التاريخ الفني للحزب الشيوعي العراقي

إيهاب شغيدل

31 آذار 2026

لكل حزب عراقي أرشيف عن أثره في الحركة الفنية والثقافية، وعادةً ما يكون هذا الأثر خدوشاً على جسد الفن، لكنّ تجربة الحزب الشيوعي كانت مختلفة، وأثرها كان تأسيسياً في الفن العراقي.

في صيف عام 1995، كان رياض أحمد يحيي حفلة في نادي الصابئة المندائيين بجانب الكرخ في بغداد، على الطاولة 14 أو ربما 24 كان يجلس الشاعر الراحل إبراهيم الخياط واثنان من أصدقائه القادمين من بعقوبة، وكان هؤلاء مجموعة رفاق شيوعيين من تنظيمات ديالى.

ما إن غنّى أغنيتين أو ثلاثاً من روائعه حتى بدأ في استقبال طلبات الحضور عبر قصاصات ورقية تُدس في جيبه، مكتوب فيها الأغاني التي يرغبون في الاستماع إليها. عندما قرأ القصاصة التي أرسلها إبراهيم الخياط ورفاقه قال رياض أحمد: “الظاهر أكو هنا ميز شيوعي”.

ليس لأحمد باع في النقد والفكر، غير أنه، من خلال ثلاث أغانٍ مكتوبة في ورقة، استطاع أن يميز الانتماء السياسي للشيوعيين. تدلّ هذه الحكاية على أن للشيوعيين أغانيهم وذوقهم ومزاجهم الخاص، وفنهم أيضاً.

العهد الجمهوري: بداية ذهبية ونهاية كارثية

“كن تقدمياً في نظرتك إلى المجتمع وفي نظرتك إلى المرأة، وشعبياً في نظرتك للعلم والفن والأدب، واحترم القادة الاجتماعيين والعلماء والفنانين والأدباء، الذين يخدمون الشعب وتحرره الوطني وسعادته”. كانت تزين هذه العبارات بطاقة عضوية الحزب، لتعلن عن طابع ثقافي واضح، منسجمة بذلك مع مقولة لينين الشهيرة: “لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية”.

ركّز الحزب، مثل الأحزاب التقدمية العربية التي نشأت بعد الاستعمار، على ارتقاء الطبقات المهمشة ثقافياً وفكرياً عبر التعليم والأدب والفن، وترسيخ القيم الوطنية والثورية.

استقطب الحزب الشيوعي العراقي، منذ تأسيسه، كوادر ثقافية متقدمة وفاعلة. جذب الشعراء والأدباء والكتّاب، ممن وجدوا أن قيم الحزب تنسجم مع رؤيتهم، عند بدء الحراك العربي المضاد للاستعمار والأنظمة الملكية التي هي امتداد له، في نظر الكثيرين منهم.

جاذبية الحزب جعلت العديد من أفراده يساهمون في صياغة الحركات الأدبية والفنية بوصفهم أفراداً، وليس بصفتهم الحزبية. من ذلك، أسهم الشيوعيون في تأسيس حركة الشعر الحر في العراق عام 1947، الشعر الذي جاء منسجماً مع المدّ اليساري الذي أخذ ينتشر مع نهاية الحرب العالمية الثانية، أبرزهم السيّاب والبياتي، ومع نازك الملائكة افتتحوا طريق كتابة التفعيلة.

اجتياح الثقافة اليسارية لم يقتصر على الأدب، بل انسحب إلى المسرح. تحت هذا الفضاء الذي بات يتشكل، تأسست فرقة المسرح الفني الحديث عام 1952، وكان من أبرز مؤسسيها ممن ينتمون إلى الحزب الشيوعي أو يعدون مقربين منه: يوسف العاني، وطه سالم، ووداد سالم، وزينب، وخليل شوقي، وسامي عبد الحميد، وفاروق فياض، وناهدة الرماح.

قبل تأسيس الحزب، ظهرت خلايا ثقافية واجتماعية متفرقة، أبرزها كانت نتاجاتها مجلة “الصحيفة” التي تُبشِّر بالاشتراكية، وأشرف على تأسيسها حسين الرحال عام 1924، فيما يعود تكوين أول حلقة شيوعية إلى عام 1927، وضمت مؤسس الحزب “فهد”، ووزعت أول المناشير الشيوعية عام 1932 في مدينة الناصرية.

الإعلان الرسمي لتأسيس الحزب كان في 31 آذار عام 1934 عبر مجموعة يرأسها فهد، منهم مهدي هاشم وحسن عباس الكرباس، وأعلنوا عن تنظيم مركزي واحد باسم “لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار”، ثمّ تغيّر اسمها في 1935 إلى “الحزب الشيوعي العراقي”. 

في تموز 1935، أصدر الحزب أوّل جريدة رسمية له، “كفاح الشعب”، تلتها محاولات أخرى، منها الشرارة 1940، والقاعدة 1943. خلال تلك السنوات، استطاع الحزب أن يؤسس قواعده الثقافية والسياسية والاجتماعية. وعبر هذا، استطاع أن يراكم تجربة ثقافية وفنية وسياسية أصبحت قاعدة يرتكز إليها حضوره في العهد الجمهوري.

في 14 تموز 1958، نجح عبد الكريم قاسم ورفاقه في “الانقلاب”، الذي تحوّل “بدعم الشيوعيين إلى ثورة شعبية” حسب أدبيات الحزب، وظهر الجسد الشيوعي بكامل لياقته السياسية والاجتماعية. كان يبني كوادره بنهم وتأَنٍ حسب وصف الحزب لتلك الفترة، مستهدفاً أكبر عدد من الأفراد الفاعلين في المجال العام عن طريق الكسب النوعي.

قدرته التنظيمية وكوادره من النخب سرعان ما استطاعت أن تصبح الظهير الفني والأدبي للعهد الجمهوري، كما أنها زُجّت في جسد الدولة. من الجانب الثقافي، أسهم أفراد من الحزب بوضوح في تأسيس اتحاد الأدباء العراقيين في ربيع 1959، وأول هيئة إدارية للاتحاد كان الشيوعيون هم الأغلبية فيها، متمثلين بذي النون أيوب، وعبد الوهاب البياتي، ولميعة عباس عمارة، وسعدي يوسف، يُضاف إليهم من “يُعبَّر عنهم بالأصدقاء”، أي أصدقاء الحزب مثل محمد مهدي الجواهري، الذي انتُخب بالتزكية وقتها رئيساً للاتحاد.

للجواهري لقاءان خاطفان مع فهد، مؤسس الحزب، كما يقول الجواهري نفسه في مذكراته، رغم عدم معرفته بأنه فهد تحديداً. في المقابل، طلب بعض أعضاء الحزب من فهد حثّ الجواهري على الكتابة، وقيل له إن الجواهري لا يكتب قصائد ثورية، وكان رد فهد معاكساً لما انتظره الرفاق: “الجواهري لا يكتب إلا على حدث، عليكم صنع هذا الحدث والجواهري سينبري للكتابة”. وهذا ما حصل لاحقاً في أكثر من مناسبة.

مع دخول العراق المرحلة الجمهورية، صار لدى العديد من الفنانين والأدباء شعور بأن هذا التغيير العميق يجب أن ينعكس على الفن. الملحن عباس جميل يقول عن مسار ألحانه بعد ثورة 1958: “أخذت أفكر في عطاء جديد، تتحكم فيه الأنغام المتعددة، والتوزيع الهارموني، فتطرقت إلى الأغنية الموزعة، وكانت من مقدمة هذه الأغاني أغنية (جا وين أهلنه)”.

وهذا انسجم مع اتساع تذوق الناس للفنون، وازدياد التفاعل مع الأنشطة الثقافية والأدبية، التي جاءت نتيجة زيادة نسبة المتعلمين. هذا الازدياد وسّع بدوره رقعة مطالب الفلاحين ومعرفتهم حقوقهم، من خلال المتعلمين في القرى خصوصاً، فأصبح الحزب منافساً للمد الديني في الأرياف من ناحية التأثير، وتبلور هذا أكثر بعد قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958.

وصل التأثير الشيوعي إلى ذروته في الخمسينيات والستينيات، عندما انقسمت الثقافة آنذاك إلى اتجاهين أيديولوجيين: اليساري “الماركسي الشيوعي” واليميني “القومي البعثي”، عندما كان الإسلام السياسي “الشيعي” قد بدأ بالتشكل في نهاية الستينيات. ووفقاً لهذا الانقسام قُسمت الجرائد والمجلات والمطبوعات، وهكذا الأمر في النقابات والأفراد وغيرها. وانعكس على الأدب والفن؛ فهناك مئات القصائد والأغاني والآثار الفنية التي يمكن القول عنها إنها شيوعية خالصة، منها تجربة السياب الشعرية يوم كان شيوعياً، ويتضح الطابع أكثر مع سعدي يوسف والبياتي وبلند والنواب وغيرهم.

الحرية النسبية التي حصل عليها الحزب في 1958 انتهت مع انقلاب الثامن من شباط 1963، وزُجّ أغلبه في السجون مرة أخرى، ليصبح ذلك أبرز محطات النخب الثقافية الشيوعية. وكما يشير فالح حسون الدراجي، فإن نقرة السلمان في 1963 كانت جامعة بالمعنى الأكاديمي؛ حيث تُصدَر فيها جريدة، وثمة فيها مكتبة.

أبرز الأسماء التي كانت في السجن: الشاعر مظفر النواب، والشاعر ناظم السماوي، وعريان السيد خلف، وأبو سرحان، وسعدي يوسف، وفاضل ثامر، وألفريد سمعان، وطالب محمود السيد، وسعدي الحديثي، ويوسف الصائغ وغيرهم، وقد أصبحوا فيما بعد من الركائز الأدبية والفنية في العقد السبعيني.

آنذاك، كان الغناء العراقي يدور في فلكين: الغناء البغدادي، بما يضمه من مقام وأغنية بغدادية وجالغي بغدادي. والغناء الريفي، الذي بدأ بالحضور بعد ثورة العشرين وتأسيس الدولة. فيما بدأت ملامح جديدة تتشكل مع ظهور الحزب الشيوعي وتأسيس الجمهورية، وهذا الغناء هو غناء مدني ثوري، يرفع رايات المقاومة والتضامن مع قضايا في قارات قصية وصولاً إلى أمريكا اللاتينية، فضلاً عن العدالة الاجتماعية وتعزيز الشعور بالوطنية، وغيرها من المفاهيم التي ارتبطت بالحزب الشيوعي في العراق.

هذا الغناء وُجد، قبل ظهوره الرسمي، في عشرات القصائد من تركة النواب وناظم السماوي وأبو سرحان وباقي الرفاق، كُتبت هذه القصائد في الخمسينيات والستينيات باللغة العامية (شعر شعبي)، لتصبح فيما بعد عماد الغناء السبعيني، الذي هيمن عليه الملحن والمطرب الشيوعي، والفن الشيوعي، الذي تمثل المرحلة السبعينية ذروة نشاطه وإنتاجه.

بعد انقلاب شباط 1963، لم تكفّ محاولات السلطات المتعاقبة عن قمع الحركة الشيوعية في العراق، فعاش الحزب جنباً إلى جنب مع السجون والمطاردات. الصراع بين القوميين واليساريين هو أبرز ما يمكن ملاحظته في العقود الثلاثة التي عاشتها الحياة السياسية في العراق، خصوصاً في فترة حكم عبد السلام عارف، الذي كانت لديه رغبة بالانتقام من الشيوعيين، الذين يعتبرهم أساس خسارته للسلطة في الصراع مع عبد الكريم قاسم. بالتالي، لم يقف عارف بوجه أجهزة الأمن التي مارست شتى أنواع التعذيب بحق الشيوعيين، بل صادق على جميع أحكام الإعدام الصادرة من محاكم البعثيين القوميين بحق الشيوعيين والمحسوبين على الفكر الماركسي.

حُسم الصراع بعد أن دخل الحزب الشيوعي في الجبهة الوطنية التقدمية، التي ضمت آنذاك حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الثوري الكردستاني في تحالف مع الحزب الشيوعي. هذا التحالف بُني على أساس مشتركات بين القوميين والشيوعيين. الجبهة التي أُعلنت عام 1973 كانت أول عملية مصالحة وطنية بين البعث والشيوعي العراقي، إلا أن ما حصل هو أن البعث كشف كل قيادات ورموز الحزب الشيوعي وبدأ بتصفيتهم.

قيادة البعث اتخذت قراراً بتصفية تنظيمات وكوادر الشيوعيين، وباشرت عبر أجهزتها المختلفة جمع المعلومات عنهم وعن أصدقائهم قبل وأثناء وبعد انعقاد الجبهة.

التحالف، الذي تعتبره غالبية الشيوعيين في العراق لحظة انهيار الحزب وإضعافه، أسهم في صياغة معادلة جديدة، بُطش بالحزب لمدة عقد كامل، وقُسّمت كوادره بين قتيل وسجين وهارب إلى إقليم كردستان أو خارج البلد.

تأثير الحزب الفني في العقد الذهبي

ظهرت في السبعينيات الأغنية الشيوعية السياسية ذات الأفكار العالمية، ومن أشهر تلك الأناشيد التي عمادها فكرة الشيوعية “تشيلي تمر بالليل نجمة بسمانا”، و”سانتياغو دم بالشوارع، دم بالمصانع”، وقد غُنّيت في “أسبوع التضامن مع الشعب التشيلي”، الذي عقده الشيوعيون في جمعية التشكيليين العراقيين عام 1973، تضامناً مع نظام سلفادور أليندي الذي أسقطه انقلاب الجنرال بينوشيه. كان الحزب الشيوعي العراقي، مثل العديد من الأحزاب اليسارية، يشجع ثورة أليندي في تشيلي ويراها حركة تقدمية ضد الاستبداد والظلم.

يربط حميد البصري، الفنان والباحث، بين انتشار الأغنية السياسية في النصف الثاني من القرن العشرين وروح التضامن التي سادت اليسار العالمي: “انتشرت فكرة الأغنية السياسية في الوطن العربي بشكل واسع مع شهرة المغني التشيلي فيكتور جارا، خاصة بعد أن أقدمت السلطة الدكتاتورية في تشيلي على قطع أصابع يده في إحدى الساحات أمام الجماهير لكي لا يتمكن من العزف، مما حدا بفيكتور جارا إلى الغناء دون آلة موسيقية، فرددت الجماهير معه أغنيته، وطار عقل الجلادين من ذلك الموقف، فقتلوه”.

يحدد البصري بداية الأغنية السياسية في العراق، وهو الذي كان جزءاً منها: “في العراق، بدأت الأغنية السياسية في سجون العهد الملكي، ثم مع بداية ثورة تموز 1958، وزادت بعد انتكاسة هذه الثورة وسيطرة التيار القومي، والبعثي بالذات، على السلطة. كان للحزب الشيوعي العراقي أكثر من فرقة للأغنية السياسية، حيث شاركت تلك الفرق، التي ضمت العديد من فرسان الأغنية السياسية، في مهرجان الشباب العالمي في برلين عام 1973، ثم في مهرجان عروس البحر في بيروت بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني عام 1974”.

استمر هذا الزخم حتى نهاية السبعينيات، حيث انحسر عمل الحزب كثيراً، وتراجع بعد أن عاش ذروته. وقتها بدأت ملامح هجرة الشيوعيين تتضح، ولم تبقَ إلا القلة الفاعلة منهم. مع ذلك، يُعتبر العقد السبعيني عقد الغناء والثقافة والشعر الشيوعي إلى حدٍّ ما.

ربما لا يتضح ذلك في كافة مفاصل العمل الثقافي، لكن صوت الحزب بقي مهيمِناً في الغناء. الهجرة الجماعية أخذت غالبية رموز الفن والثقافة الشيوعية إلى الخارج لتكمل من هناك رحلتها، وتركّزت الهجرة السبعينية نحو أوروبا الشرقية والأقطار العربية القصية والمجاورة. لكن ما تبقّى منهم أسهم في صياغة الفن المدني الجديد، الذي سيخرج من ثنائية الغناء البغدادي والريفي.

مع مرور السنوات، احتكرت المؤسسة الرسمية الفن، وتمت تصفية الشيوعيين من قبل نظام البعث. وقد تعمق ذلك وترسخ مع تسلّم صدام حسين زمام السلطة في العراق، وبعدها بعام واحد فقط اندلعت الحرب العراقية-الإيرانية، التي لم تبقِ في العراق غير صوت صدام والبعث وأغاني التعبئة العسكرية.

رغم تأثر الحزب تنظيمياً في تلك الفترة، إلا أنه أسهم بفاعلية في فترة الازدهار الفني السبعيني، وهي الفترة التي يعدّها الكثيرون العقد الذهبي للفن. ففي عام 1969، أُنتجت أغنية “يا نجمة” للفنان حسين نعمة، الذي كان قد التحق بالإذاعة حديثاً. وتعود قصة الأغنية إلى “ردّة” كان يترنم بها الشيوعيون في معتقل نقرة السلمان، “يا نجمة عونچ يا نجمة”، لكن الملحن كوكب حمزة حولها إلى أغنية “أيقونية”، وتُعتبر من بواكير التحول الفني.

حسين نعمة لم يكن شيوعياً، إلا أن غالبية أغانيه خرجت من أيدٍ شيوعية، وأشهرها “يا حريمة“، التي كتبها ناظم السماوي ولحنها حمزة أيضاً. إجمالاً، ارتبط جزء كبير من أغاني السبعينيات بأسماء شيوعية، أبرزها أغانٍ لـ”ياس خضر” مثل “البنفسج” و”الريل وحمد”. بهذه الطريقة تسلّل الشيوعيون إلى الفن، ورسّخوا كلماتهم وألحانهم، وهيمنوا على العقد الذي انهار فيه تنظيمهم الحزبي.

“حدر التراچي برد”.. كوكب نموذج الملحن الشيوعي

كوكب حمزة يُعد من أهم الملحنين العراقيين الذين أسهموا في تغيير مسار الأغنية العراقية؛ فقد حررها من رتابتها وأنماطها التقليدية وبطء الإيقاع. لحن أغانيَ كثيرة لمائدة نزهت، وياس خضر، وحسين نعمة، منها “حدر التراچي برد”، و”يا طيور الطايرة”، التي جمع فيها بين إيقاعات الريف والمدينة، مع تنويع في الإيقاع بين لحن إلى آخر، بعيداً عن النمطية والرتابة، ليقدّم في نهاية المطاف لحناً جديداً يُسجل به انعطافة كبيرة في الأغنية العراقية التي تتسم بالحزن والرتابة والبطء.

وُلد كوكب في مدينة القاسم عام 1944، وتخرّج من معهد الفنون الجميلة عام 1964، ولحّن أول أعماله عام 1969. فشلت أغنيته الأولى “مر بيّه”، فتوقف مع نفسه -كما يقول- ليكتشف أن سبب الفشل هو أن الأغنية “جنسيتها مشوّهة”، ليقرر أن تكون أغنيته عراقية صميمة، فخرج بأغنية “يا نجمة”.

كوكب، المُجرِّب الذي لحن أغنية عراقية بلا أية آلة شرقية، وقريبة إلى غناء الأهوار، “لولي يا ناگوط الماي”، تعرّض للملاحقة مبكراً، واعتُقل عام 1963، وهناك في المعتقل تطور فكره السياسي حيث التقى بالشاعر مظفر النواب.

بسبب موقفه السياسي، كُرّس كوكب بوصفه واحداً من أبرز الأسماء الفنية التي قاومت أنظمة الحكم في العراق، وهذا ما جعله من أوائل المبدعين الشيوعيين الذين غادروا البلاد خوفاً من بطش السلطة.

ذهب كوكب إلى الاتحاد السوفيتي عام 1974، ثم انتقل إلى أذربيجان، وفيها درس الموسيقى، وبعدها سافر إلى سوريا ثمّ الولايات المتحدة الأمريكية، ليستقر أخيراً في الدنمارك منذ عام 1989. هذا التجوال ساعده في التعرف على أغنيات الشعوب وموسيقاها، التي أثّرت لاحقاً على تجربته الموسيقية.

انضم إلى العديد من الفرق الغنائية، منها فرقة الميناء، والفرقة البصرية، وفرقة بابل للغناء العراقي. طغى تأثيره الفني في السبعينيات، وربما يمكن اعتباره أبرز الشيوعيين وأكثرهم تأثيراً. ويُعزى له الفضل في اكتشاف واحد من أهم مطربي جيله، وهو رياض أحمد، الذي لم يكن شيوعياً، لكنّه نال منه أغنية “صار العمر محطات”، ولحنها من أكثر الألحان تجديداً في السبعينيات.

رياض، الذي كان صديقاً للشيوعيين، يقول عنه طه رشيد: “ربطتنا صداقة مطلع سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يصبح نجماً في عالم الغناء، سرعان ما انفرط عقدها بسبب تركي للعراق، نتيجة للهجمة الشرسة التي شنّها النظام السابق ضد القوى الوطنية في نهاية السبعينيات”.

هذا التعبير يدل على شدة الهجمة التي تعرض لها الحزب في تلك الفترة، ويؤكد في الوقت ذاته روابط رياض بالحزب، رغم عدم انتمائه. ومن الزخم اللحني الذي قدمه كوكب بداية السبعينيات انطلق سعدون جابر في أغنية “يا طيور الطايرة”، التي كتب كلماتها الشيوعي الآخر زهير الدجيلي، ليُصبح سعدون فيما بعد سفير الأغنية العراقية بعد ناظم الغزالي.

المساحة التي فتحها الشيوعيون كانت متاحة للجميع، لذا هيمنت أصواتهم على الحقبة ككل.

كانت الأجواء التي عمل فيها كوكب قبل مغادرته العراق صعبة وقاسية، وقد رُفضت العديد من الأغاني التي لحنها بسبب الرقيب السياسي/الفني. لكن هجرته لم توقف عمله، فقد تعاون لاحقاً مع عشرات الفنانين من داخل العراق وخارجه، منهم: سعدون جابر، وحسين نعمة، وستار جبار، وفاضل عواد، وكريم منصور، وفؤاد سالم، وأصالة نصري، وعبد الله رويشد، وأسماء المنور.

أفول الصوت الشيوعي في الغناء 

مع اشتداد التضييق على الحزب، جرت محاولات عديدة لإعادة الاعتبار له كفاعل ثقافي، منها تأسيس فرقة جماعة تموز للأغنية الجديدة عام 1976، على يد الملحن حميد البصري والشاعر زهير الدجيلي.

كان هدف الفرقة إنتاج أغانٍ غير مباشرة، لا تخرج موضوعاتها عن حب الوطن والناس وغيرها من المفاهيم التي تعد ركائز الأيديولوجية الشيوعية. لم تصمد الفرقة طويلاً بسبب الظرف السياسي، رغم أنها قدمت حفلات عديدة في مدن العراق، إلا أن النظام لم يسمح بتسجيل تلك الأغاني.

مع نهاية السبعينيات، هاجر بعض أعضاء الفرقة إلى المنافي، حيث أسس حميد البصري وزوجته شوقية العطار في اليمن فرقة أخرى على أنقاضها، وهي فرقة الطريق، التي ستترك عشرات الأغاني، أشهرها “الحرية”، و”تدرون ليش نحب”، و”بيروت”، و”كل الأغاني انتهت”، و”أعود”.

كما غنت الفرقة للقضية الفلسطينية، ومن أبرز ما قدمته أثناء انتفاضة 1988، “كفر قاسم”، و”صبرا وشاتيلا”، و”يا سما أكتوبر”، و”صوت الشهيد”. وقدمت الفرقة أكثر من ثلاثين حفلاً جماهيرياً في لبنان دعماً للمقاومة اللبنانية والفلسطينية.

مع ذلك، لم يذبل الجسد الثقافي الشيوعي تماماً، وإنْ تراجع كثيراً بسبب القمع والضغط والمطاردة، لكنه ظل يناضل من الخارج بكل ما أوتي من قوة. من جانب آخر، عانى جميع المنتمين للحزب من منع إنتاجهم الفني والأدبي، فصودرت أغانيهم وقصائدهم، واستمر هذا التغييب نحو عقدين، ضاع خلالهما الكثير من أرشيفهم الثقافي والفني، ولم يظهر منه إلا القليل. هذا التعتيم الذي مارسته سلطة البعث غيّب وطال أسماء كبيرة، فمُنعت قصائد مظفر النواب من التداول، كما مُنعت أغاني فؤاد سالم من البث والتداول أيضاً.

في العقد الثمانيني، هيمنت ثقافة الحرب على الحياة عموماً، ولم يتبق من نضال وكفاح الشيوعيين غير محاولات تنظيمية بسيطة، تكاد لا تُرى. وتوقف الانتساب للحزب عام 1978، ومن تدور حوله أدنى الشكوك كان القصاص منه ومن عائلته وأصدقائه يسبق حتى انضمامه الفعلي، وهذا أدى تدريجياً إلى الاختفاء التام للحزب تقريباً، ولم يُفتح باب الانتساب مجدداً إلا بعد عام 2003.

اقتصر كفاح عدد كبير من مبدعي الحزب في إقليم كردستان وخارج البلد على محاولات تقويض سلطة صدام حسين، الذي بطش بهم كما لم يفعل من قبل. ومع ذلك، مرّت بعض الخطابات غير المباشرة، ومنها قصيدة “المعيبر عبد” للشاعر عريان السيد خلف، التي كان “عبد” فيها رمزاً للحزب.

بعد عام 2003، عاد الحزب بواقع جديد، فُقدت فيه المركزيات والمرتكزات السياسية في البلدان العربية، هذا الذي تزامن مع سقوط المنظومة الاشتراكية، وفقْد اليساريين العرب مرتكزاتهم النظرية والفلسفية بخفوت صوت الشيوعية، وصعود نظرية موت الأيديولوجية وما رافقها من مد ديني وتكفيري.

عاد الحزب وكان النظام العالمي قد منح دوراً واضحاً في المنطقة العربية لصعود الإسلام السياسي، الذي هيمن على مفاصل الحياة الاجتماعية والسياسية، جاء بعد أن تراجع دور الأحزاب اليسارية إقليمياً بعد عقود من الحركات القومية، لذا عكف الحزب على لملمة شتاته، وأظهر مجدداً قدرته التنظيمية في العمل الثقافي، وشكل حضوره الثقافي بوضوح دون أن يزج نفسه مباشرة في السياسية العراقية بعد 2003، التي اعتبرها الحزب من الناحية الأيديولوجية امتداداً للاحتلال والاستعمار حسب أدبياته، حتى إن ممثله الوحيد في الجمعية الوطنية عومل وفقاً لهويته الطائفية، خلال ذلك نُصب مفيد الجزائري وزيراً للثقافة في أول حكومة شُكلت بعد 2003، مما يدل على التزامه الثقافي، فضلاً عن كونه الحزب الأكثر حضوراً في اتحاد الأدباء، على سبيل المثال لا الحصر، كما أنه أنتج العديد من الأغاني التي يمكن عدّها أغانيَ “مناسباتية”، إذ يُنتَج سنوياً في ذكرى تأسيسه العديد من الأغاني والأوبريتات.

هذا إلى جانب المهرجانات الغنائية التي أشرف على تنظيمها، كما أن مقره يُحيي بشكل دوري حفلات غنائية وشعرية.

ومن أبرز تلك الأغاني التي أطلقها الحزب بعد 2003 “آني مو شيوعي”، و”ورد آذار”، و”عيد الجمال”، فضلاً عن الأغاني التي ترتبط بموسم الانتخابات العراقية وتلك التي تدعو لدعم بناء مقراتهم، حتى في تفصيلات من هذا النوع تحضر الأغنية “التعبوية” الشيوعية.

يمكن النظر إلى الغناء العراقي المعاصر من زاوية أيديولوجية؛ فبعد هيمنة المزاج اليساري على الأغنية خلال عقد السبعينيات، ثم زجّها لاحقاً في الحرب العراقية-الإيرانية وأدوات التحشيد الحربي، بدأت الأغنية، منذ مطلع التسعينيات، تتحرر تدريجياً من الأطر الأيديولوجية.

وقد أدى ذلك إلى تنوّع الغناء التسعيني وازدياد طابعه الذاتي، بالتوازي مع بروز أجيال جديدة من الشعراء والملحنين، سعت إلى كسر المهيمنات الثقافية التي طالما غذّت الأغنية العراقية، وجعلت منها ظهيراً وواجهة إعلامية وإشهارية للسياسي والأيديولوجي.

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

في صيف عام 1995، كان رياض أحمد يحيي حفلة في نادي الصابئة المندائيين بجانب الكرخ في بغداد، على الطاولة 14 أو ربما 24 كان يجلس الشاعر الراحل إبراهيم الخياط واثنان من أصدقائه القادمين من بعقوبة، وكان هؤلاء مجموعة رفاق شيوعيين من تنظيمات ديالى.

ما إن غنّى أغنيتين أو ثلاثاً من روائعه حتى بدأ في استقبال طلبات الحضور عبر قصاصات ورقية تُدس في جيبه، مكتوب فيها الأغاني التي يرغبون في الاستماع إليها. عندما قرأ القصاصة التي أرسلها إبراهيم الخياط ورفاقه قال رياض أحمد: “الظاهر أكو هنا ميز شيوعي”.

ليس لأحمد باع في النقد والفكر، غير أنه، من خلال ثلاث أغانٍ مكتوبة في ورقة، استطاع أن يميز الانتماء السياسي للشيوعيين. تدلّ هذه الحكاية على أن للشيوعيين أغانيهم وذوقهم ومزاجهم الخاص، وفنهم أيضاً.

العهد الجمهوري: بداية ذهبية ونهاية كارثية

“كن تقدمياً في نظرتك إلى المجتمع وفي نظرتك إلى المرأة، وشعبياً في نظرتك للعلم والفن والأدب، واحترم القادة الاجتماعيين والعلماء والفنانين والأدباء، الذين يخدمون الشعب وتحرره الوطني وسعادته”. كانت تزين هذه العبارات بطاقة عضوية الحزب، لتعلن عن طابع ثقافي واضح، منسجمة بذلك مع مقولة لينين الشهيرة: “لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية”.

ركّز الحزب، مثل الأحزاب التقدمية العربية التي نشأت بعد الاستعمار، على ارتقاء الطبقات المهمشة ثقافياً وفكرياً عبر التعليم والأدب والفن، وترسيخ القيم الوطنية والثورية.

استقطب الحزب الشيوعي العراقي، منذ تأسيسه، كوادر ثقافية متقدمة وفاعلة. جذب الشعراء والأدباء والكتّاب، ممن وجدوا أن قيم الحزب تنسجم مع رؤيتهم، عند بدء الحراك العربي المضاد للاستعمار والأنظمة الملكية التي هي امتداد له، في نظر الكثيرين منهم.

جاذبية الحزب جعلت العديد من أفراده يساهمون في صياغة الحركات الأدبية والفنية بوصفهم أفراداً، وليس بصفتهم الحزبية. من ذلك، أسهم الشيوعيون في تأسيس حركة الشعر الحر في العراق عام 1947، الشعر الذي جاء منسجماً مع المدّ اليساري الذي أخذ ينتشر مع نهاية الحرب العالمية الثانية، أبرزهم السيّاب والبياتي، ومع نازك الملائكة افتتحوا طريق كتابة التفعيلة.

اجتياح الثقافة اليسارية لم يقتصر على الأدب، بل انسحب إلى المسرح. تحت هذا الفضاء الذي بات يتشكل، تأسست فرقة المسرح الفني الحديث عام 1952، وكان من أبرز مؤسسيها ممن ينتمون إلى الحزب الشيوعي أو يعدون مقربين منه: يوسف العاني، وطه سالم، ووداد سالم، وزينب، وخليل شوقي، وسامي عبد الحميد، وفاروق فياض، وناهدة الرماح.

قبل تأسيس الحزب، ظهرت خلايا ثقافية واجتماعية متفرقة، أبرزها كانت نتاجاتها مجلة “الصحيفة” التي تُبشِّر بالاشتراكية، وأشرف على تأسيسها حسين الرحال عام 1924، فيما يعود تكوين أول حلقة شيوعية إلى عام 1927، وضمت مؤسس الحزب “فهد”، ووزعت أول المناشير الشيوعية عام 1932 في مدينة الناصرية.

الإعلان الرسمي لتأسيس الحزب كان في 31 آذار عام 1934 عبر مجموعة يرأسها فهد، منهم مهدي هاشم وحسن عباس الكرباس، وأعلنوا عن تنظيم مركزي واحد باسم “لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار”، ثمّ تغيّر اسمها في 1935 إلى “الحزب الشيوعي العراقي”. 

في تموز 1935، أصدر الحزب أوّل جريدة رسمية له، “كفاح الشعب”، تلتها محاولات أخرى، منها الشرارة 1940، والقاعدة 1943. خلال تلك السنوات، استطاع الحزب أن يؤسس قواعده الثقافية والسياسية والاجتماعية. وعبر هذا، استطاع أن يراكم تجربة ثقافية وفنية وسياسية أصبحت قاعدة يرتكز إليها حضوره في العهد الجمهوري.

في 14 تموز 1958، نجح عبد الكريم قاسم ورفاقه في “الانقلاب”، الذي تحوّل “بدعم الشيوعيين إلى ثورة شعبية” حسب أدبيات الحزب، وظهر الجسد الشيوعي بكامل لياقته السياسية والاجتماعية. كان يبني كوادره بنهم وتأَنٍ حسب وصف الحزب لتلك الفترة، مستهدفاً أكبر عدد من الأفراد الفاعلين في المجال العام عن طريق الكسب النوعي.

قدرته التنظيمية وكوادره من النخب سرعان ما استطاعت أن تصبح الظهير الفني والأدبي للعهد الجمهوري، كما أنها زُجّت في جسد الدولة. من الجانب الثقافي، أسهم أفراد من الحزب بوضوح في تأسيس اتحاد الأدباء العراقيين في ربيع 1959، وأول هيئة إدارية للاتحاد كان الشيوعيون هم الأغلبية فيها، متمثلين بذي النون أيوب، وعبد الوهاب البياتي، ولميعة عباس عمارة، وسعدي يوسف، يُضاف إليهم من “يُعبَّر عنهم بالأصدقاء”، أي أصدقاء الحزب مثل محمد مهدي الجواهري، الذي انتُخب بالتزكية وقتها رئيساً للاتحاد.

للجواهري لقاءان خاطفان مع فهد، مؤسس الحزب، كما يقول الجواهري نفسه في مذكراته، رغم عدم معرفته بأنه فهد تحديداً. في المقابل، طلب بعض أعضاء الحزب من فهد حثّ الجواهري على الكتابة، وقيل له إن الجواهري لا يكتب قصائد ثورية، وكان رد فهد معاكساً لما انتظره الرفاق: “الجواهري لا يكتب إلا على حدث، عليكم صنع هذا الحدث والجواهري سينبري للكتابة”. وهذا ما حصل لاحقاً في أكثر من مناسبة.

مع دخول العراق المرحلة الجمهورية، صار لدى العديد من الفنانين والأدباء شعور بأن هذا التغيير العميق يجب أن ينعكس على الفن. الملحن عباس جميل يقول عن مسار ألحانه بعد ثورة 1958: “أخذت أفكر في عطاء جديد، تتحكم فيه الأنغام المتعددة، والتوزيع الهارموني، فتطرقت إلى الأغنية الموزعة، وكانت من مقدمة هذه الأغاني أغنية (جا وين أهلنه)”.

وهذا انسجم مع اتساع تذوق الناس للفنون، وازدياد التفاعل مع الأنشطة الثقافية والأدبية، التي جاءت نتيجة زيادة نسبة المتعلمين. هذا الازدياد وسّع بدوره رقعة مطالب الفلاحين ومعرفتهم حقوقهم، من خلال المتعلمين في القرى خصوصاً، فأصبح الحزب منافساً للمد الديني في الأرياف من ناحية التأثير، وتبلور هذا أكثر بعد قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958.

وصل التأثير الشيوعي إلى ذروته في الخمسينيات والستينيات، عندما انقسمت الثقافة آنذاك إلى اتجاهين أيديولوجيين: اليساري “الماركسي الشيوعي” واليميني “القومي البعثي”، عندما كان الإسلام السياسي “الشيعي” قد بدأ بالتشكل في نهاية الستينيات. ووفقاً لهذا الانقسام قُسمت الجرائد والمجلات والمطبوعات، وهكذا الأمر في النقابات والأفراد وغيرها. وانعكس على الأدب والفن؛ فهناك مئات القصائد والأغاني والآثار الفنية التي يمكن القول عنها إنها شيوعية خالصة، منها تجربة السياب الشعرية يوم كان شيوعياً، ويتضح الطابع أكثر مع سعدي يوسف والبياتي وبلند والنواب وغيرهم.

الحرية النسبية التي حصل عليها الحزب في 1958 انتهت مع انقلاب الثامن من شباط 1963، وزُجّ أغلبه في السجون مرة أخرى، ليصبح ذلك أبرز محطات النخب الثقافية الشيوعية. وكما يشير فالح حسون الدراجي، فإن نقرة السلمان في 1963 كانت جامعة بالمعنى الأكاديمي؛ حيث تُصدَر فيها جريدة، وثمة فيها مكتبة.

أبرز الأسماء التي كانت في السجن: الشاعر مظفر النواب، والشاعر ناظم السماوي، وعريان السيد خلف، وأبو سرحان، وسعدي يوسف، وفاضل ثامر، وألفريد سمعان، وطالب محمود السيد، وسعدي الحديثي، ويوسف الصائغ وغيرهم، وقد أصبحوا فيما بعد من الركائز الأدبية والفنية في العقد السبعيني.

آنذاك، كان الغناء العراقي يدور في فلكين: الغناء البغدادي، بما يضمه من مقام وأغنية بغدادية وجالغي بغدادي. والغناء الريفي، الذي بدأ بالحضور بعد ثورة العشرين وتأسيس الدولة. فيما بدأت ملامح جديدة تتشكل مع ظهور الحزب الشيوعي وتأسيس الجمهورية، وهذا الغناء هو غناء مدني ثوري، يرفع رايات المقاومة والتضامن مع قضايا في قارات قصية وصولاً إلى أمريكا اللاتينية، فضلاً عن العدالة الاجتماعية وتعزيز الشعور بالوطنية، وغيرها من المفاهيم التي ارتبطت بالحزب الشيوعي في العراق.

هذا الغناء وُجد، قبل ظهوره الرسمي، في عشرات القصائد من تركة النواب وناظم السماوي وأبو سرحان وباقي الرفاق، كُتبت هذه القصائد في الخمسينيات والستينيات باللغة العامية (شعر شعبي)، لتصبح فيما بعد عماد الغناء السبعيني، الذي هيمن عليه الملحن والمطرب الشيوعي، والفن الشيوعي، الذي تمثل المرحلة السبعينية ذروة نشاطه وإنتاجه.

بعد انقلاب شباط 1963، لم تكفّ محاولات السلطات المتعاقبة عن قمع الحركة الشيوعية في العراق، فعاش الحزب جنباً إلى جنب مع السجون والمطاردات. الصراع بين القوميين واليساريين هو أبرز ما يمكن ملاحظته في العقود الثلاثة التي عاشتها الحياة السياسية في العراق، خصوصاً في فترة حكم عبد السلام عارف، الذي كانت لديه رغبة بالانتقام من الشيوعيين، الذين يعتبرهم أساس خسارته للسلطة في الصراع مع عبد الكريم قاسم. بالتالي، لم يقف عارف بوجه أجهزة الأمن التي مارست شتى أنواع التعذيب بحق الشيوعيين، بل صادق على جميع أحكام الإعدام الصادرة من محاكم البعثيين القوميين بحق الشيوعيين والمحسوبين على الفكر الماركسي.

حُسم الصراع بعد أن دخل الحزب الشيوعي في الجبهة الوطنية التقدمية، التي ضمت آنذاك حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الثوري الكردستاني في تحالف مع الحزب الشيوعي. هذا التحالف بُني على أساس مشتركات بين القوميين والشيوعيين. الجبهة التي أُعلنت عام 1973 كانت أول عملية مصالحة وطنية بين البعث والشيوعي العراقي، إلا أن ما حصل هو أن البعث كشف كل قيادات ورموز الحزب الشيوعي وبدأ بتصفيتهم.

قيادة البعث اتخذت قراراً بتصفية تنظيمات وكوادر الشيوعيين، وباشرت عبر أجهزتها المختلفة جمع المعلومات عنهم وعن أصدقائهم قبل وأثناء وبعد انعقاد الجبهة.

التحالف، الذي تعتبره غالبية الشيوعيين في العراق لحظة انهيار الحزب وإضعافه، أسهم في صياغة معادلة جديدة، بُطش بالحزب لمدة عقد كامل، وقُسّمت كوادره بين قتيل وسجين وهارب إلى إقليم كردستان أو خارج البلد.

تأثير الحزب الفني في العقد الذهبي

ظهرت في السبعينيات الأغنية الشيوعية السياسية ذات الأفكار العالمية، ومن أشهر تلك الأناشيد التي عمادها فكرة الشيوعية “تشيلي تمر بالليل نجمة بسمانا”، و”سانتياغو دم بالشوارع، دم بالمصانع”، وقد غُنّيت في “أسبوع التضامن مع الشعب التشيلي”، الذي عقده الشيوعيون في جمعية التشكيليين العراقيين عام 1973، تضامناً مع نظام سلفادور أليندي الذي أسقطه انقلاب الجنرال بينوشيه. كان الحزب الشيوعي العراقي، مثل العديد من الأحزاب اليسارية، يشجع ثورة أليندي في تشيلي ويراها حركة تقدمية ضد الاستبداد والظلم.

يربط حميد البصري، الفنان والباحث، بين انتشار الأغنية السياسية في النصف الثاني من القرن العشرين وروح التضامن التي سادت اليسار العالمي: “انتشرت فكرة الأغنية السياسية في الوطن العربي بشكل واسع مع شهرة المغني التشيلي فيكتور جارا، خاصة بعد أن أقدمت السلطة الدكتاتورية في تشيلي على قطع أصابع يده في إحدى الساحات أمام الجماهير لكي لا يتمكن من العزف، مما حدا بفيكتور جارا إلى الغناء دون آلة موسيقية، فرددت الجماهير معه أغنيته، وطار عقل الجلادين من ذلك الموقف، فقتلوه”.

يحدد البصري بداية الأغنية السياسية في العراق، وهو الذي كان جزءاً منها: “في العراق، بدأت الأغنية السياسية في سجون العهد الملكي، ثم مع بداية ثورة تموز 1958، وزادت بعد انتكاسة هذه الثورة وسيطرة التيار القومي، والبعثي بالذات، على السلطة. كان للحزب الشيوعي العراقي أكثر من فرقة للأغنية السياسية، حيث شاركت تلك الفرق، التي ضمت العديد من فرسان الأغنية السياسية، في مهرجان الشباب العالمي في برلين عام 1973، ثم في مهرجان عروس البحر في بيروت بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني عام 1974”.

استمر هذا الزخم حتى نهاية السبعينيات، حيث انحسر عمل الحزب كثيراً، وتراجع بعد أن عاش ذروته. وقتها بدأت ملامح هجرة الشيوعيين تتضح، ولم تبقَ إلا القلة الفاعلة منهم. مع ذلك، يُعتبر العقد السبعيني عقد الغناء والثقافة والشعر الشيوعي إلى حدٍّ ما.

ربما لا يتضح ذلك في كافة مفاصل العمل الثقافي، لكن صوت الحزب بقي مهيمِناً في الغناء. الهجرة الجماعية أخذت غالبية رموز الفن والثقافة الشيوعية إلى الخارج لتكمل من هناك رحلتها، وتركّزت الهجرة السبعينية نحو أوروبا الشرقية والأقطار العربية القصية والمجاورة. لكن ما تبقّى منهم أسهم في صياغة الفن المدني الجديد، الذي سيخرج من ثنائية الغناء البغدادي والريفي.

مع مرور السنوات، احتكرت المؤسسة الرسمية الفن، وتمت تصفية الشيوعيين من قبل نظام البعث. وقد تعمق ذلك وترسخ مع تسلّم صدام حسين زمام السلطة في العراق، وبعدها بعام واحد فقط اندلعت الحرب العراقية-الإيرانية، التي لم تبقِ في العراق غير صوت صدام والبعث وأغاني التعبئة العسكرية.

رغم تأثر الحزب تنظيمياً في تلك الفترة، إلا أنه أسهم بفاعلية في فترة الازدهار الفني السبعيني، وهي الفترة التي يعدّها الكثيرون العقد الذهبي للفن. ففي عام 1969، أُنتجت أغنية “يا نجمة” للفنان حسين نعمة، الذي كان قد التحق بالإذاعة حديثاً. وتعود قصة الأغنية إلى “ردّة” كان يترنم بها الشيوعيون في معتقل نقرة السلمان، “يا نجمة عونچ يا نجمة”، لكن الملحن كوكب حمزة حولها إلى أغنية “أيقونية”، وتُعتبر من بواكير التحول الفني.

حسين نعمة لم يكن شيوعياً، إلا أن غالبية أغانيه خرجت من أيدٍ شيوعية، وأشهرها “يا حريمة“، التي كتبها ناظم السماوي ولحنها حمزة أيضاً. إجمالاً، ارتبط جزء كبير من أغاني السبعينيات بأسماء شيوعية، أبرزها أغانٍ لـ”ياس خضر” مثل “البنفسج” و”الريل وحمد”. بهذه الطريقة تسلّل الشيوعيون إلى الفن، ورسّخوا كلماتهم وألحانهم، وهيمنوا على العقد الذي انهار فيه تنظيمهم الحزبي.

“حدر التراچي برد”.. كوكب نموذج الملحن الشيوعي

كوكب حمزة يُعد من أهم الملحنين العراقيين الذين أسهموا في تغيير مسار الأغنية العراقية؛ فقد حررها من رتابتها وأنماطها التقليدية وبطء الإيقاع. لحن أغانيَ كثيرة لمائدة نزهت، وياس خضر، وحسين نعمة، منها “حدر التراچي برد”، و”يا طيور الطايرة”، التي جمع فيها بين إيقاعات الريف والمدينة، مع تنويع في الإيقاع بين لحن إلى آخر، بعيداً عن النمطية والرتابة، ليقدّم في نهاية المطاف لحناً جديداً يُسجل به انعطافة كبيرة في الأغنية العراقية التي تتسم بالحزن والرتابة والبطء.

وُلد كوكب في مدينة القاسم عام 1944، وتخرّج من معهد الفنون الجميلة عام 1964، ولحّن أول أعماله عام 1969. فشلت أغنيته الأولى “مر بيّه”، فتوقف مع نفسه -كما يقول- ليكتشف أن سبب الفشل هو أن الأغنية “جنسيتها مشوّهة”، ليقرر أن تكون أغنيته عراقية صميمة، فخرج بأغنية “يا نجمة”.

كوكب، المُجرِّب الذي لحن أغنية عراقية بلا أية آلة شرقية، وقريبة إلى غناء الأهوار، “لولي يا ناگوط الماي”، تعرّض للملاحقة مبكراً، واعتُقل عام 1963، وهناك في المعتقل تطور فكره السياسي حيث التقى بالشاعر مظفر النواب.

بسبب موقفه السياسي، كُرّس كوكب بوصفه واحداً من أبرز الأسماء الفنية التي قاومت أنظمة الحكم في العراق، وهذا ما جعله من أوائل المبدعين الشيوعيين الذين غادروا البلاد خوفاً من بطش السلطة.

ذهب كوكب إلى الاتحاد السوفيتي عام 1974، ثم انتقل إلى أذربيجان، وفيها درس الموسيقى، وبعدها سافر إلى سوريا ثمّ الولايات المتحدة الأمريكية، ليستقر أخيراً في الدنمارك منذ عام 1989. هذا التجوال ساعده في التعرف على أغنيات الشعوب وموسيقاها، التي أثّرت لاحقاً على تجربته الموسيقية.

انضم إلى العديد من الفرق الغنائية، منها فرقة الميناء، والفرقة البصرية، وفرقة بابل للغناء العراقي. طغى تأثيره الفني في السبعينيات، وربما يمكن اعتباره أبرز الشيوعيين وأكثرهم تأثيراً. ويُعزى له الفضل في اكتشاف واحد من أهم مطربي جيله، وهو رياض أحمد، الذي لم يكن شيوعياً، لكنّه نال منه أغنية “صار العمر محطات”، ولحنها من أكثر الألحان تجديداً في السبعينيات.

رياض، الذي كان صديقاً للشيوعيين، يقول عنه طه رشيد: “ربطتنا صداقة مطلع سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يصبح نجماً في عالم الغناء، سرعان ما انفرط عقدها بسبب تركي للعراق، نتيجة للهجمة الشرسة التي شنّها النظام السابق ضد القوى الوطنية في نهاية السبعينيات”.

هذا التعبير يدل على شدة الهجمة التي تعرض لها الحزب في تلك الفترة، ويؤكد في الوقت ذاته روابط رياض بالحزب، رغم عدم انتمائه. ومن الزخم اللحني الذي قدمه كوكب بداية السبعينيات انطلق سعدون جابر في أغنية “يا طيور الطايرة”، التي كتب كلماتها الشيوعي الآخر زهير الدجيلي، ليُصبح سعدون فيما بعد سفير الأغنية العراقية بعد ناظم الغزالي.

المساحة التي فتحها الشيوعيون كانت متاحة للجميع، لذا هيمنت أصواتهم على الحقبة ككل.

كانت الأجواء التي عمل فيها كوكب قبل مغادرته العراق صعبة وقاسية، وقد رُفضت العديد من الأغاني التي لحنها بسبب الرقيب السياسي/الفني. لكن هجرته لم توقف عمله، فقد تعاون لاحقاً مع عشرات الفنانين من داخل العراق وخارجه، منهم: سعدون جابر، وحسين نعمة، وستار جبار، وفاضل عواد، وكريم منصور، وفؤاد سالم، وأصالة نصري، وعبد الله رويشد، وأسماء المنور.

أفول الصوت الشيوعي في الغناء 

مع اشتداد التضييق على الحزب، جرت محاولات عديدة لإعادة الاعتبار له كفاعل ثقافي، منها تأسيس فرقة جماعة تموز للأغنية الجديدة عام 1976، على يد الملحن حميد البصري والشاعر زهير الدجيلي.

كان هدف الفرقة إنتاج أغانٍ غير مباشرة، لا تخرج موضوعاتها عن حب الوطن والناس وغيرها من المفاهيم التي تعد ركائز الأيديولوجية الشيوعية. لم تصمد الفرقة طويلاً بسبب الظرف السياسي، رغم أنها قدمت حفلات عديدة في مدن العراق، إلا أن النظام لم يسمح بتسجيل تلك الأغاني.

مع نهاية السبعينيات، هاجر بعض أعضاء الفرقة إلى المنافي، حيث أسس حميد البصري وزوجته شوقية العطار في اليمن فرقة أخرى على أنقاضها، وهي فرقة الطريق، التي ستترك عشرات الأغاني، أشهرها “الحرية”، و”تدرون ليش نحب”، و”بيروت”، و”كل الأغاني انتهت”، و”أعود”.

كما غنت الفرقة للقضية الفلسطينية، ومن أبرز ما قدمته أثناء انتفاضة 1988، “كفر قاسم”، و”صبرا وشاتيلا”، و”يا سما أكتوبر”، و”صوت الشهيد”. وقدمت الفرقة أكثر من ثلاثين حفلاً جماهيرياً في لبنان دعماً للمقاومة اللبنانية والفلسطينية.

مع ذلك، لم يذبل الجسد الثقافي الشيوعي تماماً، وإنْ تراجع كثيراً بسبب القمع والضغط والمطاردة، لكنه ظل يناضل من الخارج بكل ما أوتي من قوة. من جانب آخر، عانى جميع المنتمين للحزب من منع إنتاجهم الفني والأدبي، فصودرت أغانيهم وقصائدهم، واستمر هذا التغييب نحو عقدين، ضاع خلالهما الكثير من أرشيفهم الثقافي والفني، ولم يظهر منه إلا القليل. هذا التعتيم الذي مارسته سلطة البعث غيّب وطال أسماء كبيرة، فمُنعت قصائد مظفر النواب من التداول، كما مُنعت أغاني فؤاد سالم من البث والتداول أيضاً.

في العقد الثمانيني، هيمنت ثقافة الحرب على الحياة عموماً، ولم يتبق من نضال وكفاح الشيوعيين غير محاولات تنظيمية بسيطة، تكاد لا تُرى. وتوقف الانتساب للحزب عام 1978، ومن تدور حوله أدنى الشكوك كان القصاص منه ومن عائلته وأصدقائه يسبق حتى انضمامه الفعلي، وهذا أدى تدريجياً إلى الاختفاء التام للحزب تقريباً، ولم يُفتح باب الانتساب مجدداً إلا بعد عام 2003.

اقتصر كفاح عدد كبير من مبدعي الحزب في إقليم كردستان وخارج البلد على محاولات تقويض سلطة صدام حسين، الذي بطش بهم كما لم يفعل من قبل. ومع ذلك، مرّت بعض الخطابات غير المباشرة، ومنها قصيدة “المعيبر عبد” للشاعر عريان السيد خلف، التي كان “عبد” فيها رمزاً للحزب.

بعد عام 2003، عاد الحزب بواقع جديد، فُقدت فيه المركزيات والمرتكزات السياسية في البلدان العربية، هذا الذي تزامن مع سقوط المنظومة الاشتراكية، وفقْد اليساريين العرب مرتكزاتهم النظرية والفلسفية بخفوت صوت الشيوعية، وصعود نظرية موت الأيديولوجية وما رافقها من مد ديني وتكفيري.

عاد الحزب وكان النظام العالمي قد منح دوراً واضحاً في المنطقة العربية لصعود الإسلام السياسي، الذي هيمن على مفاصل الحياة الاجتماعية والسياسية، جاء بعد أن تراجع دور الأحزاب اليسارية إقليمياً بعد عقود من الحركات القومية، لذا عكف الحزب على لملمة شتاته، وأظهر مجدداً قدرته التنظيمية في العمل الثقافي، وشكل حضوره الثقافي بوضوح دون أن يزج نفسه مباشرة في السياسية العراقية بعد 2003، التي اعتبرها الحزب من الناحية الأيديولوجية امتداداً للاحتلال والاستعمار حسب أدبياته، حتى إن ممثله الوحيد في الجمعية الوطنية عومل وفقاً لهويته الطائفية، خلال ذلك نُصب مفيد الجزائري وزيراً للثقافة في أول حكومة شُكلت بعد 2003، مما يدل على التزامه الثقافي، فضلاً عن كونه الحزب الأكثر حضوراً في اتحاد الأدباء، على سبيل المثال لا الحصر، كما أنه أنتج العديد من الأغاني التي يمكن عدّها أغانيَ “مناسباتية”، إذ يُنتَج سنوياً في ذكرى تأسيسه العديد من الأغاني والأوبريتات.

هذا إلى جانب المهرجانات الغنائية التي أشرف على تنظيمها، كما أن مقره يُحيي بشكل دوري حفلات غنائية وشعرية.

ومن أبرز تلك الأغاني التي أطلقها الحزب بعد 2003 “آني مو شيوعي”، و”ورد آذار”، و”عيد الجمال”، فضلاً عن الأغاني التي ترتبط بموسم الانتخابات العراقية وتلك التي تدعو لدعم بناء مقراتهم، حتى في تفصيلات من هذا النوع تحضر الأغنية “التعبوية” الشيوعية.

يمكن النظر إلى الغناء العراقي المعاصر من زاوية أيديولوجية؛ فبعد هيمنة المزاج اليساري على الأغنية خلال عقد السبعينيات، ثم زجّها لاحقاً في الحرب العراقية-الإيرانية وأدوات التحشيد الحربي، بدأت الأغنية، منذ مطلع التسعينيات، تتحرر تدريجياً من الأطر الأيديولوجية.

وقد أدى ذلك إلى تنوّع الغناء التسعيني وازدياد طابعه الذاتي، بالتوازي مع بروز أجيال جديدة من الشعراء والملحنين، سعت إلى كسر المهيمنات الثقافية التي طالما غذّت الأغنية العراقية، وجعلت منها ظهيراً وواجهة إعلامية وإشهارية للسياسي والأيديولوجي.