الحبكة الوجودية لعراقيّ الألفين: يوميات عراقية من وسط الحرب الشاملة
05 آذار 2026
تبدأ الحكاية برصاصة ثالثة، وتستمر حتى صواريخ تائهة بين إسرائيل وإيران تسقط على أطراف العراق.. كاميرات مراقبة، حرب وعطش.. تحاول صاحبة هذه اليوميات أن تجد معنى للعيش وهي على أعتاب الـ25..
الساعة العاشرة مساءً، يوم خميس عام 2019، أخيراً عطلة من المدرسة، أريد أن أنام لأستيقظ مبكراً وتكون الجمعة بأكملها لي. المنزل هادئ، والنوم مبكراً أو السهر لأن الغد عطلة هما خطة الجميع.
رصاصة، رصاصتان، ثلاث، من يطلق الرصاص؟ داعش؟ لا، داعش هناك، بعيداً عني، وأنا هنا، الوضع تحت السيطرة، البريطانيون؟ لا حاجة إلى وجودهم في البصرة، إذ غادروها بعد 2009، جيش المهدي؟ مرت أعوام على 2008، من يطلق الرصاص؟ لماذا أسمع صوت رصاص؟
تنقطع غفوتي، أترك الغرفة بحذر، أتحاشى أن أكون قرب النافذة، أبتعد عن رصاص قد يطالني وأنا داخل البيت. أخرج من باب الغرفة، والداي وإخوتي يجلسون قرب الباب، جامدون وينظرون للجدار المُقابل، أفهم، دون حديث، أنهم مثلي يفكرون، من يطلق الرصاص؟
أجلس معهم دون أن أقطع الصمت، رأسي على كتف أمي الأيسر، شقيقتي الصغيرة في حضنها، تسألها بهمس “هذا طلق؟”
“أي ماما، بس لتخافين، مو يمنا”. “مو يمنا” لكننا مُلتصقين بالجدار، ونخاف أن يكون “يمنا”.
صمت، توقف الرصاص، لا صوت آخر من الشارع، لا أحد يتحدث، لا أحد يصرخ، لا صوت لشرطة أو إسعاف، لا أحد.
نعود لغرفة والديّ، نفتح شريط كاميرا المراقبة، ثلاثة أو أربعة رجال معهم بنادقهم أطلقوا الرصاص على المنزل الموجود في ركن الشارع الذي يقع فيه بيتنا، خرج صاحب المنزل، أطلق رصاصاً هو الآخر، ثم غادروا، فعاد لمنزله. هكذا، بلا “الله يساعدك” أو “الله يسامحك” أو “زعلانين منك” أو “الله ياخذك”.
منظر طريف، مثل أن تأتي لتقدم الحلوى وتذهب، لكن الحلوى رصاصة. لم يخرج أحد من منزله، تخيلتُ أن كل جيراننا كانوا مثلنا، متسمرين أمام شاشات كاميرات المراقبة، ويهزون رؤوسهم بخيبة أمل. يمتلك الحي كله كاميرات مراقبة، كل منزل لديه ما بين ثلاث إلى خمس كاميرات، ولعله عدد مُبالغ فيه، لكننا في حي يود أن يعلم مسبقاً إذا أراد أحدهم رمي منزلٍ ما بالرصاص ثم المغادرة.
نظرتُ لوالدي، هز رأسه ثم تنهد، جلس أمام حاسوبه من جديد، يكتبُ مقالاً عن مستقبل البصرة، المستقبل الذي لم يكن متأكداً قبل عشر دقائق أنه سيعيش ليراه. أمي تعود لتمشيط شعر شقيقتي قبل النوم، وأنا، أعود لغرفتي.
فوقي بطانية ولحاف، طبقتان تثيران الضحك في منزلي دائماً، لأنها البصرة، حتى ونحن في الشتاء، الجو ليس بارداً لهذه الدرجة. طبقتان أحمي نفسي بهما من كل قوة أجنبية قد تضعُ سلاحها خلف رأسي.
أغمض عينيّ، أعود لفتحهما وأنا أنظر للنافذة، رصاصة، رصاصتان، ثلاث؛ صوت ثلاث رصاصات يكفي لإيقاظي. أحاول دائماً أن أستيقظ مع الرصاصة الأولى، لكنني أفشل، لا أستطيع. في الطفولة، كنتُ طفلةً لا تتخلى عن نومها، لكن مع ازدياد الرصاص من البريطانيين، وجيش المهدي، وجند السماء، والجيش العراقي، وأي شخص يصدف أن لديه سلاحاً في فترة امتدت بين 2003 و2010، صرتُ طفلة تستيقظ مع الرصاصة الثالثة، وحتى حين صرتُ في الـ17، أراقب جيراني من كاميرا المراقبة، لم أستطع أن أسبق الرصاصة الثالثة لأصل للثانية قط. هكذا استقررتُ على حاجتي إلى سماع ثلاث رصاصات قبل الاستيقاظ والاختباء.
2025
صاروخ، صاروخان، ثلاثة، أستيقظُ يوم السبت، 14 حزيران، الساعة التاسعة صباحاً، انتهت واجبات وزيارات عيد الأضحى، غداً عملٌ منتظم، أتابع الأخبار، إسرائيل قصفت إيران، إيران قصفت إسرائيل، والعراق ساحةٌ لصواريخهما.
صاروخ، صاروخان، ثلاثة، كل محافظة حصلت على نصيبها من الصواريخ التي أخطأت الوجهة؛ ذي قار والبصرة وبغداد والنجف والأنبار والديوانية وبابل، جميعهم حصلوا على صواريخ تالفة. أضحك على “ميمز” عابرة، عن المثنى التي تفتقد خدماتٍ كثيرة ولا نسمع عنها في الأخبار، لعلها لا تعرف بالحرب. أتمنى لو أنني هناك، ولا أعرف بالحرب أيضاً.
جواز سفري قرب وسادتي، ما يزال صالحاً لسنواتٍ عدة، فقد استخرجته قبل ثمانية أشهر فقط، لكنه بلا فائدة. أمي وأبي بلا جواز، شقيقتي بلا جواز، شقيقي الأصغر بلا جواز، أنا وشقيقي الأوسط فقط لدينا جوازات سفر استخرجناها لمتطلبات عملنا، لكنها بلا فائدة. حتى لو قررت الهرب، لا أستطيع تركهم، وإذا استطعت، أي دولة تقبلني؟
أحضّر البيض والفطر، أستخدم زيت الزيتون، لأن الزيت العادي مضر لمتلازمة التكيس، هل هناك فائدة؟ لعل الحرب تبدأ، لعلني أموت غداً. سأموت جائعة، سأموت وأنا أفكر بطبيبة النسائية التي لا حل لديها سوى الزواج لأتخلص من المتلازمة. هناك احتمال ألا أموت، وأن هذا القصف المتبادل سيتوقف، ونحظى بحالة “بوس عمك بوس خالك” على مستوى إقليمي سياسي.
والدي في غرفته، متسمر أمام الأخبار، هذه المرة الأولى التي لا يقول لي فيها: “شبيج يمعودة، مسرحية كل يوم”، ليُطمئن قلقي وقلق عائلتنا كاملةً. ترامب لا يعرف الكثير عن سياسة أمريكا، لكن أبي يعرف، كنت أنتظر منه أن يقول: “روحي كملي حياتج، ماكو شي”، لكنه لم يقل. كان يتابع الأخبار بترقب، لم يرد منا إزعاجه أو تشتيته عن التلفاز، أراد سماع كل تصريح، كل خبر، وتتبع كل صاروخ، أين سقط؟ من قتل؟ من القادم؟ هل العراق على القائمة؟
أمي تشرب الشاي وتقرأ الأخبار على فيسبوك، تلتفت إلي في لحظة ما وتقول: “هم يقصفون المفاعل؟ شيصير بينا؟ نموت؟” لا أعرف، لا أحد يعرف.
أتذكر مسلسل Chernobyl، أتذكر المدن التي جاورت المفاعل، خمسة أيام قبل أن تنهار الأعضاء الداخلية بسبب الإشعاع العالي ويموتون. هل ينهار كبدي؟ هل يذوب الرحم الذي أحاول أن أنقذه منذ عام 2014؟ أسأل ChatGPT، ماذا يحصل إذا كانت مدينتي قريبة من مفاعل نووي؟ ينصحني بتركها، أخبره أن لا مكان لدي للذهاب، يطلب مني إغلاق النوافذ، وألا أخرج، أعلم أنها نصائح غير مفيدة.
أتصفح الأخبار، أقراني يضحكون، الـ”ميمز” في كل مكان، يمتاز العراق بموقعه الجغرافي، أرى النكتة نفسها في كل مكان، على إكس، على إنستغرام، على تيك توك، على التيلغرام. أغلق الهاتف، أحاول أن أقرأ.
أقرأ رواية عن رجلٍ سوري في معتقل عراقي، أفكر أن القصة لا تتغير. العراق والموت، العراق والحرب، العراق واللاسيادة، العراق، العراق.. أتذكر المشجع العراقي العجوز، لا أتذكر اسمه، لكن أتذكر فيديو له وهو يصرخ “العراق، العراق!” مع مد الراء، واللطم على الرأس، أضحك مع نفسي، مرت أعوام على هذا الفيديو، لكنه “العراق!” فعلاً.
مقتدى الصدر يقول لا شأن لنا، الفصائل تهدد، تتوعد السفارة الأمريكية، تتوعد عين الأسد، أمريكا تهدد العراق، إيران تهدد العراق، إسرائيل تهدد العراق، نحن نهدد العراق، والعراق.. أتساءل إن كان يعلم بما يجري.
يطمئن أصدقائي علي: “شلونها البصرة؟ يمكم شي؟ أكو مفاعل قريب عليكم؟ شفتِ الصواريخ؟” لا، كنتُ نائمة، لم أسمع الصواريخ، لكن في أطراف البصرة سمعوا، مرت فوقنا وسقط بعضها.
كنت على وشك بلوغ سن الـ24 في آب، كان الموعد قريباً جداً، لكنه بدا بعيداً، ويبدو الوصول إليه صعباً أيضاً. أخبر نفسي ألا أبالغ، هذه ليست المرة الأولى. حرب، حربان، ثلاثة، كم مرة شهدتُ حرباً؟ كم مرة خفتُ من جهة ما؟ مرات عدة، الرصاص لا يتوقف، ولا الصواريخ، لكنني أقف. هناك، بين الأطراف، بين الأسلحة، بين الدول، أقف أنا، والبصرة، والعراق، وجواز سفرٍ مُرتجف، نطلب من مجالس الأمن والدول المستقلة أن يكف فلان عن قصف فلان، لا تستخدموا العراق. لا أحد يستمع، حتى أنا لا أستمع.
مطار البصرة هو المطار الوحيد الذي لم يخرج عن الخدمة في العراق، الطائرات تزداد، وكلما رفعت رأسي إلى السماء أرى خطين فيها، وطيارة تحلق مسرعة تريد الخروج من حدودنا، تريد أن تصل لجهة لا تقع فيها الصواريخ أو تعبر. عمل المطار مُطمئن لي، هذا يعني أننا بخير، لا؟ أعمل في الصحافة، علي ألا أهلع، كلما سألني أحد، أجيب أن لا شيء جدي سيحدث، أطمئن أمي كل ست ساعات، أخبرها أننا بخير، لكنني لستُ متأكدة إن كنتُ أثق بكلامي. الكلمات تخرج مني، لكنني أستغرب كلما سمعتها.
لا شيء ذو نفع، حتى هذا النص لا فائدة منه، لا أحد يستمع، ولا أستمع أنا.
أفكر في الغد، أي حربٍ سأشهد؟ هل سأكون هناك لأشهدها؟ شهدتُ السقوط، والحرب بين الجيش البريطاني وجند السماء، سمعتُ عن حروب الطائفية، خبأتنا ماما في المنزل حتى انتهت. “صولة الفرسان” أو معركة البصرة حدثت أمام منزلي. طاردني الخوف من وصول داعش للبصرة، ما زال يطاردني، حتى وأنا أكتب هذه الجملة بعد ثمانية أعوام من معارك تحرير الموصل من داعش عام 2017، حتى وأنا أخبر نفسي “يا داعش يمعودة؟ هو منو يكدر يدخل العراق؟” لكن الجميع يستطيع الدخول، ولا أحد قادر على المغادرة.
أحث أمي على استخراج جواز لها وللبقية فور انتهاء الحرب، تسألني: “أي دولة تقبلنا ماما؟”
تغير جدول عملي بالكامل، صارت التغطيات الإخبارية كلها ذات علاقة بالحرب، رئيس التحرير لا يقول إنها حرب مسرحية، مثله مثل أبي، قلِق. صاحب الصرافة يقول “محظوظة” وهو يصرف راتبي، لأن الدولار عاود الصعود، زاد راتبي 40 ألف دينار عراقي، محظوظة.
لكن الحرب مرت، مثلها مثل كل شيء. بعد أسبوعٍ ونصف من التغطية انتهى كل شيء، هدنة وسلام، أوقفوا إطلاق النار، صحيح أنهم قصفوا بعضهم بعدها بقليل، لكنهم توقفوا.
الاحتفالات في الشوارع، الشارع العام قرب منزلي كان ممتلئاً بالمصلين قبل يومين، اليوم يغص بالمحتفلين، أعلام إيران في كل مكان، إيران تقول إنها انتصرت، إسرائيل تقول إنها انتصرت، أمريكا تقول إن السلام انتصر، والعراق، ساحة للاحتفالات مثلما كان ساحة للصواريخ.
يطمئن أصدقائي خارج العراق علي: “همزين خلص كلشي، هسه ماكو شي بعد مو؟” لا أدري، متى علمنا إن كان هناك شيء ما؟
انتهت الحرب، الآن علي العودة للقلق على الجفاف وملوحة المياه، أكتب هذا النص ومنزلي بلا ماء منذ أربعة أيام. حاول أبي كل شيء، ناشد واتصل، سب الحكومة وأكثَرَ من قوله “الله يخلصنا من هالزبايل” قاطبة. لا مياه، لكن أيضاً لا حرب.
أمي في مكانها نفسه في المطبخ، تخبرني أنه كان جيداً أننا لم نهلع، ولم نشترِ “سيتات” المياه مثل الآخرين. أعتقد أننا يئسنا، حاول الآخرون التجهز، لكن عائلتي تستقبل الأشياء كما تأتي بلا محاولات. نجونا من البريطانيين وجند السماء وجيش المهدي وصولة الفرسان والوصول المُحتمل لداعش وتسمم مياه 2018 والطرف الثالث في مظاهرات تشرين، نجونا من كل شيء؛ لذا فحربٌ نووية لا يجب أن تكون استثناءً.
مرت الأيام، وميلادي يقترب، أسأل نفسي ما الذي سيحصل حتى ذلك الحين؟ هل يرتفع الدولار؟ هل ينخفض؟ هل تبدأ حربٌ جديدة؟ هل تستمر أزمة الماء؟ هل سأستطيع الاستحمام قبل التوجه لعملي؟ أو بعد العودة منه؟ لا طاقة لي لغسل الصحون بيدي، لا أريد سوى ما يكفي من الماء والكهرباء لتشغيل الغسالة، وبما يكفي لكيلا ينادينا أبي جميعنا لنصلح الأنابيب معه. نخبره أن لا علاقة للأنبوب، البصرة جافة، لا مياه، لا حرب، لا مستقبل واضح، لا شيء، لا يستمع إلي، مثله مثل العراق.
2026
تركتُ هذا النص ثمانية أشهر، عبرتُ عتبة الـ24، وخلال بضعة أشهر سأكمل الـ25. استيقظتُ يوم السبت، 28 شباط 2026، إسرائيل قصفت إيران، إيران قصفت دولاً عدة مجاورة، والعراق يتلقى الصواريخ ويُرسلها. أغلقت الدولة المجال الجوي، مثلها مثل معظم الدول المجاورة.
أراقبُ الأخبار دون قلق، أقرأ روايتي، أشاهد مسلسلاً، كأن الحرب لا تعنيني. أفكر إن كان هذا سيؤثر على سفرتي القادمة، أيتوجب علي إلغاؤها؟ تحمستُ لها منذ أسابيع، وجهزتُ كل شيء، لكن الحرب لا تنتظر.
يُرهقني التفكير بتغطيات عملي، سنُمضي أسبوعاً كاملاً نكتب عن الحرب، نحاول تغطية كل شيء. لا جدوى. لا أحد يفهم ما الأمر، لا أحد يملكُ توقعاً حقيقياً.
هذه المرة العائلة لا تهلع. أبي يستمع إلى الأخبار بينما يُحضر سلطة يُحبها لفطور رمضان، وأمي تقطع الخضروات للشوربة. شقيقتي وشقيقي يدرسان، وأنا أكتبُ هذا النص ببطء. عكس الجزء الأول منه، لا يُداهمني القلق من نفاد الوقت قبل إنهاء النص.
لا يلزمنا الكثير للتعود على مسرحيةٍ ما مثل هذه.
أعتقد أن العراقيين بطبعهم سريعو التكيُّف. قلقنا العام الماضي، هلعنا وفكرنا أن الحياة ستنتهي. هذه المرة، استيقظنا، رأينا الأخبار، تسلح الجميع بالـ”ميمز”، وبدلاً من “ميمز” المثنى جاء دور القادسية، المحافظة التي يعلم العراق كاملاً أنها تعيسة، بلا خدمات، بلا شوارع مُبلطة، “برداً وسلاماً ع القادسية”.
لدينا طريقتنا في تجاوز الأشياء البسيطة مثل احتمالية وقوع حربٍ عالمية ثالثة.
أظن أن جيلي مُرهق، لا رغبة له بالقلق. لقد أمضينا بداية حياتنا بالقلق، منذ ولادتنا وحتى الآن، قلق يتبع قلق، حربٌ تتبع أخرى، ورصاصة تُسابق شقيقتها، ما فائدة القلق؟ إذا لم تقلق الحكومة، إذا لم يقلق الجيش، إذا لم يقلق الحلفاء، لمَ نقلق نحن؟
ما فائدة قلق الشعب إذا لم يهتم أحد من أهل السلطة؟ وأين يأخذنا القلق؟ فلا هو يوقف قصف هؤلاء، ولا قصف أولئك.
ينتهي اليوم بأخبار اغتيال خامنئي. أعلم أن الأحد سيأتي مُحملاً بالمظاهرات في محافظات عراقية عدة، وأعلم أن كل شيء سيتعطل. أتخيل صور التعزية قبل أن تُنشر، مفردات تتقافز في كل مكان “المقاومة”، “الحرب”، “العدو”، “إسرائيل”، “العدو الأمريكي”، “الخليج”. الجميع يتحول لمُحلل سياسي، الجميع له رأي. أفكر إن كانت هذه الأحداث ستدفع نور المالكي لسحب ترشيحه، هل سيخاف؟
لا يُخيفني كون العراق مسرحاً لهذه الأحداث هذه المرة، أفكر بسفري فقط، بالراتب، هل سأتمكن من أخذه؟ أم أن صعود الدولار سيمنع البنوك من تسليم الرواتب؟ لا بأس، أصابني تبلّد، لم تخفني فكرة ارتفاع الدولار، أو تأخر الراتب، أو إلغاء السفر، أو غلق المجال الجوي، أو العزلة الدولية التي نمر بها، أو الصواريخ التي تُخطئ مسارها وتقع علينا، أو التهديدات المستمرة بالحصار، أو عدم تشكيل الحكومة، أو أي شيء. لا شيء يُهم.
أتساءل، كم مرة يمكنني ترك هذا النص والعودة إليه والحدث نفسه؟
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
الساعة العاشرة مساءً، يوم خميس عام 2019، أخيراً عطلة من المدرسة، أريد أن أنام لأستيقظ مبكراً وتكون الجمعة بأكملها لي. المنزل هادئ، والنوم مبكراً أو السهر لأن الغد عطلة هما خطة الجميع.
رصاصة، رصاصتان، ثلاث، من يطلق الرصاص؟ داعش؟ لا، داعش هناك، بعيداً عني، وأنا هنا، الوضع تحت السيطرة، البريطانيون؟ لا حاجة إلى وجودهم في البصرة، إذ غادروها بعد 2009، جيش المهدي؟ مرت أعوام على 2008، من يطلق الرصاص؟ لماذا أسمع صوت رصاص؟
تنقطع غفوتي، أترك الغرفة بحذر، أتحاشى أن أكون قرب النافذة، أبتعد عن رصاص قد يطالني وأنا داخل البيت. أخرج من باب الغرفة، والداي وإخوتي يجلسون قرب الباب، جامدون وينظرون للجدار المُقابل، أفهم، دون حديث، أنهم مثلي يفكرون، من يطلق الرصاص؟
أجلس معهم دون أن أقطع الصمت، رأسي على كتف أمي الأيسر، شقيقتي الصغيرة في حضنها، تسألها بهمس “هذا طلق؟”
“أي ماما، بس لتخافين، مو يمنا”. “مو يمنا” لكننا مُلتصقين بالجدار، ونخاف أن يكون “يمنا”.
صمت، توقف الرصاص، لا صوت آخر من الشارع، لا أحد يتحدث، لا أحد يصرخ، لا صوت لشرطة أو إسعاف، لا أحد.
نعود لغرفة والديّ، نفتح شريط كاميرا المراقبة، ثلاثة أو أربعة رجال معهم بنادقهم أطلقوا الرصاص على المنزل الموجود في ركن الشارع الذي يقع فيه بيتنا، خرج صاحب المنزل، أطلق رصاصاً هو الآخر، ثم غادروا، فعاد لمنزله. هكذا، بلا “الله يساعدك” أو “الله يسامحك” أو “زعلانين منك” أو “الله ياخذك”.
منظر طريف، مثل أن تأتي لتقدم الحلوى وتذهب، لكن الحلوى رصاصة. لم يخرج أحد من منزله، تخيلتُ أن كل جيراننا كانوا مثلنا، متسمرين أمام شاشات كاميرات المراقبة، ويهزون رؤوسهم بخيبة أمل. يمتلك الحي كله كاميرات مراقبة، كل منزل لديه ما بين ثلاث إلى خمس كاميرات، ولعله عدد مُبالغ فيه، لكننا في حي يود أن يعلم مسبقاً إذا أراد أحدهم رمي منزلٍ ما بالرصاص ثم المغادرة.
نظرتُ لوالدي، هز رأسه ثم تنهد، جلس أمام حاسوبه من جديد، يكتبُ مقالاً عن مستقبل البصرة، المستقبل الذي لم يكن متأكداً قبل عشر دقائق أنه سيعيش ليراه. أمي تعود لتمشيط شعر شقيقتي قبل النوم، وأنا، أعود لغرفتي.
فوقي بطانية ولحاف، طبقتان تثيران الضحك في منزلي دائماً، لأنها البصرة، حتى ونحن في الشتاء، الجو ليس بارداً لهذه الدرجة. طبقتان أحمي نفسي بهما من كل قوة أجنبية قد تضعُ سلاحها خلف رأسي.
أغمض عينيّ، أعود لفتحهما وأنا أنظر للنافذة، رصاصة، رصاصتان، ثلاث؛ صوت ثلاث رصاصات يكفي لإيقاظي. أحاول دائماً أن أستيقظ مع الرصاصة الأولى، لكنني أفشل، لا أستطيع. في الطفولة، كنتُ طفلةً لا تتخلى عن نومها، لكن مع ازدياد الرصاص من البريطانيين، وجيش المهدي، وجند السماء، والجيش العراقي، وأي شخص يصدف أن لديه سلاحاً في فترة امتدت بين 2003 و2010، صرتُ طفلة تستيقظ مع الرصاصة الثالثة، وحتى حين صرتُ في الـ17، أراقب جيراني من كاميرا المراقبة، لم أستطع أن أسبق الرصاصة الثالثة لأصل للثانية قط. هكذا استقررتُ على حاجتي إلى سماع ثلاث رصاصات قبل الاستيقاظ والاختباء.
2025
صاروخ، صاروخان، ثلاثة، أستيقظُ يوم السبت، 14 حزيران، الساعة التاسعة صباحاً، انتهت واجبات وزيارات عيد الأضحى، غداً عملٌ منتظم، أتابع الأخبار، إسرائيل قصفت إيران، إيران قصفت إسرائيل، والعراق ساحةٌ لصواريخهما.
صاروخ، صاروخان، ثلاثة، كل محافظة حصلت على نصيبها من الصواريخ التي أخطأت الوجهة؛ ذي قار والبصرة وبغداد والنجف والأنبار والديوانية وبابل، جميعهم حصلوا على صواريخ تالفة. أضحك على “ميمز” عابرة، عن المثنى التي تفتقد خدماتٍ كثيرة ولا نسمع عنها في الأخبار، لعلها لا تعرف بالحرب. أتمنى لو أنني هناك، ولا أعرف بالحرب أيضاً.
جواز سفري قرب وسادتي، ما يزال صالحاً لسنواتٍ عدة، فقد استخرجته قبل ثمانية أشهر فقط، لكنه بلا فائدة. أمي وأبي بلا جواز، شقيقتي بلا جواز، شقيقي الأصغر بلا جواز، أنا وشقيقي الأوسط فقط لدينا جوازات سفر استخرجناها لمتطلبات عملنا، لكنها بلا فائدة. حتى لو قررت الهرب، لا أستطيع تركهم، وإذا استطعت، أي دولة تقبلني؟
أحضّر البيض والفطر، أستخدم زيت الزيتون، لأن الزيت العادي مضر لمتلازمة التكيس، هل هناك فائدة؟ لعل الحرب تبدأ، لعلني أموت غداً. سأموت جائعة، سأموت وأنا أفكر بطبيبة النسائية التي لا حل لديها سوى الزواج لأتخلص من المتلازمة. هناك احتمال ألا أموت، وأن هذا القصف المتبادل سيتوقف، ونحظى بحالة “بوس عمك بوس خالك” على مستوى إقليمي سياسي.
والدي في غرفته، متسمر أمام الأخبار، هذه المرة الأولى التي لا يقول لي فيها: “شبيج يمعودة، مسرحية كل يوم”، ليُطمئن قلقي وقلق عائلتنا كاملةً. ترامب لا يعرف الكثير عن سياسة أمريكا، لكن أبي يعرف، كنت أنتظر منه أن يقول: “روحي كملي حياتج، ماكو شي”، لكنه لم يقل. كان يتابع الأخبار بترقب، لم يرد منا إزعاجه أو تشتيته عن التلفاز، أراد سماع كل تصريح، كل خبر، وتتبع كل صاروخ، أين سقط؟ من قتل؟ من القادم؟ هل العراق على القائمة؟
أمي تشرب الشاي وتقرأ الأخبار على فيسبوك، تلتفت إلي في لحظة ما وتقول: “هم يقصفون المفاعل؟ شيصير بينا؟ نموت؟” لا أعرف، لا أحد يعرف.
أتذكر مسلسل Chernobyl، أتذكر المدن التي جاورت المفاعل، خمسة أيام قبل أن تنهار الأعضاء الداخلية بسبب الإشعاع العالي ويموتون. هل ينهار كبدي؟ هل يذوب الرحم الذي أحاول أن أنقذه منذ عام 2014؟ أسأل ChatGPT، ماذا يحصل إذا كانت مدينتي قريبة من مفاعل نووي؟ ينصحني بتركها، أخبره أن لا مكان لدي للذهاب، يطلب مني إغلاق النوافذ، وألا أخرج، أعلم أنها نصائح غير مفيدة.
أتصفح الأخبار، أقراني يضحكون، الـ”ميمز” في كل مكان، يمتاز العراق بموقعه الجغرافي، أرى النكتة نفسها في كل مكان، على إكس، على إنستغرام، على تيك توك، على التيلغرام. أغلق الهاتف، أحاول أن أقرأ.
أقرأ رواية عن رجلٍ سوري في معتقل عراقي، أفكر أن القصة لا تتغير. العراق والموت، العراق والحرب، العراق واللاسيادة، العراق، العراق.. أتذكر المشجع العراقي العجوز، لا أتذكر اسمه، لكن أتذكر فيديو له وهو يصرخ “العراق، العراق!” مع مد الراء، واللطم على الرأس، أضحك مع نفسي، مرت أعوام على هذا الفيديو، لكنه “العراق!” فعلاً.
مقتدى الصدر يقول لا شأن لنا، الفصائل تهدد، تتوعد السفارة الأمريكية، تتوعد عين الأسد، أمريكا تهدد العراق، إيران تهدد العراق، إسرائيل تهدد العراق، نحن نهدد العراق، والعراق.. أتساءل إن كان يعلم بما يجري.
يطمئن أصدقائي علي: “شلونها البصرة؟ يمكم شي؟ أكو مفاعل قريب عليكم؟ شفتِ الصواريخ؟” لا، كنتُ نائمة، لم أسمع الصواريخ، لكن في أطراف البصرة سمعوا، مرت فوقنا وسقط بعضها.
كنت على وشك بلوغ سن الـ24 في آب، كان الموعد قريباً جداً، لكنه بدا بعيداً، ويبدو الوصول إليه صعباً أيضاً. أخبر نفسي ألا أبالغ، هذه ليست المرة الأولى. حرب، حربان، ثلاثة، كم مرة شهدتُ حرباً؟ كم مرة خفتُ من جهة ما؟ مرات عدة، الرصاص لا يتوقف، ولا الصواريخ، لكنني أقف. هناك، بين الأطراف، بين الأسلحة، بين الدول، أقف أنا، والبصرة، والعراق، وجواز سفرٍ مُرتجف، نطلب من مجالس الأمن والدول المستقلة أن يكف فلان عن قصف فلان، لا تستخدموا العراق. لا أحد يستمع، حتى أنا لا أستمع.
مطار البصرة هو المطار الوحيد الذي لم يخرج عن الخدمة في العراق، الطائرات تزداد، وكلما رفعت رأسي إلى السماء أرى خطين فيها، وطيارة تحلق مسرعة تريد الخروج من حدودنا، تريد أن تصل لجهة لا تقع فيها الصواريخ أو تعبر. عمل المطار مُطمئن لي، هذا يعني أننا بخير، لا؟ أعمل في الصحافة، علي ألا أهلع، كلما سألني أحد، أجيب أن لا شيء جدي سيحدث، أطمئن أمي كل ست ساعات، أخبرها أننا بخير، لكنني لستُ متأكدة إن كنتُ أثق بكلامي. الكلمات تخرج مني، لكنني أستغرب كلما سمعتها.
لا شيء ذو نفع، حتى هذا النص لا فائدة منه، لا أحد يستمع، ولا أستمع أنا.
أفكر في الغد، أي حربٍ سأشهد؟ هل سأكون هناك لأشهدها؟ شهدتُ السقوط، والحرب بين الجيش البريطاني وجند السماء، سمعتُ عن حروب الطائفية، خبأتنا ماما في المنزل حتى انتهت. “صولة الفرسان” أو معركة البصرة حدثت أمام منزلي. طاردني الخوف من وصول داعش للبصرة، ما زال يطاردني، حتى وأنا أكتب هذه الجملة بعد ثمانية أعوام من معارك تحرير الموصل من داعش عام 2017، حتى وأنا أخبر نفسي “يا داعش يمعودة؟ هو منو يكدر يدخل العراق؟” لكن الجميع يستطيع الدخول، ولا أحد قادر على المغادرة.
أحث أمي على استخراج جواز لها وللبقية فور انتهاء الحرب، تسألني: “أي دولة تقبلنا ماما؟”
تغير جدول عملي بالكامل، صارت التغطيات الإخبارية كلها ذات علاقة بالحرب، رئيس التحرير لا يقول إنها حرب مسرحية، مثله مثل أبي، قلِق. صاحب الصرافة يقول “محظوظة” وهو يصرف راتبي، لأن الدولار عاود الصعود، زاد راتبي 40 ألف دينار عراقي، محظوظة.
لكن الحرب مرت، مثلها مثل كل شيء. بعد أسبوعٍ ونصف من التغطية انتهى كل شيء، هدنة وسلام، أوقفوا إطلاق النار، صحيح أنهم قصفوا بعضهم بعدها بقليل، لكنهم توقفوا.
الاحتفالات في الشوارع، الشارع العام قرب منزلي كان ممتلئاً بالمصلين قبل يومين، اليوم يغص بالمحتفلين، أعلام إيران في كل مكان، إيران تقول إنها انتصرت، إسرائيل تقول إنها انتصرت، أمريكا تقول إن السلام انتصر، والعراق، ساحة للاحتفالات مثلما كان ساحة للصواريخ.
يطمئن أصدقائي خارج العراق علي: “همزين خلص كلشي، هسه ماكو شي بعد مو؟” لا أدري، متى علمنا إن كان هناك شيء ما؟
انتهت الحرب، الآن علي العودة للقلق على الجفاف وملوحة المياه، أكتب هذا النص ومنزلي بلا ماء منذ أربعة أيام. حاول أبي كل شيء، ناشد واتصل، سب الحكومة وأكثَرَ من قوله “الله يخلصنا من هالزبايل” قاطبة. لا مياه، لكن أيضاً لا حرب.
أمي في مكانها نفسه في المطبخ، تخبرني أنه كان جيداً أننا لم نهلع، ولم نشترِ “سيتات” المياه مثل الآخرين. أعتقد أننا يئسنا، حاول الآخرون التجهز، لكن عائلتي تستقبل الأشياء كما تأتي بلا محاولات. نجونا من البريطانيين وجند السماء وجيش المهدي وصولة الفرسان والوصول المُحتمل لداعش وتسمم مياه 2018 والطرف الثالث في مظاهرات تشرين، نجونا من كل شيء؛ لذا فحربٌ نووية لا يجب أن تكون استثناءً.
مرت الأيام، وميلادي يقترب، أسأل نفسي ما الذي سيحصل حتى ذلك الحين؟ هل يرتفع الدولار؟ هل ينخفض؟ هل تبدأ حربٌ جديدة؟ هل تستمر أزمة الماء؟ هل سأستطيع الاستحمام قبل التوجه لعملي؟ أو بعد العودة منه؟ لا طاقة لي لغسل الصحون بيدي، لا أريد سوى ما يكفي من الماء والكهرباء لتشغيل الغسالة، وبما يكفي لكيلا ينادينا أبي جميعنا لنصلح الأنابيب معه. نخبره أن لا علاقة للأنبوب، البصرة جافة، لا مياه، لا حرب، لا مستقبل واضح، لا شيء، لا يستمع إلي، مثله مثل العراق.
2026
تركتُ هذا النص ثمانية أشهر، عبرتُ عتبة الـ24، وخلال بضعة أشهر سأكمل الـ25. استيقظتُ يوم السبت، 28 شباط 2026، إسرائيل قصفت إيران، إيران قصفت دولاً عدة مجاورة، والعراق يتلقى الصواريخ ويُرسلها. أغلقت الدولة المجال الجوي، مثلها مثل معظم الدول المجاورة.
أراقبُ الأخبار دون قلق، أقرأ روايتي، أشاهد مسلسلاً، كأن الحرب لا تعنيني. أفكر إن كان هذا سيؤثر على سفرتي القادمة، أيتوجب علي إلغاؤها؟ تحمستُ لها منذ أسابيع، وجهزتُ كل شيء، لكن الحرب لا تنتظر.
يُرهقني التفكير بتغطيات عملي، سنُمضي أسبوعاً كاملاً نكتب عن الحرب، نحاول تغطية كل شيء. لا جدوى. لا أحد يفهم ما الأمر، لا أحد يملكُ توقعاً حقيقياً.
هذه المرة العائلة لا تهلع. أبي يستمع إلى الأخبار بينما يُحضر سلطة يُحبها لفطور رمضان، وأمي تقطع الخضروات للشوربة. شقيقتي وشقيقي يدرسان، وأنا أكتبُ هذا النص ببطء. عكس الجزء الأول منه، لا يُداهمني القلق من نفاد الوقت قبل إنهاء النص.
لا يلزمنا الكثير للتعود على مسرحيةٍ ما مثل هذه.
أعتقد أن العراقيين بطبعهم سريعو التكيُّف. قلقنا العام الماضي، هلعنا وفكرنا أن الحياة ستنتهي. هذه المرة، استيقظنا، رأينا الأخبار، تسلح الجميع بالـ”ميمز”، وبدلاً من “ميمز” المثنى جاء دور القادسية، المحافظة التي يعلم العراق كاملاً أنها تعيسة، بلا خدمات، بلا شوارع مُبلطة، “برداً وسلاماً ع القادسية”.
لدينا طريقتنا في تجاوز الأشياء البسيطة مثل احتمالية وقوع حربٍ عالمية ثالثة.
أظن أن جيلي مُرهق، لا رغبة له بالقلق. لقد أمضينا بداية حياتنا بالقلق، منذ ولادتنا وحتى الآن، قلق يتبع قلق، حربٌ تتبع أخرى، ورصاصة تُسابق شقيقتها، ما فائدة القلق؟ إذا لم تقلق الحكومة، إذا لم يقلق الجيش، إذا لم يقلق الحلفاء، لمَ نقلق نحن؟
ما فائدة قلق الشعب إذا لم يهتم أحد من أهل السلطة؟ وأين يأخذنا القلق؟ فلا هو يوقف قصف هؤلاء، ولا قصف أولئك.
ينتهي اليوم بأخبار اغتيال خامنئي. أعلم أن الأحد سيأتي مُحملاً بالمظاهرات في محافظات عراقية عدة، وأعلم أن كل شيء سيتعطل. أتخيل صور التعزية قبل أن تُنشر، مفردات تتقافز في كل مكان “المقاومة”، “الحرب”، “العدو”، “إسرائيل”، “العدو الأمريكي”، “الخليج”. الجميع يتحول لمُحلل سياسي، الجميع له رأي. أفكر إن كانت هذه الأحداث ستدفع نور المالكي لسحب ترشيحه، هل سيخاف؟
لا يُخيفني كون العراق مسرحاً لهذه الأحداث هذه المرة، أفكر بسفري فقط، بالراتب، هل سأتمكن من أخذه؟ أم أن صعود الدولار سيمنع البنوك من تسليم الرواتب؟ لا بأس، أصابني تبلّد، لم تخفني فكرة ارتفاع الدولار، أو تأخر الراتب، أو إلغاء السفر، أو غلق المجال الجوي، أو العزلة الدولية التي نمر بها، أو الصواريخ التي تُخطئ مسارها وتقع علينا، أو التهديدات المستمرة بالحصار، أو عدم تشكيل الحكومة، أو أي شيء. لا شيء يُهم.
أتساءل، كم مرة يمكنني ترك هذا النص والعودة إليه والحدث نفسه؟