الاحتجاج كإرث: النشأة في ظل تبعات حرب العراق

هانا الخفاجي

09 نيسان 2026

في هذا النص، تكتب الكاتبة عن الاحتجاج بوصفه إرثاً يتشكّل منذ الطفولة. تنطلق من ذاكرة مبكرة لترى كيف أعادت حرب العراق صياغة رؤيتها للعالم، بحيث يعود العراق، مرة بعد أخرى، كمرجع حاضر في كل تجربة ظلم لاحقة..

آلان كردي (المولود باسم شينو)، الطفل الكردي السوري الذي غرق أثناء عبوره البحر المتوسط عام 2015، توفي في العمر نفسه الذي كنتُ فيه أُدفَع في عربة أطفال وسط لندن خلال احتجاجات ضد الحرب على العراق. أثناء نشأتي، كنت أُصارع سؤالاً مُلحاً: لماذا كنتُ أنا في عربة أطفال، بينما هو في قارب مطاطي؟ 

على الرغم من أن أمي، شأنها شأن معظم العراقيين من جيلها، حذرتني مراراً من الانخراط في السياسة خارج المنزل، إلا أن أفعالها ناقضت نصائحها أحياناً، فحين كنت لا أزال أُدفَع في عربة أطفال، أخذتني معها إلى احتجاجات “أوقفوا الحرب” ضد غزو العراق في لندن في ربيع عام 2003. 

ورغم أنني لا أتذكر تلك اللحظة بوضوح، إلا أنني أفهمها بوصفها تجربة تأسيسية لا بد أنها استقرت في لاوعيي، وشكلت لاحقاً الطريقة التي تعاملت بها مع الإرث المستمر لحرب العراق. الإحساس بالحزن الغامر هو أكثر ما بقي في ذاكرتي من أصوات الاحتجاج أو مكانه، الحزن الذي شهدته مراراً وتكراراً كلما شاهدنا الأخبار عن العراق في السنوات التي تلت. 

ولدتُ بهوية بريطانية-عراقية-إيرلندية، وكانت حرب العراق أمراً لا يمكن الإفلات منه، لأن ارتداداتها لم تنتهِ أبداً، لقد شكلت المشهد السياسي الذي تلاها، بطرق ربما لا ينتبه إليها إلا من لديهم جذور عراقية. ظل العراق حاضراً في الأحاديث، وفي العناوين، وفي الخطاب السياسي، وكان عنفه يعود رغم المسافة الزمنية والمكانية التي تفصله عن لحظة الغزو. 

احتجاج “أوقفوا الحرب”، 2003. المصدر: الكاتبة

طوال فترة مراهقتي، هيمنت ما تسمى بـ”أزمة المهاجرين” على الصفحات الأولى لوسائل الإعلام البريطانية العنصرية، هوس بدأ عام 2014 ولم يزل يتصاعد منذ ذلك الحين، متجسداً اليوم في هجوم متواصل على القوارب الصغيرة وفنادق طالبي اللجوء. على الرغم من تصوير هؤلاء اللاجئين على أنهم “سرب” أو “غزو” أو “تهديد” لبريطانيا، إلا أنني كنت أرى في كل وجهٍ عراقيين يفرون من الحرب. كنت مُدركة بوضوح أنني في زمنٍ ما يمكن أن أكون واحدة منهم، وأن إنسانية الكثير من البريطانيين كانت مشروطة بمكان الولادة. 

في الفترة التي سبقت استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، أرسل حزب الاستقلال البريطاني (UKIP)  منشوراً إلى منزلنا، طُبِعت عليه خريطة، لم يُذكر فيها سوى المملكة المتحدة وتركيا وسوريا والعراق. 

كانت الرسالة واضحة، لم يكن هؤلاء العنصريون يكرهون الأوروبيين، بل يكرهون العراقيين الذين يجب أن يظلوا في العراق ليُقتلوا بقنبلة بريطانية أو رصاصة أمريكية، بدلاً من السماح لهم ببناء حياة في بريطانيا. أدركت حينها أن كراهيتهم للعراقيين عميقة إلى حد استعدادهم للتخلي عن فوائدهم من الاتحاد الأوروبي للتخلص من أشخاص مثلنا، غير مرغوب فيهم وقابلين للاستبدال. 

عام 2017، جلستُ في حصة السياسة، كان أستاذي يصرُّ على أن حرب العراق كانت أمراً جيداً، فصدام كان وحشاً، و”نحن” جلبنا “الديمقراطية” للعراق. وخلفي في الصف الدراسي في مقاطعة سري الهادئة، وقف مجسم كرتوني ذو حجم شبه الطبيعي لمجرم الحرب توني بلير، وعيناه تخترقان ظهري أسبوعاً بعد آخر. بالنسبة لمعلمي، كان أفضل رئيس وزراء عرفته المملكة المتحدة. 

بدأت بذرة الاحتجاج، التي زُرعت أولاً في ذكرياتي اللاواعية عن الاحتجاج ضد حرب العراق، تنمو. وعلى الرغم من أننا نشأنا على عدم التحدث في السياسة خارج المنزل، لم أستطع أن أبقى صامتة بينما تُغرس هذه السرديات الحربية في عقول زملائي دون اعتراض. 

تحدثتُ، لكنني وُصِفت بأنني “عاطفية” و”غاضبة”. لم أكن مستعدة بما يكفي لمجادلة شخص يكبرني بأربعين عاماً، يتحدث عن العراق ببرود أكثر مما يفعل حين أفشل في تسليم واجبي المنزلي. ومع ذلك، خلال العامين التاليين، كنت أُعيد إحياء جدالنا كلما ذُكر العراق، وسط ملل واضح من زملائي الذين كانوا يديرون أعينهم: ها نحن نبدأ من جديد. 

برر المعلم نفسه لاحقاً استخدام التعذيب عبر سيناريو افتراضي لقنبلة موقوتة، صيغ بعناية لإثارة الخوف في نفوس الطلاب. في ذهني، لم تكن القنابل تنفجر في النظرية بل في بغداد، ولم يكن التعذيب خيالياً بل موثقاً في سجن أبو غريب. 

اعترضتُ بأن التعذيب لا يمكن أن يؤيده إلا من لن يتعرض له أبداً، من لن يُعذَّب أو يُضرَب لأنه عراقي فقط، لكنني، على ما يبدو، لم أكن مقنعة. 

ومع تقدمي في العمر، أصبح الحضور المستمر لحرب العراق هو البوصلة التي توجه حياتي اليومية. حضرت جلسات محاكم في لندن، حيث رفع عراقيون قضايا ضد وزارة الدفاع بشأن جرائم الجنود البريطانيين في العراق. وفي جامعة دورهام، كنت في نقاش دائم، مصممة على أنني في المرة القادمة التي أواجه فيها شخصاً مثل معلم السياسة سأكون قادرة على الدفاع عن نفسي. كتبت بلا توقف عن العراق في مقالاتي وأطروحتي حول العنف الأمريكي خلال حرب العراق، سعياً لاكتساب المعرفة والمنطق واللغة التي تمكنني من التعبير عمّا كنت أعرفه بالفعل. في كل ظلم، كنت أرى العراق. 

المصدر: الكاتبة

عام 2021، عندما اندلعت احتجاجات في أنحاء المملكة المتحدة ضد التطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيل في حي الشيخ جراح وقصفها لقطاع غزة المحتل، شعرتُ بواجب الحضور. كانت مشاهد القصف الإسرائيلي على غزة تُسقط المسافة بين الأزمنة والأماكن، وتستحضر القصف الأمريكي لبغداد، وتعيد الماضي بقوة إلى الحاضر. 

وبعد عامين، أعادت الإبادة الجماعية والحصار الذي فرضته إسرائيل على غزة إحياء العراق مرة أخرى. كان من المقزز مشاهدة الأنماط المألوفة لوسائل الإعلام الغربية وهي تشجع على القبول بقتل العرب، وتُجمّل العنف وتُضفي الشرعية على المجازر. رسمَت صور الفلسطينيين الجائعين تحت الحصار الإسرائيلي ملامح العراقيين الذين جُوِّعوا خلال سنوات من العقوبات. 

كان النزول إلى الشوارع من أجل فلسطين في الأشهر الماضية تعبيراً علنياً عن أسلوب حياة تمارَس بالفعل، حيث يصبح الاحتجاج ممارسة يومية. وفي المظاهرة المليونية ضد الإبادة في لندن، عدتُ أنا وأمي إلى الشوارع معاً، لكن هذه المرة كنا نسير جنباً إلى جنب. 

ومع بث الفلسطينيين إبادتهم على الهواء للعالم، لم أستطع إلا أن أتخيل كيف كان سيبدو قتل أكثر من مليون عراقي من ربيع 2003 إلى صيف 2007 في العصر الرقمي. كم من الوجوه، وكم من القصص، وكم من المجازر مُحيت دون شهادة؟ بدا غياب الشهادة شكلاً آخر مرعباً من العنف. 

في العام التالي، عندما انضممت إلى اعتصامات الجامعات ضد الإبادة، لم يكن مرجعي التاريخي احتجاجات الحرب على فيتنام في الولايات المتحدة، بل معسكر السلام الذي أقامه براين هاو منفرداً خارج البرلمان البريطاني من عام 2001 إلى 2011، احتجاجاً على عنف الحكومة البريطانية في العراق. وعندما سُئل: كم ستستمر في احتجاجك؟ أجاب: “مهما استغرق الأمر. متى تتخلى عن الأطفال؟” بدا الانخراط في هذه الاعتصامات وكأنه إحياء لذلك الإرث، واستمرار لاحتجاج متجذر في معارضة الحرب التي شكلت وعيي السياسي، وتأكيد على أن احتجاجاتنا ضد الظلم ستستمر مهما طال الزمن. 

نصب في ساحة البرلمان، لندن، للفنانة غابي سمارة. المصدر: الكاتبة 

هذا العام، ومع هجوم الولايات المتحدة على إيران تحت ذرائع مشابهة لذريعة أسلحة الدمار الشامل، وباستخدام مفاهيم استعمارية عن “التحرير”، بدا الإحساس الموروث بمسؤولية الاحتجاج ضد العنف الاستعماري أكثر حدة من أي وقت مضى. كل عودة إلى الشارع بدت كواجب يحمل ارتباطي بالعراق إلى اللحظة الراهنة، فيما يستمر في تشكيل كيفية فهمي للظلم في المنطقة. 

ورغم أن هذا الوعي نابع من تجربة شخصية، فإن وضع حرب العراق في مركز الوعي السياسي ليس أمراً فريداً. بالنسبة لكثيرين من ذوي الأصول العراقية في المملكة المتحدة، أصبح الاحتجاج حجر الأساس في علاقتنا بالعراق. 

لا يتجلى هذا الوعي الجماعي في مسيراتنا فقط، بل في فنوننا أيضاً، فمِن كلمات أغاني مغني الراب البريطاني-العراقي لوكي، إلى نص مسرحية “Baghdaddy” للكاتبة جاسمين نزيهة جونز، وأعمال أختي غابي سمارة الفنية. تعكس هذه الأشكال من الفن السياسي الاحتجاجي مشاعر جيل تُستعاد فيه حرب العراق باستمرار وتُجسَّد في حياتنا، بشكل فردي وجماعي، في السر والعلن. 

بعد 23 عاماً، لم تنتهِ حرب العراق، لقد أصبحت الإطار المرجعي الذي يتحرك من خلاله الكثير منا في العالم، تعود بشكل دوري في لحظات التحدي. إن احتجاجاتنا تكتب الذاكرة والغضب وتحمل إحساساً دائماً بالمسؤولية تجاه من قُتلوا في العراق عام 2003 وما تلاه. وفي أوقات كهذه، حين يبدو التاريخ وكأنه يعيد نفسه بشكل خطير، يطاردنا موتهم ويدفعنا إلى التصرف أكثر من أي وقت مضى. إن حرب العراق، وجميع ضحاياها، تعيش في وعينا السياسي وفي احتجاجاتنا. 

  • هذه المادة جزء من سلسلة ينشرها جمار بمناسبة الذكرى الـ23 للغزو الأمريكي للعراق. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

آلان كردي (المولود باسم شينو)، الطفل الكردي السوري الذي غرق أثناء عبوره البحر المتوسط عام 2015، توفي في العمر نفسه الذي كنتُ فيه أُدفَع في عربة أطفال وسط لندن خلال احتجاجات ضد الحرب على العراق. أثناء نشأتي، كنت أُصارع سؤالاً مُلحاً: لماذا كنتُ أنا في عربة أطفال، بينما هو في قارب مطاطي؟ 

على الرغم من أن أمي، شأنها شأن معظم العراقيين من جيلها، حذرتني مراراً من الانخراط في السياسة خارج المنزل، إلا أن أفعالها ناقضت نصائحها أحياناً، فحين كنت لا أزال أُدفَع في عربة أطفال، أخذتني معها إلى احتجاجات “أوقفوا الحرب” ضد غزو العراق في لندن في ربيع عام 2003. 

ورغم أنني لا أتذكر تلك اللحظة بوضوح، إلا أنني أفهمها بوصفها تجربة تأسيسية لا بد أنها استقرت في لاوعيي، وشكلت لاحقاً الطريقة التي تعاملت بها مع الإرث المستمر لحرب العراق. الإحساس بالحزن الغامر هو أكثر ما بقي في ذاكرتي من أصوات الاحتجاج أو مكانه، الحزن الذي شهدته مراراً وتكراراً كلما شاهدنا الأخبار عن العراق في السنوات التي تلت. 

ولدتُ بهوية بريطانية-عراقية-إيرلندية، وكانت حرب العراق أمراً لا يمكن الإفلات منه، لأن ارتداداتها لم تنتهِ أبداً، لقد شكلت المشهد السياسي الذي تلاها، بطرق ربما لا ينتبه إليها إلا من لديهم جذور عراقية. ظل العراق حاضراً في الأحاديث، وفي العناوين، وفي الخطاب السياسي، وكان عنفه يعود رغم المسافة الزمنية والمكانية التي تفصله عن لحظة الغزو. 

احتجاج “أوقفوا الحرب”، 2003. المصدر: الكاتبة

طوال فترة مراهقتي، هيمنت ما تسمى بـ”أزمة المهاجرين” على الصفحات الأولى لوسائل الإعلام البريطانية العنصرية، هوس بدأ عام 2014 ولم يزل يتصاعد منذ ذلك الحين، متجسداً اليوم في هجوم متواصل على القوارب الصغيرة وفنادق طالبي اللجوء. على الرغم من تصوير هؤلاء اللاجئين على أنهم “سرب” أو “غزو” أو “تهديد” لبريطانيا، إلا أنني كنت أرى في كل وجهٍ عراقيين يفرون من الحرب. كنت مُدركة بوضوح أنني في زمنٍ ما يمكن أن أكون واحدة منهم، وأن إنسانية الكثير من البريطانيين كانت مشروطة بمكان الولادة. 

في الفترة التي سبقت استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، أرسل حزب الاستقلال البريطاني (UKIP)  منشوراً إلى منزلنا، طُبِعت عليه خريطة، لم يُذكر فيها سوى المملكة المتحدة وتركيا وسوريا والعراق. 

كانت الرسالة واضحة، لم يكن هؤلاء العنصريون يكرهون الأوروبيين، بل يكرهون العراقيين الذين يجب أن يظلوا في العراق ليُقتلوا بقنبلة بريطانية أو رصاصة أمريكية، بدلاً من السماح لهم ببناء حياة في بريطانيا. أدركت حينها أن كراهيتهم للعراقيين عميقة إلى حد استعدادهم للتخلي عن فوائدهم من الاتحاد الأوروبي للتخلص من أشخاص مثلنا، غير مرغوب فيهم وقابلين للاستبدال. 

عام 2017، جلستُ في حصة السياسة، كان أستاذي يصرُّ على أن حرب العراق كانت أمراً جيداً، فصدام كان وحشاً، و”نحن” جلبنا “الديمقراطية” للعراق. وخلفي في الصف الدراسي في مقاطعة سري الهادئة، وقف مجسم كرتوني ذو حجم شبه الطبيعي لمجرم الحرب توني بلير، وعيناه تخترقان ظهري أسبوعاً بعد آخر. بالنسبة لمعلمي، كان أفضل رئيس وزراء عرفته المملكة المتحدة. 

بدأت بذرة الاحتجاج، التي زُرعت أولاً في ذكرياتي اللاواعية عن الاحتجاج ضد حرب العراق، تنمو. وعلى الرغم من أننا نشأنا على عدم التحدث في السياسة خارج المنزل، لم أستطع أن أبقى صامتة بينما تُغرس هذه السرديات الحربية في عقول زملائي دون اعتراض. 

تحدثتُ، لكنني وُصِفت بأنني “عاطفية” و”غاضبة”. لم أكن مستعدة بما يكفي لمجادلة شخص يكبرني بأربعين عاماً، يتحدث عن العراق ببرود أكثر مما يفعل حين أفشل في تسليم واجبي المنزلي. ومع ذلك، خلال العامين التاليين، كنت أُعيد إحياء جدالنا كلما ذُكر العراق، وسط ملل واضح من زملائي الذين كانوا يديرون أعينهم: ها نحن نبدأ من جديد. 

برر المعلم نفسه لاحقاً استخدام التعذيب عبر سيناريو افتراضي لقنبلة موقوتة، صيغ بعناية لإثارة الخوف في نفوس الطلاب. في ذهني، لم تكن القنابل تنفجر في النظرية بل في بغداد، ولم يكن التعذيب خيالياً بل موثقاً في سجن أبو غريب. 

اعترضتُ بأن التعذيب لا يمكن أن يؤيده إلا من لن يتعرض له أبداً، من لن يُعذَّب أو يُضرَب لأنه عراقي فقط، لكنني، على ما يبدو، لم أكن مقنعة. 

ومع تقدمي في العمر، أصبح الحضور المستمر لحرب العراق هو البوصلة التي توجه حياتي اليومية. حضرت جلسات محاكم في لندن، حيث رفع عراقيون قضايا ضد وزارة الدفاع بشأن جرائم الجنود البريطانيين في العراق. وفي جامعة دورهام، كنت في نقاش دائم، مصممة على أنني في المرة القادمة التي أواجه فيها شخصاً مثل معلم السياسة سأكون قادرة على الدفاع عن نفسي. كتبت بلا توقف عن العراق في مقالاتي وأطروحتي حول العنف الأمريكي خلال حرب العراق، سعياً لاكتساب المعرفة والمنطق واللغة التي تمكنني من التعبير عمّا كنت أعرفه بالفعل. في كل ظلم، كنت أرى العراق. 

المصدر: الكاتبة

عام 2021، عندما اندلعت احتجاجات في أنحاء المملكة المتحدة ضد التطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيل في حي الشيخ جراح وقصفها لقطاع غزة المحتل، شعرتُ بواجب الحضور. كانت مشاهد القصف الإسرائيلي على غزة تُسقط المسافة بين الأزمنة والأماكن، وتستحضر القصف الأمريكي لبغداد، وتعيد الماضي بقوة إلى الحاضر. 

وبعد عامين، أعادت الإبادة الجماعية والحصار الذي فرضته إسرائيل على غزة إحياء العراق مرة أخرى. كان من المقزز مشاهدة الأنماط المألوفة لوسائل الإعلام الغربية وهي تشجع على القبول بقتل العرب، وتُجمّل العنف وتُضفي الشرعية على المجازر. رسمَت صور الفلسطينيين الجائعين تحت الحصار الإسرائيلي ملامح العراقيين الذين جُوِّعوا خلال سنوات من العقوبات. 

كان النزول إلى الشوارع من أجل فلسطين في الأشهر الماضية تعبيراً علنياً عن أسلوب حياة تمارَس بالفعل، حيث يصبح الاحتجاج ممارسة يومية. وفي المظاهرة المليونية ضد الإبادة في لندن، عدتُ أنا وأمي إلى الشوارع معاً، لكن هذه المرة كنا نسير جنباً إلى جنب. 

ومع بث الفلسطينيين إبادتهم على الهواء للعالم، لم أستطع إلا أن أتخيل كيف كان سيبدو قتل أكثر من مليون عراقي من ربيع 2003 إلى صيف 2007 في العصر الرقمي. كم من الوجوه، وكم من القصص، وكم من المجازر مُحيت دون شهادة؟ بدا غياب الشهادة شكلاً آخر مرعباً من العنف. 

في العام التالي، عندما انضممت إلى اعتصامات الجامعات ضد الإبادة، لم يكن مرجعي التاريخي احتجاجات الحرب على فيتنام في الولايات المتحدة، بل معسكر السلام الذي أقامه براين هاو منفرداً خارج البرلمان البريطاني من عام 2001 إلى 2011، احتجاجاً على عنف الحكومة البريطانية في العراق. وعندما سُئل: كم ستستمر في احتجاجك؟ أجاب: “مهما استغرق الأمر. متى تتخلى عن الأطفال؟” بدا الانخراط في هذه الاعتصامات وكأنه إحياء لذلك الإرث، واستمرار لاحتجاج متجذر في معارضة الحرب التي شكلت وعيي السياسي، وتأكيد على أن احتجاجاتنا ضد الظلم ستستمر مهما طال الزمن. 

نصب في ساحة البرلمان، لندن، للفنانة غابي سمارة. المصدر: الكاتبة 

هذا العام، ومع هجوم الولايات المتحدة على إيران تحت ذرائع مشابهة لذريعة أسلحة الدمار الشامل، وباستخدام مفاهيم استعمارية عن “التحرير”، بدا الإحساس الموروث بمسؤولية الاحتجاج ضد العنف الاستعماري أكثر حدة من أي وقت مضى. كل عودة إلى الشارع بدت كواجب يحمل ارتباطي بالعراق إلى اللحظة الراهنة، فيما يستمر في تشكيل كيفية فهمي للظلم في المنطقة. 

ورغم أن هذا الوعي نابع من تجربة شخصية، فإن وضع حرب العراق في مركز الوعي السياسي ليس أمراً فريداً. بالنسبة لكثيرين من ذوي الأصول العراقية في المملكة المتحدة، أصبح الاحتجاج حجر الأساس في علاقتنا بالعراق. 

لا يتجلى هذا الوعي الجماعي في مسيراتنا فقط، بل في فنوننا أيضاً، فمِن كلمات أغاني مغني الراب البريطاني-العراقي لوكي، إلى نص مسرحية “Baghdaddy” للكاتبة جاسمين نزيهة جونز، وأعمال أختي غابي سمارة الفنية. تعكس هذه الأشكال من الفن السياسي الاحتجاجي مشاعر جيل تُستعاد فيه حرب العراق باستمرار وتُجسَّد في حياتنا، بشكل فردي وجماعي، في السر والعلن. 

بعد 23 عاماً، لم تنتهِ حرب العراق، لقد أصبحت الإطار المرجعي الذي يتحرك من خلاله الكثير منا في العالم، تعود بشكل دوري في لحظات التحدي. إن احتجاجاتنا تكتب الذاكرة والغضب وتحمل إحساساً دائماً بالمسؤولية تجاه من قُتلوا في العراق عام 2003 وما تلاه. وفي أوقات كهذه، حين يبدو التاريخ وكأنه يعيد نفسه بشكل خطير، يطاردنا موتهم ويدفعنا إلى التصرف أكثر من أي وقت مضى. إن حرب العراق، وجميع ضحاياها، تعيش في وعينا السياسي وفي احتجاجاتنا. 

  • هذه المادة جزء من سلسلة ينشرها جمار بمناسبة الذكرى الـ23 للغزو الأمريكي للعراق.