً من الدنانير فقط (أقل من 1 بالمئة من الإيرادات النفطية) لصندوق تنمية العراق، في حين خصصت إحدى حكومات الحقبة الملكية في بداية عقد الخمسينات من القرن الماضي 70 بالمئة من الإيرادات النفطية لمجلس الإعمار، مع الالتفات للفوارق المفصلية كعدد السكان وقنوات إنفاق الدولة وحجم القوى العاملة. 

أما استيرادات الأسلحة والمعدات العسكرية التي تصل إلى 3 تريليونات دينار تدخل أيضاً ضمن التخصيصات الاستثمارية، وبخصوص وزارتي الإعمار والإسكان والنقل فقد بلغت تخصيصاتهما 3.784 تريليون دينار و2.753 تريليون دينار على التوالي. 

التخصيصات الاستثمارية لوزارة الصناعة كانت متدنية وبلغت 107 مليارات دينار فقط، وهي أقل من نصف تخصيصات الأوقاف الدينية التي بلغت 410.908 مليارات دينار، وتشير ضآلة التخصيصات الاستثمارية للقطاعات السلعية وخاصة الصناعة والزراعة مع هيمنة واضحة لقطاع الطاقة على التخصيصات الاستثمارية، تشير إلى غياب أية رؤية لتنويع بنية الإنتاج ومصادر الدخل في العراق. 

في الموازنة الثلاثية أيضاً، بلغت تخصيصات تنمية الأقاليم 2.5 تريليون دينار، فيما كانت عام 2021 تبلغ 4 تريليون دينار (بانخفاض نسبته 60 بالمئة)، ويلاحظ أن المعيار الأوحد المعتمد في توزيع تنمية الأقاليم هو عدد السكان، من دون الالتفات لمعايير أخرى كالفقر والعبء الاقتصادي. 

ربما يكون أخطر ما في الموازنة هو أنها ثلاثية وليست سنوية، ما يعني استمرار الصرف في العام القادم ليس على أساس 1/12 من الإنفاق الفعلي وإنما على أساس ما مخصص في الموازنة في العام السابق، ما قد يطلقُ يَد الحكومة في الاقتراض الداخلي والخارجي، خاصةً مع اختفاء الفائض النقدي الذي سيُستخدم في موازنة هذا العام، فضلاً عن إمكانية استمرار الموازنة بصيغتها الحالية من دون تعديل في العامين القادمين مع عجز البرلمان عن ذلك.  

وبمعنى آخر، إن تشريع الموازنة الثلاثية سيعطي الحكومة الصلاحيات القانونية الكاملة لاقتراض 41.5 تريليون دينار ليس في عام 2023 وإنما أيضاً في عامي 2024 و2025. 

استطراداً، فأن الحكومة تستطيع اقتراض مبلغ قدره 121.5 تريليون دينار، داخلياً وخارجياً، من دون الرجوع إلى البرلمان خلال فترة الموازنة الثلاثية المليئة بالارتجال والمخالفات والغموض. 

السير إلى الوراء 

سياسياً، يتكرّر مشهد الاختلاف بين أقطاب العملية المحاصصاتية مع كل موازنة منذ 2003 وليست هذه الثلاثية الأضخم بمعزل، لدرجة أن نواباً كرداً انسحبوا من جلسة للجنة المالية البرلمانية، بسبب تعديلها فقرات في مشروع الموازنة، تخل باتفاقات أربيل-بغداد السياسية، كالتزام السلطات في الشمال بتسليم بغداد براميل النفط التي ينتجها، وعدم تسليم حصص الإقليم من الموازنة إذا تخلّف عن سداد إيراداته النفطية وغير النفطية إلى بغداد وسحب يده من حقول كركوك ونينوى، يدخل هذا النوع من الخلافات المتكررة في إطار الاستثمار السياسي، ما يجعلها قابلة للتسوية السياسية وتطويع القانون ونصوصه، حتى وإن تصدرت ملاحظات وتشخيصات اللجنة المختصة في المجلس التشريعي، لكن ملاحظات وتشخيصات أخرى قد تبقى على حالها دون معالجة ولا حتى تسويات. 

يرى مجلس النواب أن مسوّدة الموازنة المقدمة من قبل الحكومة اشتملت على العديد من المخالفات، أبرزها: تأخّر الحكومة بإرسالها لمدة 6 أشهر عن الموعد المحدد، وعدم إعداد تقرير عن أهم السياسات المالية لـ3 سنوات مقبلة أو أكثر، ومخالفة المادة القانونية التي تنص على ألا تتجاوز نسبة العجز 3% من الناتج المحلي، وعدم إرفاق وثائق بإجمالي الديون وحدّ الضمانات الأقصى وخطة التجارة الخارجية وموازنة النقد الأجنبي وعرض النقد الوطني، وموازنة النوع الاجتماعي. 

ولفتت اللجنة المالية النيابية إلى أن الموازنة لم تتطرق لآليات إصلاح قطاعات الزراعة والصناعة والقطاع المصرفي والقطاع الخاص، وعدم ضمانها توجها مؤكدا نحو الحوكمة الإلكترونية، وغياب التوجه الفعلي نحو تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية وتعظيم الإيرادات الأخرى، ومخاطرة الحكومة باستمرار الاعتماد على النفط، الذي قد ينخفض انتاجه أو أسعاره بسبب تغيّرات المناخ أو انكماش الطلب، وعدم استكمال عمليات الإصلاح الاقتصادي كإعادة هيكلة مصرفي الرشيد والرافدين وبقية المصارف، ووصول إجمالي الدين العام إلى 95 تريليون دينار، منها 70 تريليون دينار ديون داخلية. 

وأكدت اللجنة أن زيادة النفقات ستؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، وزيادة الضغط على احتياط العملة الأجنبية، وزيادة العملة المصدرة للتداول التي قد تتجاوز 95 تريليون دينار، كما لفتت إلى وجود تباين بأرقام نفقات الحكومة في مشروع الموازنة، فضلاً عن وجود نصوص تمنح وزير المالية صلاحيات واسعة بإصدار ضمانات بعضها سيادية لبعض المشاريع الاستثمارية، ما يشير إلى خلل كبير وعدم تفاهم بين مؤسسات الدولة، وكذلك بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. 

التقدم خطوةً في العراق وليد صدفة، أما التراجع فيه ممنهج ومتفق عليه بصيغ مباشرة وغير مباشرة، ويمثل قطاع الاقتصاد عموماً ومشاريع الموازنات الاتحادية نموذجاً لتلك المنهجية الفوضوية التي بلغت ذروتها خلال العشرين عاماً الأخيرة، وبتدعيم نظام رشاوى الشعب بمرتبات مؤسسات الدولة مثال حي على ذلك. فمنذ وصول القوى السياسية المحاصصاتية عام 2003، عملت على خلق نظام اقتصادي ريعي يعتمد على النفط ويشتري سكوت الشعب وأصواته الانتخابية بالوظائف ورواتب الرعاية، ونجحت بالاستمرار والثبات وزيادة ثرائها غير المشروع وتوسيع قواعدها المسلحة بواسطة نظام قشوره ديموقراطية وواقعه مشوّه بالفساد. 

تشابه حكومة محمد شياع السوداني، في العديد من النقاط، حكومة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، التي أفرطت بالعطاء، حتى أوصلت الدولة لحافة الإفلاس، ويبدو أن العراق يتجه إليها بخطوات واسعة بمعية موازنة اتحادية ملغومة بالمخاطر. 

* تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج” 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

في دولة الأرقام المتناقضة وتغييب الدراسات الدقيقة والاختصاص، تنشغل القوى السياسية بمأزق مشروع الموازنة الاتحادية، المتكرر على مدار 20 عاماً، والذي يمثل مغنماً كبيراً لأقطاب السلطة وأحزابها. 

شرّع نظام ما بعد 2003 أبواب الدولة للارتجال السياسي، وآخر أطواره تقديم حكومة محمد شياع السوداني مشروع موازنة اتحادية إلى البرلمان لمدة 3 أعوام (2023-2024-2025)، وهي خطوة تحرّر الحكومة، نسبياً، من أوراق ضغط البرلمان وقواه السياسية، التي تُخضع كلّ فقرة من قانون الموازنة للمقايضات. 

في المالية العامة هنالك أربع قواعد تحكم إعداد الموازنة وهي: الوحدة والعمومية والتوازن والسنوية، وغاية هذه الأخيرة، تسهيل مراقبة السلطات التشريعية للموازنة، خاصةً وأن كل المتغيّرات الاقتصادية تُحسَب على أساس سنوي مثل معدلات النمو الاقتصادي والتوظيف والفقر والديون، ولأن تنظيمها على أساس سنوي يوفر دقة في تقدير النفقات والإيرادات. 

ورغم تسويقها حكومياً كموازنة إنقاذ وإصلاح وتغيير جذري لاقتصاد العراق المتخلّف، إلا أنها خلت من هذا كله. فموازنة السنوات الثلاث في الواقع بسيطة جداً، تتكرر فيها أرقام السنة الأولى في الثانية والثالثة، مع إلزامية الأولى وقابلية الأُخريَين للتعديل، كما اكتفى مجلس الوزراء بإرسال خلاصة الموازنة فقط إلى مجلس النواب، منزوعة من الجداول التفصيلية للنفقات والإيرادات بالغة الأهمية. 

انتحار ريعي  

تُعد الموازنة الجدلية هذه الأكبر تاريخياً في العراق، إذ تبلغ أكثر من 197 تريليون دينار للعام الأول (أكثر من 151 مليار دولار) لتفوق موازنة 2021 بنسبة 53 بالمئة بمقدار 68 تريليون دينار، وأكبر من النفقات الفعلية لعام 2022 بنحو 81 تريليون دينار، بنفقات تشغيلية وصلت إلى 150 تريليون دينار وزيادة مقدارها 50 تريليون دينار عن موازنة 2021، وتفوّقت على النفقات التشغيلية الفعلية لعام 2022 بنحو 46 تريليون دينار. 

ولأنها موازنة أرقام قياسية، يتجاوز العجز فيها 64 تريليون دينار ليكون الأكبر في تاريخ البلاد، معتمداً بتمويل ثُلثَيْه على الاقتراضين الخارجي والداخلي، مع ترك الثالث لرحمة الفائض المدوّر من حساب وزارة المالية. وتجدر الإشارة إلى أن عجز موازنة عام 2021 بلغ، بالنسخة المقترحة، 50 تريليون دينار، قبل أن يخفّضه البرلمان آنذاك إلى أقل من 29 تريليون دينار. 

وإيغالاً بالريعية، تستمر وتتضخم هيمنة فقرتي الرواتب والرعاية الاجتماعية حيث تبلغان لوحديهما 87 تريليون دينار والذي يمثل 58 بالمئة من إجمالي النفقات التشغيلية و74 بالمئة من الإيرادات النفطية، فضلاً عن اعتماد سعر نفط تخطيطي غير متحوط في الموازنة (70 دولاراً للبرميل) وهو الأعلى بين موازنات أغلب الدول النفطية، وأكثر من سعره في موازنة عام 2021 والذي بلغ حينها 45 دولاراً. 

ولفهم مخاطر هذه الخطوة، فإن انخفاضاً بقيمة دولار واحد عن السعر المقدّر في الموازنة، من شأنه أن يقضم الإيرادات بنحو 1.660 تريليون دينار على الصعيد السنوي، وهو ما سيفاقم عجز الموازنة ويعظّم الديون الداخلية والخارجية، خاصة وأن العراق على عكس الدول النفطية كلها، لا يمتلك صندوقاً سيادياً يمكن أن يكون مصدّاً في حالات كهذه. 

وفي مشروع الموازنة أيضاً، تفاؤل مفرط بالإيرادات غير النفطية وصولاً إلى 17 تريليوناً، في حين لم تزد عن 7 تريليونات دينار عام 2022 وستنخفض كثيراً إذا لم يمرّر البرلمان حُزمة الضرائب التي تضمنتها فقرات الموازنة، والذي سينعكس بدوره على عجز أكبر بتغطية النفقات التشغيلية والأخرى. 

تكرّر، على مدار 20 عاماً، عجز الحكومات العراقية المتعاقبة عن السيطرة على مصادر الإيرادات غير النفطية، وآخر المحاولات ذات النتيجة الصفرية، ما حدث خلال حقبة مصطفى الكاظمي، رئيس الوزراء السابق، حين أطلق حملة “كبيرة” رُوِّج لها بقوة لضبط المنافذ الحدودية، لكن شيئاً لم يحدث نتيجة لفارق القوة بين الحكومة والجهات ذات النفوذ السياسي والعسكري، والعقائدي أيضاً، المسيطرة على تلك المنافذ. 

توسّع بالتوظيف الحكومي 

للنفقات التشغيلية، في الموازنة الثلاثية، الحصة الأكبر، حيث بلغت 150 تريليون دينار، وعند حساب قيمة الإيرادات النفطية المتوقعة (117 تريليون دينار) وإضافة الرصيد المدوّر في وزارة المالية (23 تريليون دينار) تظل الموازنة عاجزة عن إيفاء النفقات التشغيلية بـ 10 تريليونات دينار، ترتفع كلما انخفض سعر برميل النفط. 

وبحسب تقرير اللجنة المالية النيابية، بلغ عدد الموظفين في عام 2023 نحو 4 ملايين و96 ألف موظف بزيادة أكثر من 800 ألف موظف، وبنسبة 13 بالمئة، وصار عدد العاملين في الأجهزة الأمنية أكثر من مليون و500 ألف شخص -يشكلون 36.7 بالمئة من اجمالي الموظفين-، بزيادة نسبتها 3 بالمئة في وزارة الداخلية، و6 بالمئة في وزارة الدفاع، بينما بلغت نسبة الزيادة في هيئة الحشد الشعبي 95 بالمئة، والتي انتقلت أعداد منتسبيها من 122 ألفاً إلى 238 ألفاً، فيما زاد منتسبو وزارة التربية بنسبة 525 بالمئة (من 154 ألفاً في 2021 إلى 963 ألفاً)، ووزارة الصحة بنسبة 320 بالمئة (من 116 ألفاً في 2021 إلى 488 ألفاً). 

ويُلاحظ، في تقرير اللجنة المالية في مجلس النواب، أن هناك تناقضاً بالأرقام، فبينما سجلت إحدى ملاحظاته زيادة بأعداد الموظفين قدرها (832.967)، يوضح جدول مرفق بالفقرة ذاتها أن الزيادة تبلغ (1.406.746) مع الأخذ بالاعتبار أن الجدول لم يستوفِ جميع وحدات الإنفاق التشغيلي. 

وبلغت رواتب الموظفين على الملاك الثابت 59.814 تريليون دينار، والرواتب التقاعدية 18.122 تريليون دينار، ورواتب الرعاية الاجتماعية27.941   تريليون دينار، ورواتب التمويل الذاتي وشركات الوزارات 9.913 تريليون دينار، واجمالي الرواتب الحكومية 92.566 تريليون دينار، حيث بلغت نسبتها من الإيرادات النفطية 79 بالمئة. 

الاستثمار والتنمية 

استثمارياً، بلغت التخصيصات في موازنة 2023 نحو 49.462 تريليون دينار (24.8 بالمئة من إجمالي النفقات العامة)، وزارة النفط تستحوذ على الحصة الأكبر من التخصيصات الاستثمارية بنحو 16 تريليون دينار وبنسبة 32 بالمئة من النفقات الاستثمارية، ويأتي قطاع الكهرباء بالمرتبة الثانية بحوالي 6.113 تريليون دينار وبنسبة 12 بالمئة أي أن قطاعي النفط والكهرباء يستحوذان على 44 بالمئة من النفقات، ما يدلّ على استمرار الحكومة بالاستثمار في المجال النفطي على الرغم من تحديات السوق واضطرار الدول المنتجة (بضمنها العراق) لتقليص الإنتاج من أجل السيطرة على الأسعار، ويشير كذلك إلى عدم وجود رؤية جادة تؤكد تصريحات الحكومة المتكررة بشأن عملها لتعظيم الإيرادات غير النفطية. 

وللمقارنة، خصصت موازنة 2023 تريليوناً واحداً من الدنانير فقط (أقل من 1 بالمئة من الإيرادات النفطية) لصندوق تنمية العراق، في حين خصصت إحدى حكومات الحقبة الملكية في بداية عقد الخمسينات من القرن الماضي 70 بالمئة من الإيرادات النفطية لمجلس الإعمار، مع الالتفات للفوارق المفصلية كعدد السكان وقنوات إنفاق الدولة وحجم القوى العاملة. 

أما استيرادات الأسلحة والمعدات العسكرية التي تصل إلى 3 تريليونات دينار تدخل أيضاً ضمن التخصيصات الاستثمارية، وبخصوص وزارتي الإعمار والإسكان والنقل فقد بلغت تخصيصاتهما 3.784 تريليون دينار و2.753 تريليون دينار على التوالي. 

التخصيصات الاستثمارية لوزارة الصناعة كانت متدنية وبلغت 107 مليارات دينار فقط، وهي أقل من نصف تخصيصات الأوقاف الدينية التي بلغت 410.908 مليارات دينار، وتشير ضآلة التخصيصات الاستثمارية للقطاعات السلعية وخاصة الصناعة والزراعة مع هيمنة واضحة لقطاع الطاقة على التخصيصات الاستثمارية، تشير إلى غياب أية رؤية لتنويع بنية الإنتاج ومصادر الدخل في العراق. 

في الموازنة الثلاثية أيضاً، بلغت تخصيصات تنمية الأقاليم 2.5 تريليون دينار، فيما كانت عام 2021 تبلغ 4 تريليون دينار (بانخفاض نسبته 60 بالمئة)، ويلاحظ أن المعيار الأوحد المعتمد في توزيع تنمية الأقاليم هو عدد السكان، من دون الالتفات لمعايير أخرى كالفقر والعبء الاقتصادي. 

ربما يكون أخطر ما في الموازنة هو أنها ثلاثية وليست سنوية، ما يعني استمرار الصرف في العام القادم ليس على أساس 1/12 من الإنفاق الفعلي وإنما على أساس ما مخصص في الموازنة في العام السابق، ما قد يطلقُ يَد الحكومة في الاقتراض الداخلي والخارجي، خاصةً مع اختفاء الفائض النقدي الذي سيُستخدم في موازنة هذا العام، فضلاً عن إمكانية استمرار الموازنة بصيغتها الحالية من دون تعديل في العامين القادمين مع عجز البرلمان عن ذلك.  

وبمعنى آخر، إن تشريع الموازنة الثلاثية سيعطي الحكومة الصلاحيات القانونية الكاملة لاقتراض 41.5 تريليون دينار ليس في عام 2023 وإنما أيضاً في عامي 2024 و2025. 

استطراداً، فأن الحكومة تستطيع اقتراض مبلغ قدره 121.5 تريليون دينار، داخلياً وخارجياً، من دون الرجوع إلى البرلمان خلال فترة الموازنة الثلاثية المليئة بالارتجال والمخالفات والغموض. 

السير إلى الوراء 

سياسياً، يتكرّر مشهد الاختلاف بين أقطاب العملية المحاصصاتية مع كل موازنة منذ 2003 وليست هذه الثلاثية الأضخم بمعزل، لدرجة أن نواباً كرداً انسحبوا من جلسة للجنة المالية البرلمانية، بسبب تعديلها فقرات في مشروع الموازنة، تخل باتفاقات أربيل-بغداد السياسية، كالتزام السلطات في الشمال بتسليم بغداد براميل النفط التي ينتجها، وعدم تسليم حصص الإقليم من الموازنة إذا تخلّف عن سداد إيراداته النفطية وغير النفطية إلى بغداد وسحب يده من حقول كركوك ونينوى، يدخل هذا النوع من الخلافات المتكررة في إطار الاستثمار السياسي، ما يجعلها قابلة للتسوية السياسية وتطويع القانون ونصوصه، حتى وإن تصدرت ملاحظات وتشخيصات اللجنة المختصة في المجلس التشريعي، لكن ملاحظات وتشخيصات أخرى قد تبقى على حالها دون معالجة ولا حتى تسويات. 

يرى مجلس النواب أن مسوّدة الموازنة المقدمة من قبل الحكومة اشتملت على العديد من المخالفات، أبرزها: تأخّر الحكومة بإرسالها لمدة 6 أشهر عن الموعد المحدد، وعدم إعداد تقرير عن أهم السياسات المالية لـ3 سنوات مقبلة أو أكثر، ومخالفة المادة القانونية التي تنص على ألا تتجاوز نسبة العجز 3% من الناتج المحلي، وعدم إرفاق وثائق بإجمالي الديون وحدّ الضمانات الأقصى وخطة التجارة الخارجية وموازنة النقد الأجنبي وعرض النقد الوطني، وموازنة النوع الاجتماعي. 

ولفتت اللجنة المالية النيابية إلى أن الموازنة لم تتطرق لآليات إصلاح قطاعات الزراعة والصناعة والقطاع المصرفي والقطاع الخاص، وعدم ضمانها توجها مؤكدا نحو الحوكمة الإلكترونية، وغياب التوجه الفعلي نحو تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية وتعظيم الإيرادات الأخرى، ومخاطرة الحكومة باستمرار الاعتماد على النفط، الذي قد ينخفض انتاجه أو أسعاره بسبب تغيّرات المناخ أو انكماش الطلب، وعدم استكمال عمليات الإصلاح الاقتصادي كإعادة هيكلة مصرفي الرشيد والرافدين وبقية المصارف، ووصول إجمالي الدين العام إلى 95 تريليون دينار، منها 70 تريليون دينار ديون داخلية. 

وأكدت اللجنة أن زيادة النفقات ستؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، وزيادة الضغط على احتياط العملة الأجنبية، وزيادة العملة المصدرة للتداول التي قد تتجاوز 95 تريليون دينار، كما لفتت إلى وجود تباين بأرقام نفقات الحكومة في مشروع الموازنة، فضلاً عن وجود نصوص تمنح وزير المالية صلاحيات واسعة بإصدار ضمانات بعضها سيادية لبعض المشاريع الاستثمارية، ما يشير إلى خلل كبير وعدم تفاهم بين مؤسسات الدولة، وكذلك بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. 

التقدم خطوةً في العراق وليد صدفة، أما التراجع فيه ممنهج ومتفق عليه بصيغ مباشرة وغير مباشرة، ويمثل قطاع الاقتصاد عموماً ومشاريع الموازنات الاتحادية نموذجاً لتلك المنهجية الفوضوية التي بلغت ذروتها خلال العشرين عاماً الأخيرة، وبتدعيم نظام رشاوى الشعب بمرتبات مؤسسات الدولة مثال حي على ذلك. فمنذ وصول القوى السياسية المحاصصاتية عام 2003، عملت على خلق نظام اقتصادي ريعي يعتمد على النفط ويشتري سكوت الشعب وأصواته الانتخابية بالوظائف ورواتب الرعاية، ونجحت بالاستمرار والثبات وزيادة ثرائها غير المشروع وتوسيع قواعدها المسلحة بواسطة نظام قشوره ديموقراطية وواقعه مشوّه بالفساد. 

تشابه حكومة محمد شياع السوداني، في العديد من النقاط، حكومة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، التي أفرطت بالعطاء، حتى أوصلت الدولة لحافة الإفلاس، ويبدو أن العراق يتجه إليها بخطوات واسعة بمعية موازنة اتحادية ملغومة بالمخاطر. 

* تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج”