القميص من خمس سنوات إلى خمس لبسات: كيف تغيرت ملابس العراقيين من التسعينات إلى اليوم؟
22 كانون الثاني 2026
ماذا كنّا نرتدي، وماذا صرنا نرتدي الآن؟ كيف تحوّل عمر القميص من خمس سنوات إلى خمس لبسات فقط؟ حكاية الملابس العراقية، وتأثّرها بالحروب والأزمات.. من زمن الحصار حتى اليوم..
“جنا ما شابعين أكل حتى نفكر بالملابس”، بجملتها تختصر أم علاء، (52 عاماً) من ذي قار، علاقة أهل العراق بالملابس خلال حرب الثمانينات مع إيران، وحصار التسعينات بعد غزو الكويت.
فأيام الجوع التي نهشت سنوات العراقيين والعراقيات أنستهم التفكير بما يكسون به أجسادهم، بل جعلتهم منشغلين فقط بكيفية ملء بطونهم وتوفير ثمن الطعام والمعيشة، خاصة لدى الفئات المُعدمة وأصحاب الوظائف، ممن لم تكن رواتبهم تكفي لشراء وجبة واحدة.
آنذاك، ابتكر الناس طرقاً لإبقاء الملابس صالحة حتى آخر خيط، وأعادوا تدويرها مراراً بأكثر من طريقة، فأصبحت قطعة الملابس الواحدة تُستخدم عدة مرات، وبأشكال مختلفة، وعلى مراحل متعددة.
“قماش من القماش”
“الجاهز أحلى، بس الما عنده يخيط بالبيت”.
حينما كانت أم علاء طفلة لم تفهم معنى الحصار الاقتصادي الدولي على العراق، إلا أنها كانت تعيشه كل يوم. لم تعرف معنى الخيارات الواسعة في الملابس. عيون الطفلة آنذاك كانت تحلم بالفساتين الملونة والمزركشة على واجهات المحال التجارية، وبما ترتديه بعض الفتيات في عمرها. لكنها، كطفلة من عائلة لم تملك ثمن “كلاص الشكر”، بحسب تعبيرها، اضطرت لارتداء ملابس تفصلها والدتها ويخيطها والدها الخياط، توفيراً لأجرة الخِياطة.
لذا كانت الرحلة إلى “القماش/البزاز”، أي بائع الأقمشة، الخيار الوحيد، وهناك تختار قماشاً تحوله ماكينة والدها إلى فستان شبيه بما حلمت به.
كان سعر الفستان أو أي قطعة ملابس تتوق إليها قد يكلفهم ما تكسبه العائلة في شهر أو أكثر، لذا لجأت عائلتها، كما أغلب العائلات، إلى الخياطة. لكن إن كانت العائلة كبيرة ومحدودة الدخل فقد يصبح هذا الخيار مكلفاً أيضاً. وهو ما عاشته أسماء (45 عاماً) من ديالى، إذ كانت عائلتها مكونة من سبعة إخوة، نصيب كل واحد منهم “قطعة بيت وطلعة لكل موسم”. كانت الأم تشتري الأقمشة من “القماش”، ويخيطونها عند خياطة الحي.
تذكر أسماء أن الفتيات حينها كن يتعلمن أساسيات الخياطة ويخيطن لأنفسهن ثياباً أو يعدن تصميمها، وترى أن الموارد المحدودة جعلتهن يبتكرن أزياء جميلة وجذّابة بطرقهن الخاصة.
تروي أسماء أن عدم امتلاكها لفستان في إحدى المناسبات جعلها تفكّر في حلّ جديد؛ فأعادت استخدام تنورة طويلة لتحوّلها إلى فستان يشبه الفساتين العارية الأكتاف، تقول: “كان موديل المكسي منتشر، فلبست تنورة قديمة كلش طويلة ورفعتها للصدر، وجبت شريط بردة أبو الورد وثبتتها ولبست عليها سترة، كلها تعجبت”.
بالغت في وضع “المكياج” وتسريحة الشعر، وبحسب وصفها، فقد أغرم الجميع بفستانها، ولم تكشف سرها لأحد، بل قالت: “جبته من شارع النهر”، أحد أشهر شوارع بغداد التجارية، وتشير إلى أن ابنة خالتها خيطت أيضاً سترة من قماش “بردة” قديمة حصلت عليها من أقاربهم.
يشير الخياط عقيل (49 عاماً) من ذي قار، إلى كثرة الطلب على “التفصال والخياطة” آنذاك، وخاصة بعد انتشار نوع من المكائن اليابانية من طراز “براذر”، التي كانت نادراً ما تحتاج صيانة أو تصاب بأعطال، وتخيط جميع أنواع الأقمشة.
حتى عقيل وعائلته، كما يذكر، كانوا يختارون أنواعاً رخيصة من الأقمشة يمكنهم تحمّل تكاليفها. لكن مع اشتداد الحصار، صار عليهم، كبقية العراقيين، ابتكار حلول تتجاوز مجرد ترقيع القماش أو إعادة خياطة الفتق، ليعيدوا استخدام القطعة الواحدة بعدة طرق وأشكال.
“على الكفة”
تقول أسماء إنّه في سنوات الجوع تلك لم تكن الملابس تُرمى أبداً، بل كانت تنتقل من الطفل الأكبر إلى الأصغر، وتُتوارث بين الإخوة وأبناء العمومة والأقرباء وحتى الجيران.
وحين يتعب القماش من الأجساد والمواسم التي مرّت عليه يبدأ حياة جديدة. إذ يستخدم الخيّاط أداة تُعرف بـ”الفتاكة”، وهي آلة صغيرة تُفتق بها درزات الخياطة، ليُقلب القماش إلى الجهة الأخرى السليمة وتعاد خياطته من جديد، سواء بماكينة البيت أو عند الخياط/ة
وتُعرف هذه العملية بـ”كلب الكفة”، لتبدأ القطعة رحلة جديدة مع شخص آخر، كما فعلت عائلة أبي حسن مرات عدّة.
وحتى حين يهترئ هذا الجزء، لا تنتهي فائدة القطعة، بل تُحوَّل إلى “وكايات”، أو ممسحة للأرض، أو تُحشى بها وسائد النوم.
تتذكر أسماء تباهيها بقميص مدرسي أبيض ارتدته في يوم الطالب، كانت قد استعارته من ابنة خالتها.
ورغم أن القميص كان واسعاً، لكنها كادت أن تطير من الفرح كطفلة، وتقول: “جان القميص يلمع، بيومها ما أكلت ولا حتى مي شربت، وخفت أحضن صديقتي لا أدمره”.
لكن سرعان ما لاحظت اختلافها عن زميلاتها، اللواتي تحوّلت قمصانهن إلى اللون الأصفر من كثرة الاستخدام كل عام، حتى شعرت وكأنها “نشاز” بينهن.
أما الصدرية المدرسية، فحين تهترئ تماماً من الوجهين، تتحوّل إلى حقيبة تستخدمها الطالبة لسنوات، ثم إلى ممسحة للأرضيات.
تقول أسماء لجمار: “تصير وصلة مسح لو حشوة فراش”. وتشير إلى أن بعض العائلات كانوا يستخدمونها مع الحطب للتدفئة، أو حتى لطهي الطعام.
وتضيف أن تبادل الملابس لم يكن مقتصراً على المناسبات فقط، بل شمل حتى النزهات العائلية. فقد كانت هي وأخواتها وبنات عمومتها يتبادلن القطع فيما بينهن، مما جعلهن يحظين بوفرة من الملابس.
يذكر تاجر الأقمشة أبو حسين (60 عاماً) من ذي قار، بحسب خبرته في عالم الأقمشة التي تتجاوز الأربعين عاماً، قوة صناعة الأقمشة العراقية في السابق، التي كانت تنتجها معامل الغزل والنسيج الحكومية في الكوت، والحلة، والديوانية، والموصل، وبغداد، وهي تابعة لوزارة الصناعة والمعادن.
ويشير إلى أن بعض هذه المصانع كانت تصدّر منتجاتها إلى الخارج، قبل أن يتغير الوضع تدريجياً مع بداية الألفينات.
الملابس بعد عام 2003
بعد الغزو الأمريكي، تدمرت البُنى التحتية لغالبية المؤسسات والمعامل والمصانع، وزاد من سوء الوضع الإهمال الحكومي والفساد المستشري في الحكومات المتعاقبة، ما أدى إلى توقّف معظمها عن العمل.
وعلى إثر ذلك، بدأ نمط جديد من العلاقة بين أهل العراق والملابس، خاصة مع الانفتاح الاقتصادي الذي شهده العراق بعد سقوط النظام السابق، حيث أصبح الاستيراد يفوق التصدير بشكل كبير.
خلال السنوات الثلاث الأخيرة استورد العراق ما تتجاوز قيمته تسعة مليارات دولار من الأقمشة والألبسة، وبحسب إحصائية لوزارة الصناعة والتجارة في إقليم كردستان، تم استيراد أقمشة وألبسة بلغت قيمتها 5.8 مليار دولار خلال الأعوام 2016-2017-2018.
ويستورد تجار الألبسة والأقمشة من 24 دولة مختلفة، لكن نسبة 84.5 بالمئة منها تأتي من خمس دول رئيسية، الصين، وتركيا، وإيران، والإمارات، والهند.
إذ استورد التجار في هذه السنوات الثلاث من الصين وحدها ما يصل قيمته إلى 4.4 مليار دولار، وبلغت الواردات من تركيا 2.5 مليار دولار تقريباً، ونحو 977 مليون دولار من إيران، ونحو 656 مليون دولار من الإمارات، أما واردات الهند بلغت ما يزيد عن 93 مليون دولار.
وفّر الانفتاح على الأسواق العالمية ملابس أرخص وأكثر حداثة، خاصة لفئة الشباب المتعطش لتجربة الأذواق و”الموديلات” العالمية. ومع مرور السنوات، تخلّى غالبية الأفراد عن “الفصال والخياط”، خصوصاً مع سهولة وسرعة الحصول على الملابس الجاهزة.
فملابس “الفصال” تمر بعدة مراحل، تبدأ من شراء القماش، ثم الذهاب إلى الخياط/ة لأخذ القياسات، ثم العودة للقياس الأخير، وهي عملية قد تستغرق أياماً إذا كانت الخياطة لملابس البيت، أو أسابيع وربما أشهر إذا كانت لملابس المدرسة أو العمل أو المناسبات. أما في الأعياد، فيتوجب الحجز المسبق بفترة أطول.
في المقابل، فإن شراء الملابس الجاهزة قد يتم بعد أول مصادفة في السوق، أو بضغط الأزرار على الشاشات.
رغم ذلك، يقول التاجر أبو حسين، إن شراء الأقمشة ينحصر الآن في فئات معينة: “النساء الكبار أكثر شيء يشترون أقمشة ويخيطون، وأيضاً قد يلجأ الأفراد اللذين يرتدون القياسات الخاصة للخياط/ة ليحصلوا على ملابس يرتاح بها جسدهم”.
ويشير إلى أنه مع اختفاء الأقمشة العراقية حلّت محلّها الأقمشة الصينية الرخيصة التي تملأ الأسواق اليوم.
ويقول: “بس إحنا مرات نكول هذا تركي أو ألماني… كذبة بيع!”. ويعترف، كتاجر، أن بعض التجار يوهمون الزبائن وحتى الباعة الجدد، لتسويق بضاعتهم التي تراجعت بسبب انتشار الألبسة الجاهزة.
وبحسب خبرته في سوق العمل، يرى أن الجيل الجديد يعتمد في غالبيته على الملابس الجاهزة والمستوردة، خاصة بعد دخول الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي إلى حياة الأفراد.
كل يوم “آوتفت”
وفقاً للسيدة علياء العگيلي، خبيرة المظهر والصورة والأزياء العراقية، فإنّه لا سبب رئيسي لإعادة الموضة، بل إنها تسير وفقاً لحاجة القطاع الصناعي. كما أنّها غالباً ما تعيد إنتاج نفسها بأساليب مختلفة، تبعاً للحاجات الصناعة في تلك المرحلة ومتطلبات السوق، مع إضافات عصرية يبتكرها كل مصمم أو دار أزياء لتلبية أذواق المستهلكين.
بعض الأحيان تؤثر التغيرات والظروف الاقتصادية والاجتماعية على الموضة، إلا أنّ هذه التغيرات لا تعيد صياغتها صياغة عصرية أو حديثة، بل تُستخدم كما هي، من دون تطوير أو إضافات جديدة.
فعلى سبيل المثال، في فترة الحصار بالعراق ارتدت الفتيات ملابس أمهاتهن أو ملابس قديمة، إلا أنّ هذا التأثير كان محلياً مرتبطاً بالحصار ولم يكن ظاهرة عالمية.
تروي أسماء كيف اختلف نمط الاستهلاك اليوم، وتعتقد أن السبب يعود إلى ضغط السوشال ميديا، وانتشار “البلوكرز” و”الإنفلونسرز” الذين يرتدون في كل صورة أو فيديو ملابس مختلفة: “بوقتنا كل سنتين خمس سنوات أكو فد ستايل ملابس تطلع، أو ممثلة نقلد ملابسها من المجلات أو التلفزيون، بس هسه كل يومين أكو ترند جديد”.
هذا ما دفع جمهورهم إلى تقليدهم، فبدأ الكثيرون بتكديس ملابس شبيهة، واستهلاك كل ما هو “ترند”، حتى لو كانت الملابس مقلّدة ورديئة النوعية. وتروي تجربتها مع ابنتها: “من صارت مرحلة أولى اشترت هاينك مخططة كل ألوانهن وأشكالهن، صح رخاص بس هسه مشمورات لأن انتهى موديلهن، ينلبسن كم مرة”.
غالباً ما يربط الناس بين تكرار الملابس والحالة الاقتصادية للأفراد، وقد يعود ذلك إلى ما عاشه كثيرون من حرمان خلال سنوات الحصار، حيث ترسّخت صورة مفادها أن اليسر المادي يعني عدم تكرار الملابس.
وتعزز هذه الصورة النمطية إحدى الشاعرات العراقيات، التي تحدثت في مقابلة بودكاست عن تعرضها لانتقادات بسبب تكرارها الملابس “خمس مرات”، عندما كانت تمرّ بظروف مادية صعبة.
وتواجه الضغوط نفسها فئات عديدة، كطلبة الجامعات والموظفين، وخاصة النساء، حتى باتت الأغلبية لا تهتم بجودة ما تشتريه، بقدر اهتمامها بعدم تكرار القطعة.
وتروي ليلى (25 عاماً) من بغداد، أنها كانت تنفق الكثير على الملابس فقط لمواكبة أناقة زميلاتها، بغضّ النظر عن الجودة: “كنت جوعانة مشتراة، وأحس دائماً ما عندي شيء ألبسة على الترند”.
ومن تجربته يشير صباح (30 عاماً) من سامراء، وصاحب محل لبيع الملابس، أنه يواكب “الترندات” لتوفير قطع محدودة تواكب “ترندات السوشال ميديا”، يقول لجمار: “بهذه القطع نوفر 50 أو 100 قطعة فقط، لأن فجأة يطلع ترند جديد وممكن الطلب يصير أقل”.
ويضيف أن الأسواق الآن صارت تتشابه، ومن المخاطرة أن تستورد وتوفر ملابس مختلفة، فقد يكون مصيرها الخسارة. لكنه يشير إلى وجود محلات متخصصة بجودة أفضل وبأسعار أغلى مقارنة بقطع “الترند”، التي لا تتجاوز تكلفة أي قطعة منها 25 ألف دينار للفستان، و عشرة آلاف للبنطال، و خمسة آلاف للقميص.
رغم امتعاض أسماء من نمط استهلاك أبنائها، لكنها لا تريد أن يعيشوا ما عاشته وقت الحصار، وهي نفسها تشتري الكثير من الملابس التي لا تلبسها أبداً، وتبرر ذلك بأن طبيعة عملها في المدرسة تفرض عليها ارتداء ملابس مختلفة كل يوم، لتواكب أناقة المعلمات ومحيطها، حتى لا تشعر أنها أقل من المستوى الاجتماعي الذي تعيش فيه.
أما ليلى فتوقفت بمرور السنوات عن شراء ملابس لا تحتاجها، وبدأت تستثمر أموالها بقطع ذات جودة أفضل، تقول: “مو هم المشتريهن الي الملابس لذلك صرت ما أهتم للتعليقات وفجأة اكتشفت أصلاً محد مهتم”. وتضيف أنها أدركت بأنها كانت تعيش في سباق وهمي، تحاول فيه أن ترتدي “آوتفيت” مختلفاً كل يوم.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
قصة استسلام نقابات العراق لـ"الأمر الواقع": أجسام شكلية خارج التاريخ والاجتماع
15 فبراير 2026
فيلم "فلانة" لزهراء غندور.. في "إشكال" أن تكون المرأة امرأة في العراق
12 فبراير 2026
الحرب على النساء في العراق
10 فبراير 2026
من رئاسة البرلمان إلى المحافظات: تحوّل "الزعامة السنية" في العراق
08 فبراير 2026
“جنا ما شابعين أكل حتى نفكر بالملابس”، بجملتها تختصر أم علاء، (52 عاماً) من ذي قار، علاقة أهل العراق بالملابس خلال حرب الثمانينات مع إيران، وحصار التسعينات بعد غزو الكويت.
فأيام الجوع التي نهشت سنوات العراقيين والعراقيات أنستهم التفكير بما يكسون به أجسادهم، بل جعلتهم منشغلين فقط بكيفية ملء بطونهم وتوفير ثمن الطعام والمعيشة، خاصة لدى الفئات المُعدمة وأصحاب الوظائف، ممن لم تكن رواتبهم تكفي لشراء وجبة واحدة.
آنذاك، ابتكر الناس طرقاً لإبقاء الملابس صالحة حتى آخر خيط، وأعادوا تدويرها مراراً بأكثر من طريقة، فأصبحت قطعة الملابس الواحدة تُستخدم عدة مرات، وبأشكال مختلفة، وعلى مراحل متعددة.
“قماش من القماش”
“الجاهز أحلى، بس الما عنده يخيط بالبيت”.
حينما كانت أم علاء طفلة لم تفهم معنى الحصار الاقتصادي الدولي على العراق، إلا أنها كانت تعيشه كل يوم. لم تعرف معنى الخيارات الواسعة في الملابس. عيون الطفلة آنذاك كانت تحلم بالفساتين الملونة والمزركشة على واجهات المحال التجارية، وبما ترتديه بعض الفتيات في عمرها. لكنها، كطفلة من عائلة لم تملك ثمن “كلاص الشكر”، بحسب تعبيرها، اضطرت لارتداء ملابس تفصلها والدتها ويخيطها والدها الخياط، توفيراً لأجرة الخِياطة.
لذا كانت الرحلة إلى “القماش/البزاز”، أي بائع الأقمشة، الخيار الوحيد، وهناك تختار قماشاً تحوله ماكينة والدها إلى فستان شبيه بما حلمت به.
كان سعر الفستان أو أي قطعة ملابس تتوق إليها قد يكلفهم ما تكسبه العائلة في شهر أو أكثر، لذا لجأت عائلتها، كما أغلب العائلات، إلى الخياطة. لكن إن كانت العائلة كبيرة ومحدودة الدخل فقد يصبح هذا الخيار مكلفاً أيضاً. وهو ما عاشته أسماء (45 عاماً) من ديالى، إذ كانت عائلتها مكونة من سبعة إخوة، نصيب كل واحد منهم “قطعة بيت وطلعة لكل موسم”. كانت الأم تشتري الأقمشة من “القماش”، ويخيطونها عند خياطة الحي.
تذكر أسماء أن الفتيات حينها كن يتعلمن أساسيات الخياطة ويخيطن لأنفسهن ثياباً أو يعدن تصميمها، وترى أن الموارد المحدودة جعلتهن يبتكرن أزياء جميلة وجذّابة بطرقهن الخاصة.
تروي أسماء أن عدم امتلاكها لفستان في إحدى المناسبات جعلها تفكّر في حلّ جديد؛ فأعادت استخدام تنورة طويلة لتحوّلها إلى فستان يشبه الفساتين العارية الأكتاف، تقول: “كان موديل المكسي منتشر، فلبست تنورة قديمة كلش طويلة ورفعتها للصدر، وجبت شريط بردة أبو الورد وثبتتها ولبست عليها سترة، كلها تعجبت”.
بالغت في وضع “المكياج” وتسريحة الشعر، وبحسب وصفها، فقد أغرم الجميع بفستانها، ولم تكشف سرها لأحد، بل قالت: “جبته من شارع النهر”، أحد أشهر شوارع بغداد التجارية، وتشير إلى أن ابنة خالتها خيطت أيضاً سترة من قماش “بردة” قديمة حصلت عليها من أقاربهم.
يشير الخياط عقيل (49 عاماً) من ذي قار، إلى كثرة الطلب على “التفصال والخياطة” آنذاك، وخاصة بعد انتشار نوع من المكائن اليابانية من طراز “براذر”، التي كانت نادراً ما تحتاج صيانة أو تصاب بأعطال، وتخيط جميع أنواع الأقمشة.
حتى عقيل وعائلته، كما يذكر، كانوا يختارون أنواعاً رخيصة من الأقمشة يمكنهم تحمّل تكاليفها. لكن مع اشتداد الحصار، صار عليهم، كبقية العراقيين، ابتكار حلول تتجاوز مجرد ترقيع القماش أو إعادة خياطة الفتق، ليعيدوا استخدام القطعة الواحدة بعدة طرق وأشكال.
“على الكفة”
تقول أسماء إنّه في سنوات الجوع تلك لم تكن الملابس تُرمى أبداً، بل كانت تنتقل من الطفل الأكبر إلى الأصغر، وتُتوارث بين الإخوة وأبناء العمومة والأقرباء وحتى الجيران.
وحين يتعب القماش من الأجساد والمواسم التي مرّت عليه يبدأ حياة جديدة. إذ يستخدم الخيّاط أداة تُعرف بـ”الفتاكة”، وهي آلة صغيرة تُفتق بها درزات الخياطة، ليُقلب القماش إلى الجهة الأخرى السليمة وتعاد خياطته من جديد، سواء بماكينة البيت أو عند الخياط/ة
وتُعرف هذه العملية بـ”كلب الكفة”، لتبدأ القطعة رحلة جديدة مع شخص آخر، كما فعلت عائلة أبي حسن مرات عدّة.
وحتى حين يهترئ هذا الجزء، لا تنتهي فائدة القطعة، بل تُحوَّل إلى “وكايات”، أو ممسحة للأرض، أو تُحشى بها وسائد النوم.
تتذكر أسماء تباهيها بقميص مدرسي أبيض ارتدته في يوم الطالب، كانت قد استعارته من ابنة خالتها.
ورغم أن القميص كان واسعاً، لكنها كادت أن تطير من الفرح كطفلة، وتقول: “جان القميص يلمع، بيومها ما أكلت ولا حتى مي شربت، وخفت أحضن صديقتي لا أدمره”.
لكن سرعان ما لاحظت اختلافها عن زميلاتها، اللواتي تحوّلت قمصانهن إلى اللون الأصفر من كثرة الاستخدام كل عام، حتى شعرت وكأنها “نشاز” بينهن.
أما الصدرية المدرسية، فحين تهترئ تماماً من الوجهين، تتحوّل إلى حقيبة تستخدمها الطالبة لسنوات، ثم إلى ممسحة للأرضيات.
تقول أسماء لجمار: “تصير وصلة مسح لو حشوة فراش”. وتشير إلى أن بعض العائلات كانوا يستخدمونها مع الحطب للتدفئة، أو حتى لطهي الطعام.
وتضيف أن تبادل الملابس لم يكن مقتصراً على المناسبات فقط، بل شمل حتى النزهات العائلية. فقد كانت هي وأخواتها وبنات عمومتها يتبادلن القطع فيما بينهن، مما جعلهن يحظين بوفرة من الملابس.
يذكر تاجر الأقمشة أبو حسين (60 عاماً) من ذي قار، بحسب خبرته في عالم الأقمشة التي تتجاوز الأربعين عاماً، قوة صناعة الأقمشة العراقية في السابق، التي كانت تنتجها معامل الغزل والنسيج الحكومية في الكوت، والحلة، والديوانية، والموصل، وبغداد، وهي تابعة لوزارة الصناعة والمعادن.
ويشير إلى أن بعض هذه المصانع كانت تصدّر منتجاتها إلى الخارج، قبل أن يتغير الوضع تدريجياً مع بداية الألفينات.
الملابس بعد عام 2003
بعد الغزو الأمريكي، تدمرت البُنى التحتية لغالبية المؤسسات والمعامل والمصانع، وزاد من سوء الوضع الإهمال الحكومي والفساد المستشري في الحكومات المتعاقبة، ما أدى إلى توقّف معظمها عن العمل.
وعلى إثر ذلك، بدأ نمط جديد من العلاقة بين أهل العراق والملابس، خاصة مع الانفتاح الاقتصادي الذي شهده العراق بعد سقوط النظام السابق، حيث أصبح الاستيراد يفوق التصدير بشكل كبير.
خلال السنوات الثلاث الأخيرة استورد العراق ما تتجاوز قيمته تسعة مليارات دولار من الأقمشة والألبسة، وبحسب إحصائية لوزارة الصناعة والتجارة في إقليم كردستان، تم استيراد أقمشة وألبسة بلغت قيمتها 5.8 مليار دولار خلال الأعوام 2016-2017-2018.
ويستورد تجار الألبسة والأقمشة من 24 دولة مختلفة، لكن نسبة 84.5 بالمئة منها تأتي من خمس دول رئيسية، الصين، وتركيا، وإيران، والإمارات، والهند.
إذ استورد التجار في هذه السنوات الثلاث من الصين وحدها ما يصل قيمته إلى 4.4 مليار دولار، وبلغت الواردات من تركيا 2.5 مليار دولار تقريباً، ونحو 977 مليون دولار من إيران، ونحو 656 مليون دولار من الإمارات، أما واردات الهند بلغت ما يزيد عن 93 مليون دولار.
وفّر الانفتاح على الأسواق العالمية ملابس أرخص وأكثر حداثة، خاصة لفئة الشباب المتعطش لتجربة الأذواق و”الموديلات” العالمية. ومع مرور السنوات، تخلّى غالبية الأفراد عن “الفصال والخياط”، خصوصاً مع سهولة وسرعة الحصول على الملابس الجاهزة.
فملابس “الفصال” تمر بعدة مراحل، تبدأ من شراء القماش، ثم الذهاب إلى الخياط/ة لأخذ القياسات، ثم العودة للقياس الأخير، وهي عملية قد تستغرق أياماً إذا كانت الخياطة لملابس البيت، أو أسابيع وربما أشهر إذا كانت لملابس المدرسة أو العمل أو المناسبات. أما في الأعياد، فيتوجب الحجز المسبق بفترة أطول.
في المقابل، فإن شراء الملابس الجاهزة قد يتم بعد أول مصادفة في السوق، أو بضغط الأزرار على الشاشات.
رغم ذلك، يقول التاجر أبو حسين، إن شراء الأقمشة ينحصر الآن في فئات معينة: “النساء الكبار أكثر شيء يشترون أقمشة ويخيطون، وأيضاً قد يلجأ الأفراد اللذين يرتدون القياسات الخاصة للخياط/ة ليحصلوا على ملابس يرتاح بها جسدهم”.
ويشير إلى أنه مع اختفاء الأقمشة العراقية حلّت محلّها الأقمشة الصينية الرخيصة التي تملأ الأسواق اليوم.
ويقول: “بس إحنا مرات نكول هذا تركي أو ألماني… كذبة بيع!”. ويعترف، كتاجر، أن بعض التجار يوهمون الزبائن وحتى الباعة الجدد، لتسويق بضاعتهم التي تراجعت بسبب انتشار الألبسة الجاهزة.
وبحسب خبرته في سوق العمل، يرى أن الجيل الجديد يعتمد في غالبيته على الملابس الجاهزة والمستوردة، خاصة بعد دخول الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي إلى حياة الأفراد.
كل يوم “آوتفت”
وفقاً للسيدة علياء العگيلي، خبيرة المظهر والصورة والأزياء العراقية، فإنّه لا سبب رئيسي لإعادة الموضة، بل إنها تسير وفقاً لحاجة القطاع الصناعي. كما أنّها غالباً ما تعيد إنتاج نفسها بأساليب مختلفة، تبعاً للحاجات الصناعة في تلك المرحلة ومتطلبات السوق، مع إضافات عصرية يبتكرها كل مصمم أو دار أزياء لتلبية أذواق المستهلكين.
بعض الأحيان تؤثر التغيرات والظروف الاقتصادية والاجتماعية على الموضة، إلا أنّ هذه التغيرات لا تعيد صياغتها صياغة عصرية أو حديثة، بل تُستخدم كما هي، من دون تطوير أو إضافات جديدة.
فعلى سبيل المثال، في فترة الحصار بالعراق ارتدت الفتيات ملابس أمهاتهن أو ملابس قديمة، إلا أنّ هذا التأثير كان محلياً مرتبطاً بالحصار ولم يكن ظاهرة عالمية.
تروي أسماء كيف اختلف نمط الاستهلاك اليوم، وتعتقد أن السبب يعود إلى ضغط السوشال ميديا، وانتشار “البلوكرز” و”الإنفلونسرز” الذين يرتدون في كل صورة أو فيديو ملابس مختلفة: “بوقتنا كل سنتين خمس سنوات أكو فد ستايل ملابس تطلع، أو ممثلة نقلد ملابسها من المجلات أو التلفزيون، بس هسه كل يومين أكو ترند جديد”.
هذا ما دفع جمهورهم إلى تقليدهم، فبدأ الكثيرون بتكديس ملابس شبيهة، واستهلاك كل ما هو “ترند”، حتى لو كانت الملابس مقلّدة ورديئة النوعية. وتروي تجربتها مع ابنتها: “من صارت مرحلة أولى اشترت هاينك مخططة كل ألوانهن وأشكالهن، صح رخاص بس هسه مشمورات لأن انتهى موديلهن، ينلبسن كم مرة”.
غالباً ما يربط الناس بين تكرار الملابس والحالة الاقتصادية للأفراد، وقد يعود ذلك إلى ما عاشه كثيرون من حرمان خلال سنوات الحصار، حيث ترسّخت صورة مفادها أن اليسر المادي يعني عدم تكرار الملابس.
وتعزز هذه الصورة النمطية إحدى الشاعرات العراقيات، التي تحدثت في مقابلة بودكاست عن تعرضها لانتقادات بسبب تكرارها الملابس “خمس مرات”، عندما كانت تمرّ بظروف مادية صعبة.
وتواجه الضغوط نفسها فئات عديدة، كطلبة الجامعات والموظفين، وخاصة النساء، حتى باتت الأغلبية لا تهتم بجودة ما تشتريه، بقدر اهتمامها بعدم تكرار القطعة.
وتروي ليلى (25 عاماً) من بغداد، أنها كانت تنفق الكثير على الملابس فقط لمواكبة أناقة زميلاتها، بغضّ النظر عن الجودة: “كنت جوعانة مشتراة، وأحس دائماً ما عندي شيء ألبسة على الترند”.
ومن تجربته يشير صباح (30 عاماً) من سامراء، وصاحب محل لبيع الملابس، أنه يواكب “الترندات” لتوفير قطع محدودة تواكب “ترندات السوشال ميديا”، يقول لجمار: “بهذه القطع نوفر 50 أو 100 قطعة فقط، لأن فجأة يطلع ترند جديد وممكن الطلب يصير أقل”.
ويضيف أن الأسواق الآن صارت تتشابه، ومن المخاطرة أن تستورد وتوفر ملابس مختلفة، فقد يكون مصيرها الخسارة. لكنه يشير إلى وجود محلات متخصصة بجودة أفضل وبأسعار أغلى مقارنة بقطع “الترند”، التي لا تتجاوز تكلفة أي قطعة منها 25 ألف دينار للفستان، و عشرة آلاف للبنطال، و خمسة آلاف للقميص.
رغم امتعاض أسماء من نمط استهلاك أبنائها، لكنها لا تريد أن يعيشوا ما عاشته وقت الحصار، وهي نفسها تشتري الكثير من الملابس التي لا تلبسها أبداً، وتبرر ذلك بأن طبيعة عملها في المدرسة تفرض عليها ارتداء ملابس مختلفة كل يوم، لتواكب أناقة المعلمات ومحيطها، حتى لا تشعر أنها أقل من المستوى الاجتماعي الذي تعيش فيه.
أما ليلى فتوقفت بمرور السنوات عن شراء ملابس لا تحتاجها، وبدأت تستثمر أموالها بقطع ذات جودة أفضل، تقول: “مو هم المشتريهن الي الملابس لذلك صرت ما أهتم للتعليقات وفجأة اكتشفت أصلاً محد مهتم”. وتضيف أنها أدركت بأنها كانت تعيش في سباق وهمي، تحاول فيه أن ترتدي “آوتفيت” مختلفاً كل يوم.