"الخبز صار حسرة على الفلاح".. قصة الخسارة الموجعة في نينوى
02 كانون الأول 2025
يقف عبد إبراهيم مذهولاً من موسم لم يشهد مثله من قبل، فقد زرع آلاف الأطنان من الحنطة والشعير، والنتيجة جاءت صادمة.. هذه قصة فلاحين خذلهم المطر، والخطة الزراعية، والجفاف..
في ناحية النمرود جنوبي نينوى، حيث اعتادت الأرض أن تكتسي بذهب القمح وخضرة الشعير، يقف الفلاح عبد إبراهيم أمام تربته المتشققة، ينحني قليلاً ليلمس بقايا التراب الناشف بين أصابعه، وكأنه يستجدي منه حياة رحلت مع المطر.
يقول بنبرة غضب وحزن: “الفلاح منهك ومتعب، والخبز أصبح حسرة عليه. لقد أخذتم حنطته، فأعطوه حقه، والأمر لله الواحد القهار”.
عبد إبراهيم ليس غريباً عن هذه الأرض، فمنذ طفولته وهو يزرعها، وقد ورثها عن أبيه، وما زال يعتني حتى بأراضي إخوته الثمانية الذين هجروا الريف ولاذوا بالمدينة.
لكنه، وهو في العقد السادس من عمره، يقف مذهولاً من موسم لم يشهد مثله من قبل، ويقول متحسراً: “في هذا العام زرعنا، لكن المطر كان قليلاً. لم نحصل على شيء، كل شيء خاسر. زرعنا ثمانية أطنان من الحنطة وستة من الشعير ولم نحصل على حصاد يذكر”.
هذه الكلمات ليست مجرد شكوى عابرة، بل تختصر مأساة مئات الفلاحين في محافظة نينوى، التي كانت تُعرف يوماً بـ”سلة غذاء العراق”، قبل أن تتحول تدريجياً إلى أرض شبه مهجورة، بفعل أزمة زراعية مركبة يتداخل فيها الجفاف القاسي والتهميش الحكومي.
كانت المحافظة تشكل في السنوات الماضية نحو 43 بالمئة من المساحات المزروعة في البلاد، وكانت وحدها تنتج أكثر من ربع محصول الحنطة العراقي، استناداً إلى دائرة الإحصاء الزراعي.
الأرقام تؤكد ما يقوله عبد إبراهيم، فبحسب مديرية زراعة نينوى، بلغ معدل تساقط الأمطار هذا العام نحو مئة ملم فقط، مقابل خمسمئة ملم في العام الماضي؛ أي أقل من خُمس المعدلات المعتادة.
بيانات محطات الرصد الجوي في الموصل وتلعفر وربيعة للفترة ما بين 2022–2024 أظهرت تذبذباً حاداً، فالموصل مثلاً سجلت ذات مرة كمية مطرية هي الأدنى عند 43.3 ملم فقط، فيما لم يتجاوز متوسطها السنوي 83.9 ملم، لتكون الأكثر تأثراً بالجفاف.
هذا التراجع غير المسبوق أدى إلى ضعف تغذية التربة وهبوط منسوب المياه الجوفية، وأجبر الفلاحين على حفر آبار تصل أعماقها إلى مئتي متر بدلاً من 45 متراً كما في السابق.
لكن شح المطر ليس وحده ما يحاصر عبد إبراهيم، فهو يؤكد أن الزراعة باتت مغامرة غير مضمونة.
يقول لـ”جمَّار”: “إذا جاء المطر ونما الزرع فذلك خير، وإن جاء موسم قحط خسرنا ما أنفقناه على شراء الحبوب والمبيدات وبقية المستلزمات”.
ويشير إلى أن الفلاح ترك أرضه حتى يأتي موسم مطري جيد؛ لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً، ولا يملك القدرة على حفر بئر.
ويقرّ عبد الله حمو، مدير زراعة نينوى، بأن الوضع ازداد سوءاً مع السياسة الزراعية الأخيرة، فقد اعتمدت الخطة فقط على المناطق المروية بالمرشّات؛ أي نحو 10 بالمئة من المساحة الإجمالية.
ولاحقاً أضيف 59 ألف دونم خارج الخطة، لكن في النهاية الدولة اعترفت بـ320 ألف دونم فقط، بحسب حمو.
هذا يعني أن أرض عبد إبراهيم، التي يزرعها بعرق جبينه، ليس معترفاً بها رسمياً، ولا تلتزم الدولة بشراء محصولها.
وبينما يتحدث حمو بالأرقام والخطط، يعود صوت عبد إبراهيم أكثر بساطة ووجعاً: “نقول الحمد لله، فالأمر كله بيد الله، وما يأتي من عنده نرحب به”.
كأنه يلخص التناقض القاسي بين فلاح يواجه الأرض بيديه العاريتين، وحكومة تحسب المواسم بالجداول والتعليمات.
الباحثة البيئية منى عبد القادر بدورها تعطي تفسيراً علمياً للأزمة، لكنها تؤكد حجم الكارثة التي يعيشها أمثال عبد إبراهيم.
تقول عبد القادر لـ”جمّار”: “إن نينوى شهدت ظروفاً مناخية قاسية في السنوات الأخيرة، من أمطار قليلة ودرجات حرارة مرتفعة، وفترات جفاف متكررة، وحتى السنوات المطيرة لم تعوض مواسم القحط، وهذا جعل المنطقة أكثر هشاشة مائياً وزراعياً”.
ولا يقرأ عبد إبراهيم تقارير الأرصاد، لكنه يعرف أن أرضه تموت بين يديه، فيختصر حكايته بعبارة موجعة: “الحكومة بطيئة وضعيفة في دعمها”.
وهو يتهم الحكومة بالاعتماد على الاستيراد وترك الفلاحين يواجهون القحط وشح المطر.
في المقابل، تبرر وزارة التجارة موقفها أيضاً بضعف الطاقات الخزنية ونقص التخصيصات المالية، ما أدى إلى تكدّس المحاصيل وخسائر فادحة للفلاحين، فيما تنفي ما يُتداول عن قيامها بشراء محصول الحنطة من الفلاحين بسعر زهيد، لكن الفلاحين يردّون بأن هذه الذرائع تعكس إدارة مرتبكة أكثر مما تعكس واقعاً ميدانياً.
وبين دموعه المتساقطة فوق التراب المتشقق، وأرقام المسؤولين التي تعلن انهيار الموسم، يتضح أن حكاية عبد إبراهيم ليست قصة رجل واحد، بل قصة محافظة بأكملها تقف على حافة البوار.
تقليص حاد
على امتداد الأراضي بين النمرود والحمدانية، يقف خالد النجيفي مشيراً إلى آلاف الدونمات التي يديرها مع عائلته.
يروي بمرارة تجربته مع الخطة الزراعية الأخيرة التي وصفها بأنها “كسرت ظهر المزارعين”.
يقول لـ”جمّار”: “زرعنا هذا العام ما يقارب أربعة آلاف دونم، لكن أعطونا ضمن الخطة 2200 دونم فقط. قدمنا طلبات إضافية وسلمنا 2400 طن، لكن 900 طن بقيت بلا تسليم، وحتى الكمية المسلّمة لم نتسلم مقابلها سوى واحد بالمئة فقط من الأموال”.
كلمات النجيفي تكشف عن حجم الفجوة بين جهد الفلاحين وما تقرره الدولة على الورق، والأرقام الرسمية تدعم ما يقوله.
فبحسب حمو، تقلّصت المساحات المشمولة بالخطة الزراعية من 1.95 مليون دونم عام 2022 إلى 320 ألف دونم فقط هذا الموسم.
هذا التقليص جعل كثيرين يستعيدون أرقام الموسم الماضي، ففي عام 2024، تصدرت نينوى إنتاج الحنطة عراقياً بـ 1.394 مليون طن على مساحة تفوق 3.5 مليون دونم، بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء.
وتعني سياسة التقليص أن أي أرض تُزرع خارج الخطة لا يعترف بها رسمياً، ولا تلتزم الدولة بشراء محاصيلها، حتى لو كانت محاصيل صالحة ومطلوبة في السوق.
ودفع هذا التقليص الحاد عديداً من المزارعين إلى الاحتجاج، ومن بينهم النجيفي الذي يرى أن هذه الإجراءات استهدفت المزارعين الكبار والصغار على حد سواء.
يتساءل: “هذه ليست مجرد خطة، إنها طريقة لإجبارنا على ترك الأرض، كيف يمكن لفلاح يزرع آلاف الدونمات أن يواجه خسائر بهذا الحجم؟”
لكن صوت النجيفي لا يرتفع وحده، فعبد الحميد الجبوري، رئيس اتحاد الفلاحين في نينوى، يؤكد أن الأزمة عامة في المحافظة.
ويقول الجبوري لـ”جمّار”: “إن القوانين الحالية غير منصفة، والحكومة الاتحادية تفتقر إلى خطط مدروسة أو مستشارين زراعيين مؤهلين”.
ويضيف أن: “الفلاحين لا يتلقون دعماً حقيقياً، ولا يحصلون على مستحقاتهم كاملة”.
ثم يوضح بالأرقام أن من يسلّم 25 طناً يحصل على 25 بالمئة فقط من قيمتها، ومن يسلّم 50 طناً يحصل على النسبة ذاتها، أما من يملك مئة طن فنسبته أقل من 20 بالمئة، وبعض الفلاحين لم يتسلموا شيئاً.
ويقترح الجبوري أن تسلم الحكومة مستحقات الفلاح من الوقود والأسمدة والحبوب قبل موسم الزراعة من خلال الشعب الزراعية، لتجنّب لجوء الفلاح إلى السوق السوداء.
ويضيف: “لكن ما يحصل الآن هو تأخير طويل يصل إلى ستة أشهر”.
بالنسبة للنجيفي، هذه السياسات تضع الفلاح في مأزق مستمر. يقول وهو يستعرض سلسلة الأوراق والمعاملات التي يضطر إلى متابعتها: “إن الحصول على تصاريح الوقود يحتاج أشهراً بسبب الإجراءات الأمنية”.
ويشير إلى أن الأراضي غير المجددة عقودها وفق المادة 140 أو الموروثة بلا تسجيل رسمي تُستبعد من الدعم، وحتى السندات الزراعية تعقّد الأمور، فاشتراط تسجيل الحصص باسم كل الورثة يؤدي إلى تقسيم غير عملي لحصص البذور والحبوب، ما يدفع كثيرين إلى العزوف عن استلامها.
هذه البيروقراطية المعقدة انعكست مباشرة على واقع الزراعة. ففي ناحية النمرود مثلاً، تراجعت المساحات المزروعة من 125 ألف دونم سنوياً إلى 19 ألفاً فقط هذا الموسم.
آلاف الفلاحين حُرموا من تسويق محاصيلهم، بينما شعر كثيرون أن هذه الأزمة مركزة على نينوى دون غيرها، في وقت حظيت فيه محافظات أخرى بتسهيلات حكومية.
يصف الجبوري الوضع بـ”الكارثي”، ويوضح أن “الفلاحين مثقلون بالديون، والمصرف الزراعي يلاحقهم، والأسواق لا تضمن لهم عوائد”.
ويشير إلى أن الدولة لو أرادت الحل لبدأت بدفع المستحقات في وقتها، لكن الحكومة ترفض استلام المحاصيل بحجة أنها خارج الخطة، حتى تلك التي تُزرع بالري.
يقول الجبوري: “قدّمنا اعتراضاً رسمياً واحتججنا أمام وزارة التجارة في بغداد، تسلمت الوزارة بعض المحاصيل ليومين فقط ثم أغلقت أبوابها”.
ويعلق النجيفي بمرارة على ما جرى: “ما يُقال عن دعم الفلاحين مجرد كلام، نحن نزرع ونخاطر وندفع من جيوبنا، وفي النهاية لا نجد من يشتري محصولنا أو يغطي كلفة البذور”.
وبين حديث النجيفي عن معاناة المزارعين الكبار، وصوت اتحاد الفلاحين الذي ينقل احتجاجات آلاف المزارعين، يتضح أن الأزمة الزراعية في نينوى لم تعد مجرد مشكلة طبيعية سببها شح المطر، بل أصبحت سياسة رسمية تقصي الفلاحين من أرضهم وتحوّل الزراعة إلى مخاطرة خاسرة.
أمن غذائي مهدد
على أطراف بلدة صغيرة في سهول نينوى، يقف الفلاح خليفة الجبوري أمام أرضه اليابسة، ينحني ليلتقط حفنة تراب بين أصابعه، يقلّبها ببطء وكأنه يودع ذاكرة الحصاد، يرفع رأسه بنظرة مثقلة بالخذلان، ويقول بصوت مبحوح: “لم نعد نزرع… أصبحنا ننتظر، ننتظر قراراً ينصفنا، أو موسماً لا يسبب لنا خسائر”.
صوت خليفة الجبوري لا يخرج من فراغ، بل من واقع يعيشه آلاف الفلاحين الذين وجدوا أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر: إما أن يزرعوا فيخسروا بسبب غياب الدعم وشح المياه، أو أن يتركوا الأرض ويبحثوا عن لقمة العيش في مكان آخر.
في نظره، الأرض لم تعد أماً تحتضنهم، بل عبئاً يثقل كاهلهم.
لكن ما يقوله ليس مجرد تجربة فردية، بل انعكاس لخطر أشمل يتجاوز حدود نينوى.
تحذر عبد القادر من أن هذه الأزمة الزراعية تنعكس مباشرة على استقرار العراق الغذائي. وتبيّن أن نينوى من المحافظات الأساسية في إنتاج القمح والشعير، وتراجع الزراعة فيها يعني اعتماداً أكبر على الاستيراد، وزيادة أسعار الغذاء، وفقدان وظائف ريفية.
تقول عبد القادر: “الأمن الغذائي كله مهدد”.
وتضيف أن: “التغير المناخي والاعتماد على الواردات المائية من دول الجوار جعلا الزراعة أكثر هشاشة”.
قلل انخفاض منسوب سد الموصل، نتيجة تراجع الواردات من تركيا، من دعمه للري ومياه الشرب، وزاد الضغط على المياه الجوفية التي جفت بعض آبارها.
الأزمة كما تُرى ليست محلية ولا عابرة، بل جزء من معضلة وطنية تحتاج إلى رؤية طويلة الأمد، وليس إلى حلول مؤقتة.
وتقترح الباحثة بعض الحلول التي ترى أنها ممكنة إذا توافرت الإرادة السياسية.
تتضمن الحلول المقترحة التحول إلى زراعة مقاومة للجفاف، وتحسين تقنيات الري وتخزين مياه الأمطار، ودعم المزارعين بأنظمة زراعية مستدامة، وإعداد خطة طوارئ مائية وطنية، وإصلاح البنية التحتية.
لكنها تختم بتحذير صريح: “حتى الآن لا توجد مؤشرات حكومية واضحة لإنقاذ الموسم المقبل، ولا توقعات كبيرة بتحسن الأحوال الجوية. الأمل الوحيد أن تحمل الأمطار القادمة ما ينقذ ما تبقى من الأراضي”.
وبينما تضع الباحثة الخطوط العريضة للحل، يعود صوت خليفة الجبوري ليذكّر بأن الفلاح لا يعيش على التوصيات، بل على ما يجنيه من أرضه.
يشيح بوجهه عن تربته الخالية من الزرع، ويقول بعبارة تلخص الوجع الجمعي: “ليست القضية أننا نزرع ونحصد فقط، هذه حياتنا، إذا تركناها فماذا يبقى لنا؟”
هذه الكلمات تنهي الحكاية بجرس تحذير ثقيل، فحين يرحل الفلاح عن أرضه، لا يرحل وحده، وإنما يرحل معه القمح والشعير، والأمن الغذائي، ويرحل خبز الموائد العراقية.
نينوى، التي كانت يوماً سلة العراق الغذائية، تقف اليوم على حافة التحول إلى أرض بوار، فيما الفلاحون عالقون بين سماء بلا مطر وحكومة بلا خطة، ينتظرون إما قراراً يُنصفهم أو مطراً يرحمهم.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
سحب على المكشوف.. عن الدَّين الداخلي الذي يربك الحاضر ويهدد القادم
09 ديسمبر 2025
السكراب.. حرب التهريب الخفية بين المافيات الكبيرة والتجار الصغار
07 ديسمبر 2025
قصب إيران لبناء المضايف في أهوار العراق: كيف يهدد الجفاف "هندسة سومر"؟
04 ديسمبر 2025
خيبة العلمانيين والصدريين.. عن الكتلة التاريخية والخسارة التاريخية
30 نوفمبر 2025
في ناحية النمرود جنوبي نينوى، حيث اعتادت الأرض أن تكتسي بذهب القمح وخضرة الشعير، يقف الفلاح عبد إبراهيم أمام تربته المتشققة، ينحني قليلاً ليلمس بقايا التراب الناشف بين أصابعه، وكأنه يستجدي منه حياة رحلت مع المطر.
يقول بنبرة غضب وحزن: “الفلاح منهك ومتعب، والخبز أصبح حسرة عليه. لقد أخذتم حنطته، فأعطوه حقه، والأمر لله الواحد القهار”.
عبد إبراهيم ليس غريباً عن هذه الأرض، فمنذ طفولته وهو يزرعها، وقد ورثها عن أبيه، وما زال يعتني حتى بأراضي إخوته الثمانية الذين هجروا الريف ولاذوا بالمدينة.
لكنه، وهو في العقد السادس من عمره، يقف مذهولاً من موسم لم يشهد مثله من قبل، ويقول متحسراً: “في هذا العام زرعنا، لكن المطر كان قليلاً. لم نحصل على شيء، كل شيء خاسر. زرعنا ثمانية أطنان من الحنطة وستة من الشعير ولم نحصل على حصاد يذكر”.
هذه الكلمات ليست مجرد شكوى عابرة، بل تختصر مأساة مئات الفلاحين في محافظة نينوى، التي كانت تُعرف يوماً بـ”سلة غذاء العراق”، قبل أن تتحول تدريجياً إلى أرض شبه مهجورة، بفعل أزمة زراعية مركبة يتداخل فيها الجفاف القاسي والتهميش الحكومي.
كانت المحافظة تشكل في السنوات الماضية نحو 43 بالمئة من المساحات المزروعة في البلاد، وكانت وحدها تنتج أكثر من ربع محصول الحنطة العراقي، استناداً إلى دائرة الإحصاء الزراعي.
الأرقام تؤكد ما يقوله عبد إبراهيم، فبحسب مديرية زراعة نينوى، بلغ معدل تساقط الأمطار هذا العام نحو مئة ملم فقط، مقابل خمسمئة ملم في العام الماضي؛ أي أقل من خُمس المعدلات المعتادة.
بيانات محطات الرصد الجوي في الموصل وتلعفر وربيعة للفترة ما بين 2022–2024 أظهرت تذبذباً حاداً، فالموصل مثلاً سجلت ذات مرة كمية مطرية هي الأدنى عند 43.3 ملم فقط، فيما لم يتجاوز متوسطها السنوي 83.9 ملم، لتكون الأكثر تأثراً بالجفاف.
هذا التراجع غير المسبوق أدى إلى ضعف تغذية التربة وهبوط منسوب المياه الجوفية، وأجبر الفلاحين على حفر آبار تصل أعماقها إلى مئتي متر بدلاً من 45 متراً كما في السابق.
لكن شح المطر ليس وحده ما يحاصر عبد إبراهيم، فهو يؤكد أن الزراعة باتت مغامرة غير مضمونة.
يقول لـ”جمَّار”: “إذا جاء المطر ونما الزرع فذلك خير، وإن جاء موسم قحط خسرنا ما أنفقناه على شراء الحبوب والمبيدات وبقية المستلزمات”.
ويشير إلى أن الفلاح ترك أرضه حتى يأتي موسم مطري جيد؛ لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً، ولا يملك القدرة على حفر بئر.
ويقرّ عبد الله حمو، مدير زراعة نينوى، بأن الوضع ازداد سوءاً مع السياسة الزراعية الأخيرة، فقد اعتمدت الخطة فقط على المناطق المروية بالمرشّات؛ أي نحو 10 بالمئة من المساحة الإجمالية.
ولاحقاً أضيف 59 ألف دونم خارج الخطة، لكن في النهاية الدولة اعترفت بـ320 ألف دونم فقط، بحسب حمو.
هذا يعني أن أرض عبد إبراهيم، التي يزرعها بعرق جبينه، ليس معترفاً بها رسمياً، ولا تلتزم الدولة بشراء محصولها.
وبينما يتحدث حمو بالأرقام والخطط، يعود صوت عبد إبراهيم أكثر بساطة ووجعاً: “نقول الحمد لله، فالأمر كله بيد الله، وما يأتي من عنده نرحب به”.
كأنه يلخص التناقض القاسي بين فلاح يواجه الأرض بيديه العاريتين، وحكومة تحسب المواسم بالجداول والتعليمات.
الباحثة البيئية منى عبد القادر بدورها تعطي تفسيراً علمياً للأزمة، لكنها تؤكد حجم الكارثة التي يعيشها أمثال عبد إبراهيم.
تقول عبد القادر لـ”جمّار”: “إن نينوى شهدت ظروفاً مناخية قاسية في السنوات الأخيرة، من أمطار قليلة ودرجات حرارة مرتفعة، وفترات جفاف متكررة، وحتى السنوات المطيرة لم تعوض مواسم القحط، وهذا جعل المنطقة أكثر هشاشة مائياً وزراعياً”.
ولا يقرأ عبد إبراهيم تقارير الأرصاد، لكنه يعرف أن أرضه تموت بين يديه، فيختصر حكايته بعبارة موجعة: “الحكومة بطيئة وضعيفة في دعمها”.
وهو يتهم الحكومة بالاعتماد على الاستيراد وترك الفلاحين يواجهون القحط وشح المطر.
في المقابل، تبرر وزارة التجارة موقفها أيضاً بضعف الطاقات الخزنية ونقص التخصيصات المالية، ما أدى إلى تكدّس المحاصيل وخسائر فادحة للفلاحين، فيما تنفي ما يُتداول عن قيامها بشراء محصول الحنطة من الفلاحين بسعر زهيد، لكن الفلاحين يردّون بأن هذه الذرائع تعكس إدارة مرتبكة أكثر مما تعكس واقعاً ميدانياً.
وبين دموعه المتساقطة فوق التراب المتشقق، وأرقام المسؤولين التي تعلن انهيار الموسم، يتضح أن حكاية عبد إبراهيم ليست قصة رجل واحد، بل قصة محافظة بأكملها تقف على حافة البوار.
تقليص حاد
على امتداد الأراضي بين النمرود والحمدانية، يقف خالد النجيفي مشيراً إلى آلاف الدونمات التي يديرها مع عائلته.
يروي بمرارة تجربته مع الخطة الزراعية الأخيرة التي وصفها بأنها “كسرت ظهر المزارعين”.
يقول لـ”جمّار”: “زرعنا هذا العام ما يقارب أربعة آلاف دونم، لكن أعطونا ضمن الخطة 2200 دونم فقط. قدمنا طلبات إضافية وسلمنا 2400 طن، لكن 900 طن بقيت بلا تسليم، وحتى الكمية المسلّمة لم نتسلم مقابلها سوى واحد بالمئة فقط من الأموال”.
كلمات النجيفي تكشف عن حجم الفجوة بين جهد الفلاحين وما تقرره الدولة على الورق، والأرقام الرسمية تدعم ما يقوله.
فبحسب حمو، تقلّصت المساحات المشمولة بالخطة الزراعية من 1.95 مليون دونم عام 2022 إلى 320 ألف دونم فقط هذا الموسم.
هذا التقليص جعل كثيرين يستعيدون أرقام الموسم الماضي، ففي عام 2024، تصدرت نينوى إنتاج الحنطة عراقياً بـ 1.394 مليون طن على مساحة تفوق 3.5 مليون دونم، بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء.
وتعني سياسة التقليص أن أي أرض تُزرع خارج الخطة لا يعترف بها رسمياً، ولا تلتزم الدولة بشراء محاصيلها، حتى لو كانت محاصيل صالحة ومطلوبة في السوق.
ودفع هذا التقليص الحاد عديداً من المزارعين إلى الاحتجاج، ومن بينهم النجيفي الذي يرى أن هذه الإجراءات استهدفت المزارعين الكبار والصغار على حد سواء.
يتساءل: “هذه ليست مجرد خطة، إنها طريقة لإجبارنا على ترك الأرض، كيف يمكن لفلاح يزرع آلاف الدونمات أن يواجه خسائر بهذا الحجم؟”
لكن صوت النجيفي لا يرتفع وحده، فعبد الحميد الجبوري، رئيس اتحاد الفلاحين في نينوى، يؤكد أن الأزمة عامة في المحافظة.
ويقول الجبوري لـ”جمّار”: “إن القوانين الحالية غير منصفة، والحكومة الاتحادية تفتقر إلى خطط مدروسة أو مستشارين زراعيين مؤهلين”.
ويضيف أن: “الفلاحين لا يتلقون دعماً حقيقياً، ولا يحصلون على مستحقاتهم كاملة”.
ثم يوضح بالأرقام أن من يسلّم 25 طناً يحصل على 25 بالمئة فقط من قيمتها، ومن يسلّم 50 طناً يحصل على النسبة ذاتها، أما من يملك مئة طن فنسبته أقل من 20 بالمئة، وبعض الفلاحين لم يتسلموا شيئاً.
ويقترح الجبوري أن تسلم الحكومة مستحقات الفلاح من الوقود والأسمدة والحبوب قبل موسم الزراعة من خلال الشعب الزراعية، لتجنّب لجوء الفلاح إلى السوق السوداء.
ويضيف: “لكن ما يحصل الآن هو تأخير طويل يصل إلى ستة أشهر”.
بالنسبة للنجيفي، هذه السياسات تضع الفلاح في مأزق مستمر. يقول وهو يستعرض سلسلة الأوراق والمعاملات التي يضطر إلى متابعتها: “إن الحصول على تصاريح الوقود يحتاج أشهراً بسبب الإجراءات الأمنية”.
ويشير إلى أن الأراضي غير المجددة عقودها وفق المادة 140 أو الموروثة بلا تسجيل رسمي تُستبعد من الدعم، وحتى السندات الزراعية تعقّد الأمور، فاشتراط تسجيل الحصص باسم كل الورثة يؤدي إلى تقسيم غير عملي لحصص البذور والحبوب، ما يدفع كثيرين إلى العزوف عن استلامها.
هذه البيروقراطية المعقدة انعكست مباشرة على واقع الزراعة. ففي ناحية النمرود مثلاً، تراجعت المساحات المزروعة من 125 ألف دونم سنوياً إلى 19 ألفاً فقط هذا الموسم.
آلاف الفلاحين حُرموا من تسويق محاصيلهم، بينما شعر كثيرون أن هذه الأزمة مركزة على نينوى دون غيرها، في وقت حظيت فيه محافظات أخرى بتسهيلات حكومية.
يصف الجبوري الوضع بـ”الكارثي”، ويوضح أن “الفلاحين مثقلون بالديون، والمصرف الزراعي يلاحقهم، والأسواق لا تضمن لهم عوائد”.
ويشير إلى أن الدولة لو أرادت الحل لبدأت بدفع المستحقات في وقتها، لكن الحكومة ترفض استلام المحاصيل بحجة أنها خارج الخطة، حتى تلك التي تُزرع بالري.
يقول الجبوري: “قدّمنا اعتراضاً رسمياً واحتججنا أمام وزارة التجارة في بغداد، تسلمت الوزارة بعض المحاصيل ليومين فقط ثم أغلقت أبوابها”.
ويعلق النجيفي بمرارة على ما جرى: “ما يُقال عن دعم الفلاحين مجرد كلام، نحن نزرع ونخاطر وندفع من جيوبنا، وفي النهاية لا نجد من يشتري محصولنا أو يغطي كلفة البذور”.
وبين حديث النجيفي عن معاناة المزارعين الكبار، وصوت اتحاد الفلاحين الذي ينقل احتجاجات آلاف المزارعين، يتضح أن الأزمة الزراعية في نينوى لم تعد مجرد مشكلة طبيعية سببها شح المطر، بل أصبحت سياسة رسمية تقصي الفلاحين من أرضهم وتحوّل الزراعة إلى مخاطرة خاسرة.
أمن غذائي مهدد
على أطراف بلدة صغيرة في سهول نينوى، يقف الفلاح خليفة الجبوري أمام أرضه اليابسة، ينحني ليلتقط حفنة تراب بين أصابعه، يقلّبها ببطء وكأنه يودع ذاكرة الحصاد، يرفع رأسه بنظرة مثقلة بالخذلان، ويقول بصوت مبحوح: “لم نعد نزرع… أصبحنا ننتظر، ننتظر قراراً ينصفنا، أو موسماً لا يسبب لنا خسائر”.
صوت خليفة الجبوري لا يخرج من فراغ، بل من واقع يعيشه آلاف الفلاحين الذين وجدوا أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر: إما أن يزرعوا فيخسروا بسبب غياب الدعم وشح المياه، أو أن يتركوا الأرض ويبحثوا عن لقمة العيش في مكان آخر.
في نظره، الأرض لم تعد أماً تحتضنهم، بل عبئاً يثقل كاهلهم.
لكن ما يقوله ليس مجرد تجربة فردية، بل انعكاس لخطر أشمل يتجاوز حدود نينوى.
تحذر عبد القادر من أن هذه الأزمة الزراعية تنعكس مباشرة على استقرار العراق الغذائي. وتبيّن أن نينوى من المحافظات الأساسية في إنتاج القمح والشعير، وتراجع الزراعة فيها يعني اعتماداً أكبر على الاستيراد، وزيادة أسعار الغذاء، وفقدان وظائف ريفية.
تقول عبد القادر: “الأمن الغذائي كله مهدد”.
وتضيف أن: “التغير المناخي والاعتماد على الواردات المائية من دول الجوار جعلا الزراعة أكثر هشاشة”.
قلل انخفاض منسوب سد الموصل، نتيجة تراجع الواردات من تركيا، من دعمه للري ومياه الشرب، وزاد الضغط على المياه الجوفية التي جفت بعض آبارها.
الأزمة كما تُرى ليست محلية ولا عابرة، بل جزء من معضلة وطنية تحتاج إلى رؤية طويلة الأمد، وليس إلى حلول مؤقتة.
وتقترح الباحثة بعض الحلول التي ترى أنها ممكنة إذا توافرت الإرادة السياسية.
تتضمن الحلول المقترحة التحول إلى زراعة مقاومة للجفاف، وتحسين تقنيات الري وتخزين مياه الأمطار، ودعم المزارعين بأنظمة زراعية مستدامة، وإعداد خطة طوارئ مائية وطنية، وإصلاح البنية التحتية.
لكنها تختم بتحذير صريح: “حتى الآن لا توجد مؤشرات حكومية واضحة لإنقاذ الموسم المقبل، ولا توقعات كبيرة بتحسن الأحوال الجوية. الأمل الوحيد أن تحمل الأمطار القادمة ما ينقذ ما تبقى من الأراضي”.
وبينما تضع الباحثة الخطوط العريضة للحل، يعود صوت خليفة الجبوري ليذكّر بأن الفلاح لا يعيش على التوصيات، بل على ما يجنيه من أرضه.
يشيح بوجهه عن تربته الخالية من الزرع، ويقول بعبارة تلخص الوجع الجمعي: “ليست القضية أننا نزرع ونحصد فقط، هذه حياتنا، إذا تركناها فماذا يبقى لنا؟”
هذه الكلمات تنهي الحكاية بجرس تحذير ثقيل، فحين يرحل الفلاح عن أرضه، لا يرحل وحده، وإنما يرحل معه القمح والشعير، والأمن الغذائي، ويرحل خبز الموائد العراقية.
نينوى، التي كانت يوماً سلة العراق الغذائية، تقف اليوم على حافة التحول إلى أرض بوار، فيما الفلاحون عالقون بين سماء بلا مطر وحكومة بلا خطة، ينتظرون إما قراراً يُنصفهم أو مطراً يرحمهم.