خيبة العلمانيين والصدريين.. عن الكتلة التاريخية والخسارة التاريخية
30 تشرين الثاني 2025
هذا المقال يتتبّع مسار العلمانيين والصدريين من ساحات التحرير إلى صناديق 2025، ويشرح كيف خسر العلمانيون رهاناتهم السياسية، وكيف بات على الصدر مراجعة خطواته، وما الذي ينتظر الطرفين في المرحلة المقبلة..
مساء 11 تشرين الثاني، في الساعة السادسة بالتوقيت المحليّ تحديداً، أُغلقت الصناديق وأبواب المراكز الانتخابية على خسارتَين: الأولى عدم نجاح أيّ من الأحزاب والقوى السياسية المدنية-العلمانية في الحصول على أيّ مقعد في البرلمان الجديد، والثانية خيبة الصدر بارتفاع عدد المشاركين في الاقتراع ونسبة المشاركة بدلاً من تضاؤلها.
هذه المرة، ارتفعت نسبة التصويت العام من 41.05 بالمئة في الانتخابات التي شارك بها وتصدّرها التيار الصدري، وحصلت خلالها الحركات المدنية على العدد الأكبر من المقاعد عبر تاريخها الانتخابي، والتي أقيمَت في تشرين الأول 2021، إلى 56.11 بالمئة ممّن حدّثوا بطاقاتهم الانتخابية في انتخابات 2025.
كان زعيم التيار الصدري، أو “التيار الوطني الشيعي” حسب آخر تحديثات التسمية، مقتدى الصدر، يريد أن يثبت للنظام كلّه أن غيابَه وأنصاره سيزعزع العملية الانتخابية ويضرب شرعيتها، فكرّر دعوة مريديه إلى تحديث بطاقاتهم، وما الغاية هنا إلّا ضمان احتسابهم كناخبين إذا ما اعتمدت المفوضية في حساب نسبة المشاركة/التصويت على المحدِّثين بطاقاتهم، لكنّ عدد من صوّت تجاوز 12 مليوناً، مقابل نحو تسعة ملايين ونصف في 2021.
وعلى عكس التماسك الصدري، انشطر العلمانيون إلى مشارك متفائل ومقاطع ساخط، وتَبنَّى المشاركون منهم خطاباً واثقاً بالفوز والتفوّق، لكن رياح الانتخابات فاتتهم جميعاً ودفعت سفن الأحزاب التقليدية أو تلك المنبثقة من فصائل مسلّحة إلى مكاسب أكبر ممّا لديهم.
حليفان.. خصمان
لطالما جمعت التيارَين، الصدري والعلماني، علاقةٌ متقلّبةٌ خلال السنوات الأخيرة، دفعت كليهما باتجاه قانون الانتخابات متعدد الدوائر وذي التصويت الفردي عام 2021، وتشاركا قبلها ساحات الاعتصام والاحتجاج واختصما فيها، وتسلّلت بعض مصطلحات الجانبَين إلى بعضهما، كما لا يمكن إغفال حقيقة أن التيار الصدري كتلة شيعية بالكامل، والحركات والأحزاب العلمانية-المدنية منبثقة في الغالب من مجتمعات شيعية أيضاً.

وصلت العلاقة إلى ذروتها بعد احتجاجات تموز 2015، التي بدأها العلمانيون في ساحة التحرير بقلب بغداد، ثم فتحوا أبوابها للتيار الصدري، وكانت مقدمة لدخولهما انتخابات 2018 البرلمانية في قائمة انتخابية واحدة.
في تلك اللحظة، برّر الشريكان علاقتهما بأنها ضرورة براغماتية، بل توسّع منظّرو الضفة العلمانية في تسويق التحالف على أنه “كتلة تاريخية”، وأن الشريكين تجمعهما حالات سوسيولوجية متطابقة انطلاقاً من نظرية غرامشي، متغاضين عن الفوارق الشاسعة في المنطلقات والغايات، بل متغافلين -بقصد أو بدونه- عن حقيقة أن الجانبين خصمان لبعضهما في مواضع كثيرة، ليس أولها مسألة الحقوق والحريات، ولا آخرها فَهم الطرفَين للديمقراطية.
تشرين.. الدماء
امتدّت العلاقة التي لم يكن جمهور العلمانيين مجتمعاً عليها إلى احتجاجات تشرين 2019، حين دفع الصدر جمهوره للمشاركة في ساحات الاحتجاج مع “المدنيين”. لكن، ولأن تشرين لم تكن شبيهة بتظاهرات 2015، اختلف الجانبان في مناسبات عدّة، وانفرطت الكتلة التاريخية على يد “القبعات الزرق” -الصدريين- حين تورّطوا في قمع وقتل عدد من شباب الاحتجاج في عدد من الساحات؛ بسبب اختلافهم على ترشيح رئيس للوزراء بعد استقالة حكومة عادل عبد المهدي، أو لأسباب أخرى مثل إنهاء الاحتجاج.
في الساحات التي سالت على أرضها الدماء، وتحطّمت الجماجم على يد أجهزة أمن أو “أطراف ثالثة”، كانت البراهين تكثر على أن التحالف هذا لم يكن كما صوّرته الأقلام الأنيقة، أو تبريرات الحزب الشيوعي، وليس فيه من “البراغماتية” شيء، بل كانت علاقة فوقية غير متّسقة، فانتهى الطرفان إلى الافتراق الانتخابي حين دخل التيار الصدري بكتلة انتخابية “صدرية” 2021، وذهب العلمانيون-المدنيون لأول مرة نحو تأسيس أحزابهم الخاصة انطلاقاً من تشرين الفارقة، ودخلها بعضهم الآخر منفرداً. لكن بعضهم سيعود في انتخابات 2025، راكباً الأحزاب الجديدة للتحالف مع قوى أخرى ليست أقرب من الصدريين، مثل قائمة “رئيس وزراء الإطار” كما أطلق عليه بعضهم، في وقت كان فيه الصدر يراقب من الحنانة مقاطعاً.
خيبة الحنّانة
عاشت “الحنّانة”، الحليفة السابقة للعلمانيين، صدمة في يوم إعلان نتائج الانتخابات، بسبب نسبة المشاركة غير المتوقّعة في الاقتراع، على عكس ما كان يأمل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، لدرجة دفعته نحو معاتبة متولي العتبة الحسينية وممثل المرجع الأعلى عبد المهدي الكربلائي؛ بسبب نشر قناة كربلاء التلفزيونية المرتبطة بإدارة العتبة مقطعاً مصوراً للكربلائي وهو يدلي بصوته في الانتخابات بهدف تشجيع الناس على المشاركة.
تترجم حالة العتب هذه واحدة من مشكلات التيار الصدري ذي الكتلة الجماهيرية الثابتة والمطيعة، ألا وهي عدم اعترافه أو سوء تقديره لـ”الغير”، وهو خلل يشترك به مع حلفائه السابقين، العلمانيين، حيث توحي خطاباته وتحركاته بأنه لا يصدّق أن هنالك تيارات مجتمعية أخرى داخل المجتمع الشيعي أو العراقي تتّبع حركات سياسية ودينية مختلفة، ومن أجل الدقّة، يشترك الحليفان السابقان في نظرتهما لتلك التيارات على أنها مرحلية وطارئة ومتغيّرة، وليست حقيقية وثابتة ومتنامية.

على مدى سنوات مقاطعته التي زادت على ثلاث، وحتى قبلها، رفع زعيم التيار الصدري شعار “الإصلاح”، وصرّح أكثر من مرة برغبته في تفكيك الفصائل المسلّحة التي أطلق عليها تسمية “الميليشيات الوقحة”، وهذا الخطاب يبرهن ازدواجية كبيرة؛ لأن التيّار الصدري يحتفظ بجناحه المسلّح “سرايا السلام” وعلى كتفيه اتهامات كبيرة تعود إلى حقبة “جيش المهدي”، الذي تشكّل بعد الاحتلال الأمريكي 2003، وكان جزءاً من الحرب الأهلية العراقية. كما تلتصق ببعض سياسييه والمفاصل الحكومية التي تولّوا إدارتها تهم الفساد نفسها التي تلاحق خصومه.
بعد تصدّره انتخابات 2021 وحصوله على 73 مقعداً كان التيار الصدري مصرّاً على تغيير المعادلة، كلّ المعادلة، كان يريد تطبيق ثنائية الحاكم والمعارضة على أن يكون في الحكم، لكنّه واجه رفضاً من التيارات والقوى الأخرى، لأن الجميع، ومنذ 2003، اعتاد على المشاركة، ولم يرغب أحد بالتخلي عن مكاسبه، وهذي هي الصيغة التي قام عليها النظام منذ لحظاته الأولى: الجميع يشترك، والجميع يكسب، وبين الجميع يضيع دم الفساد.
لا يمكن التنبؤ بتحرّكات التيار الصدري وزعيمه، لكن الأكيد أن الصيغة القديمة للحكم في “العراق الجديد” ستستمر بناءً على ما حققته الانتخابات البرلمانية 2025، خصوصاً إذا ما أتقن لاعبوها مهارة الانحناء للريح وتقديم التنازلات للعاصفة الإقليمية والعالمية، ما يعني أن فرص الصدر وتياره في قلب الطاولة والعودة إلى صدارة المشهد اعتماداً على تزعزع شرعية النظام ومبانيه، صارت أضعف، وهذا بالضبط ما ينطبق على العلمانيين وتياراتهم.
العلمانيون.. إلى اللاشيء
بطريقة أو أخرى، تمثّل الحركات والأحزاب العلمانية العراقية وعاءً للنخبة المثقفة في العراق، أو يمكن اعتبارها امتداداً لهذه النخبة، فانتقلت مشكلاتها البنيوية من ميدان المقهى إلى حلبة السياسة، لدرجة تبنّي المثقفين والسياسيين العلمانيين المصطلحات ذاتها، ووجهات النظر ذاتها، والنظر إلى الحالة العامة من الزاوية ذاتها، ومن هنا يمكننا أن نعدّ هذه الأحزاب والحركات، هي تلك النخبة ذاتها.
بينما كانت هذه النخبة، حزبياً وسياسياً وثقافياً، تواجه خصومها وتسوّق لنفسها بمصطلحات الاشتراكية، والديمقراطية، والرأسمالية، والليبرالية، كانت الفكرة الاشتراكية بنموذجها السوفييتي قد احتضرت، والديمقراطية الغربية قد اضطربت، وأتباع التيارات الشبيهة قد أخفقوا، وفشل اليمين واليسار والوسط جميعاً في اختراق جدار الواقع العراقي-العربي الذي تضاعف فيه التطرف والتشدد والعنصرية والطائفية المذهبية، وظهرت فيه الانقسامات العرقية، ليس في العراق وحده بل في عموم المنطقة التي تولد فيها الحرب تلو الأخرى، وتتضخّم على أرضها ثقافة الاجتثاث والاستئصال.
ساهمت الأزمات العراقية المتراكمة والمتتالية في إرباك وتشتيت هذه النخبة، لكنها لم تتوقّف عن تقديس تلك الأفكار والمصطلحات التراثية، ولم تلتفت إلى الحاضر، بل استمرت بمحاولات إعادة إحيائها، معتمدةً على النقل والاتّباع لا الخلق والإبداع، فوقعت في فخ التبعية لمذاهب فكرية متنوعة لا تناسب مقاساتها المجتمع العراقي القائم على توازنات دقيقة وحسّاسة وبالغة الخصوصية.
ظلّت هذه المصطلحات واللغة نخبويةً متعالية على الواقع أو رافضةً لتصديقه، حتى انفصلت الحركات والأحزاب والشخصيات السياسية التي تتبناها عن الواقعَين الداخلي-العراقي والخارجي-الإقليمي والعالمي.

ولأن اللغة يسيرة وسلِسة على ألسنة وصفحات هذه النخبة، كان لها سطوة تسويقية لا تتناسب مع حجمها الجماهيري الحقيقي، تجتمع في مواقع التواصل الاجتماعي في عالم خاص يشبه المقهى، وتناقش هذه الأفكار التي سحقتها الحروب والعنف والتحوّلات الاقتصادية العاصفة في العالم، وتتفاعل مع نفسها وتصفّق لنفسها في حجرة ضيقة معزولة عن بقيّة أركان البيت الكبير.
لم تصدّق هذه الحركات، أو لم ترغب بأن تصدّق، أن في المجتمع العراقي فئات أكبر منها وتتبنّى خطاباً مضادّاً، لم تعترف هذه الحركات بأن في العراق مجتمعاً شيعياً وسُنياً وكردياً، بل اعتقدت وصرّحت بأن هذه الأصوات المضادة ما هي إلّا مكبّرات صوت حزبية ميليشياوية، متغاضيةً عن أن لتلك الأحزاب “والميليشيات” جمهورها الكبير والمرتبط بها عقائدياً وتنظيمياً وزبائنياً.
بعد الانتخابات البرلمانية التي حقق فيها العلمانيون مجدَهم الأكبر عام 2021، اعتقد الفائزون أن تكرار هذا النجاح سهل ومضمون، متغاضين عن حقيقة فاقعة: أنها كانت لحظة مشحونة بالعاطفة، لحظة ممتدّة من احتجاجات تشرين ودماء وأرواح شبابها. واعتقدوا اعتقاداً فيه من التعالي الكثير، أن زوال قانون الانتخابات الذي سهّل وصولهم لن يؤثر على حظوظهم، ووقع العكس، كلّ العكس.
لا يمكن مقارنة الأداء الحزبي السياسي للعلمانيين خارج السلطة بأداء الإسلاميين المسيطرين عليها، ومن أجل الدقة مرّة أخرى، لا يمكن توقّع أداء ونتائج متشابهة بين مَن في السلطة ومَن يقف خارجها، أياً كان توجهه، وهذا الفارق في الأداء والنتيجة يتضاعف في بلد منهك تملأ ملامحه ندوب الحروب والمفخّخات، وينخر جسده الفساد، ويسهل فيه على من في السلطة استغلالها لمصلحته.
لكن، وعلى الرغم من غياب عدالة خطّ انطلاق السباق السياسي، كان للأحزاب والحركات العلمانية العراقية أن تتّبع أسلوباً آخر غير الذي اعتمدته في التحضير لهذا السباق، وليس المقصود هنا انتخابات تشرين الثاني الأخيرة وحدها، بل مجمل العمل السياسي والحزبي، حيث أثبتت الأيام والتجارب أن هذه التيارات “العلمانية” تعاني ضعفاً تنظيمياً كبيراً بالمقارنة مع التيارات التي تقع في الضفة الخصم، وتعتمد في بناء وتنمية نفسها على أساليب قديمة وهشّة تتمحور في الغالب حول الأشخاص لا الأفكار، وإذا ما كانت للفكرة حظوة فغالباً ما تختلف كوادر هذا الحزب أو التيار في تعريف هذه الفكرة، وتعيين الحدود والمساحات التي تتحرك بها، ودليل ما تقدّم هو نزيف الأفراد المستمر الذي تعيشه هذه التيارات وتفكّكها المتكرّر.

في هذه الانتخابات على وجه الخصوص، لم تقرأ هذه القوى التحوّلات السريعة التي طرأت على المنطقة، وأثرت في العراق عموماً وفي المجتمعات التي تنبثق منها كتلتهم الناخبة على وجه الخصوص، فضاعفوا من مهاجمة من يؤيد القوى السياسية التقليدية و”الحشد الشعبي”، ووقع بعضهم في فخّ تقبّل إسرائيل أو تأييد حروبها أو عدم إدانتها، في وقت تسلّل فيه الخوف من صواريخ وطائرات إسرائيل، ومن عودة التنظيمات الجهادية المتطرّفة وسياراتها المفخّخة إلى قلب هذا المجتمع، فخفتت حماسته تجاه اللغة والشعارات التي أغرته بعد احتجاجات تشرين.
في أيّة لحظة من اللحظات المحمّلة بالأحداث الكبيرة في العالم والمنطقة والعراق قد يتحرك التيار الصدري لاستعادة مكاسبه التي تتآكل، وقد يدفع الصدر جمهوره إلى الشارع بصفته السلاح الأقوى للتيار، هذا على الرغم من تراجع حظوظ سلاح الشارع بعد السلاسة التي مضت بها الانتخابات وأعداد المشاركين بها. لكنْ، لا يمكن لتيار كبير كالصدري أن يبقى متفرجاً؛ لأنّ كلّ يوم يمر وهو بعيد عن طاولات صنع القرار يعدّ خسارة جسيمة ومكسباً كبيراً لخصومه. حينها، على العلمانيين الذين صارت لديهم أحزابهم وحركاتهم السياسية أن يتأملوا المشهد بهدوء، وأن يطرحوا على أنفسهم أقسى الأسئلة، وأن يراجعوا شريط مسيرتهم السياسية التي لم تنتهِ بعد، وأن يعترفوا أنهم أخطأوا بحق أنفسهم وجمهورهم، وأنّهم لن يحققوا أهدافهم بتكرار ما فعلوه، بالطريقة التي فعلوه بها، وليس القصد هنا “الكتلة التاريخية” فحسب.
العالم الجديد.. الضبابية والفرص
يعيش العالم تحوّلاً كبيراً، تاريخياً، تقوده الولايات المتحدة، حيث تبرهن تحركات واشنطن، وخصوصاً في ظل القيادة الترامبية، أنها تتخلّى شيئاً فشيئاً عن النموذج الذي بنته هي، وتزعمته هي، ورعته هي، إلى نموذج آخر أكثر تطرفاً وأقل تشاركية، فأوقفت برامجها للمساعدات الإنسانية، وتراجعت عن التزاماتها العسكرية، وحطّمت بيدها صورتَها كراعية للسلام أو داعمة للتجارة الحرة والديمقراطية والحريات، وكسّرت قيود القوانين الدولية، وعاقبت مؤسسات الأمم المتحدة. وتتحوّل بشكل عنيف إلى نموذج تقوده شخصيات ثرية تحمل رؤية متطرفة لمستقبل العالم، وتتحكم به الشركات المحتكرة للتكنولوجيا المتقدمة التي تطمح إلى “العالم الجديد”، مثل مشروع Praxis الذي أُطلق عام 2019، وسعى لشراء أرض “غرين لاند”، كما يسعى لبناء مدينة/دولة في البحر المتوسط، بالإضافة إلى مشاريع أخرى تطمح إلى بناء “دولٍ شبكية”، وأطلقت مشاريعها الافتراضية بانتظار تجسيدها فعلاً على أرض الواقع، مع تعثّر الدول القومية وتفكّك المجتمعات.
تشير هذه التحوّلات الكبيرة إلى تآكل نموذج الدولة القومية، وتراجع الديمقراطية، واختلال الثقة بالشعوب كمقرّر لمصيرها، بالإضافة إلى تردّي حالة الحقوق والحريات.
في العراق هنالك حالة متكرّرة من فوات الأوان، دائماً تأتي الحلول العراقية “القديمة والبدائية” في وقت متأخر بعد أن تقع المشكلة وتتفاقم آثارها، وهذا ينطبق على جميع القوى السياسية، لا العلمانيين والصدريين فحسب، والجميع أيضاً يعاني ضعفاً في قراءة المستقبل السياسي المحلي والإقليمي والعالمي.

صحيح أن التنبؤ أكثر صعوبة في عالم يقود أقوى دولة فيه دونالد ترامب وحلفاؤه فاحشو الثراء، لكن لا يمكن، على المدَيَين المتوسّط والقريب، أن يكون الشرق الأوسط بأيّ حال من الأحوال إلّا مسرحاً للأحداث؛ لأنّ أيّة قوة ستكون بحاجة إلى مصدر الطاقة الغنيّ هذا، كما ستبقى إسرائيل عُقدةً فارقة في هذين المدَيَين على الأقل، بالإضافة إلى أسباب أخرى تُبقي المنطقة التي يقع في قلبها العراق ذات أهمية كبيرة. وهذا ما يمكن للقوى العلمانية -التي سيصير لديها الكثير من الوقت- أن تنطلق منه للتفكير بمستقبلها بعد أن تقف أمام مرآتها وتخلع عن نفسها المصطلحات تلك، والأساليب التنظيمية التي انتهت بها إلى ما هي عليه، وتفهم أن الشعارات الحادّة والمختزلة وحدها ليست عملاً سياسياً، والتحالفات المشوّهة ليست براغماتية، فعليها أن تعمل بهدوء وعقلانية لكسب مجتمعاتها إلى صفها أولاً، وتعترف لنفسها بأن العمل السياسي أكثر تعقيداً مما يُطرَحُ في مقهى، أو يُكتب في منشور على مواقع التواصل، أو يقال في لقاء تلفزيوني، خصوصاً في هذه المرحلة الضبابية من عمر العراق والمنطقة والعالم.
- تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج“.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
سحب على المكشوف.. عن الدَّين الداخلي الذي يربك الحاضر ويهدد القادم
09 ديسمبر 2025
السكراب.. حرب التهريب الخفية بين المافيات الكبيرة والتجار الصغار
07 ديسمبر 2025
قصب إيران لبناء المضايف في أهوار العراق: كيف يهدد الجفاف "هندسة سومر"؟
04 ديسمبر 2025
"الخبز صار حسرة على الفلاح".. قصة الخسارة الموجعة في نينوى
02 ديسمبر 2025
مساء 11 تشرين الثاني، في الساعة السادسة بالتوقيت المحليّ تحديداً، أُغلقت الصناديق وأبواب المراكز الانتخابية على خسارتَين: الأولى عدم نجاح أيّ من الأحزاب والقوى السياسية المدنية-العلمانية في الحصول على أيّ مقعد في البرلمان الجديد، والثانية خيبة الصدر بارتفاع عدد المشاركين في الاقتراع ونسبة المشاركة بدلاً من تضاؤلها.
هذه المرة، ارتفعت نسبة التصويت العام من 41.05 بالمئة في الانتخابات التي شارك بها وتصدّرها التيار الصدري، وحصلت خلالها الحركات المدنية على العدد الأكبر من المقاعد عبر تاريخها الانتخابي، والتي أقيمَت في تشرين الأول 2021، إلى 56.11 بالمئة ممّن حدّثوا بطاقاتهم الانتخابية في انتخابات 2025.
كان زعيم التيار الصدري، أو “التيار الوطني الشيعي” حسب آخر تحديثات التسمية، مقتدى الصدر، يريد أن يثبت للنظام كلّه أن غيابَه وأنصاره سيزعزع العملية الانتخابية ويضرب شرعيتها، فكرّر دعوة مريديه إلى تحديث بطاقاتهم، وما الغاية هنا إلّا ضمان احتسابهم كناخبين إذا ما اعتمدت المفوضية في حساب نسبة المشاركة/التصويت على المحدِّثين بطاقاتهم، لكنّ عدد من صوّت تجاوز 12 مليوناً، مقابل نحو تسعة ملايين ونصف في 2021.
وعلى عكس التماسك الصدري، انشطر العلمانيون إلى مشارك متفائل ومقاطع ساخط، وتَبنَّى المشاركون منهم خطاباً واثقاً بالفوز والتفوّق، لكن رياح الانتخابات فاتتهم جميعاً ودفعت سفن الأحزاب التقليدية أو تلك المنبثقة من فصائل مسلّحة إلى مكاسب أكبر ممّا لديهم.
حليفان.. خصمان
لطالما جمعت التيارَين، الصدري والعلماني، علاقةٌ متقلّبةٌ خلال السنوات الأخيرة، دفعت كليهما باتجاه قانون الانتخابات متعدد الدوائر وذي التصويت الفردي عام 2021، وتشاركا قبلها ساحات الاعتصام والاحتجاج واختصما فيها، وتسلّلت بعض مصطلحات الجانبَين إلى بعضهما، كما لا يمكن إغفال حقيقة أن التيار الصدري كتلة شيعية بالكامل، والحركات والأحزاب العلمانية-المدنية منبثقة في الغالب من مجتمعات شيعية أيضاً.

وصلت العلاقة إلى ذروتها بعد احتجاجات تموز 2015، التي بدأها العلمانيون في ساحة التحرير بقلب بغداد، ثم فتحوا أبوابها للتيار الصدري، وكانت مقدمة لدخولهما انتخابات 2018 البرلمانية في قائمة انتخابية واحدة.
في تلك اللحظة، برّر الشريكان علاقتهما بأنها ضرورة براغماتية، بل توسّع منظّرو الضفة العلمانية في تسويق التحالف على أنه “كتلة تاريخية”، وأن الشريكين تجمعهما حالات سوسيولوجية متطابقة انطلاقاً من نظرية غرامشي، متغاضين عن الفوارق الشاسعة في المنطلقات والغايات، بل متغافلين -بقصد أو بدونه- عن حقيقة أن الجانبين خصمان لبعضهما في مواضع كثيرة، ليس أولها مسألة الحقوق والحريات، ولا آخرها فَهم الطرفَين للديمقراطية.
تشرين.. الدماء
امتدّت العلاقة التي لم يكن جمهور العلمانيين مجتمعاً عليها إلى احتجاجات تشرين 2019، حين دفع الصدر جمهوره للمشاركة في ساحات الاحتجاج مع “المدنيين”. لكن، ولأن تشرين لم تكن شبيهة بتظاهرات 2015، اختلف الجانبان في مناسبات عدّة، وانفرطت الكتلة التاريخية على يد “القبعات الزرق” -الصدريين- حين تورّطوا في قمع وقتل عدد من شباب الاحتجاج في عدد من الساحات؛ بسبب اختلافهم على ترشيح رئيس للوزراء بعد استقالة حكومة عادل عبد المهدي، أو لأسباب أخرى مثل إنهاء الاحتجاج.
في الساحات التي سالت على أرضها الدماء، وتحطّمت الجماجم على يد أجهزة أمن أو “أطراف ثالثة”، كانت البراهين تكثر على أن التحالف هذا لم يكن كما صوّرته الأقلام الأنيقة، أو تبريرات الحزب الشيوعي، وليس فيه من “البراغماتية” شيء، بل كانت علاقة فوقية غير متّسقة، فانتهى الطرفان إلى الافتراق الانتخابي حين دخل التيار الصدري بكتلة انتخابية “صدرية” 2021، وذهب العلمانيون-المدنيون لأول مرة نحو تأسيس أحزابهم الخاصة انطلاقاً من تشرين الفارقة، ودخلها بعضهم الآخر منفرداً. لكن بعضهم سيعود في انتخابات 2025، راكباً الأحزاب الجديدة للتحالف مع قوى أخرى ليست أقرب من الصدريين، مثل قائمة “رئيس وزراء الإطار” كما أطلق عليه بعضهم، في وقت كان فيه الصدر يراقب من الحنانة مقاطعاً.
خيبة الحنّانة
عاشت “الحنّانة”، الحليفة السابقة للعلمانيين، صدمة في يوم إعلان نتائج الانتخابات، بسبب نسبة المشاركة غير المتوقّعة في الاقتراع، على عكس ما كان يأمل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، لدرجة دفعته نحو معاتبة متولي العتبة الحسينية وممثل المرجع الأعلى عبد المهدي الكربلائي؛ بسبب نشر قناة كربلاء التلفزيونية المرتبطة بإدارة العتبة مقطعاً مصوراً للكربلائي وهو يدلي بصوته في الانتخابات بهدف تشجيع الناس على المشاركة.
تترجم حالة العتب هذه واحدة من مشكلات التيار الصدري ذي الكتلة الجماهيرية الثابتة والمطيعة، ألا وهي عدم اعترافه أو سوء تقديره لـ”الغير”، وهو خلل يشترك به مع حلفائه السابقين، العلمانيين، حيث توحي خطاباته وتحركاته بأنه لا يصدّق أن هنالك تيارات مجتمعية أخرى داخل المجتمع الشيعي أو العراقي تتّبع حركات سياسية ودينية مختلفة، ومن أجل الدقّة، يشترك الحليفان السابقان في نظرتهما لتلك التيارات على أنها مرحلية وطارئة ومتغيّرة، وليست حقيقية وثابتة ومتنامية.

على مدى سنوات مقاطعته التي زادت على ثلاث، وحتى قبلها، رفع زعيم التيار الصدري شعار “الإصلاح”، وصرّح أكثر من مرة برغبته في تفكيك الفصائل المسلّحة التي أطلق عليها تسمية “الميليشيات الوقحة”، وهذا الخطاب يبرهن ازدواجية كبيرة؛ لأن التيّار الصدري يحتفظ بجناحه المسلّح “سرايا السلام” وعلى كتفيه اتهامات كبيرة تعود إلى حقبة “جيش المهدي”، الذي تشكّل بعد الاحتلال الأمريكي 2003، وكان جزءاً من الحرب الأهلية العراقية. كما تلتصق ببعض سياسييه والمفاصل الحكومية التي تولّوا إدارتها تهم الفساد نفسها التي تلاحق خصومه.
بعد تصدّره انتخابات 2021 وحصوله على 73 مقعداً كان التيار الصدري مصرّاً على تغيير المعادلة، كلّ المعادلة، كان يريد تطبيق ثنائية الحاكم والمعارضة على أن يكون في الحكم، لكنّه واجه رفضاً من التيارات والقوى الأخرى، لأن الجميع، ومنذ 2003، اعتاد على المشاركة، ولم يرغب أحد بالتخلي عن مكاسبه، وهذي هي الصيغة التي قام عليها النظام منذ لحظاته الأولى: الجميع يشترك، والجميع يكسب، وبين الجميع يضيع دم الفساد.
لا يمكن التنبؤ بتحرّكات التيار الصدري وزعيمه، لكن الأكيد أن الصيغة القديمة للحكم في “العراق الجديد” ستستمر بناءً على ما حققته الانتخابات البرلمانية 2025، خصوصاً إذا ما أتقن لاعبوها مهارة الانحناء للريح وتقديم التنازلات للعاصفة الإقليمية والعالمية، ما يعني أن فرص الصدر وتياره في قلب الطاولة والعودة إلى صدارة المشهد اعتماداً على تزعزع شرعية النظام ومبانيه، صارت أضعف، وهذا بالضبط ما ينطبق على العلمانيين وتياراتهم.
العلمانيون.. إلى اللاشيء
بطريقة أو أخرى، تمثّل الحركات والأحزاب العلمانية العراقية وعاءً للنخبة المثقفة في العراق، أو يمكن اعتبارها امتداداً لهذه النخبة، فانتقلت مشكلاتها البنيوية من ميدان المقهى إلى حلبة السياسة، لدرجة تبنّي المثقفين والسياسيين العلمانيين المصطلحات ذاتها، ووجهات النظر ذاتها، والنظر إلى الحالة العامة من الزاوية ذاتها، ومن هنا يمكننا أن نعدّ هذه الأحزاب والحركات، هي تلك النخبة ذاتها.
بينما كانت هذه النخبة، حزبياً وسياسياً وثقافياً، تواجه خصومها وتسوّق لنفسها بمصطلحات الاشتراكية، والديمقراطية، والرأسمالية، والليبرالية، كانت الفكرة الاشتراكية بنموذجها السوفييتي قد احتضرت، والديمقراطية الغربية قد اضطربت، وأتباع التيارات الشبيهة قد أخفقوا، وفشل اليمين واليسار والوسط جميعاً في اختراق جدار الواقع العراقي-العربي الذي تضاعف فيه التطرف والتشدد والعنصرية والطائفية المذهبية، وظهرت فيه الانقسامات العرقية، ليس في العراق وحده بل في عموم المنطقة التي تولد فيها الحرب تلو الأخرى، وتتضخّم على أرضها ثقافة الاجتثاث والاستئصال.
ساهمت الأزمات العراقية المتراكمة والمتتالية في إرباك وتشتيت هذه النخبة، لكنها لم تتوقّف عن تقديس تلك الأفكار والمصطلحات التراثية، ولم تلتفت إلى الحاضر، بل استمرت بمحاولات إعادة إحيائها، معتمدةً على النقل والاتّباع لا الخلق والإبداع، فوقعت في فخ التبعية لمذاهب فكرية متنوعة لا تناسب مقاساتها المجتمع العراقي القائم على توازنات دقيقة وحسّاسة وبالغة الخصوصية.
ظلّت هذه المصطلحات واللغة نخبويةً متعالية على الواقع أو رافضةً لتصديقه، حتى انفصلت الحركات والأحزاب والشخصيات السياسية التي تتبناها عن الواقعَين الداخلي-العراقي والخارجي-الإقليمي والعالمي.

ولأن اللغة يسيرة وسلِسة على ألسنة وصفحات هذه النخبة، كان لها سطوة تسويقية لا تتناسب مع حجمها الجماهيري الحقيقي، تجتمع في مواقع التواصل الاجتماعي في عالم خاص يشبه المقهى، وتناقش هذه الأفكار التي سحقتها الحروب والعنف والتحوّلات الاقتصادية العاصفة في العالم، وتتفاعل مع نفسها وتصفّق لنفسها في حجرة ضيقة معزولة عن بقيّة أركان البيت الكبير.
لم تصدّق هذه الحركات، أو لم ترغب بأن تصدّق، أن في المجتمع العراقي فئات أكبر منها وتتبنّى خطاباً مضادّاً، لم تعترف هذه الحركات بأن في العراق مجتمعاً شيعياً وسُنياً وكردياً، بل اعتقدت وصرّحت بأن هذه الأصوات المضادة ما هي إلّا مكبّرات صوت حزبية ميليشياوية، متغاضيةً عن أن لتلك الأحزاب “والميليشيات” جمهورها الكبير والمرتبط بها عقائدياً وتنظيمياً وزبائنياً.
بعد الانتخابات البرلمانية التي حقق فيها العلمانيون مجدَهم الأكبر عام 2021، اعتقد الفائزون أن تكرار هذا النجاح سهل ومضمون، متغاضين عن حقيقة فاقعة: أنها كانت لحظة مشحونة بالعاطفة، لحظة ممتدّة من احتجاجات تشرين ودماء وأرواح شبابها. واعتقدوا اعتقاداً فيه من التعالي الكثير، أن زوال قانون الانتخابات الذي سهّل وصولهم لن يؤثر على حظوظهم، ووقع العكس، كلّ العكس.
لا يمكن مقارنة الأداء الحزبي السياسي للعلمانيين خارج السلطة بأداء الإسلاميين المسيطرين عليها، ومن أجل الدقة مرّة أخرى، لا يمكن توقّع أداء ونتائج متشابهة بين مَن في السلطة ومَن يقف خارجها، أياً كان توجهه، وهذا الفارق في الأداء والنتيجة يتضاعف في بلد منهك تملأ ملامحه ندوب الحروب والمفخّخات، وينخر جسده الفساد، ويسهل فيه على من في السلطة استغلالها لمصلحته.
لكن، وعلى الرغم من غياب عدالة خطّ انطلاق السباق السياسي، كان للأحزاب والحركات العلمانية العراقية أن تتّبع أسلوباً آخر غير الذي اعتمدته في التحضير لهذا السباق، وليس المقصود هنا انتخابات تشرين الثاني الأخيرة وحدها، بل مجمل العمل السياسي والحزبي، حيث أثبتت الأيام والتجارب أن هذه التيارات “العلمانية” تعاني ضعفاً تنظيمياً كبيراً بالمقارنة مع التيارات التي تقع في الضفة الخصم، وتعتمد في بناء وتنمية نفسها على أساليب قديمة وهشّة تتمحور في الغالب حول الأشخاص لا الأفكار، وإذا ما كانت للفكرة حظوة فغالباً ما تختلف كوادر هذا الحزب أو التيار في تعريف هذه الفكرة، وتعيين الحدود والمساحات التي تتحرك بها، ودليل ما تقدّم هو نزيف الأفراد المستمر الذي تعيشه هذه التيارات وتفكّكها المتكرّر.

في هذه الانتخابات على وجه الخصوص، لم تقرأ هذه القوى التحوّلات السريعة التي طرأت على المنطقة، وأثرت في العراق عموماً وفي المجتمعات التي تنبثق منها كتلتهم الناخبة على وجه الخصوص، فضاعفوا من مهاجمة من يؤيد القوى السياسية التقليدية و”الحشد الشعبي”، ووقع بعضهم في فخّ تقبّل إسرائيل أو تأييد حروبها أو عدم إدانتها، في وقت تسلّل فيه الخوف من صواريخ وطائرات إسرائيل، ومن عودة التنظيمات الجهادية المتطرّفة وسياراتها المفخّخة إلى قلب هذا المجتمع، فخفتت حماسته تجاه اللغة والشعارات التي أغرته بعد احتجاجات تشرين.
في أيّة لحظة من اللحظات المحمّلة بالأحداث الكبيرة في العالم والمنطقة والعراق قد يتحرك التيار الصدري لاستعادة مكاسبه التي تتآكل، وقد يدفع الصدر جمهوره إلى الشارع بصفته السلاح الأقوى للتيار، هذا على الرغم من تراجع حظوظ سلاح الشارع بعد السلاسة التي مضت بها الانتخابات وأعداد المشاركين بها. لكنْ، لا يمكن لتيار كبير كالصدري أن يبقى متفرجاً؛ لأنّ كلّ يوم يمر وهو بعيد عن طاولات صنع القرار يعدّ خسارة جسيمة ومكسباً كبيراً لخصومه. حينها، على العلمانيين الذين صارت لديهم أحزابهم وحركاتهم السياسية أن يتأملوا المشهد بهدوء، وأن يطرحوا على أنفسهم أقسى الأسئلة، وأن يراجعوا شريط مسيرتهم السياسية التي لم تنتهِ بعد، وأن يعترفوا أنهم أخطأوا بحق أنفسهم وجمهورهم، وأنّهم لن يحققوا أهدافهم بتكرار ما فعلوه، بالطريقة التي فعلوه بها، وليس القصد هنا “الكتلة التاريخية” فحسب.
العالم الجديد.. الضبابية والفرص
يعيش العالم تحوّلاً كبيراً، تاريخياً، تقوده الولايات المتحدة، حيث تبرهن تحركات واشنطن، وخصوصاً في ظل القيادة الترامبية، أنها تتخلّى شيئاً فشيئاً عن النموذج الذي بنته هي، وتزعمته هي، ورعته هي، إلى نموذج آخر أكثر تطرفاً وأقل تشاركية، فأوقفت برامجها للمساعدات الإنسانية، وتراجعت عن التزاماتها العسكرية، وحطّمت بيدها صورتَها كراعية للسلام أو داعمة للتجارة الحرة والديمقراطية والحريات، وكسّرت قيود القوانين الدولية، وعاقبت مؤسسات الأمم المتحدة. وتتحوّل بشكل عنيف إلى نموذج تقوده شخصيات ثرية تحمل رؤية متطرفة لمستقبل العالم، وتتحكم به الشركات المحتكرة للتكنولوجيا المتقدمة التي تطمح إلى “العالم الجديد”، مثل مشروع Praxis الذي أُطلق عام 2019، وسعى لشراء أرض “غرين لاند”، كما يسعى لبناء مدينة/دولة في البحر المتوسط، بالإضافة إلى مشاريع أخرى تطمح إلى بناء “دولٍ شبكية”، وأطلقت مشاريعها الافتراضية بانتظار تجسيدها فعلاً على أرض الواقع، مع تعثّر الدول القومية وتفكّك المجتمعات.
تشير هذه التحوّلات الكبيرة إلى تآكل نموذج الدولة القومية، وتراجع الديمقراطية، واختلال الثقة بالشعوب كمقرّر لمصيرها، بالإضافة إلى تردّي حالة الحقوق والحريات.
في العراق هنالك حالة متكرّرة من فوات الأوان، دائماً تأتي الحلول العراقية “القديمة والبدائية” في وقت متأخر بعد أن تقع المشكلة وتتفاقم آثارها، وهذا ينطبق على جميع القوى السياسية، لا العلمانيين والصدريين فحسب، والجميع أيضاً يعاني ضعفاً في قراءة المستقبل السياسي المحلي والإقليمي والعالمي.

صحيح أن التنبؤ أكثر صعوبة في عالم يقود أقوى دولة فيه دونالد ترامب وحلفاؤه فاحشو الثراء، لكن لا يمكن، على المدَيَين المتوسّط والقريب، أن يكون الشرق الأوسط بأيّ حال من الأحوال إلّا مسرحاً للأحداث؛ لأنّ أيّة قوة ستكون بحاجة إلى مصدر الطاقة الغنيّ هذا، كما ستبقى إسرائيل عُقدةً فارقة في هذين المدَيَين على الأقل، بالإضافة إلى أسباب أخرى تُبقي المنطقة التي يقع في قلبها العراق ذات أهمية كبيرة. وهذا ما يمكن للقوى العلمانية -التي سيصير لديها الكثير من الوقت- أن تنطلق منه للتفكير بمستقبلها بعد أن تقف أمام مرآتها وتخلع عن نفسها المصطلحات تلك، والأساليب التنظيمية التي انتهت بها إلى ما هي عليه، وتفهم أن الشعارات الحادّة والمختزلة وحدها ليست عملاً سياسياً، والتحالفات المشوّهة ليست براغماتية، فعليها أن تعمل بهدوء وعقلانية لكسب مجتمعاتها إلى صفها أولاً، وتعترف لنفسها بأن العمل السياسي أكثر تعقيداً مما يُطرَحُ في مقهى، أو يُكتب في منشور على مواقع التواصل، أو يقال في لقاء تلفزيوني، خصوصاً في هذه المرحلة الضبابية من عمر العراق والمنطقة والعالم.
- تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج“.