مذكرات عن الإساءة في مدرسة ثانوية عراقية

سارة علاء

15 كانون الثاني 2026

ربما لستُ مؤهلة لأحكم فيما إذا كانت قواعد المدرسة وتعليماتها صحيحة، بيد أن الأسلوب والنهج المتبعَين مع الطالبات باستمرار يقومان كلياً على "الوصم بالعهر" وتشويه السمعة، مما يعرضهن لخطر العنف الأسري، وهذه الثقافة السائدة تخلق مساحةً للعنف بكافة أشكاله.

السمعة والحياء و”شرف العائلة” مفردات تدخل مسمعنا وعقلنا اللاواعي كإناث من سن مبكرة جداً. هذه المفردات لا تحدد قيمة الفتاة مجتمعياً فقط، بل تكون أشبه بتذكرة دخولها إما للجنة أو للنار. خلال السنوات التي قضيتها كطالبة في ثانوية للبنات في مدينة الحلة وسط العراق، رُسخت هذه الأفكار يومياً في ذهني.

 رغم انقضاء ثلاث سنوات على تخرجي منها، إلا أنني الآن بدأت الكتابة عن الإساءة التي طالتنا كفتيات مراهقات في ثانويات العراق، وخاصة مدارس الفتيات.

أعتبر هذا الحديث امتيازاً. ففي الوقت الذي أسرد فيه القصة توجد فتيات لا يزلن صامتات وهن يتعرضن للقمع ولجم الأفواه بمفردات “تنمّط” أسلوب حياتهن. وعليه، فهذه دعوة لنسمعهن من خلال “مذكرات عن الإساءة في مدرسة ثانوية عراقية”.

من أجل سلامتي الشخصية التي “لم تضعها المدرسة المذكورة ضمن أولوياتها”، لن أبوح باسمي الحقيقي أو اسم الفتيات اللاتي تحدثن معي عن تجربتهن. وقد اخترت تعريف ما مررت به خلال الفترة التي قضيتها في هذه المؤسسة على أنه اضطهاد ممنهج.

ومن المهم التأكيد على أن هذه المذكرات لا تحاكم بأي شكل من الأشكال الطبقة العاملة، بمن فيها، على سبيل المثال لا الحصر، من مدرسين ومدرسات، وإداريين وإداريات، وعمال وعاملات نظافة، ومختلف الموظفين والموظفات. إنهم مثلي تماماً، ضحايا للنظام الفاسد نفسه.

التعلم بـالتعهير 

من فترة طويلة، تَنكّر القمع بزي الالتزام بـ”الانضباط” في ثانويات البنات. وخلال الفترة التي قضيتها في ثانوية للبنات، تبعد 100 كيلومتر جنوب بغداد، استخدمت إدارة المدرسة أسلوب “التعهير أو التحقير أو الوصم بالعهر” لتطبيق نظام تأديبي علينا. 

عام 2020، حينما كنتُ في الـ14 من عمري، ذهبت إلى المدرسة مرتدية “بلوزة سوداء” -لم يكن مسموح لنا بارتدائها- فاصطُحبت إلى مكتب المديرة، وهناك اتهمتني بأنني ارتديها للفت انتباه الأولاد، ووصفتني بأنني “بنت ليل”، أي بمعنى “عاهرة”.  

تروي لي إحدى زميلاتي التي شهدت واقعاً مثيلاً: “من كان عمري 16 سنة أتذكر شلون كنت أشوف بنات صفي ينهانون بدون أي سبب، كانوا ديسولفون وبعدها أتذكر المُدرسة، وهي جاية مؤقتاً للمدرسة بس حتى تسد فراغ، بلشت تغلط علي وصراحة تفشر، ونصنا أصلاً ما كنا نفهم الكلمات الي استخدمتها وشنو جان قصدها. ضربت كم وحده ومن بلشوا يصيحون توقفت ورجعت بس تصيح وراحت. الموقف جان مفاجئ على كد ما هو ظالم، ولحد هسه باقي ببالي”. 

فيما تفضي لي زميلة أخرى أنها ذهبت لأداء امتحانات “نص السنة”، وكانت تضع على وجهها القليل من “المكياج” الذي قد لا يلاحَظ أصلاً، لكن أعين رقابة المسؤولات عن تفتيش زي “الانضباط” عند مدخل المدرسة جروها لمكتب المديرة. “رزلوني ومسحوا وجهي بطريقة حرفياً تؤذي بشرتي، جبروني أروح أغسله واتصلوا بوالدي وغلطوا عليه وعلى تربية أهلي وشرفي، بس لأن حاطه مسكارة وكونسيلر”. 

ماكو كبرياء، بس تحامل”  

عام 2021، صدفةً وجدت الإدارة حساب إحدى الطالبات على مواقع التواصل الاجتماعي، وقررت أن لديها “حبيباً”، لذا فالإجراء الصحيح هو الاتصال بذويها وإخبارهم. رغم أنها لم تنشر تفاصيل عن عائلتها أو حالتها الاجتماعية، إلا أن مجتمعنا المدرسي، مثل العديد من المجتمعات في مدينتي، يشجع على ثقافة تداول النميمة، مما يؤدي إلى الحكم على حياة الضحايا الخاصة والتدقيق فيها، وإلحاق الضرر بحياتهم الاجتماعية. “خسرت سمعتها”، هكذا تهامست الأفواه في ممرات المدرسة.  

أتذكر عام 2022، حينما كنت أجلس في “الصف” فدخلت المديرة ومساعداتها وطلبن منا المغادرة، وبدأن تفتيش حقائبنا دون استئذان، بحثاً عن المحرمات مثل “المكياج” والمذكرات و”ستيكرات” فرق غنائية وكتب غير أكاديمية، وفي حال وجدنها ستصادر.

لا أزال أذكر كيف استُدعيت إلى مكتب المديرة لتلبُّسي بجريمة امتلاكي رواية. قالوا إنها قد تحتوي على محتوى غير لائق، وبالتالي شككوا في أخلاقي وقدرات والديّ على التربية، فضلاً عن كلمات الإهانة التي وجهت إلي، وهذا كله فقط لامتلاكي كتاب “كبرياء وتحامل” لجين أوستن!

وكما تجري العادة، يتضمن قانون التأديب استدعاء أولياء الأمور. عدت إلى المنزل لأجد والديّ غاضبين، غارقين في كل ما قيل عني، مدفوعين بأكاذيب سردها من ظننتُ أنهما محل ثقة: مديرة المدرسة والمعاونة. بعد تلك الحادثة، فقدتُ كتابي وكذلك احترامي وسلامتي، وكان ذلك أسوأ ما في الأمر. لطالما كنتُ أرفع رأسي عالياً بفخر، ولكن في تلك المرحلة طأطأت رأسي لشدة الخزي الذي أشعروني به، شعرت بالخيانة والظلم والكثير من الخوف. تعرضت للإساءة اللفظية، لكنني كنتُ محظوظة لأن الإساءة كانت لفظية فقط. قالت المديرة إن عليّ إحضار ولي أمر كي تعيد كتابي، لكنني لم أفعل. وبقيتُ إلى الأبد في منتصف كتاب “كبرياء وتحامل”، قصة غير مكتملة بالنسبة لي، تماماً كما بقيت هذه الحادثة متوقفة عند المنتصف بلا نهاية عادلة لي.

التشهير بإيذاء النفس بدلاً من منعه  

لا تتوقف السياسات التأديبية على العقوبات القاسية التي تؤثر اجتماعياً على المراهقين والمراهقات فحسب، بل تخلق بيئة من الخوف والصمت بين جميع الطلاب. خاصة تجاه الانتهاكات على المستوى العاطفي والجسدي سواء في المدرسة أو خارجها. والأسوأ هو “الابتزاز العاطفي”. تقول إحدى الفتيات: “إساءتهم كانت مضبوطة ومتكررة، خصوصاً في البداية، لدرجة إنه ما حسيتها إساءة، بس حسيته غلط من عندي”.   

وفي مثل هذه البيئات تتعرض الصحة النفسية والعقلية للطلاب للأذى والإهمال. فقد عانت صديقة مقربة لي من “إيذاء النفس”، إذ كانت تلحق الضرر بجسدها كرد فعل لضغوط نفسية أو عاطفية، وبدلاً من أن تجد الدعم في المدرسة، حينما لاحظت المديرة وجود ندوب على ذراعها استدعتها إلى مكتبها، وصارت تصرخ في وجهها وتهددها بأنها ستطردها من المدرسة إذا استمرت في إيذاء نفسها، لأن ذلك يؤثر سلباً على الآخرين. 

تقول صديقتي: “على الرغم من أنني كنت أحرص على إخفاء ندوبي جيداً، ولم يكن أحد في المدرسة يراها، هددتني بأنها ستخلع ملابسي لترى ما إذا كانت ساقاي تحملان أي ندوب. بكيت بصمت لأنها صرخت في وجهي، ولم أرغب في أن يعرف أحد ما يحدث، لذا توسلت إليها ألا تصرخ. توقفت، وعُدت إلى الفصل وتصرفت كأن شيئاً لم يحدث. كنت خائفة جداً من إخبار والديّ بذلك، لأنني لم أرغب في أن أُطرد من المدرسة”. 

كإجراء “وقائي”، أقدمت مستشارة المدرسة وبعض من الطاقم الإداري على تفتيش وتفقد أذرع جميع الطالبات. كنا جالسات في الفصل نؤدي واجباتنا المدرسية عندما دخلن وطلبن منا أن نشمر أكمامنا. الطالبات اللواتي “قُبض” عليهن، على حد تعبيرهن، بمن فيهن صديقتي، خضعن لتحقيق من قبل مجلس إدارة المدرسة، وغُيَّرت مقاعدهن المخصصة في الفصل، ومُنعن من المشاركة في رحلة المدرسة إلى مدينة الملاهي. 

التعبير عن الرأي 

ملأت الكراهية وعدم الثقة قاعات مدارسنا، وكذلك الصمت، ولكي يستمر النظام يجب القضاء على أي صوت اعتراض. كان من المتوقع أن يتم إسكات صوتي. القلة التي اعترضت على انتهاك خصوصيتنا قوبلت بالإساءة وجرح الكبرياء.

كنتُ أبلغ الـ14 حينما تعرضت للسب والإساءة اللفظية، وحينما قررت الرد على ذلك، قررت الإدارة أن بإمكانها فعل ما هو أسوأ من ذلك. أشاعت خبر ما “اقترفته من خطيئة” في أرجاء المدرسة، كاشفة عن “بلوزتي” التي كنت أرتديها والكتاب الذي اقتنيته.

أتساءل الآن، من كان قادراً على حمايتنا من هذا العنف المؤسس؟ وهل العنف الذي يعاني منه النظام التعليمي العراقي يعتبر “تعسفاً” من قبل الدولة في المقام الأول؟

تصف المادة 41 من قانون العقوبات العراقي العقاب البدني في المنزل والمدرسة والمؤسسات الابتدائية بأنه “قانوني”، على الرغم من المحاولات الحثيثة لتعديل ذلك. عام 2019، رفضت المحكمة العليا في العراق شكوى قانونية ادعت أن المادة 41 تنتهك المبادئ الدستورية للمساواة بين الجنسين والحماية من العنف المنزلي والمدرسي، وبالتالي أبقت على المادة وحافظت على الوضع الراهن، كما ورد في تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش عام 2020، مما سمح باستمرار العنف المؤسسي داخل المدارس، وساهم في استمرار دائرة الإساءة والقسوة؛ والأهم من ذلك، سلب أي فرصة للمضي قدماً في سبيل تحقيق السلام.

فمدارس البنات مثل مدرستي تمنح المعتدين المحتملين مبرراً ودافعاً، بل ضوءاً أخضر لارتكاب العنف باسم “تأديب الطفل”. بين “التأديب” المذكور والعنف خيط رفيع، وهذا الخيط تم تجاوزه 53,889 مرة بين عام 2022 والنصف الأول من عام 2024 في العراق، استناداً إلى تقارير العنف الأسري في العراق.    

بينما يفرض مديرو ومديرات المدارس نظامهم التأديبي، فإن فتاة أخرى قد تكون الضحية التالية، وبمجرد اتصال هاتفي. بعد سنوات من التعايش مع الإساءة وتطبيعها، أوقن أن هذه الأنظمة قد لا تصنع المعتدي أو المعنِّف بشكل مباشر، لكنها تكرّس ثقافة تُسيس الإساءة، وتجعلها مألوفة، وتطبع معها، وتتيح لها الانتشار بلا قيود.  

لستُ مؤهلة لأحكم فيما إذا كانت قواعد المدرسة وتعليماتها صحيحة، بيد أن الأسلوب والنهج المتبَعن باستمرار مع الطالبات يقومان كلياً على “الوصم بالعهر” وتشويه السمعة، مما يعرضهن لخطر العنف الأسري، وهذه الثقافة السائدة تخلق مساحةً للعنف بكافة إشكاله. 

أما بالنسبة لي، فقد حبستني ست سنوات من سوء المعاملة المؤسسية في “دوامة” من الخوف، وغيّرت مفهومي للإرادة الحرة. كان الالتحاق بتلك المدرسة رحلة بحث عن النجاة والبقاء على قيد الحياة، بدلاً من أن تكون مكاناً للنمو والتطور. لقد أُجبرت على إعطاء الأولوية لسلامتي، وبالتالي الامتثال للإدارة المسيئة من خلال إبقاء فمي مغلقاً. وحتى بعد تخرجي من المدرسة تبين أن هذه ليست سوى حلقة واحدة من سلسلة عنف كبيرة من القوانين والأعراف الاجتماعية. هناك الآلاف من المؤسسات التي تمارس الإساءة العاطفية والعقوبات الجسدية، وآلاف الضحايا مثلي ممن يفتقرون إلى لوحة المفاتيح التي أحملها الآن، وكلهم يتساءلون متى وأين يمكننا أن نقول: “كفى”؟ 

نُشرت هذه المقالة باللغة الانجليزية على موقع جمار، ونقلتها إلى العربية ماريا طلال.  

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

السمعة والحياء و”شرف العائلة” مفردات تدخل مسمعنا وعقلنا اللاواعي كإناث من سن مبكرة جداً. هذه المفردات لا تحدد قيمة الفتاة مجتمعياً فقط، بل تكون أشبه بتذكرة دخولها إما للجنة أو للنار. خلال السنوات التي قضيتها كطالبة في ثانوية للبنات في مدينة الحلة وسط العراق، رُسخت هذه الأفكار يومياً في ذهني.

 رغم انقضاء ثلاث سنوات على تخرجي منها، إلا أنني الآن بدأت الكتابة عن الإساءة التي طالتنا كفتيات مراهقات في ثانويات العراق، وخاصة مدارس الفتيات.

أعتبر هذا الحديث امتيازاً. ففي الوقت الذي أسرد فيه القصة توجد فتيات لا يزلن صامتات وهن يتعرضن للقمع ولجم الأفواه بمفردات “تنمّط” أسلوب حياتهن. وعليه، فهذه دعوة لنسمعهن من خلال “مذكرات عن الإساءة في مدرسة ثانوية عراقية”.

من أجل سلامتي الشخصية التي “لم تضعها المدرسة المذكورة ضمن أولوياتها”، لن أبوح باسمي الحقيقي أو اسم الفتيات اللاتي تحدثن معي عن تجربتهن. وقد اخترت تعريف ما مررت به خلال الفترة التي قضيتها في هذه المؤسسة على أنه اضطهاد ممنهج.

ومن المهم التأكيد على أن هذه المذكرات لا تحاكم بأي شكل من الأشكال الطبقة العاملة، بمن فيها، على سبيل المثال لا الحصر، من مدرسين ومدرسات، وإداريين وإداريات، وعمال وعاملات نظافة، ومختلف الموظفين والموظفات. إنهم مثلي تماماً، ضحايا للنظام الفاسد نفسه.

التعلم بـالتعهير 

من فترة طويلة، تَنكّر القمع بزي الالتزام بـ”الانضباط” في ثانويات البنات. وخلال الفترة التي قضيتها في ثانوية للبنات، تبعد 100 كيلومتر جنوب بغداد، استخدمت إدارة المدرسة أسلوب “التعهير أو التحقير أو الوصم بالعهر” لتطبيق نظام تأديبي علينا. 

عام 2020، حينما كنتُ في الـ14 من عمري، ذهبت إلى المدرسة مرتدية “بلوزة سوداء” -لم يكن مسموح لنا بارتدائها- فاصطُحبت إلى مكتب المديرة، وهناك اتهمتني بأنني ارتديها للفت انتباه الأولاد، ووصفتني بأنني “بنت ليل”، أي بمعنى “عاهرة”.  

تروي لي إحدى زميلاتي التي شهدت واقعاً مثيلاً: “من كان عمري 16 سنة أتذكر شلون كنت أشوف بنات صفي ينهانون بدون أي سبب، كانوا ديسولفون وبعدها أتذكر المُدرسة، وهي جاية مؤقتاً للمدرسة بس حتى تسد فراغ، بلشت تغلط علي وصراحة تفشر، ونصنا أصلاً ما كنا نفهم الكلمات الي استخدمتها وشنو جان قصدها. ضربت كم وحده ومن بلشوا يصيحون توقفت ورجعت بس تصيح وراحت. الموقف جان مفاجئ على كد ما هو ظالم، ولحد هسه باقي ببالي”. 

فيما تفضي لي زميلة أخرى أنها ذهبت لأداء امتحانات “نص السنة”، وكانت تضع على وجهها القليل من “المكياج” الذي قد لا يلاحَظ أصلاً، لكن أعين رقابة المسؤولات عن تفتيش زي “الانضباط” عند مدخل المدرسة جروها لمكتب المديرة. “رزلوني ومسحوا وجهي بطريقة حرفياً تؤذي بشرتي، جبروني أروح أغسله واتصلوا بوالدي وغلطوا عليه وعلى تربية أهلي وشرفي، بس لأن حاطه مسكارة وكونسيلر”. 

ماكو كبرياء، بس تحامل”  

عام 2021، صدفةً وجدت الإدارة حساب إحدى الطالبات على مواقع التواصل الاجتماعي، وقررت أن لديها “حبيباً”، لذا فالإجراء الصحيح هو الاتصال بذويها وإخبارهم. رغم أنها لم تنشر تفاصيل عن عائلتها أو حالتها الاجتماعية، إلا أن مجتمعنا المدرسي، مثل العديد من المجتمعات في مدينتي، يشجع على ثقافة تداول النميمة، مما يؤدي إلى الحكم على حياة الضحايا الخاصة والتدقيق فيها، وإلحاق الضرر بحياتهم الاجتماعية. “خسرت سمعتها”، هكذا تهامست الأفواه في ممرات المدرسة.  

أتذكر عام 2022، حينما كنت أجلس في “الصف” فدخلت المديرة ومساعداتها وطلبن منا المغادرة، وبدأن تفتيش حقائبنا دون استئذان، بحثاً عن المحرمات مثل “المكياج” والمذكرات و”ستيكرات” فرق غنائية وكتب غير أكاديمية، وفي حال وجدنها ستصادر.

لا أزال أذكر كيف استُدعيت إلى مكتب المديرة لتلبُّسي بجريمة امتلاكي رواية. قالوا إنها قد تحتوي على محتوى غير لائق، وبالتالي شككوا في أخلاقي وقدرات والديّ على التربية، فضلاً عن كلمات الإهانة التي وجهت إلي، وهذا كله فقط لامتلاكي كتاب “كبرياء وتحامل” لجين أوستن!

وكما تجري العادة، يتضمن قانون التأديب استدعاء أولياء الأمور. عدت إلى المنزل لأجد والديّ غاضبين، غارقين في كل ما قيل عني، مدفوعين بأكاذيب سردها من ظننتُ أنهما محل ثقة: مديرة المدرسة والمعاونة. بعد تلك الحادثة، فقدتُ كتابي وكذلك احترامي وسلامتي، وكان ذلك أسوأ ما في الأمر. لطالما كنتُ أرفع رأسي عالياً بفخر، ولكن في تلك المرحلة طأطأت رأسي لشدة الخزي الذي أشعروني به، شعرت بالخيانة والظلم والكثير من الخوف. تعرضت للإساءة اللفظية، لكنني كنتُ محظوظة لأن الإساءة كانت لفظية فقط. قالت المديرة إن عليّ إحضار ولي أمر كي تعيد كتابي، لكنني لم أفعل. وبقيتُ إلى الأبد في منتصف كتاب “كبرياء وتحامل”، قصة غير مكتملة بالنسبة لي، تماماً كما بقيت هذه الحادثة متوقفة عند المنتصف بلا نهاية عادلة لي.

التشهير بإيذاء النفس بدلاً من منعه  

لا تتوقف السياسات التأديبية على العقوبات القاسية التي تؤثر اجتماعياً على المراهقين والمراهقات فحسب، بل تخلق بيئة من الخوف والصمت بين جميع الطلاب. خاصة تجاه الانتهاكات على المستوى العاطفي والجسدي سواء في المدرسة أو خارجها. والأسوأ هو “الابتزاز العاطفي”. تقول إحدى الفتيات: “إساءتهم كانت مضبوطة ومتكررة، خصوصاً في البداية، لدرجة إنه ما حسيتها إساءة، بس حسيته غلط من عندي”.   

وفي مثل هذه البيئات تتعرض الصحة النفسية والعقلية للطلاب للأذى والإهمال. فقد عانت صديقة مقربة لي من “إيذاء النفس”، إذ كانت تلحق الضرر بجسدها كرد فعل لضغوط نفسية أو عاطفية، وبدلاً من أن تجد الدعم في المدرسة، حينما لاحظت المديرة وجود ندوب على ذراعها استدعتها إلى مكتبها، وصارت تصرخ في وجهها وتهددها بأنها ستطردها من المدرسة إذا استمرت في إيذاء نفسها، لأن ذلك يؤثر سلباً على الآخرين. 

تقول صديقتي: “على الرغم من أنني كنت أحرص على إخفاء ندوبي جيداً، ولم يكن أحد في المدرسة يراها، هددتني بأنها ستخلع ملابسي لترى ما إذا كانت ساقاي تحملان أي ندوب. بكيت بصمت لأنها صرخت في وجهي، ولم أرغب في أن يعرف أحد ما يحدث، لذا توسلت إليها ألا تصرخ. توقفت، وعُدت إلى الفصل وتصرفت كأن شيئاً لم يحدث. كنت خائفة جداً من إخبار والديّ بذلك، لأنني لم أرغب في أن أُطرد من المدرسة”. 

كإجراء “وقائي”، أقدمت مستشارة المدرسة وبعض من الطاقم الإداري على تفتيش وتفقد أذرع جميع الطالبات. كنا جالسات في الفصل نؤدي واجباتنا المدرسية عندما دخلن وطلبن منا أن نشمر أكمامنا. الطالبات اللواتي “قُبض” عليهن، على حد تعبيرهن، بمن فيهن صديقتي، خضعن لتحقيق من قبل مجلس إدارة المدرسة، وغُيَّرت مقاعدهن المخصصة في الفصل، ومُنعن من المشاركة في رحلة المدرسة إلى مدينة الملاهي. 

التعبير عن الرأي 

ملأت الكراهية وعدم الثقة قاعات مدارسنا، وكذلك الصمت، ولكي يستمر النظام يجب القضاء على أي صوت اعتراض. كان من المتوقع أن يتم إسكات صوتي. القلة التي اعترضت على انتهاك خصوصيتنا قوبلت بالإساءة وجرح الكبرياء.

كنتُ أبلغ الـ14 حينما تعرضت للسب والإساءة اللفظية، وحينما قررت الرد على ذلك، قررت الإدارة أن بإمكانها فعل ما هو أسوأ من ذلك. أشاعت خبر ما “اقترفته من خطيئة” في أرجاء المدرسة، كاشفة عن “بلوزتي” التي كنت أرتديها والكتاب الذي اقتنيته.

أتساءل الآن، من كان قادراً على حمايتنا من هذا العنف المؤسس؟ وهل العنف الذي يعاني منه النظام التعليمي العراقي يعتبر “تعسفاً” من قبل الدولة في المقام الأول؟

تصف المادة 41 من قانون العقوبات العراقي العقاب البدني في المنزل والمدرسة والمؤسسات الابتدائية بأنه “قانوني”، على الرغم من المحاولات الحثيثة لتعديل ذلك. عام 2019، رفضت المحكمة العليا في العراق شكوى قانونية ادعت أن المادة 41 تنتهك المبادئ الدستورية للمساواة بين الجنسين والحماية من العنف المنزلي والمدرسي، وبالتالي أبقت على المادة وحافظت على الوضع الراهن، كما ورد في تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش عام 2020، مما سمح باستمرار العنف المؤسسي داخل المدارس، وساهم في استمرار دائرة الإساءة والقسوة؛ والأهم من ذلك، سلب أي فرصة للمضي قدماً في سبيل تحقيق السلام.

فمدارس البنات مثل مدرستي تمنح المعتدين المحتملين مبرراً ودافعاً، بل ضوءاً أخضر لارتكاب العنف باسم “تأديب الطفل”. بين “التأديب” المذكور والعنف خيط رفيع، وهذا الخيط تم تجاوزه 53,889 مرة بين عام 2022 والنصف الأول من عام 2024 في العراق، استناداً إلى تقارير العنف الأسري في العراق.    

بينما يفرض مديرو ومديرات المدارس نظامهم التأديبي، فإن فتاة أخرى قد تكون الضحية التالية، وبمجرد اتصال هاتفي. بعد سنوات من التعايش مع الإساءة وتطبيعها، أوقن أن هذه الأنظمة قد لا تصنع المعتدي أو المعنِّف بشكل مباشر، لكنها تكرّس ثقافة تُسيس الإساءة، وتجعلها مألوفة، وتطبع معها، وتتيح لها الانتشار بلا قيود.  

لستُ مؤهلة لأحكم فيما إذا كانت قواعد المدرسة وتعليماتها صحيحة، بيد أن الأسلوب والنهج المتبَعن باستمرار مع الطالبات يقومان كلياً على “الوصم بالعهر” وتشويه السمعة، مما يعرضهن لخطر العنف الأسري، وهذه الثقافة السائدة تخلق مساحةً للعنف بكافة إشكاله. 

أما بالنسبة لي، فقد حبستني ست سنوات من سوء المعاملة المؤسسية في “دوامة” من الخوف، وغيّرت مفهومي للإرادة الحرة. كان الالتحاق بتلك المدرسة رحلة بحث عن النجاة والبقاء على قيد الحياة، بدلاً من أن تكون مكاناً للنمو والتطور. لقد أُجبرت على إعطاء الأولوية لسلامتي، وبالتالي الامتثال للإدارة المسيئة من خلال إبقاء فمي مغلقاً. وحتى بعد تخرجي من المدرسة تبين أن هذه ليست سوى حلقة واحدة من سلسلة عنف كبيرة من القوانين والأعراف الاجتماعية. هناك الآلاف من المؤسسات التي تمارس الإساءة العاطفية والعقوبات الجسدية، وآلاف الضحايا مثلي ممن يفتقرون إلى لوحة المفاتيح التي أحملها الآن، وكلهم يتساءلون متى وأين يمكننا أن نقول: “كفى”؟ 

نُشرت هذه المقالة باللغة الانجليزية على موقع جمار، ونقلتها إلى العربية ماريا طلال.