"باچر ورانه شغل".. مقاطع صغيرة من الحياة الكبيرة لينار محمد

شوق أيمن

15 آذار 2026

هذا النص ليس عن اغتيال ينار محمد فقط، إنّه عن الحياة التي أصرت على بنائها في العراق رغم كل شيء، الحياة التي كانت تختصرها دائماً بجملة واحدة: "باچر ورانه شغل".

28  شباط 2017، منتصف الليل

استيقظتُ من النوم على صوت إطلاق نار كثيف، كأنه خلف جدار الغرفة، أفتح باب غرفتي لأجد ينار واقفة تنتظرني. “عرفتچ رح تگعدين، ماكو شيء، دگة عشائرية، ارجعي نامي”.

تتردد قليلاً وهي تعود إلى غرفتها، تعيد النظر إليّ وأنا أحاول استيعاب ما يحدث وتقول: “نامي، نامي… باچر ورانه شغل”.

كانت هذه أول ليلة لي في بغداد. أثق بينار، فأنا لا أعرف أحداً غيرها، وأبيت في بيتها حيث سيغتالها، بعد ثمانية سنوات من رحلتنا تلك، جبناء مرتزقة في العراق الذي أحبته وحاربت وعاشت وماتت من أجله.

وجدتني ينار في تورنتو، مدينتنا الأخرى التي تجمعنا، متلهفة لأتعلم من تجربتها، فأخذت على عاتقها أن تصبح الأم الروحية لي والمرشدة والرفيقة. كنا نلتقي في صالات الطلاب والمقاهي المجاورة لجامعة تورنتو، حيث كانت هي تكتب أطروحة الماجستير التي وثّقت وحللت فيها المعضلة الأكبر في حياتها المهنية والفكرية، وهي إدغام الإطار النسوي والماركسي في الحركة الثورية اليسارية في العراق بعد الاجتياح والاحتلال الأمريكي.

فعندما تقول لي، في منتصف الليل، وأنا الغريبة في بغداد مسقط رأسي، إن إطلاق النار الذي يكاد يخترق الجدران المتهالكة من حولنا هو “لا شيء”، فإذاً هو لا شيء. أحاول العودة للنوم وأنا أصوغ في عقلي تقرير الغد عن الفتيات المقتولات والملقيات في نهر دجلة، اللواتي تجد جثثهن يومياً الشرطة المجتمعية.

27 شباط 2017، صباحاً

جالت ينار ممر الطائرة ذهاباً وإياباً في رحلتنا من القاهرة إلى بغداد، لتتفقد والدها الذي حجزت له مقعداً أوسع في مقدمة الطائرة. سافر والدها معنا من تورنتو إلى القاهرة ومنها إلى بغداد، وكانت تفعل ما بوسعها لراحته. تعود لتجلس بعد أن تطمئن عليّ، وترفع قدميها على حقيبتها أو على الكرسي وتقول: “عقلي بعده شباب، لكن رجليَّ…”

وتشير بيدها أن شيئاً قد تركها ورحل مع الطائرات المحلّقة في الجو من حولنا.

قبل وصولنا إلى مطار بغداد طلبت مني أن أجلس في مكانها قرب الشباك. طلبتُ أنا منها بالمقابل أن تكتب في دفتري بعض العبارات الخاصة بالمنظمة لتضمينها في الموقع الجديد الذي نعمل عليه. تخطّ ينار اسم منظمة حرية المرأة واسم راديو المساواة في دفتر مذكراتي.

لا يروقها هذا الجانب من العمل: التقارير والاجتماعات مع المانحين الذين لا يفهمون العراق كما تعرفه هي، فتضطر لتنظيم عمل المنظمة ضمن خانات محدودة لا تحتوي وسع وعمق حصاد عمرها من النضال.

ينار، التي بدأت مسيرتها السياسية في معارضة حرب الخليج الثانية عام 1990، كان فكرها وعملها النسوي متجذرين في توجه ماركسي بحت. لا يطفئ نار المقاتل بداخلها غير النضال الميداني: ساحة التظاهر، والاعتصامات، والنقاش المحتدم في لقاءات الحزب، واجتماعات تعديل القوانين، وسحب رقبة فتاة من تحت قبضة الظلم بيديها.

إنها من الشخصيات الاستثنائية بقدرتها على الموازنة بين الجانب العملي واللوجستي والنظري، من دون التقصير في أيٍّ منها.

ينتهي كلامنا عن موقع المنظمة الجديد على متن الطائرة. فعند وصولنا إلى أجواء مطار بغداد الدولي تلبس ينار لباس المحاربة وتترك الكلام النظري يتبخر في الغلاف الجوي.

فالعراق، كما كانت تحب أن تراه مكاناً صالحاً للعيش للجميع، كان هو الأفق الوحيد الذي “يملأ عينها”.

أنظر أنا من الشباك إلى بغداد التي تملأ عيني، وأفهم لماذا أعطتني مقعدها، فأشكرها بصوت داخلي فقط، فأنا وينار لا نتكلم عن مشاعرنا إلا نادراً.

27 شباط 2017، ظهراً

نذهب من المطار إلى المنظمة مباشرة، ويستقبل الجميع الست ينار بكثير من الحب والاحترام والاشتياق الواضح. لا تطيل هي غيبتها عادة، لكنها في تلك المرة كانت قد غابت لبضعة شهور.

أتعرّف على الرفاق من الحزب الشيوعي العمالي، الذي كان في تلك الآونة يمر بانفصال، حيث سوف تعلن ينار مع الرفاق عن مجموعة البديل الشيوعي. كان السبب الرئيسي في هذا الانشقاق الخلاف الفكري، واستياء الرفاق النسويين، ومن ضمنهم ينار، من الذكورية الطاغية حتى داخل الحركة الثورية اليسارية.

واجهت ينار في مسيرتها خصوماً وأعداء كثراً، ولم يكن يهزها رأي أحدهم ولا الانتقادات، إلا ممّن كانت تراهم زملاء ورفاق الفكر اليساري. كانت ترى أن النضال العمالي في العراق إذا لم يكن يشمل نظرة وتحليلاً نسويين فهو نضال منقوص.

أسمع نقاشات عن النضال النسوي والنضال الاشتراكي على ألسنة فتيات ونساء يملأن الممرات وغرف الاجتماعات، الكل ينتظر موعده مع ينار، التي تفكّ النزاعات بينهم، وتراضي هذا وذاك، وتشجع إحدى الفتيات على كتابة مقال لجريدة المساواة، وتعاتب أخرى بقليل من الحب القاسي لتقاعسها عن دروس القراءة والكتابة، ثم تدخل في نقاش مشحون حول العبارات المختارة للافتات التي يجب طبعها اليوم لتُحمل في تظاهرة يوم المرأة المقبل.

تكاد جدران الغرف التي تملؤها صور ناشطات منظمة حرية المرأة في المظاهرات أن تنفجر من حجم الشخصيات الجبارة التي جمعتها ينار تحت سقف واحد.

من دور الإيواء التي تديرها ينار بين فترة وأخرى تخرج فتيات ونساء لا يكتفين بالنجاة فقط، بل يقررن محاربة المنظومة الذكورية. أغلبهن لا يستطعن الخروج إلى الشارع من دون تغطية وجوههن خوفاً من ملاحقة العشيرة أو الدولة، خاصة إذا لم يمر عام أو عامان على لجوء إحداهن إلى المنظمة.

فتجدهن منهمكات يكتبن البيانات ويتناقشن حول طاولة المدرسة النسوية، وطاولة الاجتماعات، وحتى طاولة إفطار الصباح، ليوصلن أفكارهن إلى ينار، التي تخرج بدورها، ومن دون خوف، إلى العالم الخارجي والرأي العام لتوصل الرسالة.

جميع الفتيات والنساء اللواتي قررن أن ينخرطن في العمل السياسي بعد الإيواء في أحد البيوت الآمنة غيّرن أسماءهن وقصصن شعرهن. منهن من تلبس قبعة تنزلها على عينيها، ومن تضع “مكياجاً” يغيّر ملامح وجهها تغييراً جذرياً. لكن يبقى الخوف من الملاحقة عميقاً، ويبقى السياج الحامي حول مقر المنظمة هو ما يعطيهن الأمان لنسيان من يلاحقهن، بل لملاحقة الفاسد والظالم.

ينار بعد عودتها لبغداد، مصدر الصورة: الكاتبة. 

يخرج الجميع إلى حديقة البيت البغدادي القديم الذي كان مقر المنظمة وقتها، حيث تلعب ينار مع الناشطات شوطين أو ثلاثة من كرة الطاولة التي تحبها كثيراً، قبل أن نعود أخيراً إلى البيت بعد سفر طويل ومتعب.

لا يركب أحد معنا سوى رفيق موثوق به، ولا يعرف أحد مكان سكن ينار إلا قلة قليلة. وبينما السيارة تمر بين أزقة ضيقة في المنطقة الشعبية التي تسكن فيها، وحتى وصولنا للبيت، تصف لي ينار قصص محاولات اغتيال وتهديدات كثيرة تطالها من ميليشيات وأفراد.

ترشدني إلى الغرفة التي ستكون مكان نومي في الشهر القادم، فيها شباك يطل على منور، بجانبه، من الجهة الأخرى، مطبخ كبير لكنه بسيط، وتتوسطه طاولة طعام خشبية.

هناك حبال لنشر الغسيل في المنور، وصحون على الأرض وفوق الأجهزة المغطاة بالتراب، فيها ماء وفتات خبز للعصافير. تنزل العصافير من السماء إلى تلك المساحة الضيقة، ترحب بقدوم ينار وهي تسكب لها ماءً نظيفاً في الصحون.

شباك الغرفة الذي يطل على منور، مصدر الصورة: الكاتبة.


28 شباط 2017، الغبشة

أستيقظ للمرة الثانية على صوتها تغني في المطبخ، أشاهدها عبر المنور من شباك الغرفة وهي تقف أمام مقلاة موضوعة على عين الطباخ، تتطاير قطرات الزيت منها فتقفز ضاحكة وتتفاداها.

تقولها لي وهي تضع صحون البيض المقلي و”الصمون” الطازج على الطاولة: “لا نتكلم بشيء يخص العمل قبل أن أشرب الشاي”.

اليوم نكتب تقريراً بخصوص عمل المنظمة في منطقة الشرقاط، حيث تم تدوين مئات القضايا التي تخص انتهاكات الحقوق، سوف تقدَّم إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية وفقاً للمادة 15 من نظام روما الأساسي.

كان هناك ثماني نساء ناجيات من داعش في دور إيواء الشرقاط، تتراوح أعمارهن بين الـ20 والـ30 عاماً، لكل واحدة منهن طفلان على الأقل. منهن من رفض أهلها استقبالها بسبب “عار” جرائم داعش التي ارتُكبت أساساً بحقهن، ومنهن من ليس لديها أهل ولا مكان تعود إليه.

وفي دور الموصل 18 ناجية مع 17 طفلاً. دونت ووثقت المنظمة ما استطاعت توثيقه عبر السرد والتصوير وجمع البيانات والمعاملات والأدلة، لمحاولة تحريك المجتمع المدني والدولي من أجل اتخاذ إجراءات حقيقية، وهو ما فشلت مؤسسات الدولة، وحتى الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، في أن تستجيب له بشكل جريء وسريع.

كانت ينار تبحث دائماً عن شركاء محليين في المحافظات خارج بغداد، لتفتتح دور إيواء تحمي نساء وبنات العراق من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

فمثل ينار، نساء وبنات العراق يحاربن جهات عديدة: الدولة، والعشيرة، وجيوش الخراب والتدمير مثل داعش والاحتلال، والقانون، والعرف، وكذلك المؤسسات الغربية التي تدّعي مناصرة الحق والحقوق، لكنها في الحقيقة لا تفهم مشاكل النساء في العراق بشكل عميق، وغير مستعدة للتضحية من أجلهن.

أما ينار، وهي بنت البلد، فكان بيتها الآمن يمتد إلى ما لا نهاية له، تنبسط حدائقه حيث يركض أطفال لأمهات رأين الويل، تمسك ينار يدهن وأطفالهن ليكملوا الدرب معاً.

ذلك الصباح، وبعد “استكان الشاي”، كانت تحمل ينار هموم الناجيات على عاتقها، فهي ترى أن جميع الجهات المسؤولة خذلتهن. ما أصابهن يختلف عن المصاعب الموجودة في بغداد والبصرة وباقي المحافظات، لكن ينار كانت متأهبة وراغبة دائماً في التعلّم والفهم ضمن السياق الجديد الذي التزمت به.

أحترم ذلك فيها كثيراً، فهي تسمع للصغير والكبير، لرفيق الحزب ولفتاة ناجية من تعنيف في دار أيتام حكومية. تصغي ينار وتعطي وقتها حتى للمسؤول في الدولة، وللشرطي، ولشيخ العشيرة. شيء لم أصبر أنا عليه مثلها.

كانت تسمع، وتناقش، وتنصح، وتذكّرنا أن في الحياة “شراً لا بد منه”، وأننا نعمل في بيئة صعبة وظروف استسلم وتركها الكثيرون.

8 آذار 2018، الصباح الباكر بعد “استكان الشاي”

“لا مو نصف شهادة، المرأة ثورة وقيادة… لا مو نصف شهادة، المرأة ثورة وقيادة”.

هكذا هتفت ينار وسط بنات المنظمة على متن الحافلة التي تنقلنا إلى ساحة التحرير. كانت تفتخر كثيراً بالنساء والفتيات اللواتي خرجن من مآسٍ شخصية ليصبحن بطلات في قصص الأخريات والآخرين، تستمد القوة من شجاعتهن أمام الظلم الشخصي كما استمددن هن من جبروتها أمام الظلم العام.

يهتفن معاً، أجيال من النساء لم يجدن في هذا العالم عدالة، فوجدت إحداهن الأخرى بدلاً من ذلك.

تتعلق ينار كثيراً بكل امرأة تدخل المنظمة. فتلك أخرجتها من خلف قضبان السجن، كان عمرها ثماني سنوات، طفلة وجدت نفسها وحيدة في شوارع البصرة بلا أم ولا أب، دخلت السجن متورطة مع عصابات استغلت ظرفها، والآن هي شابة بلا خوف، تهتف بأعلى صوت في الحافلة.

وأخرى أتت إلى ينار مع بنتها الشابة، كاد زوجها يقتلها من التعنيف. والآن، بعد سنوات طويلة وعِشرة عمر مع ينار، الأم وابنتها تعملان في المنظمة لإنقاذ مئات النساء والأطفال من كوابيس عرفتاها قبلهن.

ماذا يحصل لفتيات ونساء سُلب منهن كل شيء؟ كل الحقوق، كل الحب، كل الكرامة، كل الأمل؟

صنعت ينار أبطالاً لمحاربة الوحوش التي ظنت أنها تستطيع أن تبطش في الأرض من دون أن تمسها عواقب.

لم تكن ينار تجني شيئاً، غير أنها وجدت رفيقات نسويات يتشاركن في الرؤية ويهتفن معاً، أملاً في أن تتحقق تلك الرؤى يوماً ما.

“مساواة، حرية، حكومة عمالية…

مساواة، حرية، حكومة عمالية…”

14 آذار 2018، الظهر

لم نذهب إلى المنظمة صباحاً كالمعتاد، قالت ينار إن لدينا مشروعاً مهماً في البيت يجب إتمامه قبل العمل. لم يكن أحد سوانا من الرفاق في البيت ذلك اليوم.

كانت ينار تختفي وتعود، بيدها أدوات للتنظيف تجمّعها عند بداية السلم، وأنا أراقبها وأنتظر.

ملأت ينار سطلاً بلاستيكياً بالماء وكلفتني بحمله إلى الأعلى، كانت هذه أول مرة أصعد معها إلى الطابق الثاني. انتهى السلم إلى مدخل غرفة واحدة، واسعة بجدران متآكلة، لها شباك واحد بواجهة شمالية غربية، مطل على الزقاق الضيق حيث تأتي السيارة لتنقلنا كل يوم، الشارع الذي لم تسمح لي أبداً أن تطأ فيه قدمي خطوة واحدة يميناً أو يساراً بسبب الإجراءات الأمنية.

كنت أتوسل إليهم أن أخرج إلى الشارع.

أقول: “ينار أريد أن أرى شكل الباب بعد الدگة”.

فتضحك وتصرخ”: إنتِ مجنونة!”

وأنا أدافع عن قضيتي الخاسرة: “نعم، لذلك أعمل معك يا عزيزتي”.

نمسح الأرض بالماء الذي تسقط قطراته من على السلم ببطء، وتملأ المكان رائحة الصابون والماء، والشمس تدخل علينا من الشباك كأننا في حلم.

قالت وهي تضع كرسياً وحيداً في الركن: “أريد أن أجعل هذه الغرفة مرسماً”.

الغرفة أثناء التنظيف والتخطيط لتحويلها إلى مرسم، مصدر الصورة: الكاتبة.

أنظر من حولي فلا أرى سوى خرابة وفراغ، لكن ينار تنظر بعيداً جداً، تنظر إلى الأفق حيث ترى الجمال والحياة وسط الهلاك والموت.

بنت ينار عالماً كاملاً داخل عالمنا المنكود، فيه يعيش الجميع باحترام وكرامة. بهذا العالم ملأت بيوتاً كثيرة بنساء وبنات وفتيات لم يكن العالم منصفاً لهن، ولا رحيماً بهن.

لم يعق طريقها الواقع البائس ولم يكسرها النظر إليه، بل رفضته وبقيت رافعة بصرها إلى الأعلى، حيث تستطيع أن ترسم أحلامها -أحلامنا- على لوحة السماء المفتوحة.

انتهينا من ترتيب الغرفة وجلست ينار المعمارية ترسم مخططاً لمقر المنظمة الجديد الذي كان سيتم افتتاحه نهاية ذلك العام. كانت منهمكة تُخرج مخططات سابقة وتعدل عليها.

اختلست أنا نظرة من الشباك إلى الزقاق المحرّم عليّ، ثم نزلت عائدة إلى ترجمة التقارير التي لا تنتهي.

ذاك المخطط الكبير للمنظمة لم ينفذ، جهات عدّة أعاقت ينار عن إنجازه.

مخطط الدار التي كانت تعتزم ينار افتتاحها، مصدر الصورة: الكاتبة.

2 آذار 2026، الصباح الباكر

استيقظت من النوم على صوت هاتف يرن.

“شوق، عندي خبر… ما أعرف شلون أگلچ… اغتالوا ينار”. يحاول زوجي أن يشرح شيئاً عن الوقت والمستشفى، لكنني لا أسمع ما يقول.

“أمام بيتها”.

بيتها؟

أنظر من شباك شقتنا الصغيرة في كندا، الشقة التي كنا أنا وينار نتشارك السأم منها، لا أرى سوى الزقاق، فجأة يعود المشهد القديم: الغرفة في الطابق الثاني، والكرسي الوحيد، وينار جالسة ترسم مستقبلاً على أوراق مبعثرة.

من كان يخاف منكِ؟ الدولة التي كنتِ تملئين فراغ مؤسساتها؟ أم الميليشيات التي لا تريد أن تُحاسَب؟ أم العشائر التي تريد أن تحكم على حياة النساء بالموت؟

ربما كانوا جميعاً يخافون ينار وعملها، لكن ما لم يفهموه أن العمل الذي بدأته ينار لم يكن ليتوقف عند شخص واحد.

ففي بيوت الإيواء، وفي المظاهرات، وفي المكاتب الصغيرة التي تحولت إلى مدارس نسوية، تركت خلفها نساء يعرفن الطريق.

نساء خرجن من الخوف ليواجهن العالم.

لهذا لم تكن ينار تتحدث كثيراً عن النهاية، وإنما كانت تتحدث دائماً عن الغد، عن العمل الذي ينتظرنا في الصباح.

لا تيأسوا.

“باچر ورانه شغل”.

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

28  شباط 2017، منتصف الليل

استيقظتُ من النوم على صوت إطلاق نار كثيف، كأنه خلف جدار الغرفة، أفتح باب غرفتي لأجد ينار واقفة تنتظرني. “عرفتچ رح تگعدين، ماكو شيء، دگة عشائرية، ارجعي نامي”.

تتردد قليلاً وهي تعود إلى غرفتها، تعيد النظر إليّ وأنا أحاول استيعاب ما يحدث وتقول: “نامي، نامي… باچر ورانه شغل”.

كانت هذه أول ليلة لي في بغداد. أثق بينار، فأنا لا أعرف أحداً غيرها، وأبيت في بيتها حيث سيغتالها، بعد ثمانية سنوات من رحلتنا تلك، جبناء مرتزقة في العراق الذي أحبته وحاربت وعاشت وماتت من أجله.

وجدتني ينار في تورنتو، مدينتنا الأخرى التي تجمعنا، متلهفة لأتعلم من تجربتها، فأخذت على عاتقها أن تصبح الأم الروحية لي والمرشدة والرفيقة. كنا نلتقي في صالات الطلاب والمقاهي المجاورة لجامعة تورنتو، حيث كانت هي تكتب أطروحة الماجستير التي وثّقت وحللت فيها المعضلة الأكبر في حياتها المهنية والفكرية، وهي إدغام الإطار النسوي والماركسي في الحركة الثورية اليسارية في العراق بعد الاجتياح والاحتلال الأمريكي.

فعندما تقول لي، في منتصف الليل، وأنا الغريبة في بغداد مسقط رأسي، إن إطلاق النار الذي يكاد يخترق الجدران المتهالكة من حولنا هو “لا شيء”، فإذاً هو لا شيء. أحاول العودة للنوم وأنا أصوغ في عقلي تقرير الغد عن الفتيات المقتولات والملقيات في نهر دجلة، اللواتي تجد جثثهن يومياً الشرطة المجتمعية.

27 شباط 2017، صباحاً

جالت ينار ممر الطائرة ذهاباً وإياباً في رحلتنا من القاهرة إلى بغداد، لتتفقد والدها الذي حجزت له مقعداً أوسع في مقدمة الطائرة. سافر والدها معنا من تورنتو إلى القاهرة ومنها إلى بغداد، وكانت تفعل ما بوسعها لراحته. تعود لتجلس بعد أن تطمئن عليّ، وترفع قدميها على حقيبتها أو على الكرسي وتقول: “عقلي بعده شباب، لكن رجليَّ…”

وتشير بيدها أن شيئاً قد تركها ورحل مع الطائرات المحلّقة في الجو من حولنا.

قبل وصولنا إلى مطار بغداد طلبت مني أن أجلس في مكانها قرب الشباك. طلبتُ أنا منها بالمقابل أن تكتب في دفتري بعض العبارات الخاصة بالمنظمة لتضمينها في الموقع الجديد الذي نعمل عليه. تخطّ ينار اسم منظمة حرية المرأة واسم راديو المساواة في دفتر مذكراتي.

لا يروقها هذا الجانب من العمل: التقارير والاجتماعات مع المانحين الذين لا يفهمون العراق كما تعرفه هي، فتضطر لتنظيم عمل المنظمة ضمن خانات محدودة لا تحتوي وسع وعمق حصاد عمرها من النضال.

ينار، التي بدأت مسيرتها السياسية في معارضة حرب الخليج الثانية عام 1990، كان فكرها وعملها النسوي متجذرين في توجه ماركسي بحت. لا يطفئ نار المقاتل بداخلها غير النضال الميداني: ساحة التظاهر، والاعتصامات، والنقاش المحتدم في لقاءات الحزب، واجتماعات تعديل القوانين، وسحب رقبة فتاة من تحت قبضة الظلم بيديها.

إنها من الشخصيات الاستثنائية بقدرتها على الموازنة بين الجانب العملي واللوجستي والنظري، من دون التقصير في أيٍّ منها.

ينتهي كلامنا عن موقع المنظمة الجديد على متن الطائرة. فعند وصولنا إلى أجواء مطار بغداد الدولي تلبس ينار لباس المحاربة وتترك الكلام النظري يتبخر في الغلاف الجوي.

فالعراق، كما كانت تحب أن تراه مكاناً صالحاً للعيش للجميع، كان هو الأفق الوحيد الذي “يملأ عينها”.

أنظر أنا من الشباك إلى بغداد التي تملأ عيني، وأفهم لماذا أعطتني مقعدها، فأشكرها بصوت داخلي فقط، فأنا وينار لا نتكلم عن مشاعرنا إلا نادراً.

27 شباط 2017، ظهراً

نذهب من المطار إلى المنظمة مباشرة، ويستقبل الجميع الست ينار بكثير من الحب والاحترام والاشتياق الواضح. لا تطيل هي غيبتها عادة، لكنها في تلك المرة كانت قد غابت لبضعة شهور.

أتعرّف على الرفاق من الحزب الشيوعي العمالي، الذي كان في تلك الآونة يمر بانفصال، حيث سوف تعلن ينار مع الرفاق عن مجموعة البديل الشيوعي. كان السبب الرئيسي في هذا الانشقاق الخلاف الفكري، واستياء الرفاق النسويين، ومن ضمنهم ينار، من الذكورية الطاغية حتى داخل الحركة الثورية اليسارية.

واجهت ينار في مسيرتها خصوماً وأعداء كثراً، ولم يكن يهزها رأي أحدهم ولا الانتقادات، إلا ممّن كانت تراهم زملاء ورفاق الفكر اليساري. كانت ترى أن النضال العمالي في العراق إذا لم يكن يشمل نظرة وتحليلاً نسويين فهو نضال منقوص.

أسمع نقاشات عن النضال النسوي والنضال الاشتراكي على ألسنة فتيات ونساء يملأن الممرات وغرف الاجتماعات، الكل ينتظر موعده مع ينار، التي تفكّ النزاعات بينهم، وتراضي هذا وذاك، وتشجع إحدى الفتيات على كتابة مقال لجريدة المساواة، وتعاتب أخرى بقليل من الحب القاسي لتقاعسها عن دروس القراءة والكتابة، ثم تدخل في نقاش مشحون حول العبارات المختارة للافتات التي يجب طبعها اليوم لتُحمل في تظاهرة يوم المرأة المقبل.

تكاد جدران الغرف التي تملؤها صور ناشطات منظمة حرية المرأة في المظاهرات أن تنفجر من حجم الشخصيات الجبارة التي جمعتها ينار تحت سقف واحد.

من دور الإيواء التي تديرها ينار بين فترة وأخرى تخرج فتيات ونساء لا يكتفين بالنجاة فقط، بل يقررن محاربة المنظومة الذكورية. أغلبهن لا يستطعن الخروج إلى الشارع من دون تغطية وجوههن خوفاً من ملاحقة العشيرة أو الدولة، خاصة إذا لم يمر عام أو عامان على لجوء إحداهن إلى المنظمة.

فتجدهن منهمكات يكتبن البيانات ويتناقشن حول طاولة المدرسة النسوية، وطاولة الاجتماعات، وحتى طاولة إفطار الصباح، ليوصلن أفكارهن إلى ينار، التي تخرج بدورها، ومن دون خوف، إلى العالم الخارجي والرأي العام لتوصل الرسالة.

جميع الفتيات والنساء اللواتي قررن أن ينخرطن في العمل السياسي بعد الإيواء في أحد البيوت الآمنة غيّرن أسماءهن وقصصن شعرهن. منهن من تلبس قبعة تنزلها على عينيها، ومن تضع “مكياجاً” يغيّر ملامح وجهها تغييراً جذرياً. لكن يبقى الخوف من الملاحقة عميقاً، ويبقى السياج الحامي حول مقر المنظمة هو ما يعطيهن الأمان لنسيان من يلاحقهن، بل لملاحقة الفاسد والظالم.

ينار بعد عودتها لبغداد، مصدر الصورة: الكاتبة. 

يخرج الجميع إلى حديقة البيت البغدادي القديم الذي كان مقر المنظمة وقتها، حيث تلعب ينار مع الناشطات شوطين أو ثلاثة من كرة الطاولة التي تحبها كثيراً، قبل أن نعود أخيراً إلى البيت بعد سفر طويل ومتعب.

لا يركب أحد معنا سوى رفيق موثوق به، ولا يعرف أحد مكان سكن ينار إلا قلة قليلة. وبينما السيارة تمر بين أزقة ضيقة في المنطقة الشعبية التي تسكن فيها، وحتى وصولنا للبيت، تصف لي ينار قصص محاولات اغتيال وتهديدات كثيرة تطالها من ميليشيات وأفراد.

ترشدني إلى الغرفة التي ستكون مكان نومي في الشهر القادم، فيها شباك يطل على منور، بجانبه، من الجهة الأخرى، مطبخ كبير لكنه بسيط، وتتوسطه طاولة طعام خشبية.

هناك حبال لنشر الغسيل في المنور، وصحون على الأرض وفوق الأجهزة المغطاة بالتراب، فيها ماء وفتات خبز للعصافير. تنزل العصافير من السماء إلى تلك المساحة الضيقة، ترحب بقدوم ينار وهي تسكب لها ماءً نظيفاً في الصحون.

شباك الغرفة الذي يطل على منور، مصدر الصورة: الكاتبة.


28 شباط 2017، الغبشة

أستيقظ للمرة الثانية على صوتها تغني في المطبخ، أشاهدها عبر المنور من شباك الغرفة وهي تقف أمام مقلاة موضوعة على عين الطباخ، تتطاير قطرات الزيت منها فتقفز ضاحكة وتتفاداها.

تقولها لي وهي تضع صحون البيض المقلي و”الصمون” الطازج على الطاولة: “لا نتكلم بشيء يخص العمل قبل أن أشرب الشاي”.

اليوم نكتب تقريراً بخصوص عمل المنظمة في منطقة الشرقاط، حيث تم تدوين مئات القضايا التي تخص انتهاكات الحقوق، سوف تقدَّم إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية وفقاً للمادة 15 من نظام روما الأساسي.

كان هناك ثماني نساء ناجيات من داعش في دور إيواء الشرقاط، تتراوح أعمارهن بين الـ20 والـ30 عاماً، لكل واحدة منهن طفلان على الأقل. منهن من رفض أهلها استقبالها بسبب “عار” جرائم داعش التي ارتُكبت أساساً بحقهن، ومنهن من ليس لديها أهل ولا مكان تعود إليه.

وفي دور الموصل 18 ناجية مع 17 طفلاً. دونت ووثقت المنظمة ما استطاعت توثيقه عبر السرد والتصوير وجمع البيانات والمعاملات والأدلة، لمحاولة تحريك المجتمع المدني والدولي من أجل اتخاذ إجراءات حقيقية، وهو ما فشلت مؤسسات الدولة، وحتى الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، في أن تستجيب له بشكل جريء وسريع.

كانت ينار تبحث دائماً عن شركاء محليين في المحافظات خارج بغداد، لتفتتح دور إيواء تحمي نساء وبنات العراق من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

فمثل ينار، نساء وبنات العراق يحاربن جهات عديدة: الدولة، والعشيرة، وجيوش الخراب والتدمير مثل داعش والاحتلال، والقانون، والعرف، وكذلك المؤسسات الغربية التي تدّعي مناصرة الحق والحقوق، لكنها في الحقيقة لا تفهم مشاكل النساء في العراق بشكل عميق، وغير مستعدة للتضحية من أجلهن.

أما ينار، وهي بنت البلد، فكان بيتها الآمن يمتد إلى ما لا نهاية له، تنبسط حدائقه حيث يركض أطفال لأمهات رأين الويل، تمسك ينار يدهن وأطفالهن ليكملوا الدرب معاً.

ذلك الصباح، وبعد “استكان الشاي”، كانت تحمل ينار هموم الناجيات على عاتقها، فهي ترى أن جميع الجهات المسؤولة خذلتهن. ما أصابهن يختلف عن المصاعب الموجودة في بغداد والبصرة وباقي المحافظات، لكن ينار كانت متأهبة وراغبة دائماً في التعلّم والفهم ضمن السياق الجديد الذي التزمت به.

أحترم ذلك فيها كثيراً، فهي تسمع للصغير والكبير، لرفيق الحزب ولفتاة ناجية من تعنيف في دار أيتام حكومية. تصغي ينار وتعطي وقتها حتى للمسؤول في الدولة، وللشرطي، ولشيخ العشيرة. شيء لم أصبر أنا عليه مثلها.

كانت تسمع، وتناقش، وتنصح، وتذكّرنا أن في الحياة “شراً لا بد منه”، وأننا نعمل في بيئة صعبة وظروف استسلم وتركها الكثيرون.

8 آذار 2018، الصباح الباكر بعد “استكان الشاي”

“لا مو نصف شهادة، المرأة ثورة وقيادة… لا مو نصف شهادة، المرأة ثورة وقيادة”.

هكذا هتفت ينار وسط بنات المنظمة على متن الحافلة التي تنقلنا إلى ساحة التحرير. كانت تفتخر كثيراً بالنساء والفتيات اللواتي خرجن من مآسٍ شخصية ليصبحن بطلات في قصص الأخريات والآخرين، تستمد القوة من شجاعتهن أمام الظلم الشخصي كما استمددن هن من جبروتها أمام الظلم العام.

يهتفن معاً، أجيال من النساء لم يجدن في هذا العالم عدالة، فوجدت إحداهن الأخرى بدلاً من ذلك.

تتعلق ينار كثيراً بكل امرأة تدخل المنظمة. فتلك أخرجتها من خلف قضبان السجن، كان عمرها ثماني سنوات، طفلة وجدت نفسها وحيدة في شوارع البصرة بلا أم ولا أب، دخلت السجن متورطة مع عصابات استغلت ظرفها، والآن هي شابة بلا خوف، تهتف بأعلى صوت في الحافلة.

وأخرى أتت إلى ينار مع بنتها الشابة، كاد زوجها يقتلها من التعنيف. والآن، بعد سنوات طويلة وعِشرة عمر مع ينار، الأم وابنتها تعملان في المنظمة لإنقاذ مئات النساء والأطفال من كوابيس عرفتاها قبلهن.

ماذا يحصل لفتيات ونساء سُلب منهن كل شيء؟ كل الحقوق، كل الحب، كل الكرامة، كل الأمل؟

صنعت ينار أبطالاً لمحاربة الوحوش التي ظنت أنها تستطيع أن تبطش في الأرض من دون أن تمسها عواقب.

لم تكن ينار تجني شيئاً، غير أنها وجدت رفيقات نسويات يتشاركن في الرؤية ويهتفن معاً، أملاً في أن تتحقق تلك الرؤى يوماً ما.

“مساواة، حرية، حكومة عمالية…

مساواة، حرية، حكومة عمالية…”

14 آذار 2018، الظهر

لم نذهب إلى المنظمة صباحاً كالمعتاد، قالت ينار إن لدينا مشروعاً مهماً في البيت يجب إتمامه قبل العمل. لم يكن أحد سوانا من الرفاق في البيت ذلك اليوم.

كانت ينار تختفي وتعود، بيدها أدوات للتنظيف تجمّعها عند بداية السلم، وأنا أراقبها وأنتظر.

ملأت ينار سطلاً بلاستيكياً بالماء وكلفتني بحمله إلى الأعلى، كانت هذه أول مرة أصعد معها إلى الطابق الثاني. انتهى السلم إلى مدخل غرفة واحدة، واسعة بجدران متآكلة، لها شباك واحد بواجهة شمالية غربية، مطل على الزقاق الضيق حيث تأتي السيارة لتنقلنا كل يوم، الشارع الذي لم تسمح لي أبداً أن تطأ فيه قدمي خطوة واحدة يميناً أو يساراً بسبب الإجراءات الأمنية.

كنت أتوسل إليهم أن أخرج إلى الشارع.

أقول: “ينار أريد أن أرى شكل الباب بعد الدگة”.

فتضحك وتصرخ”: إنتِ مجنونة!”

وأنا أدافع عن قضيتي الخاسرة: “نعم، لذلك أعمل معك يا عزيزتي”.

نمسح الأرض بالماء الذي تسقط قطراته من على السلم ببطء، وتملأ المكان رائحة الصابون والماء، والشمس تدخل علينا من الشباك كأننا في حلم.

قالت وهي تضع كرسياً وحيداً في الركن: “أريد أن أجعل هذه الغرفة مرسماً”.

الغرفة أثناء التنظيف والتخطيط لتحويلها إلى مرسم، مصدر الصورة: الكاتبة.

أنظر من حولي فلا أرى سوى خرابة وفراغ، لكن ينار تنظر بعيداً جداً، تنظر إلى الأفق حيث ترى الجمال والحياة وسط الهلاك والموت.

بنت ينار عالماً كاملاً داخل عالمنا المنكود، فيه يعيش الجميع باحترام وكرامة. بهذا العالم ملأت بيوتاً كثيرة بنساء وبنات وفتيات لم يكن العالم منصفاً لهن، ولا رحيماً بهن.

لم يعق طريقها الواقع البائس ولم يكسرها النظر إليه، بل رفضته وبقيت رافعة بصرها إلى الأعلى، حيث تستطيع أن ترسم أحلامها -أحلامنا- على لوحة السماء المفتوحة.

انتهينا من ترتيب الغرفة وجلست ينار المعمارية ترسم مخططاً لمقر المنظمة الجديد الذي كان سيتم افتتاحه نهاية ذلك العام. كانت منهمكة تُخرج مخططات سابقة وتعدل عليها.

اختلست أنا نظرة من الشباك إلى الزقاق المحرّم عليّ، ثم نزلت عائدة إلى ترجمة التقارير التي لا تنتهي.

ذاك المخطط الكبير للمنظمة لم ينفذ، جهات عدّة أعاقت ينار عن إنجازه.

مخطط الدار التي كانت تعتزم ينار افتتاحها، مصدر الصورة: الكاتبة.

2 آذار 2026، الصباح الباكر

استيقظت من النوم على صوت هاتف يرن.

“شوق، عندي خبر… ما أعرف شلون أگلچ… اغتالوا ينار”. يحاول زوجي أن يشرح شيئاً عن الوقت والمستشفى، لكنني لا أسمع ما يقول.

“أمام بيتها”.

بيتها؟

أنظر من شباك شقتنا الصغيرة في كندا، الشقة التي كنا أنا وينار نتشارك السأم منها، لا أرى سوى الزقاق، فجأة يعود المشهد القديم: الغرفة في الطابق الثاني، والكرسي الوحيد، وينار جالسة ترسم مستقبلاً على أوراق مبعثرة.

من كان يخاف منكِ؟ الدولة التي كنتِ تملئين فراغ مؤسساتها؟ أم الميليشيات التي لا تريد أن تُحاسَب؟ أم العشائر التي تريد أن تحكم على حياة النساء بالموت؟

ربما كانوا جميعاً يخافون ينار وعملها، لكن ما لم يفهموه أن العمل الذي بدأته ينار لم يكن ليتوقف عند شخص واحد.

ففي بيوت الإيواء، وفي المظاهرات، وفي المكاتب الصغيرة التي تحولت إلى مدارس نسوية، تركت خلفها نساء يعرفن الطريق.

نساء خرجن من الخوف ليواجهن العالم.

لهذا لم تكن ينار تتحدث كثيراً عن النهاية، وإنما كانت تتحدث دائماً عن الغد، عن العمل الذي ينتظرنا في الصباح.

لا تيأسوا.

“باچر ورانه شغل”.