"لولب لو واقي ذكري؟".. كيف ومن وماذا ينظم الأسرة العراقية؟
08 كانون الثاني 2026
كيف تنظم الأسرة العراقية إنجابها اليوم؟ ومن يقرر نوع وسيلة منع الحمل: المرأة، أم الشريك، أم الطبيبة، أم المجتمع؟ هل تتوفر المعرفة الكافية حول الموانع وآثارها الجانبية؟ ولماذا تختلف الثقة بين وسيلة وأخرى؟ وأين تقف الدولة من التوعية الصحية والضغط الاجتماعي والديني؟ وكيف تتحول قرارات شخصية إلى أسئلة عامة تمس الصحة والاقتصاد وحق الاختيار؟
رسل (٣١ عاماً، من كربلاء) وهي واحدة من بين نساء كثيرات يستخدمن وسائل منع الحمل المتنوعة الموجودة في العراق، الذي يعتبر معدل الخصوبة فيه عالياً جداً.
في عام 2021 أطلقت وزارة الصحة العراقية الاستراتيجية الوطنية لتنظيم الأسرة (2021-2025)، والتي تم تطويرها بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان، وبالتشاور مع العديد من القطاعات والفئات المستفيدة.
في ٢٠٢٤ شهد المجتمع العراقي تزايداً في استخدام الوسائل الحديثة في منع الحمل، وفق نائب ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان غاريك هايرابيتيان، وهو ما أكدته في العام ذاته رغد عبد الرضا، مديرة قسم الصحة الإنجابية في وزارة الصحة العراقية.
ومع هذا الارتفاع في معدلات استخدام موانع الحمل في العراق تعلو عدة أسئلة عن واقع تجارب الأفراد والعائلات مع هذه الوسائل؛ هل هناك ثقة بالوسائل المتوفرة في العراق؟ وهل لدى العراقيات والعراقيين المعرفة الكافية حولها؟ ومن أين تُستقى هذه المعرفة؟
“لولب لو واقي ذكري؟”
وسائل هرمونية أم غير هرمونية؟ وسائل منع حمل مؤقتة أم دائمة؟ لولب نحاسي أم هرموني؟ غرسة منع الحمل (الشريحة) أم الحقنة أم اللصقة أم الحبوب؟ حبوب بروجسترون أم إستروجين أم كلاهما؟ الحلقة المهبلية أم غطاء عنق الرحم؟ الواقي النسائي أم الذكري؟ الإسفنجة أم مبيدات الحيوانات المنوية؟ أم لا تعتمد أياً منها وتلجأ إلى “حساب” أيام الخصوبة؟

أمام هذا الكم من الموانع المختلفة، السؤال هو كيف يختار الشريك والشريكة النوع المناسب؟ ومن يوجههم؟
جنان طبيبة أسنان (28 عاماً، من كربلاء)، وهي أم لطفلين، تبدي ثقة بكون وسائل منع الحمل مفيدة إلى حدّ ما، وعموماً تفضّل استخدامها على عدمه، حيث يمنحها ذلك شعوراً بالارتياح لكونها لا تريد أطفالاً أكثر.
تقول جنان إنها بحثت فترة طويلة بحثاً ذاتياً عن وسائل المنع وعن عوارضها قبل الشروع باستخدامها، وهو ما منحها ثقة بأن معرفتها تؤهلها لتقرر الأنواع المناسبة. ومع ذلك راجعت جنان طبيبة مختصة زودتها بالمعلومات التي تحتاج أن تعرفها قبل البدء بأخذ الموانع، وحددت لها الوسيلة الأنسب لصحتها، وفق العمر والرغبة بالإنجاب من عدمه مستقبلاً، وتفاصيل أخرى متعلقة بالصحة العامة للمرأة والأمراض المزمنة وغيرها.
أم تقى (٢٢ عاماً، من كربلاء) راجعت كذلك طبيبة واستشارتها، وجربت العديد من أنواع الحبوب، مثل الياسمين والحبوب الإيرانية، ومع ذلك فقد كانت تجربتها معقدة، بسبب جسدها الذي لم يتحمل الأعراض الجانبية لبعض هذه الحبوب، حتى توقفت أحياناً عن استخدامها بقرار من الطبيبة، ولجأت إلى وسيلة طبيعية، وهي العزل الخارجي. تقول عن هذه التجارب السابقة إنها منحتها فهماً أكثر عن الآثار الجانبية للوسائل، وتؤكد: “أشوف أنو كل تجربة تختلف عن الثانية، فتجربتي تختلف عن تجربة أختي، ومو كل الوسائل تناسب الجميع، وأنصح بالمتابعة المستمرة مع الطبيبة المختصة لتقليل التأثيرات بأكثر ما يمكن”.
في مسيرة تحريهن عن المانع المناسب، كثيراً ما تلجأ النساء إلى الصيدليات أيضاً للسؤال عن المانع الأنسب لهن.
تقول الصيدلانية زينب الموسوي، التي تعمل في إحدى المستشفيات في كربلاء وفي صيدلية خارجية: “يأتوننا الكثير من النساء يطرحن استفساراتهن وأسئلتهن علينا بشكل كبير، وأشوف أسئلتهن ذكية رغم بساطة المعرفة عدهن، لكن حسب تجاربهن وتجارب الأخريات والمراجعات تكون فاهمة شتريد”. أما عن سبب لجوء النساء إلى الصيدليات فتقول: “برأيي يمكن لأن مواقع التواصل الاجتماعي المعلومات بيها ما مضمونة صحتها، وكذلك مراجعة الطبيبة تتطلب دفع أجور الكشفية”.
لا تنصح زينب المراجعات بنوع محدد من الموانع، لأنها تحدَّد حسب حالة المرأة الصحية وبناء على التحاليل ومتغيرات عديدة، مثل التاريخ الصحي للعائلة وغيرها.
قد يختلف تفضيل النساء في استخدام الوسائل من منطقة إلى أخرى في العراق، ومنهن من لا تستطيع استخدام وسيلة ما لأسباب صحية.
ترجح مريم محمد، مسؤولة برنامج تنظيم الأسرة في قسم الصحة الإنجابية في دائرة صحة كربلاء، أن الكثيرات يفضلن الحبوب على غيرها من الوسائل، لسهولة الوصول للحبوب من خلال الصيدليات، مقارنة باللوالب مثلاً، الذي يعدُّ إجراءً طبياً يتم في عيادة أو مركز صحي.
لكن بعض الصيدليات أشارت إلى أن الإقبال على موانع الحمل الهرمونية بالتحديد بات أقل نسبة من السنوات السابقة، وهذا يرجع إلى تطور وسائل أخرى بأعراض جانبية أقل، ولكن قد لا يعكس هذا حال عموم العراق، نظراً للاختلافات بين منطقة وأخرى كما ذكرنا.
الواقي الذكري (الكوندوم) هو أحد وسائل المنع الشائعة بين العراقيين، أو على الأقل ذات معدل مبيعات عال حسب مشاهدات الصيادلة، حيث تخبرنا نور منتظر، وهي صيدلانية تعمل في صيدلية خارجية في إحدى مستشفيات بغداد، أنها متوفرة وبأنواع كثيرة، وأنها لم تكن تتوقع هذا الإقبال الكبير على الواقي الذكري، فكثير من الرجال يطلبونه ويغيرون الأنواع تبعاً للشركات المختلفة والارتياح في استعماله؛ خصوصاً وأن الواقيات الذكرية لا تُستخدم لتحديد النسل فقط، بل كذلك في حالات التعرض للإصابة بالأمراض المنقولة جنسياً، فثمة أزواج يستخدمون وسيلتين، كالحبوب مثلاً إلى جانب الواقي الذكري.
ومع ذلك ترى الصيدلانية زينب الموسوي أن الرجال أكثر خجلاً من النساء في طلب الواقيات الذكرية من الصيدلانية، ويبحثون عن صيدلاني، ويعتبرونه عيباً نوعاً ما، أما النساء “فماكو خجل بالموضوع، حتى يطلبون من الصيدلاني، ونسب ضئيلة يشوفن خجل بالموضوع”.
إلى جانب تنظيم النسل، تستخدم النساء موانع الحمل لأغراض أخرى، خاصة الوسائل الهرمونية التي تعمل على التحكم بنسب الهرمونات التي يفرزها جسد المرأة في عملية التكاثر، مثلاً لمعالجة أو تخفيف أعراض متلازمات أو أمراض نسائية أخرى، مثل تكيس المبايض، وتضخم بطانة الرحم، ومشاكل الغدد المسؤولة عن إفراز الهرمونات الأنثوية.
عادة تكون كل أنواع وسائل منع الحمل متوفرة في الصيدليات الخارجية في العراق، تخبرنا نور منتظر، وكذلك تؤكد زينب الموسوي، أنه في حال انقطع أيٌّ منها فثمة بديل وبالتركيبة نفسها تقريباً، وأن أكثرها طلباً هي الألمانية والإيرانية.
أما عن الرقابة على الموانع القادمة من هذه الدول، فتقول السيدة علياء توفيق، التي تشغل منصب رئيس معاون طبي أقدم وملاحظة وحدة الصحة الإنجابية في قسم الصحة العامة في دائرة صحة كربلاء ومدربة برنامج تنظيم الأسرة، إنه أسوة بكل الأدوية التي تدخل للمؤسسة الصحية، فكل دواء يكون مختوماً عليه من وزارة الصحة، أي إنه فُحص قبل انطلاقه من الشركة المتعاقدة مع الوزارة، وكذلك فُحص في المطار، ومر بفحص أخير قبل أن يدخل لمخازن الوزارة، ومن ثم تم إعطاء إذن الصرف له؛ ما يضمن أن هذه الموانع آمنة بحسب السيدة توفيق.
تردف الصيدلانية زينب الموسوي: “أكيد مو كل المتوفر بالصيدليات أصلي، بس توجد رقابة من وزارة الصحة للصيدليات، والأدوية والموانع الأصلية مختومة بستيكر لأنها مرخصة من الوزارة وحتى السعر مختوم عليها”. وتخبرنا أن طريقة تمييز النوع الأصلي عن النوع المقلَّد تكون من خلال اللاصق الخاص بوزارة الصحة على علب موانع الحمل، بعد فحصها من حيث التخزين والشركات المعترفة بها.

ومع ذلك فكثير من النساء يلجأن إلى الموانع غير الأصلية التي عادة ما تكون رخيصة. تقول الصيدلانية زينب الموسوي وفق ما لاحظته: “للأسف متهتم النساء بالجودة قدر اهتمامهن بالسعر، خصوصاً كونها تطلبه بشكل مستمر شهرياً”.
لا يعود ذلك إلى الثمن وحده، وإنما لأن ثمة آراء سائدة أن حتى الموانع الأصلية لا تجلب الحماية المطلوبة دائماً، فتعتبر بعض النساء أن لا فرق بين الأصلي والمقلَّد في هذه الحالة.
ولكن هذا ما تحذر منه الصيدلانيات والطبيبات، فالاستعمال الخاطئ للموانع سيفقدها فعاليتها.
تقول الطبيبة الاختصاصية أ.م حميدة هادي عبد الواحد، رئيسة قسم في جامعة وارث الأنبياء: “كثير من النساء ممن يراجعنني يخبرنني أنهن ملتزمات بالوقت والجرعات الخاصة بالموانع ولكن حدث حمل، ومن أسألها هل حدثت التهابات تجيبني بالإيجاب”. وتشير إلى أن فشل الموانع مرتبط بعوامل عدّة تؤثر على فعاليتها، فمن الأمثلة الشائعة أخذ بعض المضادات الحيوية أثناء استعمال الموانع الفموية، حيث تحفز المضادات الحيوية بعض إنزيمات الكبد التي تحطم الموانع لأنها تحوي مولدات ستيروئيدية. لذلك عند حدوث التهابات نسائية أو التهابات في المجاري البولية ويتم وصف جرعات مضادات حيوية يتوجب على الطبيبات توجيه النساء اللواتي يأخذن موانع حمل كي يحتطن حتى لا يحصل حمل غير مرغوب به.
“طفل وبيده لولب”.. معلومات خاطئة ومضللة
الأفكار والمعلومات الخاطئة أو المضللة المتناقلة بين الكثير من النساء تضع على عاتق مؤسسات الدولة والمجتمع المدني المعنية بالتوعية حول هذا الموضوع مهمة من شقين، من جهة توعية النساء بأهمية استخدام موانع الحمل، ومن جهة أخرى توعيتهن بالطريقة الصحيحة لاستخدامها.
في مدن ونواحي عديدة، تقدم وزارة الصحة خدمات تنظيم الأسرة من خلال المستشفيات بفروعها الرئيسية والفرعية بشكل مجاني. مثل المستشفيات التالية في كربلاء: مستشفى الولادة في المدينة، ومستشفى قضاء الحسينية، ومستشفى الإمام الحسن المجتبى، ومستشفى قضاء الهندية التعليمي، ومستشفى قضاء عين التمر، هذه المستشفيات تقدم خمس وسائل مجانية، الواقي الذكري والحبوب المركبة والأحادية والحُقن واللولب الهرموني، وفقاً للسيدة علياء توفيق.
تحديداً في صالات الولادة في الكثير من مستشفيات العراق توفر وزارة الصحة موانع الحمل من الحبوب الهرمونية بشكل مجاني.
تؤكد الطبيبة حميدة أن وزارة الصحة توفر موانع حمل جيدة معدّة للنساء بعد الولادة، مثل الحبوب التي تعطى للمرضعات والتي تحوي فقط على مادة البروجسترون دون الإستروجين، وذلك لمنع تقليل أو تثبيط إفراز الحليب، والكثيرات يعرفن هذا الغرض.
هذه الحبوب، كما تشير الطبيبة، متوفرة في الصالات وفي الاستشاريات، حيث تأخذ الأم كارت مراجعة تنظيم أسرة ومن خلاله تُمنح الوسائل المتوفرة مجاناً، وهي غير محددة بمدة معينة، حيث تستطيع الحصول على الوسائل بصورة مستمرة.
ولكن عدداً ضئيلاً جداً من النساء يأخذنها بعد الولادة حتى وإن كانت ولاداتهن متقاربة وكثيرة!
تشكو الكثيرات من الحالة الاقتصادية الضعيفة، حيث لا يستطعن شراء حبوب منع الحمل، التي يتراوح سعرها من خمسة إلى عشرين ألفاً حسب الشركة المنتجة، البريطانية أو الألمانية أو المصرية أو الأردنية أو التركية، وقد يرفضن أخذها بعد الولادة لأسباب مختلفة، كالخوف من انقطاع الحليب.
السيدة علياء توفيق من دائرة صحة كربلاء تحدثنا عن مخاوف الناس من استخدام وسائل منع الحمل، حيث يعتقدون أنها قد تسبب العقم أو تؤخر الحمل، رغم ما يُشرح لهم ولهنّ من إثبات عكس ذلك طبياً. فكثيرات يتمسكن بتجارب غيرهن من النساء كدليل على أنه رغم استخدامهن حبوب منع الحمل يحدث الحمل، أو رغم استخدام اللولب يخرج الطفل وبيده اللولب، على حدّ قول إحداهن!
وثمة كثيرات يخشين من موانع الحمل بسبب أعراضها الجانبية، حتى دون أن يجربنها ويرين أثرها على أجسادهن، مثل إحدى اللاتي تحدثت معها، وعلى الرغم من كونها ممرضة تقول إنها لن تفكر باستخدام موانع الحمل مطلقاً، لأن لها آثاراً جانبية مثل زيادة الوزن والتأثير على المزاج، وتضيف: “أنا أراجع طبيبات من أجل متابعة الحمل فقط وليس لتنظيم الأسرة”.
إذن فثمة آراء مضللة أو خاطئة تتعلق بالآثار الجانبية للموانع، لا بأثرها على الحمل والولادة أو عدمه.
وهذا صحيح، فرغم أن أغلب وسائل منع الحمل هي وسائل آمنة وفعالة لتحديد النسل، إلا أنها يمكن أن تسبب آثاراً جانبية لدى بعض النساء، وفقاً لاختلاف صحة وبنية جسد كل امرأة واستجابته للموانع، فقد تتعرض بعض النساء لآثار جانبية خفيفة أو مؤقتة عند استخدامها، ترتبط هذه الآثار الجانبية عادةً بمحاولة الجسم التكيف مع الهرمونات الموجودة في الوسائل.
تؤكد السيدة علياء على التمييز بين المضاعفات وبين الآثار الجانبية التي قد تنجم عن كل أنواع الأدوية، ومنها بعض وسائل منع الحمل، فالآثار الجانبية من الممكن أن تحدث لمن يستخدم أي علاج. لذا فهي ترى أن المؤسسة الصحية ستكون مقصرة إذا لم تشرح للمستفيدة من موانع الحمل عن هذه الأعراض، فالواجب شرح أن الأعراض واردة، وأنها غالباً ما تختفي خلال ثلاثة أشهر كحد أقصى، وإن استمرت يجب المراجعة مرة أخرى لمعرفة الخلل وعلاجه.
تخبرنا السيدة مريم محمد، وهي مسؤولة برنامج تنظيم الأسرة في صحة كربلاء، أنهم عند قيامهم بالجلسات والزيارات التوعوية للكوادر العاملة في الأقسام الخاصة دائماً ما يركزون على أهمية نقل فكرة تكيف العلاج مع طبيعة الجسم والهرمونات لدى كل امرأة تستعمل الوسائل، وتخبرنا أن هذا يشبه ذهاب المرأة إلى مكان جديد، فكما تحتاج إلى فترة لتتعرف عليه وتتفاعل مع المحيط، فكذلك الهرمونات تحتاج فترة لتستقر وتتكيف، لذا من الضروري توعية النساء بضرورة الاستمرار وعدم قطع المانع لحين تعوّد الجسم عليه.
الطرق التي يتبعونها في التوعية متنوعة وتشمل، كما ذكرت السيدة علياء، الإعلانات في كل المؤسسات عن توفر وسائل تنظيم الأسرة، وهذه الوسائل مجانية تماماً، كذلك قيامهم بالتنسيق مع شعبة تعزيز الصحة للتوعية من خلال عقد ندوات مجتمعية في مختلف المناطق وخصوصاً النائية، حيث توجد وحدة المناطق النائية المخصصة لتلك المناطق، بالإضافة إلى اللقاءات الفردية مع مراجعات المؤسسات الصحية للتوعية بتنظيم الأسرة، وللتوعية بالاستخدام الآمن للوسائل. وهناك باب المشورة في مجال تنظيم الأسرة، هذه الخدمة تقدمها استشاريات تنظيم الأسرة، وتقدمها وحدات تنظيم الأسرة بالمؤسسات الصحية، حيث المسؤول عنها الملاك الصحي، الذي يقدم المشورة في مجال تنظيم الأسرة.
“طفلين لو ثلاثة لو خمسة لو كافي؟”
تقول أم تقى: “السبب أنو ليش ألجئ لحبوب منع الحمل هي ما كنت أريد طفل آخر في وقتها، وأريد أسرتي تتنظم ويكون فارق جيد بالأعمار بين أطفالي، حتى أكدر أرعى كل طفل بصورة صحيحة وسليمة، وبعد ما يكبر يكون ماخذ كفايته من الحب والاهتمام وأني مستقر جسمي، وزوجي هماتين جان مأيدني بهذا القرار ومتفقين سوية”.
أما مؤمل، وهو أب لطفلة من ذوي الإعاقات الجسدية، حيث ولدت ابنته بتشوهات في العمود الفقري وتواجه مشكلات حركية أخرى، فيخبرنا أنه وبعد ما يقارب خمس سنوات من ولادة الطفلة لا يرغب بإنجاب أطفال آخرين، لذلك فهو يطلب من زوجته الاستمرار في استعمال وسائل منع الحمل، رغم رغبتها الشديدة في الإنجاب.
يقول: “ما أقبل حالياً يصير عدنا طفل حتى لو رح يضطرني إني استخدم موانع حمل متاحة للرجال”. فحالته الاقتصادية متوسطة، وتحتاج ابنته إلى متابعة صحية مستمرة مكلفة، لكن زوجته ترغب بإنجاب طفل آخر، خصوصاً أنها باتت في منتصف الثلاثينات، مما سيقلل من فرصة الإنجاب مع التقدم في العمر. وفي خضم هذا الصراع النفسي بين الزوجين تبرز تدخلات العائلتين كذلك في الضغط والمطالبة بإنجاب أطفال آخرين.
ما يزال قرار المرأة العراقية بشأن استخدام وسائل منع الحمل متأثراً إلى حدّ كبير برأي الزوج، إذ يبقى الرجل صاحب الدور الأساسي في تحديد الخصوبة، وفقاً لبحث أجراه يوسف الراوي، الذي أشار إلى أن استمرار المجتمع في إعطاء أهمية اجتماعية لتكوين أسرة كبيرة هو الأمر الذي يعيق الاستفادة من خدمات تنظيم الأسرة واستخدامها. وهنا نسأل: ما دور الدولة ومؤسساتها المتنوعة في تنظيم الأسرة العراقية ودعمها في ذلك؟
تفيد السيدة علياء موفق: “لا توجد لدينا صلاحية في تحديد النسل في العراق، فلا يوجد قانون يدعم ذلك، وإنما الفكرة هي المباعدة بين الأحمال، ونبين للمواطنين ذلك، حتى نتجنب حدوث وفيات الأمهات أو وفيات ما حول الولادة، لأن الأحمال المتكررة قد تؤدي إلى وفاة الجنين أو الأم، لذا مشروع تنظيم الأسرة يهدف إلى التقليل من تلك الحوادث من خلال مباعدة الأحمال”. تشير منظمة الصحة العالمية إلى أهمية المباعدة، فاستخدام وسائل منع الحمل يقي من المخاطر الصحية المرتبطة بالحمل بالنسبة للنساء، وبخاصة بالنسبة للمراهقات.
كثيراً ما يُستعمل مفهوم تنظيم الأسرة بدلاً من مفاهيم أخرى كتحديد النسل مثلاً، لأنه قد يثير بعض التيارات الدينية المعارضة لتحديد النسل.
في العراق، كما في دول عديدة، ينظر بحساسية إلى استخدام موانع الحمل كمحددة للنسل، وتُعامل بالتالي على كونها منظمة للحمل مع التركيز على المباعدة بين الحمل والآخر، علماً بأن تنظيم الأسرة أعم وأشمل ولا يقتصر على تنظيم النسل، بل يشمل أيضاً حق الجميع في اتخاذ القرارات المتعلقة بالإنجاب دون تمييز أو إكراه أو عنف، إلى جانب كونه يشمل الحق في بلوغ أعلى مستوى ممكن من الصحة الإنجابية والجنسية.
وما تزال هذه الحساسية قائمة، رغم أنه لا يوجد في الشرع ما يمنع من استخدام وسائل منع الحمل إذا كانت في مصلحة صحة الأم وجنينها، وهو ما أكدته السيدة توفيق، وما تُظهره أجوبة السيد السيستاني ردّاً على الأسئلة التي يوجهها الناس إليه حول مسألة تحديد النسل، وهي أجوبة تُظهر مرونة وتكيفاً مع الواقع المعاصر، وتمنح المرأة استقلالاً في اتخاذ قرارات تتعلق بخصوبتها، وهو ما يتجاوز التقاليد الاجتماعية التي قد تُخضع هذا القرار لرغبة الزوج وحده.
ولكن حتى مع هذا التوجه، تبقى الدولة في العراق -ومنها وزارة التخطيط- خاضعة لأعراف عشائرية ترغب بالنسل الكثير، حيث تعدهم عزوة ومقاتلين يهابهم الآخرون، وفقاً للدكتورة بتول فاروق، أستاذة الفقه في جامعة الكوفة، التي تضيف أيضاً أن ثمة حاجة لدعم اجتماعي وحكومي أكبر لتقليل الإنجاب، فالدولة غير قادرة على تنمية الموارد لتتوازى مع عدد المواليد.
تقول السيدة رفاه الخزاعي، المحامية والناشطة السياسية، إنه رغم الحاجة الاجتماعية والاقتصادية الملحة لتشريع قوانين تنظيم الأسرة إلا أن مجلس النواب ظل عاجزاً عن سن قوانين تنظم الأسرة، أو تعنى بالصحة الإنجابية وتنظم مسألة موانع الحمل بشكل صريح وواضح، فقانون الصحة العامة رقم 89 لسنة 1981 لم يتطرق بشكل وافٍ إلى موضوع الصحة الإنجابية، ولم يشر إلى موضوع موانع الحمل، علماً أن المواد 417-419 لقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 تطرق لموضوع الإجهاض وجرمّه .
تعتبر المواثيق الدولية والحقوقية أن تنظيم الأسرة هو حق لجميع الأزواج والأفراد، من خلال الحصول على المعلومات والوسائل اللازمة، وتلقي الدعم الحكومي والمؤسساتي لذلك، فهل تنظيم الأسرة والاعتناء بصحة أفرادها أولوية في العراق؟
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
"باچر ورانه شغل".. مقاطع صغيرة من الحياة الكبيرة لينار محمد
15 مارس 2026
مرشد جديد وخيارات محدودة.. الفصائل العراقية في المعركة الإقليمية
12 مارس 2026
من البحر إلى الإنترنت.. تراشق رقمي منسق بين حسابات كويتية وعراقية بشأن خور عبد الله
11 مارس 2026
العراق في زمن الحرب: سلاح مفعّل وسياسة تنتظر التدخل الخارجي كحل
09 مارس 2026
رسل (٣١ عاماً، من كربلاء) وهي واحدة من بين نساء كثيرات يستخدمن وسائل منع الحمل المتنوعة الموجودة في العراق، الذي يعتبر معدل الخصوبة فيه عالياً جداً.
في عام 2021 أطلقت وزارة الصحة العراقية الاستراتيجية الوطنية لتنظيم الأسرة (2021-2025)، والتي تم تطويرها بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان، وبالتشاور مع العديد من القطاعات والفئات المستفيدة.
في ٢٠٢٤ شهد المجتمع العراقي تزايداً في استخدام الوسائل الحديثة في منع الحمل، وفق نائب ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان غاريك هايرابيتيان، وهو ما أكدته في العام ذاته رغد عبد الرضا، مديرة قسم الصحة الإنجابية في وزارة الصحة العراقية.
ومع هذا الارتفاع في معدلات استخدام موانع الحمل في العراق تعلو عدة أسئلة عن واقع تجارب الأفراد والعائلات مع هذه الوسائل؛ هل هناك ثقة بالوسائل المتوفرة في العراق؟ وهل لدى العراقيات والعراقيين المعرفة الكافية حولها؟ ومن أين تُستقى هذه المعرفة؟
“لولب لو واقي ذكري؟”
وسائل هرمونية أم غير هرمونية؟ وسائل منع حمل مؤقتة أم دائمة؟ لولب نحاسي أم هرموني؟ غرسة منع الحمل (الشريحة) أم الحقنة أم اللصقة أم الحبوب؟ حبوب بروجسترون أم إستروجين أم كلاهما؟ الحلقة المهبلية أم غطاء عنق الرحم؟ الواقي النسائي أم الذكري؟ الإسفنجة أم مبيدات الحيوانات المنوية؟ أم لا تعتمد أياً منها وتلجأ إلى “حساب” أيام الخصوبة؟

أمام هذا الكم من الموانع المختلفة، السؤال هو كيف يختار الشريك والشريكة النوع المناسب؟ ومن يوجههم؟
جنان طبيبة أسنان (28 عاماً، من كربلاء)، وهي أم لطفلين، تبدي ثقة بكون وسائل منع الحمل مفيدة إلى حدّ ما، وعموماً تفضّل استخدامها على عدمه، حيث يمنحها ذلك شعوراً بالارتياح لكونها لا تريد أطفالاً أكثر.
تقول جنان إنها بحثت فترة طويلة بحثاً ذاتياً عن وسائل المنع وعن عوارضها قبل الشروع باستخدامها، وهو ما منحها ثقة بأن معرفتها تؤهلها لتقرر الأنواع المناسبة. ومع ذلك راجعت جنان طبيبة مختصة زودتها بالمعلومات التي تحتاج أن تعرفها قبل البدء بأخذ الموانع، وحددت لها الوسيلة الأنسب لصحتها، وفق العمر والرغبة بالإنجاب من عدمه مستقبلاً، وتفاصيل أخرى متعلقة بالصحة العامة للمرأة والأمراض المزمنة وغيرها.
أم تقى (٢٢ عاماً، من كربلاء) راجعت كذلك طبيبة واستشارتها، وجربت العديد من أنواع الحبوب، مثل الياسمين والحبوب الإيرانية، ومع ذلك فقد كانت تجربتها معقدة، بسبب جسدها الذي لم يتحمل الأعراض الجانبية لبعض هذه الحبوب، حتى توقفت أحياناً عن استخدامها بقرار من الطبيبة، ولجأت إلى وسيلة طبيعية، وهي العزل الخارجي. تقول عن هذه التجارب السابقة إنها منحتها فهماً أكثر عن الآثار الجانبية للوسائل، وتؤكد: “أشوف أنو كل تجربة تختلف عن الثانية، فتجربتي تختلف عن تجربة أختي، ومو كل الوسائل تناسب الجميع، وأنصح بالمتابعة المستمرة مع الطبيبة المختصة لتقليل التأثيرات بأكثر ما يمكن”.
في مسيرة تحريهن عن المانع المناسب، كثيراً ما تلجأ النساء إلى الصيدليات أيضاً للسؤال عن المانع الأنسب لهن.
تقول الصيدلانية زينب الموسوي، التي تعمل في إحدى المستشفيات في كربلاء وفي صيدلية خارجية: “يأتوننا الكثير من النساء يطرحن استفساراتهن وأسئلتهن علينا بشكل كبير، وأشوف أسئلتهن ذكية رغم بساطة المعرفة عدهن، لكن حسب تجاربهن وتجارب الأخريات والمراجعات تكون فاهمة شتريد”. أما عن سبب لجوء النساء إلى الصيدليات فتقول: “برأيي يمكن لأن مواقع التواصل الاجتماعي المعلومات بيها ما مضمونة صحتها، وكذلك مراجعة الطبيبة تتطلب دفع أجور الكشفية”.
لا تنصح زينب المراجعات بنوع محدد من الموانع، لأنها تحدَّد حسب حالة المرأة الصحية وبناء على التحاليل ومتغيرات عديدة، مثل التاريخ الصحي للعائلة وغيرها.
قد يختلف تفضيل النساء في استخدام الوسائل من منطقة إلى أخرى في العراق، ومنهن من لا تستطيع استخدام وسيلة ما لأسباب صحية.
ترجح مريم محمد، مسؤولة برنامج تنظيم الأسرة في قسم الصحة الإنجابية في دائرة صحة كربلاء، أن الكثيرات يفضلن الحبوب على غيرها من الوسائل، لسهولة الوصول للحبوب من خلال الصيدليات، مقارنة باللوالب مثلاً، الذي يعدُّ إجراءً طبياً يتم في عيادة أو مركز صحي.
لكن بعض الصيدليات أشارت إلى أن الإقبال على موانع الحمل الهرمونية بالتحديد بات أقل نسبة من السنوات السابقة، وهذا يرجع إلى تطور وسائل أخرى بأعراض جانبية أقل، ولكن قد لا يعكس هذا حال عموم العراق، نظراً للاختلافات بين منطقة وأخرى كما ذكرنا.
الواقي الذكري (الكوندوم) هو أحد وسائل المنع الشائعة بين العراقيين، أو على الأقل ذات معدل مبيعات عال حسب مشاهدات الصيادلة، حيث تخبرنا نور منتظر، وهي صيدلانية تعمل في صيدلية خارجية في إحدى مستشفيات بغداد، أنها متوفرة وبأنواع كثيرة، وأنها لم تكن تتوقع هذا الإقبال الكبير على الواقي الذكري، فكثير من الرجال يطلبونه ويغيرون الأنواع تبعاً للشركات المختلفة والارتياح في استعماله؛ خصوصاً وأن الواقيات الذكرية لا تُستخدم لتحديد النسل فقط، بل كذلك في حالات التعرض للإصابة بالأمراض المنقولة جنسياً، فثمة أزواج يستخدمون وسيلتين، كالحبوب مثلاً إلى جانب الواقي الذكري.
ومع ذلك ترى الصيدلانية زينب الموسوي أن الرجال أكثر خجلاً من النساء في طلب الواقيات الذكرية من الصيدلانية، ويبحثون عن صيدلاني، ويعتبرونه عيباً نوعاً ما، أما النساء “فماكو خجل بالموضوع، حتى يطلبون من الصيدلاني، ونسب ضئيلة يشوفن خجل بالموضوع”.
إلى جانب تنظيم النسل، تستخدم النساء موانع الحمل لأغراض أخرى، خاصة الوسائل الهرمونية التي تعمل على التحكم بنسب الهرمونات التي يفرزها جسد المرأة في عملية التكاثر، مثلاً لمعالجة أو تخفيف أعراض متلازمات أو أمراض نسائية أخرى، مثل تكيس المبايض، وتضخم بطانة الرحم، ومشاكل الغدد المسؤولة عن إفراز الهرمونات الأنثوية.
عادة تكون كل أنواع وسائل منع الحمل متوفرة في الصيدليات الخارجية في العراق، تخبرنا نور منتظر، وكذلك تؤكد زينب الموسوي، أنه في حال انقطع أيٌّ منها فثمة بديل وبالتركيبة نفسها تقريباً، وأن أكثرها طلباً هي الألمانية والإيرانية.
أما عن الرقابة على الموانع القادمة من هذه الدول، فتقول السيدة علياء توفيق، التي تشغل منصب رئيس معاون طبي أقدم وملاحظة وحدة الصحة الإنجابية في قسم الصحة العامة في دائرة صحة كربلاء ومدربة برنامج تنظيم الأسرة، إنه أسوة بكل الأدوية التي تدخل للمؤسسة الصحية، فكل دواء يكون مختوماً عليه من وزارة الصحة، أي إنه فُحص قبل انطلاقه من الشركة المتعاقدة مع الوزارة، وكذلك فُحص في المطار، ومر بفحص أخير قبل أن يدخل لمخازن الوزارة، ومن ثم تم إعطاء إذن الصرف له؛ ما يضمن أن هذه الموانع آمنة بحسب السيدة توفيق.
تردف الصيدلانية زينب الموسوي: “أكيد مو كل المتوفر بالصيدليات أصلي، بس توجد رقابة من وزارة الصحة للصيدليات، والأدوية والموانع الأصلية مختومة بستيكر لأنها مرخصة من الوزارة وحتى السعر مختوم عليها”. وتخبرنا أن طريقة تمييز النوع الأصلي عن النوع المقلَّد تكون من خلال اللاصق الخاص بوزارة الصحة على علب موانع الحمل، بعد فحصها من حيث التخزين والشركات المعترفة بها.

ومع ذلك فكثير من النساء يلجأن إلى الموانع غير الأصلية التي عادة ما تكون رخيصة. تقول الصيدلانية زينب الموسوي وفق ما لاحظته: “للأسف متهتم النساء بالجودة قدر اهتمامهن بالسعر، خصوصاً كونها تطلبه بشكل مستمر شهرياً”.
لا يعود ذلك إلى الثمن وحده، وإنما لأن ثمة آراء سائدة أن حتى الموانع الأصلية لا تجلب الحماية المطلوبة دائماً، فتعتبر بعض النساء أن لا فرق بين الأصلي والمقلَّد في هذه الحالة.
ولكن هذا ما تحذر منه الصيدلانيات والطبيبات، فالاستعمال الخاطئ للموانع سيفقدها فعاليتها.
تقول الطبيبة الاختصاصية أ.م حميدة هادي عبد الواحد، رئيسة قسم في جامعة وارث الأنبياء: “كثير من النساء ممن يراجعنني يخبرنني أنهن ملتزمات بالوقت والجرعات الخاصة بالموانع ولكن حدث حمل، ومن أسألها هل حدثت التهابات تجيبني بالإيجاب”. وتشير إلى أن فشل الموانع مرتبط بعوامل عدّة تؤثر على فعاليتها، فمن الأمثلة الشائعة أخذ بعض المضادات الحيوية أثناء استعمال الموانع الفموية، حيث تحفز المضادات الحيوية بعض إنزيمات الكبد التي تحطم الموانع لأنها تحوي مولدات ستيروئيدية. لذلك عند حدوث التهابات نسائية أو التهابات في المجاري البولية ويتم وصف جرعات مضادات حيوية يتوجب على الطبيبات توجيه النساء اللواتي يأخذن موانع حمل كي يحتطن حتى لا يحصل حمل غير مرغوب به.
“طفل وبيده لولب”.. معلومات خاطئة ومضللة
الأفكار والمعلومات الخاطئة أو المضللة المتناقلة بين الكثير من النساء تضع على عاتق مؤسسات الدولة والمجتمع المدني المعنية بالتوعية حول هذا الموضوع مهمة من شقين، من جهة توعية النساء بأهمية استخدام موانع الحمل، ومن جهة أخرى توعيتهن بالطريقة الصحيحة لاستخدامها.
في مدن ونواحي عديدة، تقدم وزارة الصحة خدمات تنظيم الأسرة من خلال المستشفيات بفروعها الرئيسية والفرعية بشكل مجاني. مثل المستشفيات التالية في كربلاء: مستشفى الولادة في المدينة، ومستشفى قضاء الحسينية، ومستشفى الإمام الحسن المجتبى، ومستشفى قضاء الهندية التعليمي، ومستشفى قضاء عين التمر، هذه المستشفيات تقدم خمس وسائل مجانية، الواقي الذكري والحبوب المركبة والأحادية والحُقن واللولب الهرموني، وفقاً للسيدة علياء توفيق.
تحديداً في صالات الولادة في الكثير من مستشفيات العراق توفر وزارة الصحة موانع الحمل من الحبوب الهرمونية بشكل مجاني.
تؤكد الطبيبة حميدة أن وزارة الصحة توفر موانع حمل جيدة معدّة للنساء بعد الولادة، مثل الحبوب التي تعطى للمرضعات والتي تحوي فقط على مادة البروجسترون دون الإستروجين، وذلك لمنع تقليل أو تثبيط إفراز الحليب، والكثيرات يعرفن هذا الغرض.
هذه الحبوب، كما تشير الطبيبة، متوفرة في الصالات وفي الاستشاريات، حيث تأخذ الأم كارت مراجعة تنظيم أسرة ومن خلاله تُمنح الوسائل المتوفرة مجاناً، وهي غير محددة بمدة معينة، حيث تستطيع الحصول على الوسائل بصورة مستمرة.
ولكن عدداً ضئيلاً جداً من النساء يأخذنها بعد الولادة حتى وإن كانت ولاداتهن متقاربة وكثيرة!
تشكو الكثيرات من الحالة الاقتصادية الضعيفة، حيث لا يستطعن شراء حبوب منع الحمل، التي يتراوح سعرها من خمسة إلى عشرين ألفاً حسب الشركة المنتجة، البريطانية أو الألمانية أو المصرية أو الأردنية أو التركية، وقد يرفضن أخذها بعد الولادة لأسباب مختلفة، كالخوف من انقطاع الحليب.
السيدة علياء توفيق من دائرة صحة كربلاء تحدثنا عن مخاوف الناس من استخدام وسائل منع الحمل، حيث يعتقدون أنها قد تسبب العقم أو تؤخر الحمل، رغم ما يُشرح لهم ولهنّ من إثبات عكس ذلك طبياً. فكثيرات يتمسكن بتجارب غيرهن من النساء كدليل على أنه رغم استخدامهن حبوب منع الحمل يحدث الحمل، أو رغم استخدام اللولب يخرج الطفل وبيده اللولب، على حدّ قول إحداهن!
وثمة كثيرات يخشين من موانع الحمل بسبب أعراضها الجانبية، حتى دون أن يجربنها ويرين أثرها على أجسادهن، مثل إحدى اللاتي تحدثت معها، وعلى الرغم من كونها ممرضة تقول إنها لن تفكر باستخدام موانع الحمل مطلقاً، لأن لها آثاراً جانبية مثل زيادة الوزن والتأثير على المزاج، وتضيف: “أنا أراجع طبيبات من أجل متابعة الحمل فقط وليس لتنظيم الأسرة”.
إذن فثمة آراء مضللة أو خاطئة تتعلق بالآثار الجانبية للموانع، لا بأثرها على الحمل والولادة أو عدمه.
وهذا صحيح، فرغم أن أغلب وسائل منع الحمل هي وسائل آمنة وفعالة لتحديد النسل، إلا أنها يمكن أن تسبب آثاراً جانبية لدى بعض النساء، وفقاً لاختلاف صحة وبنية جسد كل امرأة واستجابته للموانع، فقد تتعرض بعض النساء لآثار جانبية خفيفة أو مؤقتة عند استخدامها، ترتبط هذه الآثار الجانبية عادةً بمحاولة الجسم التكيف مع الهرمونات الموجودة في الوسائل.
تؤكد السيدة علياء على التمييز بين المضاعفات وبين الآثار الجانبية التي قد تنجم عن كل أنواع الأدوية، ومنها بعض وسائل منع الحمل، فالآثار الجانبية من الممكن أن تحدث لمن يستخدم أي علاج. لذا فهي ترى أن المؤسسة الصحية ستكون مقصرة إذا لم تشرح للمستفيدة من موانع الحمل عن هذه الأعراض، فالواجب شرح أن الأعراض واردة، وأنها غالباً ما تختفي خلال ثلاثة أشهر كحد أقصى، وإن استمرت يجب المراجعة مرة أخرى لمعرفة الخلل وعلاجه.
تخبرنا السيدة مريم محمد، وهي مسؤولة برنامج تنظيم الأسرة في صحة كربلاء، أنهم عند قيامهم بالجلسات والزيارات التوعوية للكوادر العاملة في الأقسام الخاصة دائماً ما يركزون على أهمية نقل فكرة تكيف العلاج مع طبيعة الجسم والهرمونات لدى كل امرأة تستعمل الوسائل، وتخبرنا أن هذا يشبه ذهاب المرأة إلى مكان جديد، فكما تحتاج إلى فترة لتتعرف عليه وتتفاعل مع المحيط، فكذلك الهرمونات تحتاج فترة لتستقر وتتكيف، لذا من الضروري توعية النساء بضرورة الاستمرار وعدم قطع المانع لحين تعوّد الجسم عليه.
الطرق التي يتبعونها في التوعية متنوعة وتشمل، كما ذكرت السيدة علياء، الإعلانات في كل المؤسسات عن توفر وسائل تنظيم الأسرة، وهذه الوسائل مجانية تماماً، كذلك قيامهم بالتنسيق مع شعبة تعزيز الصحة للتوعية من خلال عقد ندوات مجتمعية في مختلف المناطق وخصوصاً النائية، حيث توجد وحدة المناطق النائية المخصصة لتلك المناطق، بالإضافة إلى اللقاءات الفردية مع مراجعات المؤسسات الصحية للتوعية بتنظيم الأسرة، وللتوعية بالاستخدام الآمن للوسائل. وهناك باب المشورة في مجال تنظيم الأسرة، هذه الخدمة تقدمها استشاريات تنظيم الأسرة، وتقدمها وحدات تنظيم الأسرة بالمؤسسات الصحية، حيث المسؤول عنها الملاك الصحي، الذي يقدم المشورة في مجال تنظيم الأسرة.
“طفلين لو ثلاثة لو خمسة لو كافي؟”
تقول أم تقى: “السبب أنو ليش ألجئ لحبوب منع الحمل هي ما كنت أريد طفل آخر في وقتها، وأريد أسرتي تتنظم ويكون فارق جيد بالأعمار بين أطفالي، حتى أكدر أرعى كل طفل بصورة صحيحة وسليمة، وبعد ما يكبر يكون ماخذ كفايته من الحب والاهتمام وأني مستقر جسمي، وزوجي هماتين جان مأيدني بهذا القرار ومتفقين سوية”.
أما مؤمل، وهو أب لطفلة من ذوي الإعاقات الجسدية، حيث ولدت ابنته بتشوهات في العمود الفقري وتواجه مشكلات حركية أخرى، فيخبرنا أنه وبعد ما يقارب خمس سنوات من ولادة الطفلة لا يرغب بإنجاب أطفال آخرين، لذلك فهو يطلب من زوجته الاستمرار في استعمال وسائل منع الحمل، رغم رغبتها الشديدة في الإنجاب.
يقول: “ما أقبل حالياً يصير عدنا طفل حتى لو رح يضطرني إني استخدم موانع حمل متاحة للرجال”. فحالته الاقتصادية متوسطة، وتحتاج ابنته إلى متابعة صحية مستمرة مكلفة، لكن زوجته ترغب بإنجاب طفل آخر، خصوصاً أنها باتت في منتصف الثلاثينات، مما سيقلل من فرصة الإنجاب مع التقدم في العمر. وفي خضم هذا الصراع النفسي بين الزوجين تبرز تدخلات العائلتين كذلك في الضغط والمطالبة بإنجاب أطفال آخرين.
ما يزال قرار المرأة العراقية بشأن استخدام وسائل منع الحمل متأثراً إلى حدّ كبير برأي الزوج، إذ يبقى الرجل صاحب الدور الأساسي في تحديد الخصوبة، وفقاً لبحث أجراه يوسف الراوي، الذي أشار إلى أن استمرار المجتمع في إعطاء أهمية اجتماعية لتكوين أسرة كبيرة هو الأمر الذي يعيق الاستفادة من خدمات تنظيم الأسرة واستخدامها. وهنا نسأل: ما دور الدولة ومؤسساتها المتنوعة في تنظيم الأسرة العراقية ودعمها في ذلك؟
تفيد السيدة علياء موفق: “لا توجد لدينا صلاحية في تحديد النسل في العراق، فلا يوجد قانون يدعم ذلك، وإنما الفكرة هي المباعدة بين الأحمال، ونبين للمواطنين ذلك، حتى نتجنب حدوث وفيات الأمهات أو وفيات ما حول الولادة، لأن الأحمال المتكررة قد تؤدي إلى وفاة الجنين أو الأم، لذا مشروع تنظيم الأسرة يهدف إلى التقليل من تلك الحوادث من خلال مباعدة الأحمال”. تشير منظمة الصحة العالمية إلى أهمية المباعدة، فاستخدام وسائل منع الحمل يقي من المخاطر الصحية المرتبطة بالحمل بالنسبة للنساء، وبخاصة بالنسبة للمراهقات.
كثيراً ما يُستعمل مفهوم تنظيم الأسرة بدلاً من مفاهيم أخرى كتحديد النسل مثلاً، لأنه قد يثير بعض التيارات الدينية المعارضة لتحديد النسل.
في العراق، كما في دول عديدة، ينظر بحساسية إلى استخدام موانع الحمل كمحددة للنسل، وتُعامل بالتالي على كونها منظمة للحمل مع التركيز على المباعدة بين الحمل والآخر، علماً بأن تنظيم الأسرة أعم وأشمل ولا يقتصر على تنظيم النسل، بل يشمل أيضاً حق الجميع في اتخاذ القرارات المتعلقة بالإنجاب دون تمييز أو إكراه أو عنف، إلى جانب كونه يشمل الحق في بلوغ أعلى مستوى ممكن من الصحة الإنجابية والجنسية.
وما تزال هذه الحساسية قائمة، رغم أنه لا يوجد في الشرع ما يمنع من استخدام وسائل منع الحمل إذا كانت في مصلحة صحة الأم وجنينها، وهو ما أكدته السيدة توفيق، وما تُظهره أجوبة السيد السيستاني ردّاً على الأسئلة التي يوجهها الناس إليه حول مسألة تحديد النسل، وهي أجوبة تُظهر مرونة وتكيفاً مع الواقع المعاصر، وتمنح المرأة استقلالاً في اتخاذ قرارات تتعلق بخصوبتها، وهو ما يتجاوز التقاليد الاجتماعية التي قد تُخضع هذا القرار لرغبة الزوج وحده.
ولكن حتى مع هذا التوجه، تبقى الدولة في العراق -ومنها وزارة التخطيط- خاضعة لأعراف عشائرية ترغب بالنسل الكثير، حيث تعدهم عزوة ومقاتلين يهابهم الآخرون، وفقاً للدكتورة بتول فاروق، أستاذة الفقه في جامعة الكوفة، التي تضيف أيضاً أن ثمة حاجة لدعم اجتماعي وحكومي أكبر لتقليل الإنجاب، فالدولة غير قادرة على تنمية الموارد لتتوازى مع عدد المواليد.
تقول السيدة رفاه الخزاعي، المحامية والناشطة السياسية، إنه رغم الحاجة الاجتماعية والاقتصادية الملحة لتشريع قوانين تنظيم الأسرة إلا أن مجلس النواب ظل عاجزاً عن سن قوانين تنظم الأسرة، أو تعنى بالصحة الإنجابية وتنظم مسألة موانع الحمل بشكل صريح وواضح، فقانون الصحة العامة رقم 89 لسنة 1981 لم يتطرق بشكل وافٍ إلى موضوع الصحة الإنجابية، ولم يشر إلى موضوع موانع الحمل، علماً أن المواد 417-419 لقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 تطرق لموضوع الإجهاض وجرمّه .
تعتبر المواثيق الدولية والحقوقية أن تنظيم الأسرة هو حق لجميع الأزواج والأفراد، من خلال الحصول على المعلومات والوسائل اللازمة، وتلقي الدعم الحكومي والمؤسساتي لذلك، فهل تنظيم الأسرة والاعتناء بصحة أفرادها أولوية في العراق؟