كيف تجمِّل الدولة الفناء؟ عن التطبيع مع الموت من حرب إيران حتى الآن
05 شباط 2026
يتتبع إيهاب شغيدل في هذا المقال كيف حوّلت الدولة العراقية الموت، من حرب إيران حتى اليوم، إلى سردية رسمية تُجمّل الفقد من خلال لقب "الشهيد" والتعويضات والدراما التلفزيونية، حتى أصبح القتل جزءاً مقبولاً من معنى الوطن..
“لا يمكن تذكر نفسي إلا بصفتي “ابن المفقود”، عشت طفولتي وصباي هكذا”.
هذا قول حسام، الذي لم يتخلص من هذه الصفة إلا حين التحق بالعسكرية عام 1997، فقد صار رجلاً، له كيان مستقل، وقد ساقته الصدفة إلى المكان نفسه الذي كان فيه أبوه عسكرياً، في مدينة الطيب في ميسان.
حسام الذي فقد والده محمد أمين في الحرب العراقية الإيرانية عام 1981، لا يتذكر شكله، ولا صوته، فقد كان عمره حين فقده خمس سنوات فقط، رغم ذلك أمضى حياته في متابعة الأثر، أثر المفقود. والدة حسام كانت في الـ19 حين فارقها زوجها، بزي عسكري مغطى بالتراب والدم كانت صورة الزوج الغائب منذ 45 عاماً، يلخص حسام صورة الأب: “ماتت والدتي في 2019 وهي تأمل أبوي يجي، يقال إنه أبوي أعدم بالثلج في إيران، ومرة تظهر صورته كبطل قومي، يتمرد على حراسه في الأسر ويقتل، شائعات كثيرة تدور، لكن في ذهن كل واحد منا صورة معينة لذلك الأب المفقود”.
يقول: “مرة التقينا أحد الأسرى، وقال أنه كان مع أبي في الأسر، حين طالبناه بدليل قال: (محمد أمين كان سريع الغضب، وكلما يشعر باليأس يقول: يا يمة يا فطيم المن جبتيني)، وأخير أبلغنا ذلك الأسير أن أبي كان يوضع في حبس مخفي حين تأتي لجنة الصليب الأحمر مع مجموعة محددة من الأسرى”، وهكذا تشكلت صورة غير واضحة وهلامية عن محمد، عاشت العائلة عقوداً من الأمل، أمل سرعان ما مضى عليه أربعة عقود ونصف.
فيما بعد أعطتنا الدولة، نتيجة لفقدان أبي، قطعة أرض من مسقط رأسه في واسط، واستلمت العائلة عجلة أنشبت خلافاً بين أمي وحميها، ما جعل أمي ترفض العجلة لتأخذ بدلاً منها خمسة دنانير.
هذه هي العطايا التي تمنحها الدولة لعائلات الشهداء والمفقودين، أموال لا تعوض الفقد، ولا تشفي جراح الأطفال الذين سيبدأون العمل في سن مبكرة، فقد عمل حسام في شارع الرشيد وعمره لا يتجاوز 12 عاماً.
مع كل منحة أو مكرمة تتسلمها العائلة بدلاً عن غياب الأب كانت ثمة معاملة وإجراءات، بقي الأب المفقود معاملة أزلية، لا يتذكر منه حسام سوى ذلك الوقوف في الطابور، إلا أن ذلك المقابل المادي، بعد قرابة عقدين، تحول إلى نوع من الإدانة؛ “لم تعترف الدولة الجديدة بضحايا حرب ايران، وتمت معاملتهم بوصفهم خونة”. بعد عام 2003 تغير الوضع، وصار الضحايا في موقع أقل منزلة مما كانوا عليه، لكن ذلك لم يثني محاولات حسام الذي بدأ رحلته الثانية مع حقوق الأب، فقد خسر سنتين من عمره ليحول والده “محمد أمين” في سجلات الدولة من مفقود إلى شهيد، وبعد نحو 24 عاماً من فقدانه، استشهد رسمياً في العام 2005. شهيد بلا جثة، وبلا ناعيات يبلّغن الزقاق به، وبلا نعش، ميت في سجلات الدولة فحسب.
بعد غياب جسده بربع قرن، مات محمد، لكن ذلك لم يمر بسلام، يقول حسام: “صار لغط استمر سنوات، أخبرونا أن من مات في حرب إيران ليس ضمن الشهداء، وهذه أكثر شيء حقير سمعته عن أبوي”.
خضعت العلاقة بين الغائب “الأب” والسائر في المعاملة “الابن” لجملة من التحولات، أبرزها هو تحول الخطاب الرسمي حول الضحايا من “الشهداء أكرم منا جميعا”، إلى “الخونة/ البعثية”.
يرى حسام أن انحياز النظام السياسي أحد أسباب ذلك، وبحسب قوله: “تقول بعض الشائعات، التي لا نعرف مدى صدقها، أن بعضاً من رجال الدولة الآن في السابق كانوا يعذبون الجنود العراقيين الأسرى لدى إيران، قد أتصور أن هذا الوزير أو المدير العام اليوم كان قد عذب والدي وقت كان يدافع عن البلد في حرب ضد دولة أخرى”.
عاش حسام وأخته وأخوه حياة خالية من الأب، فيما تعرّضت الأم في إحدى مرات الذهاب والمجيء -وهي تلاحق معاملة الأب- لحادث سير كاد يودي بحياتها، وتركها شبه مقعدة وغير قادرة على إعالة الأطفال، ما جعل الجد والجدة يتكفلان بمعيشتهم.
ليس هذا سوى فصل من فصول الموت العراقي، فصل في العطايا والمنح والفقد، فصل يُجمَّل فيه الموت حتى تصبح الشهادة جائزة، يقول حسام: “تخيل أكو ناس تحسدني لأنه أبوي شهيد بحرب إيران، على مود الفلوس الي الدولة تنطيها”.

معاملات جديدة لموتى جُدد
لا يشعر صادق أن حياته على ما يرام، فقد اثنين من إخوته منذ العام 2003 حتى الآن، قتل فراس وكان عمره وقتها 22 عاماً في شارع حيفا، إبان الحرب الطائفية التي شهدها العراق عام 2005 وما تلاه، بينما قتل محمد وكان عمره 21 عاماً في سوريا عام 2012.
لا يرى صادق أن هناك ما يستحق هذا الفقد، يقول: “أتخيلهم الآن وصل فراس عمر الأربعين بينما محمد تجاوز الثلاثين، أقول مع نفسي، شلون راح تكون حياتي وياهم؟” يرى أن موتهم لا يخلو من العبثية، فالحروب مهما تغير شكلها سيبقى الجانب القبيح فيها أنها تخلف الموت، صورهم مطبوعة في ذاكرة يعرفهم، ومهما استطالت حياة من نجا ستظل ثمة غصة: “ليش ماتوا؟ شنو ذنبهم؟ همة وعشرات الشباب بالعراق راحوا، على مود شنو؟”
قبالة ذلك تقف الوعود والمعاملات جنباً إلى جنب في طريق حياته، فقد استنفذ طاقته وعمره في المراجعات من أجل استحصال أبسط الحقوق، يقول صادق: “احتجنا الى معقب، وأعطينا رشاوي لبعض الأشخاص حتى نطلع حقوق فراس، ولم نحصل إلا على راتب زهيد بعد ثلاث سنوات، ولهسة أمي متعذبة ببعض التفاصيل الي تخصه”. في العام 2008 أنجزت معاملة راتب فراس، الذي تتمتع به والدته التي لم يمر يوم إلا وهي تندب حظها العاثر على فقدان ولديها، وتأن تحت تأثير موتهما، يضيف: “أمي فقدت صحتها الجسدية وحتى النفسية، ما تعوض لوعها الفلوس، مع ذلك صارت خبيرة في معاملات الشهداء، الجميع يعرفها في مؤسسة الشهداء”.
إذا كان الموت في الحرب الطائفية إجبارياً، فبعض الحروب تحتاج إلى من يتطوع بإرادته للقتال فيها، يقول صادق: “ذهب محمد أخي بإرادته إلى سوريا، حرب هو يشوفها عقائدية ودينية”. بينما كانت تدور ماكينة الحرب كانت بعض الجهات تدفع وتشجع عليها، ثمة من سهل ذلك الموت وجعله ضرورة لاستمرار الحياة، يضاف إلى ذلك الوعود بأن للشهيد حقوقاً محفوظة، يضيف صادق: “كان محمد يقول إنه إذا مات إحنا راح نحصل بيت، وإنه الجهة الي هو ينتمي إلها راح تصير عين تحرس العائلة، من التحق محمد بسوريا جان متزوج صار له شهر، لذلك أمي رفضت يروح يقاتل، لكن هو اختار هذا الطريق”.
في مساء بارد من كانون الأول، اتصل شخص مجهول بصادق وسأله: “أنت أخو محمد؟”
رد صادق: “أي نعم، اتفضل”.
أجاب: “محمد استشهد والجمعة توصل جثته، الأخوة المجاهدين هنا يسلمون عليكم، ويعزونكم”.
لم يرد صادق، لم يقل سوى: “الله وياك”، ولم يعرف وقتها إن كانت عبارته هذه لأخيه، أم هي للمتحدث الذي أغلق الخط. كان صادق وقتها في الشارع، بقي شارد الذهن، كيف سيعود إلى أمه ويخبرها؟ قرر في البدء إخفاء الخبر، لكنه اتصل بأحد الأصدقاء وقال له: “أخوي محمد استشهد بسوريا، وأني بالشارع، ما أعرف شسوي، وشلون أروح لأمي، شكلها؟” لم تدم حيرته كثيراً، فقد كتب أصدقاء محمد في الفيسبوك نعياً له، الخبر قد وصل للجميع، بدأ الناس يتوافدون إلى المنزل معزين، غير أن صادق لم يكن قد استوعب موت أخيه بعد، “ورا سنة يا الله حسيت، عبالك انشال الإحساس مني، شنو واحد يفقد بحياة وحدة إخوان اثنين!! صعبة والله صعبة”.
لم ترغب الأم في التعويضات عن مقتل ابنها، ولم تذهب لإجراء المعاملة، مكتفية براتب الابن الأول، يقول صادق: “لكن بين فترة وفترة يدزون عليها ينطوها فلوس وهدايا، مرة انطوها كارتونة، طلعت قطار بلاستك مال جهال، مو أغلب الشهداء عدهم أطفال”.
تستلم العائلة من فترة لأخرى بعض الأموال من الجهة التي التحق بها محمد للقتال (فضّل صادق عدم الإشارة إلى اسمها) لكن ذلك الموت غير شكل العائلة، يقول صادق: “أمي صارت شخص شبه ميت، بس ينوح ويبجي، لحد الآن هي بهذا الوضع، كل ما أدخل للبيت عبالك اليوم ماتوا أخوتي”. ولا يرى في التعويضات إلا عملية تجميل تجرى للعائلة لتقبل الموت. تنعى أم صادق ولديها:
“تعبي ييمه ضيعيته
وبخت اليحفظك مالكيته
لو ينشرى البخت اشتريته
بس التعب بعدك حويته”

مواطنة الموتى: كيف تصنع الدولة شهيدها
من قصة حسام وصادق، يبدو أن الدولة الحديثة ورثت من اللاهوت القديم قدرةً على إضفاء المعنى على الموت. فكما وعد الدين شهداءه بالجنة، تعد الدولة ذوي القتلى بالراتب وقطعة الأرض، في الحالتين يتحوّل الجسد المفقود إلى رمزٍ للسيادة. من هنا يمكن فهم كيف تغير معنى الشهادة نفسها في العالم الحديث.
في التقاليد الدينية، يعد “الاستشهاد” مفهوماً عميق الجذور تاريخياً. ففي الديانات الإبراهيمية، يكون الضحية شهيداً بمعنى “شاهد” على يوم القيامة، كما في الإسلام، وهذه مكافأة لسقوطه قتيلاً من أجل الإله. لكن في السياق العلماني يبدو المصطلح غريباً للوهلة الأولى. فليس هناك تقاليد علمانية معيارية تدور حول شروط الاستشهاد، كما هو الحال مثلاً في بعض التقاليد المسيحية أو الإسلامية. مع ذلك، يستعمل المصطلح أحياناً صراحة لوصف أشخاص “قدّموا” حياتهم من أجل “المثل”، أو “القيم”، أو “الحرية”.. الخ.
أحياناً يختلط مصطلح “شهيد” بمصطلح “بطل”. يقول حسام: “من جنت صغير جنت أشوف أبوي بطل، الناس هيج تكولي، ابن البطل، رغم هو ما مثبت إنه ميت، يعني مو شهيد، بس هو بطل”.
غير أن هذا لا يعني أن المصطلح يطفو بلا ضابط في المجتمعات العلمانية؛ فعندما يُستخدم يظل يردد أصداء جذوره الدينية. في المجتمعات العلمانية الحديثة، خصوصاً في أوروبا، صار الاستشهاد أقرب إلى البطولة، لأن الدين كان يُرى جوهره في التضحية لا في المجد. أما في مجتمعات آسيوية أكثر جماعية، فقد أصبح الاستشهاد فعلاً إنسانياً مطلقاً، تخلياً عن الذات من أجل جماعة أوسع، بلا انتظار ثواب.
في السياق العربي، الشهيد هو الذي يموت لأجل الدين والإله، لم ينفصل المعنى كثيراً عن البعد الديني، وأعيد تشكيل صورته، وصار بطلاً يموت من أجل الأمة، لكنها “أمة إسلامية”.
الدولة العربية الإسلامية الحديثة احتكرت المعنى المقدّس للموت، فصارت هي التي تمنح للقتل معنى التضحية، وتحول الميت في الحرب إلى “جسد رمزي” يثبت سيادتها ويُجمِّل عنفها.
لم تختلف النبرة كثيراً، وإذا كان الوعد الديني للشهيد هو “الجنة” فإن الدولة تملك جنتها الأرضية، لذلك تجنح لإعطاء أهل الضحية/ الشهيد مكافآت مادية.
لكن مهما توغل جسد الدولة في الحيز الاجتماعي تبقى الصورة النمطية التي كرستها الدولة العراقية، منذ الحرب العراقية الإيرانية، هي أن لا فصل بين الدولة والإلهة، لذا تستخدم الدولة العراقية الاصطلاح الديني “شهيد”. وأشهر الأدلة على ذلك هو “نصب الشهيد”، الذي يعد واحداً من أضخم وأكبر الأعمال الفنية التي أنتجها العراق في حربه مع ايران، تخليداً للضحايا. كما لم تغب عن الخطاب الرسمي العراقي عبارة “الشهداء أكرم منا جميعاً”، التي قالها صدام حسين في إعلان يوم الشهيد، مع ذلك بقي السياق الديني مرهوناً في هشاشة الدولة، إذ الشهيد مواطن مسلم وبدرجة “بطل الدولة”.
حارث السوداني: البطل الذي تحيا به الدولة وتموت
تحاول الدولة دائماً احتكار معنى الشهادة، فالعراق بعد 2003 لم يتعامل مع ضحايا حرب إيران كشهداء، مما أفقدهم جزءاً من حقوقهم. لكن سردية العراق الجديدة لديها شهداؤها الخاصون، منهم ضحايا الإرهاب وضحايا وزارتي الدفاع والداخلية، غير أنها لم تتعامل بجدية مع ضحايا مقاومة الأمريكان، كما حصل مع ضحايا التيار الصدري مثلاً، فلم يحصلوا على حقوقهم إلا بعد أن توغل التيار الصدري في جسد الدولة، ولم ينالوا منزلة الشهيد إلا في سياق ديني عقائدي داخل جسد التيار الصدري.
تنتج الدولة عادة “نصاً” لتمرير سردية “شهداء الدولة”، وهو النص الذي تشرف عليه الدولة نفسها غالباً، سواء على المستوى الأدبي أو المرئي، وقد وجدت في الدراما وسيلة لتكريس هذا الاحتكار وتجميل وجه “ميت الدولة”.
في الغالب لا تنتج الدراما العراقية بطلاً يواجه الدولة، بل تنتج بطلاً يصنعها بموته. في مسلسل “النقيب” تروى قصة “حارث السوداني”، لا يقدَّم الموت كفاجعة أو عبث تاريخي، بل كاختبارٍ للنقاء الوطني. كل مشهد في المسلسل يصوغ سردية جديدة لـ”المواطن المثالي” الذي يفنى كي تبقى الدولة، ويغدو جسده على الشاشة الجسر الذي تعبر عليه السلطة نحو تطهير ذاتها من عار الفساد والخراب.
حارث ليس شخصية متفردة، بل إعادة إنتاج لنمط مألوف: بطل الدولة المخلص، وابن المؤسسة، وجنديها ومواطنها النموذجي في آنٍ واحد، تصور الدراما تضحيته كإيمانٍ أعمى بالسلطة/ الدولة، وكأن البطولة لا تكتمل إلا بالانصهار الكامل في جسدها السيادي. يُقتل حارث من أجل “الوطن”، لكن الوطن هنا ليس فضاءً مدنياً، بل كيان مقدّس يحتاج إلى دماءٍ دورية كي يستمر. بهذه الطريقة، تخلق الدراما من الشهادة طقساً رمزياً يعيد للدولة قدرتها على إنتاج المعنى بعد أن فقدته في واقعها اليومي.

يتجلّى “التجميل” في التفاصيل: كاميرا تتباطأ عند لحظة الموت، وموسيقى تهيج العاطفة، ولغة تمزج بين الخطاب الديني والوطني لتوحّد بين الإله والدولة.
لا يترك للمشاهد أن يرى هشاشة الجسد أو عبثية النهاية، بل يدعى إلى البكاء والتصفيق، إلى المشاركة في التطبيع مع فكرة أن “الموت من أجل الدولة هو الحياة”. هكذا يتحوّل الموت إلى سلعة رمزية تعرض على الشاشة كإعلان أخلاقي عن نبل السلطة نفسها.
لكن خلف هذا اللمعان ثمة سؤال غائب: ماذا عن الذين لم يعرض موتهم في مسلسل؟ أولئك الذين لم تمنحهم الكاميرا دور البطولة، ولا الدولة لقب الشهيد، ومنهم: محمد أمين. إن دراما البطولة الرسمية تقصي الوجع الفردي، وتخضعه لقالب وطني جاهز، وتُعيد من خلاله تشكيل وعي الجمهور. في النهاية، لا يموت حارث وحده، بل تموت معه فكرة الإنسان العادي، ليولد بدلاً منه مواطن جديد: مطهر، وخال من الشك، وصالح للتداول في السوق الرمزي للدولة.
في تلك السردية، التي تضخ هذا الكم من التقديس للدولة، لا تغيب القصص الفردية فحسب، بل يصبح الشهيد فيها شهيداً بناء على المعركة التي سقط فيها، وبناء على نظرة الدولة/ السلطة لتلك المعركة، فحارث السوداني في بطولته لا يشبه شهداء حرب ايران الذين أقصاهم النظام السياسي من مرتبة الشهادة، لكن النظام العراقي قبل 2003 كان يراهم شهداء، فيما لم يحسب ضحايا الانتفاضة عام 1991 في تلك المنزلة، وهذا ما يجعل الدولة تدمج موتهم في سردية دينية تميز الموتى بناء على موقف أيديولوجي/ عقائدي. غير أن هذه التحويلات كلها لا تنظر للأفراد بوصفهم ضحايا فحسب، بل هم أجساد تصهر من أجل جسد أكبر: دولة / دين، فيما تغيب عدالة توزيع كلمة “شهيد” في كلا النظامين.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
"المنع والنجاة والامتنان"... هل تنقذ "طقوسنا الصغيرة" رأس السنة؟
31 ديسمبر 2025
من إينانا إلى محمد عبد الجبار.. الغناء والقداسة والتحريم في ذي قار
24 نوفمبر 2025
خبراء التبليط تحت قبة التشريع: كيف تحوّل النائب من مشرّع ومراقب إلى "مبلّط"؟
21 سبتمبر 2025
قبل الزواج وأثناء الحمل وبعد الولادة: يوميات أم عراقية تصارع القلق..
18 سبتمبر 2025
“لا يمكن تذكر نفسي إلا بصفتي “ابن المفقود”، عشت طفولتي وصباي هكذا”.
هذا قول حسام، الذي لم يتخلص من هذه الصفة إلا حين التحق بالعسكرية عام 1997، فقد صار رجلاً، له كيان مستقل، وقد ساقته الصدفة إلى المكان نفسه الذي كان فيه أبوه عسكرياً، في مدينة الطيب في ميسان.
حسام الذي فقد والده محمد أمين في الحرب العراقية الإيرانية عام 1981، لا يتذكر شكله، ولا صوته، فقد كان عمره حين فقده خمس سنوات فقط، رغم ذلك أمضى حياته في متابعة الأثر، أثر المفقود. والدة حسام كانت في الـ19 حين فارقها زوجها، بزي عسكري مغطى بالتراب والدم كانت صورة الزوج الغائب منذ 45 عاماً، يلخص حسام صورة الأب: “ماتت والدتي في 2019 وهي تأمل أبوي يجي، يقال إنه أبوي أعدم بالثلج في إيران، ومرة تظهر صورته كبطل قومي، يتمرد على حراسه في الأسر ويقتل، شائعات كثيرة تدور، لكن في ذهن كل واحد منا صورة معينة لذلك الأب المفقود”.
يقول: “مرة التقينا أحد الأسرى، وقال أنه كان مع أبي في الأسر، حين طالبناه بدليل قال: (محمد أمين كان سريع الغضب، وكلما يشعر باليأس يقول: يا يمة يا فطيم المن جبتيني)، وأخير أبلغنا ذلك الأسير أن أبي كان يوضع في حبس مخفي حين تأتي لجنة الصليب الأحمر مع مجموعة محددة من الأسرى”، وهكذا تشكلت صورة غير واضحة وهلامية عن محمد، عاشت العائلة عقوداً من الأمل، أمل سرعان ما مضى عليه أربعة عقود ونصف.
فيما بعد أعطتنا الدولة، نتيجة لفقدان أبي، قطعة أرض من مسقط رأسه في واسط، واستلمت العائلة عجلة أنشبت خلافاً بين أمي وحميها، ما جعل أمي ترفض العجلة لتأخذ بدلاً منها خمسة دنانير.
هذه هي العطايا التي تمنحها الدولة لعائلات الشهداء والمفقودين، أموال لا تعوض الفقد، ولا تشفي جراح الأطفال الذين سيبدأون العمل في سن مبكرة، فقد عمل حسام في شارع الرشيد وعمره لا يتجاوز 12 عاماً.
مع كل منحة أو مكرمة تتسلمها العائلة بدلاً عن غياب الأب كانت ثمة معاملة وإجراءات، بقي الأب المفقود معاملة أزلية، لا يتذكر منه حسام سوى ذلك الوقوف في الطابور، إلا أن ذلك المقابل المادي، بعد قرابة عقدين، تحول إلى نوع من الإدانة؛ “لم تعترف الدولة الجديدة بضحايا حرب ايران، وتمت معاملتهم بوصفهم خونة”. بعد عام 2003 تغير الوضع، وصار الضحايا في موقع أقل منزلة مما كانوا عليه، لكن ذلك لم يثني محاولات حسام الذي بدأ رحلته الثانية مع حقوق الأب، فقد خسر سنتين من عمره ليحول والده “محمد أمين” في سجلات الدولة من مفقود إلى شهيد، وبعد نحو 24 عاماً من فقدانه، استشهد رسمياً في العام 2005. شهيد بلا جثة، وبلا ناعيات يبلّغن الزقاق به، وبلا نعش، ميت في سجلات الدولة فحسب.
بعد غياب جسده بربع قرن، مات محمد، لكن ذلك لم يمر بسلام، يقول حسام: “صار لغط استمر سنوات، أخبرونا أن من مات في حرب إيران ليس ضمن الشهداء، وهذه أكثر شيء حقير سمعته عن أبوي”.
خضعت العلاقة بين الغائب “الأب” والسائر في المعاملة “الابن” لجملة من التحولات، أبرزها هو تحول الخطاب الرسمي حول الضحايا من “الشهداء أكرم منا جميعا”، إلى “الخونة/ البعثية”.
يرى حسام أن انحياز النظام السياسي أحد أسباب ذلك، وبحسب قوله: “تقول بعض الشائعات، التي لا نعرف مدى صدقها، أن بعضاً من رجال الدولة الآن في السابق كانوا يعذبون الجنود العراقيين الأسرى لدى إيران، قد أتصور أن هذا الوزير أو المدير العام اليوم كان قد عذب والدي وقت كان يدافع عن البلد في حرب ضد دولة أخرى”.
عاش حسام وأخته وأخوه حياة خالية من الأب، فيما تعرّضت الأم في إحدى مرات الذهاب والمجيء -وهي تلاحق معاملة الأب- لحادث سير كاد يودي بحياتها، وتركها شبه مقعدة وغير قادرة على إعالة الأطفال، ما جعل الجد والجدة يتكفلان بمعيشتهم.
ليس هذا سوى فصل من فصول الموت العراقي، فصل في العطايا والمنح والفقد، فصل يُجمَّل فيه الموت حتى تصبح الشهادة جائزة، يقول حسام: “تخيل أكو ناس تحسدني لأنه أبوي شهيد بحرب إيران، على مود الفلوس الي الدولة تنطيها”.

معاملات جديدة لموتى جُدد
لا يشعر صادق أن حياته على ما يرام، فقد اثنين من إخوته منذ العام 2003 حتى الآن، قتل فراس وكان عمره وقتها 22 عاماً في شارع حيفا، إبان الحرب الطائفية التي شهدها العراق عام 2005 وما تلاه، بينما قتل محمد وكان عمره 21 عاماً في سوريا عام 2012.
لا يرى صادق أن هناك ما يستحق هذا الفقد، يقول: “أتخيلهم الآن وصل فراس عمر الأربعين بينما محمد تجاوز الثلاثين، أقول مع نفسي، شلون راح تكون حياتي وياهم؟” يرى أن موتهم لا يخلو من العبثية، فالحروب مهما تغير شكلها سيبقى الجانب القبيح فيها أنها تخلف الموت، صورهم مطبوعة في ذاكرة يعرفهم، ومهما استطالت حياة من نجا ستظل ثمة غصة: “ليش ماتوا؟ شنو ذنبهم؟ همة وعشرات الشباب بالعراق راحوا، على مود شنو؟”
قبالة ذلك تقف الوعود والمعاملات جنباً إلى جنب في طريق حياته، فقد استنفذ طاقته وعمره في المراجعات من أجل استحصال أبسط الحقوق، يقول صادق: “احتجنا الى معقب، وأعطينا رشاوي لبعض الأشخاص حتى نطلع حقوق فراس، ولم نحصل إلا على راتب زهيد بعد ثلاث سنوات، ولهسة أمي متعذبة ببعض التفاصيل الي تخصه”. في العام 2008 أنجزت معاملة راتب فراس، الذي تتمتع به والدته التي لم يمر يوم إلا وهي تندب حظها العاثر على فقدان ولديها، وتأن تحت تأثير موتهما، يضيف: “أمي فقدت صحتها الجسدية وحتى النفسية، ما تعوض لوعها الفلوس، مع ذلك صارت خبيرة في معاملات الشهداء، الجميع يعرفها في مؤسسة الشهداء”.
إذا كان الموت في الحرب الطائفية إجبارياً، فبعض الحروب تحتاج إلى من يتطوع بإرادته للقتال فيها، يقول صادق: “ذهب محمد أخي بإرادته إلى سوريا، حرب هو يشوفها عقائدية ودينية”. بينما كانت تدور ماكينة الحرب كانت بعض الجهات تدفع وتشجع عليها، ثمة من سهل ذلك الموت وجعله ضرورة لاستمرار الحياة، يضاف إلى ذلك الوعود بأن للشهيد حقوقاً محفوظة، يضيف صادق: “كان محمد يقول إنه إذا مات إحنا راح نحصل بيت، وإنه الجهة الي هو ينتمي إلها راح تصير عين تحرس العائلة، من التحق محمد بسوريا جان متزوج صار له شهر، لذلك أمي رفضت يروح يقاتل، لكن هو اختار هذا الطريق”.
في مساء بارد من كانون الأول، اتصل شخص مجهول بصادق وسأله: “أنت أخو محمد؟”
رد صادق: “أي نعم، اتفضل”.
أجاب: “محمد استشهد والجمعة توصل جثته، الأخوة المجاهدين هنا يسلمون عليكم، ويعزونكم”.
لم يرد صادق، لم يقل سوى: “الله وياك”، ولم يعرف وقتها إن كانت عبارته هذه لأخيه، أم هي للمتحدث الذي أغلق الخط. كان صادق وقتها في الشارع، بقي شارد الذهن، كيف سيعود إلى أمه ويخبرها؟ قرر في البدء إخفاء الخبر، لكنه اتصل بأحد الأصدقاء وقال له: “أخوي محمد استشهد بسوريا، وأني بالشارع، ما أعرف شسوي، وشلون أروح لأمي، شكلها؟” لم تدم حيرته كثيراً، فقد كتب أصدقاء محمد في الفيسبوك نعياً له، الخبر قد وصل للجميع، بدأ الناس يتوافدون إلى المنزل معزين، غير أن صادق لم يكن قد استوعب موت أخيه بعد، “ورا سنة يا الله حسيت، عبالك انشال الإحساس مني، شنو واحد يفقد بحياة وحدة إخوان اثنين!! صعبة والله صعبة”.
لم ترغب الأم في التعويضات عن مقتل ابنها، ولم تذهب لإجراء المعاملة، مكتفية براتب الابن الأول، يقول صادق: “لكن بين فترة وفترة يدزون عليها ينطوها فلوس وهدايا، مرة انطوها كارتونة، طلعت قطار بلاستك مال جهال، مو أغلب الشهداء عدهم أطفال”.
تستلم العائلة من فترة لأخرى بعض الأموال من الجهة التي التحق بها محمد للقتال (فضّل صادق عدم الإشارة إلى اسمها) لكن ذلك الموت غير شكل العائلة، يقول صادق: “أمي صارت شخص شبه ميت، بس ينوح ويبجي، لحد الآن هي بهذا الوضع، كل ما أدخل للبيت عبالك اليوم ماتوا أخوتي”. ولا يرى في التعويضات إلا عملية تجميل تجرى للعائلة لتقبل الموت. تنعى أم صادق ولديها:
“تعبي ييمه ضيعيته
وبخت اليحفظك مالكيته
لو ينشرى البخت اشتريته
بس التعب بعدك حويته”

مواطنة الموتى: كيف تصنع الدولة شهيدها
من قصة حسام وصادق، يبدو أن الدولة الحديثة ورثت من اللاهوت القديم قدرةً على إضفاء المعنى على الموت. فكما وعد الدين شهداءه بالجنة، تعد الدولة ذوي القتلى بالراتب وقطعة الأرض، في الحالتين يتحوّل الجسد المفقود إلى رمزٍ للسيادة. من هنا يمكن فهم كيف تغير معنى الشهادة نفسها في العالم الحديث.
في التقاليد الدينية، يعد “الاستشهاد” مفهوماً عميق الجذور تاريخياً. ففي الديانات الإبراهيمية، يكون الضحية شهيداً بمعنى “شاهد” على يوم القيامة، كما في الإسلام، وهذه مكافأة لسقوطه قتيلاً من أجل الإله. لكن في السياق العلماني يبدو المصطلح غريباً للوهلة الأولى. فليس هناك تقاليد علمانية معيارية تدور حول شروط الاستشهاد، كما هو الحال مثلاً في بعض التقاليد المسيحية أو الإسلامية. مع ذلك، يستعمل المصطلح أحياناً صراحة لوصف أشخاص “قدّموا” حياتهم من أجل “المثل”، أو “القيم”، أو “الحرية”.. الخ.
أحياناً يختلط مصطلح “شهيد” بمصطلح “بطل”. يقول حسام: “من جنت صغير جنت أشوف أبوي بطل، الناس هيج تكولي، ابن البطل، رغم هو ما مثبت إنه ميت، يعني مو شهيد، بس هو بطل”.
غير أن هذا لا يعني أن المصطلح يطفو بلا ضابط في المجتمعات العلمانية؛ فعندما يُستخدم يظل يردد أصداء جذوره الدينية. في المجتمعات العلمانية الحديثة، خصوصاً في أوروبا، صار الاستشهاد أقرب إلى البطولة، لأن الدين كان يُرى جوهره في التضحية لا في المجد. أما في مجتمعات آسيوية أكثر جماعية، فقد أصبح الاستشهاد فعلاً إنسانياً مطلقاً، تخلياً عن الذات من أجل جماعة أوسع، بلا انتظار ثواب.
في السياق العربي، الشهيد هو الذي يموت لأجل الدين والإله، لم ينفصل المعنى كثيراً عن البعد الديني، وأعيد تشكيل صورته، وصار بطلاً يموت من أجل الأمة، لكنها “أمة إسلامية”.
الدولة العربية الإسلامية الحديثة احتكرت المعنى المقدّس للموت، فصارت هي التي تمنح للقتل معنى التضحية، وتحول الميت في الحرب إلى “جسد رمزي” يثبت سيادتها ويُجمِّل عنفها.
لم تختلف النبرة كثيراً، وإذا كان الوعد الديني للشهيد هو “الجنة” فإن الدولة تملك جنتها الأرضية، لذلك تجنح لإعطاء أهل الضحية/ الشهيد مكافآت مادية.
لكن مهما توغل جسد الدولة في الحيز الاجتماعي تبقى الصورة النمطية التي كرستها الدولة العراقية، منذ الحرب العراقية الإيرانية، هي أن لا فصل بين الدولة والإلهة، لذا تستخدم الدولة العراقية الاصطلاح الديني “شهيد”. وأشهر الأدلة على ذلك هو “نصب الشهيد”، الذي يعد واحداً من أضخم وأكبر الأعمال الفنية التي أنتجها العراق في حربه مع ايران، تخليداً للضحايا. كما لم تغب عن الخطاب الرسمي العراقي عبارة “الشهداء أكرم منا جميعاً”، التي قالها صدام حسين في إعلان يوم الشهيد، مع ذلك بقي السياق الديني مرهوناً في هشاشة الدولة، إذ الشهيد مواطن مسلم وبدرجة “بطل الدولة”.
حارث السوداني: البطل الذي تحيا به الدولة وتموت
تحاول الدولة دائماً احتكار معنى الشهادة، فالعراق بعد 2003 لم يتعامل مع ضحايا حرب إيران كشهداء، مما أفقدهم جزءاً من حقوقهم. لكن سردية العراق الجديدة لديها شهداؤها الخاصون، منهم ضحايا الإرهاب وضحايا وزارتي الدفاع والداخلية، غير أنها لم تتعامل بجدية مع ضحايا مقاومة الأمريكان، كما حصل مع ضحايا التيار الصدري مثلاً، فلم يحصلوا على حقوقهم إلا بعد أن توغل التيار الصدري في جسد الدولة، ولم ينالوا منزلة الشهيد إلا في سياق ديني عقائدي داخل جسد التيار الصدري.
تنتج الدولة عادة “نصاً” لتمرير سردية “شهداء الدولة”، وهو النص الذي تشرف عليه الدولة نفسها غالباً، سواء على المستوى الأدبي أو المرئي، وقد وجدت في الدراما وسيلة لتكريس هذا الاحتكار وتجميل وجه “ميت الدولة”.
في الغالب لا تنتج الدراما العراقية بطلاً يواجه الدولة، بل تنتج بطلاً يصنعها بموته. في مسلسل “النقيب” تروى قصة “حارث السوداني”، لا يقدَّم الموت كفاجعة أو عبث تاريخي، بل كاختبارٍ للنقاء الوطني. كل مشهد في المسلسل يصوغ سردية جديدة لـ”المواطن المثالي” الذي يفنى كي تبقى الدولة، ويغدو جسده على الشاشة الجسر الذي تعبر عليه السلطة نحو تطهير ذاتها من عار الفساد والخراب.
حارث ليس شخصية متفردة، بل إعادة إنتاج لنمط مألوف: بطل الدولة المخلص، وابن المؤسسة، وجنديها ومواطنها النموذجي في آنٍ واحد، تصور الدراما تضحيته كإيمانٍ أعمى بالسلطة/ الدولة، وكأن البطولة لا تكتمل إلا بالانصهار الكامل في جسدها السيادي. يُقتل حارث من أجل “الوطن”، لكن الوطن هنا ليس فضاءً مدنياً، بل كيان مقدّس يحتاج إلى دماءٍ دورية كي يستمر. بهذه الطريقة، تخلق الدراما من الشهادة طقساً رمزياً يعيد للدولة قدرتها على إنتاج المعنى بعد أن فقدته في واقعها اليومي.

يتجلّى “التجميل” في التفاصيل: كاميرا تتباطأ عند لحظة الموت، وموسيقى تهيج العاطفة، ولغة تمزج بين الخطاب الديني والوطني لتوحّد بين الإله والدولة.
لا يترك للمشاهد أن يرى هشاشة الجسد أو عبثية النهاية، بل يدعى إلى البكاء والتصفيق، إلى المشاركة في التطبيع مع فكرة أن “الموت من أجل الدولة هو الحياة”. هكذا يتحوّل الموت إلى سلعة رمزية تعرض على الشاشة كإعلان أخلاقي عن نبل السلطة نفسها.
لكن خلف هذا اللمعان ثمة سؤال غائب: ماذا عن الذين لم يعرض موتهم في مسلسل؟ أولئك الذين لم تمنحهم الكاميرا دور البطولة، ولا الدولة لقب الشهيد، ومنهم: محمد أمين. إن دراما البطولة الرسمية تقصي الوجع الفردي، وتخضعه لقالب وطني جاهز، وتُعيد من خلاله تشكيل وعي الجمهور. في النهاية، لا يموت حارث وحده، بل تموت معه فكرة الإنسان العادي، ليولد بدلاً منه مواطن جديد: مطهر، وخال من الشك، وصالح للتداول في السوق الرمزي للدولة.
في تلك السردية، التي تضخ هذا الكم من التقديس للدولة، لا تغيب القصص الفردية فحسب، بل يصبح الشهيد فيها شهيداً بناء على المعركة التي سقط فيها، وبناء على نظرة الدولة/ السلطة لتلك المعركة، فحارث السوداني في بطولته لا يشبه شهداء حرب ايران الذين أقصاهم النظام السياسي من مرتبة الشهادة، لكن النظام العراقي قبل 2003 كان يراهم شهداء، فيما لم يحسب ضحايا الانتفاضة عام 1991 في تلك المنزلة، وهذا ما يجعل الدولة تدمج موتهم في سردية دينية تميز الموتى بناء على موقف أيديولوجي/ عقائدي. غير أن هذه التحويلات كلها لا تنظر للأفراد بوصفهم ضحايا فحسب، بل هم أجساد تصهر من أجل جسد أكبر: دولة / دين، فيما تغيب عدالة توزيع كلمة “شهيد” في كلا النظامين.