فيلم "فلانة" لزهراء غندور.. في "إشكال" أن تكون المرأة امرأة في العراق
12 شباط 2026
فيلم "فلانة" لزهراء غندور ليس فيلماً عن المرأة بوصفها موضوعاً جاهزاً، بل عن الإشكال الأعمق: أن تكون المرأة امرأة في العراق.. مقال طويل عن فيلم استغرق إنتاجه ست سنوات..
المرأة في العراق تعيش في دواخلها.
دواخل البيوت، ودواخل عوالمها المتكوّمة حولها وفوقها طبقات من التاريخ الشخصي والعام.
حينما نأتي لنحكي قصتها، أو تحكي هي قصتها، أحياناً بعد جهد من الإقناع والاقتناع أن هناك ما يُحكى، نقع في ورطة الكليشيهات؛ أي تلك الفكرة عن شيء ما -المرأة- التي أعيد الحديث عنها مراراً وتكراراً حدّ أنها تبات مملة وغير مثيرة للاهتمام.
المرأة العراقية عامة يُنظر إليها على أنها كليشيه أولاً، ومن ثم امرأة أو حتى فلانة ثانياً.
زهراء غندور، التي تربت في بغداد وكبرت في دواخل أحد بيوتها، قررت أن تسير مع الكليشيه، تسايره ثم تباغته، لكي تحكي قصة فلانة وتجعلنا جميعاً نرى ما لا يُرى في غياب اسم وملامح هذه الفلانة.
في فيلمها الوثائقي السينمائي الأول، الذي كان رحلة شخصية لها كابنة وامرأة تبحث عن إجابات طال انتظارها، وكمخرجة طورت من خلاله لغتها السينمائية، مستفيدة من تجربتها الصحفية في التلفزيون، تنقب زهراء في دواخل الدور العراقية بحثاً عن طفلات ضائعات، شُردن لكونهن بنات فقط؛ هي سيرة الوأد الاجتماعي ذاته.
بدأت زهراء العمل على الفيلم أوائل عام 2019، وهي سنة فارقة في تاريخ العراق الحديث، بدءاً من ثورة تشرين، تلتها جائحة كورونا، وما أعقبهما سياسياً واجتماعياً من انحدار في الخطاب العام ضد المرأة من السلطات الرسمية والدينية والعشائرية. في الأعوام الثلاثة الأخيرة، تزايد قتل النساء والأطفال، والاغتصاب، وتزويج القاصرات، وسحب حق الأم في الحضانة بتشريعات قانونية -كان آخرها المدونة الجعفرية في مطلع 2025- في تراجع صادم للوعي الجمعي في العراق؛ وإن كان مقتل المرأة لم يكن يوماً خبراً مفاجئاً خلال العقود الماضية.
في هذه الظروف عملت زهراء على فيلمها بتركيز عالٍ وقرار واعٍ بألّا تشتتها هذه الأحداث الجليلة، كما أخبرتنا، بل بدد عملها على الفيلم تردداً عاشته لسنين، صاحبه يقين داخلي بأن فيلمها الأول سيكون عن حياة النساء في العراق، فانطلقت من خالتها حياة، القابلة التي تربت معها لسنوات، وكانت دائماً مصدراً لقصصها، ومرجعها حين تحتاج التفكير مع إنسان بصوت عالٍ.
من الخاص إلى العام، أخرجت زهراء “فلانة“، قصة بدأت منها، وهي التي لا تحب التحدث عن نفسها، بل تعتبر الخصوصية “حرية”.
البدء من الداخل
يبدأ الفيلم من حيث تبدأ الحكايات وتتكاثر، البيت، الذي يصبح بحدّ ذاته شخصية في الفيلم وليس مجرد خلفية للقصص التي تقع فيه. تنقل زهراء حميمية المكان بتفاصيل قد لا تهم أحداً، ولكنها تشكّل ملامح الحياة اليومية لنساء تشغل دواخل بيوتهنّ الحيز الأكبر من حياتهن.
لم تكن زهراء على عجلة، فتأني السنوات الست التي صبرت فيهنّ على تصوير وإخراج الفيلم يتبدى بالصور التي نقلتها عدستها أو عدسة مديرة التصوير جوسلين أبي جبرايل بالتناوب، بتصوير زخم يظهر ثقل البيت العراقي، عبر زوايا ضوء مختلفة، حركات صغيرة لا تشي بأصحابها. من الباب المفتوح ثم المغلق، إلى حبل الغسيل والمرجوحة ورسومات الأطفال على الحائط، إلى قدور الطعام العتيقة. كلها تفاصيل أمسكت بالزمن الذي يمُر دون انتباه من العالم الخارجي، أثثت بها زهراء رابطها المرتبك مع هذا البيت/الشخصية التي تعدّها “السقف الآمن ومصدر الرعب”.
تتنقل زهراء بخفة بين كونها شخصية، وراوية، ومخرجة في الفيلم.
هذا البيت تعرفه زهراء جيداً، حيث تربّت ولعبت فيه لسنوات مع صديقتها وابنة حيها ورفيقتها في اللعب نور. ومن خلف نافذته أيضاً شهدت الطفلة لحظة فقدان هذه الصديقة، وإليه عادت بعد سنوات لتقف مع خالتها التي ستكون الراوية والمروي عنها، خلف النافذة ذاتها، لتواجهها بصوت متشكك من وراء الكاميرا بالسؤال عنها.
هذا المشهد الذي تعده الطفلة/المخرجة أصعب مشهد في حياتها، واستعدت له لسنوات، هو واحد من أهم اللقطات في “فلانة”، يذكرنا لماذا لا يمكن لأي فيلم روائي أن يبدّل وقع الوثائقيات، خاصة إذا كانت عن قصص خاصة بحياة صانعها، حيث نشهد كمتفرجين تشكل وتفكك حياة الفرد أمام عينيه وأعيننا. وبهذا لا يعود الفيلم الوثائقي منتجاً ثقافياً فحسب، بل يصير حدثاً غيّر حياة صانعه، ليس كفنان ينتمي إلى المجال العام، وإنما كفرد في حياته الخاصة أيضاً.
تخلت زهراء عن امتيازها كمخرجة لتعود طفلة تائهة، تعيش رعب تلك اللحظة دون “فلاتر”؛ رعباً من الذي تسمعه ونسمعه معاً عبر الصورة وزاوية الضوء التي أظلمت نصف وجه الخالة، لترينا أعواماً من الشكوك التي راودتها حول خالتها ودورها في اختفاء نور. تفعل كل هذا دون أن تواجه أو تحاسب خالتها، وهي التي تعرف أن واقع المرأة العراقية أعقد بكثير من اللوم الذي يوجّه لها في كل لحظة.

“فلانة” إذن لم يكن فقط للمتفرجين، بل للمخرجة، لتواجه أشباح البنوة الخاصة بها، في مسيرة بحث عن أجوبة تبدأ بابنة ضائعة، وتمتد إلى بنات أخريات -هي إحداهنّ- لنبش معنى البنوة في العراق.
“أمهات السكتة“.. أشباح البنوة
لا تخفي علينا زهراء منذ بداية الفيلم أن هذا البيت تحديداً ليس محايداً في سيرة البنوة أو الأمومة، فهو لم يكن بيت خالتها حياة فقط، بل كان بيت القابلة حياة أيضاً.
منذ البداية، وكأنما بأذن متلصصة، نسمع بكاء مولود حديث، ومعه نشنّف أذننا لما هو آت.
الحمل والولادة ليسا أي كليشيهات، إنما أكبرها.
النساء تحمل وتلِد منذ قرون، “ومنذ قرون أيضاً وهنّ يلدن إناثاً، ومع ذلك ما زلتم تعايرونهنّ بهنّ”. تتردد أصداء هذه العبارة في البيت الذي تلد فيه فلانة تلو الأخرى.
بهذا تحول البيت من بيت العائلة إلى أرشيف عامّ شهد قصص نساء كثيرات، نازعنها كطفلة ولاحقاً كامرأة على ذكريات المكان الحميم، الذي شعرت لسنين نحوه بالعار، حاولت أن تخفيه بحيث لم تكن أي من صديقاتها تعرفه؛ ما عدا نور التي ولدت وفُقدت فيه أيضاً.
بمنطق الطفلة التي كانت وكذلك نور، تحكي زهراء سيرة بنوة من ولدن إناثاً في العراق.

منذ الصغر حفظت هي ونور السكوت الذي يتبع ولادة طفلة أنثى، تتحول بلحظة إلى “أم السكتة”. سكوت يردفه حثّ المرأة التي تلد على أن تصرخ بأعلى صوتها، كأنما يُسمح لها في هذه الحالة فقط أن ترفع صوتها، أن تدلي به. وفي هذه التفاصيل الصغيرة أيضاً، ينقل الفيلم كيف تُبجَّل المرأة ما دامت حاملاً، وكيف يهيمن حملها على حديث النسوة فيما بينهن، وينقل حديث القابلة وهي نادمة لأنها لم “تكتمل” إذ لم تلد يوماً طفلاً من لدنها، رغم أنها ولّدت معظم أفراد عائلاتها.
المرأة تصبح مهمة إذا حملت وولدت، حتى لو كانت في عمر صغير ويكاد يقتلها الحمل!
دون تغييب صعوبة الولادة من سردية الفيلم، تحوّل زهراء ناظرنا ووعينا إلى السهولة المطلقة في التخلي عن البنات.
أمام قدسية المرأة/الحامل/الأم يحبك الفيلم قصصاً مختلفة لبنات رأين النور في ذلك البيت، ليُنكَرن لاحقاً لكونهن بنات فقط، ويتحول الفيلم الذي يبدأ وينتهي بأمهات يلدن تواً، ليصير عن غياب الأمومة وأشباح البنوة: نور تُركت على باب ملجأ بعدما تبنتها عائلة لعشر سنوات، ثم ملّوا منها كما يُملّ من سلعة بخسة أو “ببلاش”. ونتالي التي تركتها أمها عند بيت جدها، لأن زوجها قال لها: “ذبيها”؛ الأب ذاته الذي سيأخذها من جديها ويقنعها أن أمها ماتت ليرميها في الشارع لاحقاً.
كليشيهات؟ قصص من الأفلام؟
تدع زهراء نتالي تتحدث عن الكليشيهات بوجهها.. وبوجهنا.
تقلب نتالي ما نفهمه ضمناً في علاقة البنوة والأمومة والأبوة، وتسائِل في أكثر من موضع بمنطق الطفلة -كما زهراء- ماذا تعني أدوار الآباء والأمهات في حياة بناتهن؟ دون أن تحاول أن تجد لهم/نّ أعذاراً أو أن تقلل من قيمة نفسها أو تدخل في دوامة الذنب واللوم، وتوضّح حدود المسؤولية بينها وبينهم كابنة وأهل: “مو شغلي أدور على أمي.. أني بنتها مو أمها”.
إهمالهم لها لم يبدل من مسؤوليتهما، تَرْكُها لم يبدل من واقع أنهما أب وأم لا مجتمع يعوض عنهما.
“حرامات.. مسكينات” سرديات بعيدة عن الكليشيه (والغرب)
“شلون واجهتي كل هذا الرعب بليا امج؟” بهذه العبارة سألت زهراء صديقتها نور المغيبة كيف عاشت القصف الأمريكي على بغداد في 2003.
بهذا السؤال تلخص زهراء -مرة أخرى بمنطق الطفلة الذي لا يغادرها طول الفيلم- تعقيدات الطفولة والبلوغ في تسعينيات الحصار، وحرب الخليج، والغزو العراقي وسقوط بغداد، والتشكيل السياسي لـ”العراق الجديد” الذي لحقه.
عبر قصص طفلات مغيبات في أزمان متقاطعة ومتقطعة، يفرش الفيلم سيرة العراق السياسية الاجتماعية.
يأخذنا الفيلم إلى ساحات وشوارع بغداد، تاركاً خلفه ثقل المنزل ليمنح تجربة بصرية وحسية دونما الكثير من الكلام.
نرى بغداد في ساعات مختلفة.
يؤدي الضوء واللون الشاحب دوراً رئيسياً في نقل صورة المدينة كما تراها نساؤها، تصاحبه موسيقى تتذبذب وتقلق لتنقل نبض المدينة وشوارعها، ربما هذا ما تشعر به النسوة عند خروجهن والتقائهن بمدينتهن التي فقدنها مرتين: مرة حينما لم تعد آمنة بسبب الاحتلال الأمريكي، ومرة حينما لم تعد آمنة بسبب البنية الذكورية التي أقصتها من شوارعها.
لم يكن من السهل لـ”فلانة” كفيلم تلقي دعم مادي وتقني من مؤسسات أجنبية ذات صور نمطية عن العراق ما بعد 2003 وعن نسائه، ولا لزهراء -العاملة في محيط صناعة أفلام عربية، يدفع في السنوات الأخيرة نحو إبراز المرأة العربية بوصفها امرأة قوية، مناضلة، بطلة- أن تُخرج فيلماً يحاول تجاوز ثنائيات الأم الضعيفة/الأب القوي، العائلة/الفرد، الدولة/الفرد، لتقدم سردية متشابكة بين السياسة والمجتمع والتاريخ العراقي المعقد.
تعتبر زهراء أن صناعة الفيلم بمراحله المختلفة -التطوير والتمويل والإنتاج والتسويق- كانت محاولة للتركيز على صوتها، والحديث عن الأشياء كما تراها تحدث أمام عينيها؛ تجربة طفلات ونساء “ينذبن” في الشارع أو في المزبلة كجثث، وسط ما تسميه “تشويشاً” على سردية تتحدث عما يخصها، ويمسّها حدّ الرعب. هنّ ضحايا وهن ناجيات، لا حاجة لأن يخترن إما هذه أو تلك.
بدل الانشغال بالتعريفات يعطي “فلانة” مساحة للحياة العراقية بتعقيداتها وحميميتها لتأويل العنف المتراكم على مدى عقود، منتجاً أفراداً عراقيين يجمعون التعريفات هذه كلها في آن. هذا السياق السياسي المتبدي في الفيلم كخلفيات لمشاهد مختلفة أو مباشرة، مثل لقطات توثيقية من الأرشيف تُظهر سقوط بغداد في نيسان 2003، كان القصد منه ألا يكون الرجل العراقي وحشاً وليد لحظته.
كما هو أيضاً حال المرأة العراقية التي يُظهر الفيلم أنها غير محايدة في الكثير من الحالات في دائرة العنف المتناقل عبر أجيال ضدها وضد أطفالها، كما في ملجأ الطفلات المشردات، الذي تشير إليه البنات بـ”الدار”.
مشردات من كل الدور
لا يعفي الفيلم المجتمع والدولة العراقية التي قامت على أنقاض البعث من المسؤولية في حماية البنات اللواتي تتخلى عنهنّ عائلاتهن، والمخرجة -التي عملت في السابق على تغطية حياة طفلات الملاجئ المشردات من خلال عملها الصحفي- لم تكل حتى حصلت على إذن من وزارة العمل للتصوير والتسجيل في أحد الملاجئ في بغداد، في محاولة للحصول على رد شافٍ لأسئلة عالقة منذ سنين: “ملف نور شنو صار بيه؟ شنو صار بالبنات اللي جانوا هنا؟ ليش البنات محبوسات لسنوات؟”

حتى مع تحصيل هذا الإذن رفض الملجأ والسلطات طلب زهراء أن تصور البنات وتجري مقابلات معهن، واكتفى بالسماح بإجراء مقابلة رسمية مع مديرة الملجأ، ومن ثم التهديد بمحاسبتها قانونياً على نشر حتى ما صورته بإذن.
يعكس كل هذا النزعة العامة في النظام العراقي، تحديداً حيال المرأة، بأن “كل شيء لازم يطمطم”، فلا مكان للمحاسبة في العراق بعد 2003، من “بيوت العائلات” إلى “دور المشردات”. لذا فقد لجأت المخرجة إلى اقتناص لحظات دبت خلالها الفوضى وهي داخل الملجأ، لتنقل لنا عبر كاميرات المراقبة ومن خلال تسجيلات سريعة مع بعض البنات جوانب سيظل أغلبها خفي في حياتهن.
في النهاية، أقصت زهراء المقابلة مع مديرة الملجأ من الفيلم، وتركت هذه الشهادات السريعة مع البنات فيه، مسندة بشهادة ناتالي التي عاشت فيه لسنوات في السابق، لتسجل لمحات عن الحياة في هذا المكان الذي يقع في عقر بغداد -ومثله في مدن عراقية أخرى- عاكساً كيف ترى الدولة البنات المشردات -والنساء عامة- “متروكات بين ممرين تمشين فيهما لسنين طويلة” تحت رقابة كاميرات مراقبة 24 ساعة.
“لماذا هنّ سجينات والذي آذاهن حر طليق؟” بهذا السؤال يواجه الفيلم خطاباً مكرراً بأن الدولة تحمي البنات المشردات، وذلك بحبسهنّ لسنوات بدل معاقبة الأهل والمجتمع الذين تخلوا عنهنّ ببساطة، ويظل الفيلم يعيد ويطرح على طوله السؤال الذي يصوغ حياة المرأة العراقية عامة: لماذا نحن دائماً معاقبات/عُرضة للعقاب حتى حينما نكون ضحايا؟
يكون العقاب ضد المرأة بأشكال مختلفة، حتى في الملجأ/الحبس، ضد طفلات لا تتجاوز أعمارهن الخمس سنوات أحياناً.
لذلك فقوة حضور ناتالي كـ”ناجية” من هذه المؤسسة لم تقتصر على خروجها منها فحسب، وإنما كانت بقدرتها على نقد المؤسسة كمكان يقع خارجها، وليس كمكان حُبس في داخلها كما حُبست في داخله، وبذلك قاومته من خلال أمور وجّه “فلانة” الكاميرا عليها، دون أن يسميها فعل “مقاومة” أو “نجاة” تحديداً.
التجويع، مثلاً.
تاريخ العراقيين والعراقيات مع التجويع أثناء الحصار الاقتصادي في التسعينيات لا يغيب عن ذاكرة من عاشه. ومع ذلك، لم تثنِ تلك الذكريات القاسية من هم على رأس مؤسسات، مثل دور البنات المشردات، من نقل التجويع كعقاب إلى جيل وُلد بعد انتهاء الحصار بعقود.
بيد أن سيرة الحصار لا تكتمل دون سيرة النجاة التي تميز بها العراقيون والعراقيات آنذاك.
في بعض الأحيان، حُرمت ناتالي من الأكل في الملجأ، وكذلك حُرمت من أُمٍّ تعلمها الطبخ في صغرها، ومن مرشدات في كبرها. ولكن المشهد الذي حضر بزخم في الفيلم -وهي قادرة على الطبخ في شقتها وتتعلمه ولو من السوشال ميديا- هو انقلاب على ثقافة كاملة تريد للمطبخ أن يصير سجناً، وأن تكون المرأة سجينة فيه.

لم يغفل “فلانة” عن تصويب عدسته نحو المطبخ، وفعل الطبخ، وأدواته، وكيفية إعداد الطعام، كمساحة للنجاة ولتحويل مقولة “مكانج المطبخ” من “ستيريوتايب” إلى عالم لهنّ، يعشن فيه حميمية خاصة بعيداً عن أعين المجتمع.
ليس فيلماً عنهنّ فقط
“لا نعرف كيف نصل هذه النسوة” هي واحدة من أكثر الجمل التي نسمعها عند البحث عن مواضيع تخص المرأة في العراق. وهذا صحيح غالباً، في مجتمع تخاف أكثرية النساء فيه من سلطة العشيرة، ومن التشهير الإلكتروني والجسدي دونما حماية، ومن القتل دونما محاسبة، لأن أحدهم قرر أن هذه المرأة أو الطفلة لا يحق لها أن تعيش، أو تعيش حياة آمنة. لذلك فليس غريباً أن الكثير من العراقيات تكون حساباتهن على السوشال ميديا بأسماء مستعارة.
في هذا السياق، يُصبح فيلم “فلانة” -كفيلم وثائقي سينمائي تحديداً- ليس عسيراً فحسب، إنما غير مفهوم ضمناً. ومع ذلك، فقد قررت زهراء أن تتبع شغفها بصناعة الوثائقي منذ طفولتها المتأثرة بما أُنتج من وثائقيات عقب غزو العراق في 2003، وبتشجيع من أمها التي كانت سبباً في البحث عن أسئلة هذا الفيلم، وبالوقت نفسه مشجعة لها: “تكدرين تسوين أي شي تحبيه”.
وجدت زهراء في الوثائقي السينمائي، خلافاً للوثائقيات التلفزيونية، وشخصياتها مساحة ووقتاً لتحس ولتعيش هذا الإحساس على الشاشة. بهذا يصير الإحساس والصمت غاية للوثائقي السينمائي، خلافاً للتلفزيوني الذي تأخذ فيه المعلومات مساحة أكثر من الحس. هذا البطء والصبر يصيران أيضاً حاجة أساسية لكون القصص المحكي عنها حساسة، وبالتالي فقد تكون متعبة للشخصيات نفسها.
الإحساس والصبر والمسؤولية المشتركة هي أيضاً ما مكّن زهراء وشخصيات “فلانة” من بناء علاقة ثقة، وافقت على الحديث معها خلف الكاميرا وأمامها، رغم صعوبة الانكشاف علناً للمرأة العراقية.
المخاوف عديدة، بدءاً من المحيط الضيق والتفكير في رد فعل من يعرفهن بعدما مشاهدة الفيلم، إلى المجتمع بشكل عام، فهناك مثلاً الخوف من التنمر على المنظر أو العمر.
هذا ما حصل مع نتالي عندما تحدثت في تقرير تلفزيوني قصير قبل “فلانة” عما كان يحدث في الملجأ، لتواجهها موجة من التنمر الإلكتروني على ما قالته وعلى شكلها، ما سبب لها عقدة نفسية لم تخْفِها في “فلانة” لاحقاً. لذلك كان من الطبيعي أن يكون أول رد فعل لها عندما توجهت إليها زهراء أنها لا تريد أن تكون في الفيلم. ولكن بعد اللقاء شخصياً والمحادثات الكثيرة التي دارت بينهما أخذت نتالي وقتها، وأحست بالأمان بأن الفيلم هو مكان لها أيضاً لتحكي قصتها ولترد الاعتبار لنفسها.
ثم هناك الخوف من الأذى الجسدي.
لذا لم تكن زهراء لتعرض “فلانة” لولا أنها تأكدت أن نتالي باتت خارج العراق، وأن خالتها غير عُرضة للأذى بسبب الفيلم؛ وإن كان لديها بعض التردد حول النظرة التي ستوجه إليها وقد سبق لها كقابلة أن سلّمت طفلة للتبني في السابق.
ولكن زهراء تخشى أن تتعرض هي لهجوم جسدي أو معنوي أو قانوني عندما يبدأ عرض الفيلم في العراق.
بيد أن الشعور بعدم الأمان ليس بغريب عليها كامرأة عراقية، وبالتأكيد كصانعة أفلام وثائقية في العراق، حيث تواجهها -أسوة بالكثير من صانعات الوثائقيات في العالم- تحديات أمنية تتمثل بتقييد حريتها في التنقل والتحرك بدون فريق من الرجال في أماكن معينة. خلال الحرب على داعش، أرادت زهراء، مثل الكثير من زملائها الرجال، أن “تقفز مع الكاميرا” لتغطية القصص الهائلة التي كانت تسمع عنها في مدن مختلفة في العراق، لكنها لم تتمكن من ذلك لعدم شعورها بالأمان كامرأة.
كما أن تكلفة إنتاج فيلم وثائقي تصنعه امرأة قد تكون أعلى للسبب ذاته. فالحاجة إلى فريق عمل في صناعة الأفلام هي أمر أساسي ومهم في أغلب الأحيان، بسبب طبيعة الإنتاج والتخصصات المطلوبة فيه. ولكن أحياناً تجد المخرجة الوثائقية نفسها مضطرة -رغم امتلاكها المعرفة الكافية للوصول إلى الناس، ومعرفة التصوير، وتسجيل الصوت- لتعيين فريق من الرجال حصراً بدافع الحماية وليس لمتطلبات الإنتاج الفنية، الأمر الذي يرفع من ميزانية الإنتاج.
ومع ذلك، فالمخرجة الوثائقية -كما الصحافية أيضاً- في مجتمعات منغلقة على المرأة مثل العراق، تستطيع النفاذ بشكل أسهل إلى هذه العوالم، فعلياً ونفسياً، وهذا ما كان واضحاً في فيلم “فلانة”، بعدسته الحميمية التي أولت اهتماماً كبيراً لما تهتم به المرأة من تفاصيل يومية، من التجمل والاهتمام بالنفس، إلى الطبخ، إلى الخروج إلى المدينة، ما أسبغ على “فلانة” حساً عالياً من القرب من النساء، فلم يكن فيلماً عنهن فقط.
“فلانة” الذي قوبل منذ إطلاقه في أحد أهم المهرجانات السينمائية في العالم، مهرجان تورونتو في خريف 2025، بتقييم عالٍ وبجوائز أكدت تميز طرحه فناً ومحتوى، واجه وسيواجه في البلد الذي صُنع فيه تهماً جاهزة لأي مخرجة تتحدث عن مواضيع المرأة في بلدها: عزو نجاح الفيلم وحصوله على دعم إلى أنّ قصص النساء “ترند”، واعتباره يبالغ في وصف حال المرأة العراقية، فهذه هي “المولات متروسة نسوان”، وحتى الذهاب إلى حدّ الطعن بعراقيتها وفهمها للعراق باعتبارها “نصف لبنانية”!
هذه التهم لـ”فلانة” وصانعته تبين أن ثمة “إشكالاً” في أن تكون المرأة امرأة في العراق.. والكثير من الأماكن. وفيلم “فلانة” لزهراء غندور لم يفعل إلا أن أكد ذلك ودحضه في الوقت ذاته: بدأ ببنات السكتة وانتهى بولادة إحداهن، وبوجه هذه المولودة وكل المولودات -اللواتي سيكبرن ليحكين قصصاً ستظل “ترند وكليشيه”- سيكون اسم ووجه “فلانة” موجوداً، كما أرادت زهراء لصديقتها نور التي لم تعد بعد فلانة.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
"باچر ورانه شغل".. مقاطع صغيرة من الحياة الكبيرة لينار محمد
15 مارس 2026
مرشد جديد وخيارات محدودة.. الفصائل العراقية في المعركة الإقليمية
12 مارس 2026
من البحر إلى الإنترنت.. تراشق رقمي منسق بين حسابات كويتية وعراقية بشأن خور عبد الله
11 مارس 2026
العراق في زمن الحرب: سلاح مفعّل وسياسة تنتظر التدخل الخارجي كحل
09 مارس 2026
المرأة في العراق تعيش في دواخلها.
دواخل البيوت، ودواخل عوالمها المتكوّمة حولها وفوقها طبقات من التاريخ الشخصي والعام.
حينما نأتي لنحكي قصتها، أو تحكي هي قصتها، أحياناً بعد جهد من الإقناع والاقتناع أن هناك ما يُحكى، نقع في ورطة الكليشيهات؛ أي تلك الفكرة عن شيء ما -المرأة- التي أعيد الحديث عنها مراراً وتكراراً حدّ أنها تبات مملة وغير مثيرة للاهتمام.
المرأة العراقية عامة يُنظر إليها على أنها كليشيه أولاً، ومن ثم امرأة أو حتى فلانة ثانياً.
زهراء غندور، التي تربت في بغداد وكبرت في دواخل أحد بيوتها، قررت أن تسير مع الكليشيه، تسايره ثم تباغته، لكي تحكي قصة فلانة وتجعلنا جميعاً نرى ما لا يُرى في غياب اسم وملامح هذه الفلانة.
في فيلمها الوثائقي السينمائي الأول، الذي كان رحلة شخصية لها كابنة وامرأة تبحث عن إجابات طال انتظارها، وكمخرجة طورت من خلاله لغتها السينمائية، مستفيدة من تجربتها الصحفية في التلفزيون، تنقب زهراء في دواخل الدور العراقية بحثاً عن طفلات ضائعات، شُردن لكونهن بنات فقط؛ هي سيرة الوأد الاجتماعي ذاته.
بدأت زهراء العمل على الفيلم أوائل عام 2019، وهي سنة فارقة في تاريخ العراق الحديث، بدءاً من ثورة تشرين، تلتها جائحة كورونا، وما أعقبهما سياسياً واجتماعياً من انحدار في الخطاب العام ضد المرأة من السلطات الرسمية والدينية والعشائرية. في الأعوام الثلاثة الأخيرة، تزايد قتل النساء والأطفال، والاغتصاب، وتزويج القاصرات، وسحب حق الأم في الحضانة بتشريعات قانونية -كان آخرها المدونة الجعفرية في مطلع 2025- في تراجع صادم للوعي الجمعي في العراق؛ وإن كان مقتل المرأة لم يكن يوماً خبراً مفاجئاً خلال العقود الماضية.
في هذه الظروف عملت زهراء على فيلمها بتركيز عالٍ وقرار واعٍ بألّا تشتتها هذه الأحداث الجليلة، كما أخبرتنا، بل بدد عملها على الفيلم تردداً عاشته لسنين، صاحبه يقين داخلي بأن فيلمها الأول سيكون عن حياة النساء في العراق، فانطلقت من خالتها حياة، القابلة التي تربت معها لسنوات، وكانت دائماً مصدراً لقصصها، ومرجعها حين تحتاج التفكير مع إنسان بصوت عالٍ.
من الخاص إلى العام، أخرجت زهراء “فلانة“، قصة بدأت منها، وهي التي لا تحب التحدث عن نفسها، بل تعتبر الخصوصية “حرية”.
البدء من الداخل
يبدأ الفيلم من حيث تبدأ الحكايات وتتكاثر، البيت، الذي يصبح بحدّ ذاته شخصية في الفيلم وليس مجرد خلفية للقصص التي تقع فيه. تنقل زهراء حميمية المكان بتفاصيل قد لا تهم أحداً، ولكنها تشكّل ملامح الحياة اليومية لنساء تشغل دواخل بيوتهنّ الحيز الأكبر من حياتهن.
لم تكن زهراء على عجلة، فتأني السنوات الست التي صبرت فيهنّ على تصوير وإخراج الفيلم يتبدى بالصور التي نقلتها عدستها أو عدسة مديرة التصوير جوسلين أبي جبرايل بالتناوب، بتصوير زخم يظهر ثقل البيت العراقي، عبر زوايا ضوء مختلفة، حركات صغيرة لا تشي بأصحابها. من الباب المفتوح ثم المغلق، إلى حبل الغسيل والمرجوحة ورسومات الأطفال على الحائط، إلى قدور الطعام العتيقة. كلها تفاصيل أمسكت بالزمن الذي يمُر دون انتباه من العالم الخارجي، أثثت بها زهراء رابطها المرتبك مع هذا البيت/الشخصية التي تعدّها “السقف الآمن ومصدر الرعب”.
تتنقل زهراء بخفة بين كونها شخصية، وراوية، ومخرجة في الفيلم.
هذا البيت تعرفه زهراء جيداً، حيث تربّت ولعبت فيه لسنوات مع صديقتها وابنة حيها ورفيقتها في اللعب نور. ومن خلف نافذته أيضاً شهدت الطفلة لحظة فقدان هذه الصديقة، وإليه عادت بعد سنوات لتقف مع خالتها التي ستكون الراوية والمروي عنها، خلف النافذة ذاتها، لتواجهها بصوت متشكك من وراء الكاميرا بالسؤال عنها.
هذا المشهد الذي تعده الطفلة/المخرجة أصعب مشهد في حياتها، واستعدت له لسنوات، هو واحد من أهم اللقطات في “فلانة”، يذكرنا لماذا لا يمكن لأي فيلم روائي أن يبدّل وقع الوثائقيات، خاصة إذا كانت عن قصص خاصة بحياة صانعها، حيث نشهد كمتفرجين تشكل وتفكك حياة الفرد أمام عينيه وأعيننا. وبهذا لا يعود الفيلم الوثائقي منتجاً ثقافياً فحسب، بل يصير حدثاً غيّر حياة صانعه، ليس كفنان ينتمي إلى المجال العام، وإنما كفرد في حياته الخاصة أيضاً.
تخلت زهراء عن امتيازها كمخرجة لتعود طفلة تائهة، تعيش رعب تلك اللحظة دون “فلاتر”؛ رعباً من الذي تسمعه ونسمعه معاً عبر الصورة وزاوية الضوء التي أظلمت نصف وجه الخالة، لترينا أعواماً من الشكوك التي راودتها حول خالتها ودورها في اختفاء نور. تفعل كل هذا دون أن تواجه أو تحاسب خالتها، وهي التي تعرف أن واقع المرأة العراقية أعقد بكثير من اللوم الذي يوجّه لها في كل لحظة.

“فلانة” إذن لم يكن فقط للمتفرجين، بل للمخرجة، لتواجه أشباح البنوة الخاصة بها، في مسيرة بحث عن أجوبة تبدأ بابنة ضائعة، وتمتد إلى بنات أخريات -هي إحداهنّ- لنبش معنى البنوة في العراق.
“أمهات السكتة“.. أشباح البنوة
لا تخفي علينا زهراء منذ بداية الفيلم أن هذا البيت تحديداً ليس محايداً في سيرة البنوة أو الأمومة، فهو لم يكن بيت خالتها حياة فقط، بل كان بيت القابلة حياة أيضاً.
منذ البداية، وكأنما بأذن متلصصة، نسمع بكاء مولود حديث، ومعه نشنّف أذننا لما هو آت.
الحمل والولادة ليسا أي كليشيهات، إنما أكبرها.
النساء تحمل وتلِد منذ قرون، “ومنذ قرون أيضاً وهنّ يلدن إناثاً، ومع ذلك ما زلتم تعايرونهنّ بهنّ”. تتردد أصداء هذه العبارة في البيت الذي تلد فيه فلانة تلو الأخرى.
بهذا تحول البيت من بيت العائلة إلى أرشيف عامّ شهد قصص نساء كثيرات، نازعنها كطفلة ولاحقاً كامرأة على ذكريات المكان الحميم، الذي شعرت لسنين نحوه بالعار، حاولت أن تخفيه بحيث لم تكن أي من صديقاتها تعرفه؛ ما عدا نور التي ولدت وفُقدت فيه أيضاً.
بمنطق الطفلة التي كانت وكذلك نور، تحكي زهراء سيرة بنوة من ولدن إناثاً في العراق.

منذ الصغر حفظت هي ونور السكوت الذي يتبع ولادة طفلة أنثى، تتحول بلحظة إلى “أم السكتة”. سكوت يردفه حثّ المرأة التي تلد على أن تصرخ بأعلى صوتها، كأنما يُسمح لها في هذه الحالة فقط أن ترفع صوتها، أن تدلي به. وفي هذه التفاصيل الصغيرة أيضاً، ينقل الفيلم كيف تُبجَّل المرأة ما دامت حاملاً، وكيف يهيمن حملها على حديث النسوة فيما بينهن، وينقل حديث القابلة وهي نادمة لأنها لم “تكتمل” إذ لم تلد يوماً طفلاً من لدنها، رغم أنها ولّدت معظم أفراد عائلاتها.
المرأة تصبح مهمة إذا حملت وولدت، حتى لو كانت في عمر صغير ويكاد يقتلها الحمل!
دون تغييب صعوبة الولادة من سردية الفيلم، تحوّل زهراء ناظرنا ووعينا إلى السهولة المطلقة في التخلي عن البنات.
أمام قدسية المرأة/الحامل/الأم يحبك الفيلم قصصاً مختلفة لبنات رأين النور في ذلك البيت، ليُنكَرن لاحقاً لكونهن بنات فقط، ويتحول الفيلم الذي يبدأ وينتهي بأمهات يلدن تواً، ليصير عن غياب الأمومة وأشباح البنوة: نور تُركت على باب ملجأ بعدما تبنتها عائلة لعشر سنوات، ثم ملّوا منها كما يُملّ من سلعة بخسة أو “ببلاش”. ونتالي التي تركتها أمها عند بيت جدها، لأن زوجها قال لها: “ذبيها”؛ الأب ذاته الذي سيأخذها من جديها ويقنعها أن أمها ماتت ليرميها في الشارع لاحقاً.
كليشيهات؟ قصص من الأفلام؟
تدع زهراء نتالي تتحدث عن الكليشيهات بوجهها.. وبوجهنا.
تقلب نتالي ما نفهمه ضمناً في علاقة البنوة والأمومة والأبوة، وتسائِل في أكثر من موضع بمنطق الطفلة -كما زهراء- ماذا تعني أدوار الآباء والأمهات في حياة بناتهن؟ دون أن تحاول أن تجد لهم/نّ أعذاراً أو أن تقلل من قيمة نفسها أو تدخل في دوامة الذنب واللوم، وتوضّح حدود المسؤولية بينها وبينهم كابنة وأهل: “مو شغلي أدور على أمي.. أني بنتها مو أمها”.
إهمالهم لها لم يبدل من مسؤوليتهما، تَرْكُها لم يبدل من واقع أنهما أب وأم لا مجتمع يعوض عنهما.
“حرامات.. مسكينات” سرديات بعيدة عن الكليشيه (والغرب)
“شلون واجهتي كل هذا الرعب بليا امج؟” بهذه العبارة سألت زهراء صديقتها نور المغيبة كيف عاشت القصف الأمريكي على بغداد في 2003.
بهذا السؤال تلخص زهراء -مرة أخرى بمنطق الطفلة الذي لا يغادرها طول الفيلم- تعقيدات الطفولة والبلوغ في تسعينيات الحصار، وحرب الخليج، والغزو العراقي وسقوط بغداد، والتشكيل السياسي لـ”العراق الجديد” الذي لحقه.
عبر قصص طفلات مغيبات في أزمان متقاطعة ومتقطعة، يفرش الفيلم سيرة العراق السياسية الاجتماعية.
يأخذنا الفيلم إلى ساحات وشوارع بغداد، تاركاً خلفه ثقل المنزل ليمنح تجربة بصرية وحسية دونما الكثير من الكلام.
نرى بغداد في ساعات مختلفة.
يؤدي الضوء واللون الشاحب دوراً رئيسياً في نقل صورة المدينة كما تراها نساؤها، تصاحبه موسيقى تتذبذب وتقلق لتنقل نبض المدينة وشوارعها، ربما هذا ما تشعر به النسوة عند خروجهن والتقائهن بمدينتهن التي فقدنها مرتين: مرة حينما لم تعد آمنة بسبب الاحتلال الأمريكي، ومرة حينما لم تعد آمنة بسبب البنية الذكورية التي أقصتها من شوارعها.
لم يكن من السهل لـ”فلانة” كفيلم تلقي دعم مادي وتقني من مؤسسات أجنبية ذات صور نمطية عن العراق ما بعد 2003 وعن نسائه، ولا لزهراء -العاملة في محيط صناعة أفلام عربية، يدفع في السنوات الأخيرة نحو إبراز المرأة العربية بوصفها امرأة قوية، مناضلة، بطلة- أن تُخرج فيلماً يحاول تجاوز ثنائيات الأم الضعيفة/الأب القوي، العائلة/الفرد، الدولة/الفرد، لتقدم سردية متشابكة بين السياسة والمجتمع والتاريخ العراقي المعقد.
تعتبر زهراء أن صناعة الفيلم بمراحله المختلفة -التطوير والتمويل والإنتاج والتسويق- كانت محاولة للتركيز على صوتها، والحديث عن الأشياء كما تراها تحدث أمام عينيها؛ تجربة طفلات ونساء “ينذبن” في الشارع أو في المزبلة كجثث، وسط ما تسميه “تشويشاً” على سردية تتحدث عما يخصها، ويمسّها حدّ الرعب. هنّ ضحايا وهن ناجيات، لا حاجة لأن يخترن إما هذه أو تلك.
بدل الانشغال بالتعريفات يعطي “فلانة” مساحة للحياة العراقية بتعقيداتها وحميميتها لتأويل العنف المتراكم على مدى عقود، منتجاً أفراداً عراقيين يجمعون التعريفات هذه كلها في آن. هذا السياق السياسي المتبدي في الفيلم كخلفيات لمشاهد مختلفة أو مباشرة، مثل لقطات توثيقية من الأرشيف تُظهر سقوط بغداد في نيسان 2003، كان القصد منه ألا يكون الرجل العراقي وحشاً وليد لحظته.
كما هو أيضاً حال المرأة العراقية التي يُظهر الفيلم أنها غير محايدة في الكثير من الحالات في دائرة العنف المتناقل عبر أجيال ضدها وضد أطفالها، كما في ملجأ الطفلات المشردات، الذي تشير إليه البنات بـ”الدار”.
مشردات من كل الدور
لا يعفي الفيلم المجتمع والدولة العراقية التي قامت على أنقاض البعث من المسؤولية في حماية البنات اللواتي تتخلى عنهنّ عائلاتهن، والمخرجة -التي عملت في السابق على تغطية حياة طفلات الملاجئ المشردات من خلال عملها الصحفي- لم تكل حتى حصلت على إذن من وزارة العمل للتصوير والتسجيل في أحد الملاجئ في بغداد، في محاولة للحصول على رد شافٍ لأسئلة عالقة منذ سنين: “ملف نور شنو صار بيه؟ شنو صار بالبنات اللي جانوا هنا؟ ليش البنات محبوسات لسنوات؟”

حتى مع تحصيل هذا الإذن رفض الملجأ والسلطات طلب زهراء أن تصور البنات وتجري مقابلات معهن، واكتفى بالسماح بإجراء مقابلة رسمية مع مديرة الملجأ، ومن ثم التهديد بمحاسبتها قانونياً على نشر حتى ما صورته بإذن.
يعكس كل هذا النزعة العامة في النظام العراقي، تحديداً حيال المرأة، بأن “كل شيء لازم يطمطم”، فلا مكان للمحاسبة في العراق بعد 2003، من “بيوت العائلات” إلى “دور المشردات”. لذا فقد لجأت المخرجة إلى اقتناص لحظات دبت خلالها الفوضى وهي داخل الملجأ، لتنقل لنا عبر كاميرات المراقبة ومن خلال تسجيلات سريعة مع بعض البنات جوانب سيظل أغلبها خفي في حياتهن.
في النهاية، أقصت زهراء المقابلة مع مديرة الملجأ من الفيلم، وتركت هذه الشهادات السريعة مع البنات فيه، مسندة بشهادة ناتالي التي عاشت فيه لسنوات في السابق، لتسجل لمحات عن الحياة في هذا المكان الذي يقع في عقر بغداد -ومثله في مدن عراقية أخرى- عاكساً كيف ترى الدولة البنات المشردات -والنساء عامة- “متروكات بين ممرين تمشين فيهما لسنين طويلة” تحت رقابة كاميرات مراقبة 24 ساعة.
“لماذا هنّ سجينات والذي آذاهن حر طليق؟” بهذا السؤال يواجه الفيلم خطاباً مكرراً بأن الدولة تحمي البنات المشردات، وذلك بحبسهنّ لسنوات بدل معاقبة الأهل والمجتمع الذين تخلوا عنهنّ ببساطة، ويظل الفيلم يعيد ويطرح على طوله السؤال الذي يصوغ حياة المرأة العراقية عامة: لماذا نحن دائماً معاقبات/عُرضة للعقاب حتى حينما نكون ضحايا؟
يكون العقاب ضد المرأة بأشكال مختلفة، حتى في الملجأ/الحبس، ضد طفلات لا تتجاوز أعمارهن الخمس سنوات أحياناً.
لذلك فقوة حضور ناتالي كـ”ناجية” من هذه المؤسسة لم تقتصر على خروجها منها فحسب، وإنما كانت بقدرتها على نقد المؤسسة كمكان يقع خارجها، وليس كمكان حُبس في داخلها كما حُبست في داخله، وبذلك قاومته من خلال أمور وجّه “فلانة” الكاميرا عليها، دون أن يسميها فعل “مقاومة” أو “نجاة” تحديداً.
التجويع، مثلاً.
تاريخ العراقيين والعراقيات مع التجويع أثناء الحصار الاقتصادي في التسعينيات لا يغيب عن ذاكرة من عاشه. ومع ذلك، لم تثنِ تلك الذكريات القاسية من هم على رأس مؤسسات، مثل دور البنات المشردات، من نقل التجويع كعقاب إلى جيل وُلد بعد انتهاء الحصار بعقود.
بيد أن سيرة الحصار لا تكتمل دون سيرة النجاة التي تميز بها العراقيون والعراقيات آنذاك.
في بعض الأحيان، حُرمت ناتالي من الأكل في الملجأ، وكذلك حُرمت من أُمٍّ تعلمها الطبخ في صغرها، ومن مرشدات في كبرها. ولكن المشهد الذي حضر بزخم في الفيلم -وهي قادرة على الطبخ في شقتها وتتعلمه ولو من السوشال ميديا- هو انقلاب على ثقافة كاملة تريد للمطبخ أن يصير سجناً، وأن تكون المرأة سجينة فيه.

لم يغفل “فلانة” عن تصويب عدسته نحو المطبخ، وفعل الطبخ، وأدواته، وكيفية إعداد الطعام، كمساحة للنجاة ولتحويل مقولة “مكانج المطبخ” من “ستيريوتايب” إلى عالم لهنّ، يعشن فيه حميمية خاصة بعيداً عن أعين المجتمع.
ليس فيلماً عنهنّ فقط
“لا نعرف كيف نصل هذه النسوة” هي واحدة من أكثر الجمل التي نسمعها عند البحث عن مواضيع تخص المرأة في العراق. وهذا صحيح غالباً، في مجتمع تخاف أكثرية النساء فيه من سلطة العشيرة، ومن التشهير الإلكتروني والجسدي دونما حماية، ومن القتل دونما محاسبة، لأن أحدهم قرر أن هذه المرأة أو الطفلة لا يحق لها أن تعيش، أو تعيش حياة آمنة. لذلك فليس غريباً أن الكثير من العراقيات تكون حساباتهن على السوشال ميديا بأسماء مستعارة.
في هذا السياق، يُصبح فيلم “فلانة” -كفيلم وثائقي سينمائي تحديداً- ليس عسيراً فحسب، إنما غير مفهوم ضمناً. ومع ذلك، فقد قررت زهراء أن تتبع شغفها بصناعة الوثائقي منذ طفولتها المتأثرة بما أُنتج من وثائقيات عقب غزو العراق في 2003، وبتشجيع من أمها التي كانت سبباً في البحث عن أسئلة هذا الفيلم، وبالوقت نفسه مشجعة لها: “تكدرين تسوين أي شي تحبيه”.
وجدت زهراء في الوثائقي السينمائي، خلافاً للوثائقيات التلفزيونية، وشخصياتها مساحة ووقتاً لتحس ولتعيش هذا الإحساس على الشاشة. بهذا يصير الإحساس والصمت غاية للوثائقي السينمائي، خلافاً للتلفزيوني الذي تأخذ فيه المعلومات مساحة أكثر من الحس. هذا البطء والصبر يصيران أيضاً حاجة أساسية لكون القصص المحكي عنها حساسة، وبالتالي فقد تكون متعبة للشخصيات نفسها.
الإحساس والصبر والمسؤولية المشتركة هي أيضاً ما مكّن زهراء وشخصيات “فلانة” من بناء علاقة ثقة، وافقت على الحديث معها خلف الكاميرا وأمامها، رغم صعوبة الانكشاف علناً للمرأة العراقية.
المخاوف عديدة، بدءاً من المحيط الضيق والتفكير في رد فعل من يعرفهن بعدما مشاهدة الفيلم، إلى المجتمع بشكل عام، فهناك مثلاً الخوف من التنمر على المنظر أو العمر.
هذا ما حصل مع نتالي عندما تحدثت في تقرير تلفزيوني قصير قبل “فلانة” عما كان يحدث في الملجأ، لتواجهها موجة من التنمر الإلكتروني على ما قالته وعلى شكلها، ما سبب لها عقدة نفسية لم تخْفِها في “فلانة” لاحقاً. لذلك كان من الطبيعي أن يكون أول رد فعل لها عندما توجهت إليها زهراء أنها لا تريد أن تكون في الفيلم. ولكن بعد اللقاء شخصياً والمحادثات الكثيرة التي دارت بينهما أخذت نتالي وقتها، وأحست بالأمان بأن الفيلم هو مكان لها أيضاً لتحكي قصتها ولترد الاعتبار لنفسها.
ثم هناك الخوف من الأذى الجسدي.
لذا لم تكن زهراء لتعرض “فلانة” لولا أنها تأكدت أن نتالي باتت خارج العراق، وأن خالتها غير عُرضة للأذى بسبب الفيلم؛ وإن كان لديها بعض التردد حول النظرة التي ستوجه إليها وقد سبق لها كقابلة أن سلّمت طفلة للتبني في السابق.
ولكن زهراء تخشى أن تتعرض هي لهجوم جسدي أو معنوي أو قانوني عندما يبدأ عرض الفيلم في العراق.
بيد أن الشعور بعدم الأمان ليس بغريب عليها كامرأة عراقية، وبالتأكيد كصانعة أفلام وثائقية في العراق، حيث تواجهها -أسوة بالكثير من صانعات الوثائقيات في العالم- تحديات أمنية تتمثل بتقييد حريتها في التنقل والتحرك بدون فريق من الرجال في أماكن معينة. خلال الحرب على داعش، أرادت زهراء، مثل الكثير من زملائها الرجال، أن “تقفز مع الكاميرا” لتغطية القصص الهائلة التي كانت تسمع عنها في مدن مختلفة في العراق، لكنها لم تتمكن من ذلك لعدم شعورها بالأمان كامرأة.
كما أن تكلفة إنتاج فيلم وثائقي تصنعه امرأة قد تكون أعلى للسبب ذاته. فالحاجة إلى فريق عمل في صناعة الأفلام هي أمر أساسي ومهم في أغلب الأحيان، بسبب طبيعة الإنتاج والتخصصات المطلوبة فيه. ولكن أحياناً تجد المخرجة الوثائقية نفسها مضطرة -رغم امتلاكها المعرفة الكافية للوصول إلى الناس، ومعرفة التصوير، وتسجيل الصوت- لتعيين فريق من الرجال حصراً بدافع الحماية وليس لمتطلبات الإنتاج الفنية، الأمر الذي يرفع من ميزانية الإنتاج.
ومع ذلك، فالمخرجة الوثائقية -كما الصحافية أيضاً- في مجتمعات منغلقة على المرأة مثل العراق، تستطيع النفاذ بشكل أسهل إلى هذه العوالم، فعلياً ونفسياً، وهذا ما كان واضحاً في فيلم “فلانة”، بعدسته الحميمية التي أولت اهتماماً كبيراً لما تهتم به المرأة من تفاصيل يومية، من التجمل والاهتمام بالنفس، إلى الطبخ، إلى الخروج إلى المدينة، ما أسبغ على “فلانة” حساً عالياً من القرب من النساء، فلم يكن فيلماً عنهن فقط.
“فلانة” الذي قوبل منذ إطلاقه في أحد أهم المهرجانات السينمائية في العالم، مهرجان تورونتو في خريف 2025، بتقييم عالٍ وبجوائز أكدت تميز طرحه فناً ومحتوى، واجه وسيواجه في البلد الذي صُنع فيه تهماً جاهزة لأي مخرجة تتحدث عن مواضيع المرأة في بلدها: عزو نجاح الفيلم وحصوله على دعم إلى أنّ قصص النساء “ترند”، واعتباره يبالغ في وصف حال المرأة العراقية، فهذه هي “المولات متروسة نسوان”، وحتى الذهاب إلى حدّ الطعن بعراقيتها وفهمها للعراق باعتبارها “نصف لبنانية”!
هذه التهم لـ”فلانة” وصانعته تبين أن ثمة “إشكالاً” في أن تكون المرأة امرأة في العراق.. والكثير من الأماكن. وفيلم “فلانة” لزهراء غندور لم يفعل إلا أن أكد ذلك ودحضه في الوقت ذاته: بدأ ببنات السكتة وانتهى بولادة إحداهن، وبوجه هذه المولودة وكل المولودات -اللواتي سيكبرن ليحكين قصصاً ستظل “ترند وكليشيه”- سيكون اسم ووجه “فلانة” موجوداً، كما أرادت زهراء لصديقتها نور التي لم تعد بعد فلانة.