خريسان.. كيف تحولت مياه نهر تاريخي إلى اللون الأسود؟

نهر خريسان في ديالى بُنيت حوله المدن ورُويت منه الحقول وتغير اسمه أثناء حكم البعث، واليوم يُعرَف بما يحمله من نفايات أكثر مما يُعرَف بمياهه.. هذه حكاية نهر تاريخي يحتضر وينفضّ الناس من حوله..

أحمد نجمأحمد نجم | 5 تشرين الثاني 2026

بعد أن يقطع نحو 60 كيلومتراً، لا يصل نهر خريسان إلى محطته النهائية المفترضة جنوب بهرز، وإنما ينتهي قبل عدة كيلومترات محمَّلاً بكمٍّ هائل من الملوثات المتراكمة التي يجمعها على امتداد مساره أثناء مروره بعشرات القرى والأحياء السكنية. 

في بعقوبة عاصمة ديالى، التي يشطرها نهر خريسان، يبدو مشهد النفايات التي تطفو على سطح النهر مألوفاً، وكأن المدينة قد تطبّعت معه، ولم يعد فيه ما يثير الاستغراب أو يشير إلى المخاطر. أما جنوب بهرز، فقد هجرت عشرات القرى الزراعية فيه زراعة الخضار والحبوب، وتفرّق أهلها للسكن في المدن والعمل في مجال البناء أو كسائقي “تاكسي”. 

يبدأ النهر بالتدفق من بحيرة حمرين، ويسير بموازاة نهر ديالى من جهة اليسار، ليقطع مساراً بطول 60 كم حتى ينتهي عند قرى جنوب بهرز. وعلى امتداد مساره الطويل، تنتشر عشرات القرى والأحياء وآلاف البساتين والمزارع، إضافة إلى أكثر من 15 محطة لمياه الإسالة. 

كما يمثّل النهر إرثاً تاريخياً، نشأت حوله مدينة بعقوبة، واسمه يشير إلى طريق خراسان الذي طالما ربط بين العراق القديم وبلاد فارس. ويذكر الباحث كريم الكشفي أن أصل اسمه فارسي، ويعني “شمس الشرق”. وفي ذروة التوجه القومي اعتُمد اسم “نهر سارية” رسمياً بدلاً من الاسم الفارسي للنهر. 

مياه نهر خريسان تتحول إلى اللون الأسود جنوب بهرز، مصدر الصورة: الكاتب. 

الثيل بدلاً من القمح 

عدنان واحد من مئات المزارعين في جنوب بهرز الذين تغيّرت حياتهم بسبب التلوث، فقد اتجه إلى زراعة بديلة عن القمح والشعير أو الخضار التي كانت تشتهر بها قراهم. فعلى مساحة 12 دونماً في قرية أبو خميس، يزرع عدنان الثيل، العشب النجيلي الذي يُستخدم في تغطية المساحات المفتوحة، معتمداً في سقيه على مياه بئر مالحة. 

يقول عدنان لجمار وهو يرمي بيديه حزمة من الحشائش التي تنمو وسط مزرعة الثيل: “بس الثيل يتحمل هيج مي مالح”. 

عدنان وسط مزرعة الثيل، مصدر الصورة: الكاتب.

قبل سنوات، كان عدنان وعائلته يزرعون نحو 400 دونم من القمح والشعير، معتمدين في سقيها على مضخات منصوبة على ضفة نهر خريسان في قرية أبو تينة (10 كم جنوب بعقوبة). لكن الجفاف والتلوث حرماهم من الحصص المائية، وصار وصول مياه النهر إلى قراهم أمراً نادراً، خاصة في فصل الصيف. 

وحتى عندما يقف الحظ إلى جانبهم وتصلهم مياه النهر، فإنها تصل “مي أسود ووسخ”، كما يقول عدنان. لكنها، رغم ذلك، مهمة لأنها تنعش الآبار قليلاً قبل أن تجف أو توشك على الجفاف كل صيف. 

مئات الدونمات من الأراضي التي كانت تُزرع حنطة تحولت إلى أراضٍ جرداء، مصدر الصورة: الكاتب. 

بجوار مزرعة الثيل العائدة لعدنان تمتد أراضٍ شاسعة يابسة تملأها الأدغال، كانت قبل سنوات عدة ممتلئة بسنابل القمح وتخرج منها آلاف الأطنان سنوياً. وبسبب الجفاف، تركها أصحابها ولجأوا إلى مهن أخرى. 

وخلال الموسم الماضي عام 2025، حُرمت قرى جنوب بهرز من الخطة الزراعية الشتوية الحكومية بسبب الجفاف وقلة الخزين المائي. ورغم ذلك، يجازف بعض المزارعين بزراعة القمح معتمدين على ما تجود به السماء من أمطار. 

الآبار تجف 

ولا تبدو زراعة الثيل آمنة، فقد خسر علي المجمعي صيف 2024 ما يقارب 17 مليون دينار نتيجة جفاف البئر التي تروي 20 دونماً من أرضه، وتحولت مزرعة الثيل إلى قطعة من الرماد نتيجة العطش. ويروي لجمار بحسرة عن الأموال التي خسرها في زراعة الثيل وتهيئة الأرض وشراء المرشات والمبيدات. 

ويقول المزارعون إن عمق 10 أمتار كان يكفي سابقاً للوصول إلى المياه العذبة، أما الآن فيحتاجون إلى 20 متراً. ومع ذلك، تتحول مياه الآبار تدريجياً في الصيف إلى مياه مالحة، حتى تجف بالكامل. 

مزرعة الثيل جنوب بهرز، مصدر الصورة: الكاتب. 

كان المجمعي يزرع سابقاً ثمانية دونمات من الخضار في قرية البواديش، وتدر عليه دخلاً مستقراً، لكنه اتجه مثل الآخرين إلى زراعة الثيل باعتباره البديل الوحيد المتاح. 

عمره تجاوز الـ30، وهو عمر لا يساعده على تعلم مهنة جديدة أو التحول إلى عامل بناء، كما يقول. ورغم ذلك، فهو منشغل حالياً بتهيئة أرضه لزراعتها مجدداً بالثيل هذا العام. 

القرى تفقد سكانها 

تتفاقم تأثيرات الجفاف والتلوث كلما انحدر النهر نحو القرى الأبعد. ففي قرية تل الأسمر، وهي آخر قرى جنوب بهرز وتبعد نحو 35 كم جنوب بعقوبة، لا تصل مياه النهر منذ خمس سنوات، لا صيفاً ولا شتاءً. ولم يتبقَّ من سكان القرية، البالغ عددهم نحو ألف شخص، سوى 300 فقط، أما البقية فقد توزعوا في أحياء بعقوبة بحثاً عن حياة أفضل، كما يقول أبو قاسم، مختار القرية، لجمار. 

وارتفعت نسبة الهجرة من الأرياف في ديالى بين عامي 2018 و2024. فبحسب بيانات وزارة التخطيط، انخفضت نسبة سكان الريف في ديالى من 51 بالمئة عام 2018 إلى أقل من 47 بالمئة في الإحصاء السكاني لعام 2024. 

أما من تبقى من سكان القرية، فإن معظمهم يزرع الثيل أيضاً، معتمدين في سقيه على مياه آسنة قادمة من بزل كنعان. 

أكوام النفايات وسط نهر خريسان في بعقوبة، مصدر الصورة: مواقع التواصل الاجتماعي. 

وتكمن المشكلة الأساسية للقرى في الاستخدامات الأخرى للمياه، مثل الغسل والاستخدام المنزلي، إذ يعتمد الأهالي على مياه الآبار المالحة بعد استخدام حبوب تعقيم تُباع في الصيدليات، وأحياناً يقومون بتسخين المياه قبل استخدامها. 

ويقول المزارع علي المجمعي إن انتشار الحبوب في أجسام سكان القرى أمر شائع، خاصة عند الأطفال؛ نتيجة الغسل بمياه النهر مباشرة. 

أما مياه الشرب، فمشروع مياه الإسالة متوقف منذ نحو 20 عاماً، ويستخدم الأهالي مياه محطات التصفية RO أو يعتمدون على تنقية مياه الآبار بالفلاتر المنزلية. 

بقع زيتية 

يقع على نهر خريسان أكثر من 15 محطة مياه إسالة، تغذي في بعقوبة وحدها نحو 500 ألف شخص، وجميعها تتأثر بمستوى التلوث في النهر، لدرجة اضطرار الجهات المختصة إلى إيقاف تشغيل محطات مياه الإسالة أحياناً عدة أيام للتخلص من النفايات، كما يقول المهندس ميثاق سامي، معاون مدير الموارد المائية في ديالى. 

يقول سامي لجمار: “أحياناً تظهر بقع زيت غريبة في النهر، فنضطر إلى إبلاغ دائرة الماء بإيقاف مشاريع الإسالة لحين تصريف المياه والتخلص من البقع”. أما مصدر هذه البقع، فيرجَّح أنه يعود إلى استبدال دهن السيارات والمولدات الكهربائية القريبة من النهر، إضافة إلى تصريف مياه المجاري ورمي الحيوانات الميتة. 

كما أن سبباً آخر يؤدي إلى توقف مشاريع الإسالة، وخاصة مشروعَي ماء التحرير وبهرز الواقعَين جنوب بعقوبة، هو تجمع النفايات قرب القناطر، إذ تقدر دائرة الموارد المائية حجم النفايات التي تُرفع شهرياً من النهر بين ستة وسبعة أطنان. 

خنزير نافق وسط النهر، مصدر الصورة: الكاتب. 

ويزيد المشكلة تعقيداً انخفاض الإطلاقات المائية للنهر التي مصدرها بحيرة حمرين نتيجة الجفاف، وتصل إلى سبعة أمتار مكعبة في الثانية صيفاً. لذلك، ومنذ نحو أربع سنوات، جرى إنشاء محطة تعزيز لنهر خريسان من نهر دجلة، تضخ في النهر ثلاثة أمتار مكعبة في الثانية لدعم مشاريع مياه الإسالة. 

ويقول سامي إن ضخ مياه من نهر دجلة في خريسان ساهم في تحسين جودة المياه، لكن هذا التحسن لا يشمل قرى جنوب بهرز؛ لأن ناظماً مائياً يغلق النهر لحصر المياه وتجميعها لمشروعَي التحرير وبهرز. 

وبعد انتهاء مشاريع مياه الإسالة في بعقوبة، وقبل دخول النهر قرى جنوب بهرز، يجري إمداده من محطة ضخ من نهر ديالى المجاور له. غير أن المشكلة تكمن في أن مياه نهر ديالى لا تقل سوءاً عن مياه خريسان، فهي “غير صالحة للشرب، وثلاثة أرباعها مياه بزل ومجارٍ”، كما يقول ميثاق سامي. 

إنذارات لا تردع 

يرى الجميع حجم النفايات في مجرى النهر، ولونه الذي يزداد قتامة كلما مر بالمزيد من الأحياء والقرى، ويشم الجميع رائحته المنفرة. لكن لا أحد يتحمل مسؤولية المحافظة على نقاوة مياهه، إذ تتقاذف المؤسسات الحكومية فيما بينها مسؤولية ذلك. 

النفايات تتجمع قرب القناطر وسط المدينة، مصدر الصورة: مواقع التواصل الاجتماعي

تقول دائرة الموارد المائية إن مسؤوليتها تنحصر في السيطرة على الحصص المائية ومعالجة التجاوزات عليها، فيما تقع مسؤولية النفايات ومياه المجاري على عاتق دوائر البلدية والمجاري. 

ويرى المهندس ميثاق سامي ضرورة تفعيل دور الوحدات الإدارية لمحاسبة المتجاوزين، ويشير إلى أن إجراءات المحاكم الطويلة والروتينية لا تردع المخالفين، “فالغرامات قليلة يدفعها المتجاوزون ولا يرفعون التجاوز”. 

في أحد الأحياء الجديدة التي بُنيت على أراضٍ زراعية، وجّه الأهالي مجاري الحي لتصب في نهر خريسان. ويقول أحد المسؤولين المحليين رفض ذكر اسمه: “من يستطيع أن يغلق هذا الأنبوب ويتحمل غضب الناس وضغوط المسؤولين؟” 

تقر دائرة البيئة بتلوث النهر نتيجة عدم التزام الأهالي بالإجراءات البيئية، وقيامهم برمي النفايات وتصريف المجاري في مجرى النهر، كما يقول مدير البيئة رياض فاضل. 

ويذكر فاضل لجمار أن دائرة البيئة حددت نقاط التجاوزات موضحاً: “لدينا 56 إنذاراً و10 غرامات في النصف الثاني من العام الماضي”. لكنه يشير إلى الحاجة إلى ردع أقوى للسيطرة على تلك التجاوزات. 

وتظهر الوثائق المنشورة من قبل بيئة ديالى عام 2021، توجيه خمس عقوبات بالإنذار إلى مديرية الموارد المائية، وبلدية بعقوبة، ودائرة المجاري، والوقف السني، وجامع الشابندر؛ نتيجة مخالفات بيئية على نهر خريسان. ورغم مضي نحو خمس سنوات على تلك العقوبات، فإن تأثيرها على حال النهر غير واضح. 

تفشي الكوليرا 

توصلت ميس طه، المتخصصة في الزراعة والتي تعمل في جامعة ديالى، إلى أن مياه نهر خريسان ملوثة وغير صالحة للاستخدام؛ نتيجة ارتفاع نسب الرصاص والكادميوم في المياه. 

وخلال أربعة فصول من عام 2022، سحبت الباحثة عينات من نقاط متعددة، بدأت من نقطة انطلاق النهر شمال المقدادية وانتهت في مدينة بهرز، وتقول إن “مياه النهر ملوثة بشكل خطير بالعناصر الثقيلة، وهي غير مناسبة لأغراض الشرب والري في جميع الفصول”. 

وتعزو طه أسباب هذا الارتفاع إلى الاستخدام المبالغ فيه للمبيدات والأسمدة، وعوادم السيارات، ومخلفات محطات غسل السيارات، وتبديل الدهون. 

والتلوث في خريسان ليس مشكلة طارئة. ففي عام 2010، أجرت الباحثة نسرين أحمد دراسة ووجدت أن “مستوى التلوث عالٍ جداً”، كما رصدت نسبة مرتفعة من الزئبق، إذ يمكن أن يصل تركيزه في المياه إلى درجة السمية والتأثير المباشر في صحة الإنسان. 

ورصدت الباحثة منذ ذلك الوقت رمي القصابين مخلفات الذبح في النهر، بما فيها الدماء، بالإضافة إلى نفايات المطاعم والمقاهي والجوامع. 

وتجلت أزمة تلوث المياه في ديالى في تفشي الكوليرا عام 2022، وهو ما توصلت إليه دراسة أجراها ثلاثة باحثين، وخلصت إلى تسجيل 139 إصابة مؤكدة بالكوليرا في ديالى. وأرجعت الدراسة أسباب التفشي إلى ضعف أنظمة الصرف الصحي، وتلوث الأنهار، ونقص المياه الآمنة. 

ووفقاً للإحصاء السكاني لعام 2024، فإن 52 بالمئة من سكان ديالى فقط يستخدمون مياه الإسالة للشرب، فيما يستخدم نحو 40 بالمئة المياه المعبأة ومحطات تنقية المياه RO، ويعتمد ثمانية بالمئة على مصادر أخرى. 

ويقول نزار اللهيبي، عضو مجلس محافظة ديالى، إن مشكلة المياه جنوب بهرز بدأت منذ عام 2005، ولم تُعالَج بشكل جاد حتى الآن، ويضيف: “حتى مياه الإسالة تنقطع لعدة أيام في الصيف بسبب ارتفاع مستوى التلوث”. 

ويشير اللهيبي، الذي شغل منصب مدير ناحية بهرز سابقاً، إلى وجود ضبابية من قبل الحكومة المركزية والموارد المائية في التحكم بالإطلاقات، وتقسيم الواردات المائية، والمحافظة على مناسيب الأنهار، يقول: “ففي الصيف تصل إلى بهرز، عبر محطة الضخ من نهر ديالى إلى خريسان، مياه مبازل آسنة غير صالحة للشرب والغسل والسقي، وفي بعض مواسم الشتاء يفيض النهر بالمياه”. 

ولا تبدو إجراءات مجلس المحافظة واضحة بهذا الشأن، إذ يقول اللهيبي إن المجلس يعمل كجهة رقابية على توجيه مديري الوحدات الإدارية والبلديات لمحاسبة المتجاوزين وحماية النهر من النفايات، ويؤكد أن الجهات التنفيذية فعلت ذلك. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

صحفي عراقي
بمشاركة