كشفت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وما تلاها من توسّع إقليمي، عجز العراق عن تأمين بدائل لتصدير نفطه عند اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. فمع تأخر الناقلات وتعطّل جداول الشحن وامتلاء الخزانات أعلنت وزارة النفط خفض الإنتاج، في بلد يمرّ أكثر من 90 بالمئة من صادراته النفطية عبر الموانئ الجنوبية المرتبطة بالمضيق.

مثلت تلك الحرب لحظة انكشاف لمنظومة تصدير تقلّصت خياراتها على امتداد عقود. فالمسارات التي ربطت الحقول العراقية بالبحر المتوسط والبحر الأحمر تتوزع بين خطوط متوقفة ومتضررة وأخرى فقد العراق السيطرة عليها، فيما لم تتطور المنافذ المتبقية إلى بدائل قادرة على استيعاب الصادرات عند تعطّل المسار الجنوبي.
وامتدّ الانكشاف إلى النقل البحري؛ إذ لا تمتلك شركة ناقلات النفط العراقية أي ناقلة مخصصة للنفط الخام، وتعتمد صادرات البلاد على سفن يوفّرها المشترون. وبين منافذ محدودة وأسطول غائب عن نقل الخام، أظهرت الحرب حجم اعتماد العراق على ممرات ووسائل نقل لا يملك السيطرة عليها.
الجنوب.. صادرات مرتبطة بمضيق هرمز
تضم الموانئ النفطية العراقية ميناء خور العمية وميناء البصرة في أقصى شمال الخليج العربي. أُنشئ خور العمية، المعروف أيضاً بـ”الميناء العميق”، عام 1959، ودخل الخدمة فعلياً عام 1962، فيما دُشّن ميناء البصرة النفطي، المعروف سابقاً باسم “ميناء البكر”، عام 1975.
وتعتمد البلاد على الموانئ الجنوبية في نقل الجزء الأكبر من صادراتها النفطية إلى الأسواق العالمية، ولا سيما جنوب شرق آسيا وأوروبا والولايات المتحدة، ما يجعل استمرار التصدير عبرها أساسياً للإيرادات المالية للدولة.

ووفقاً لوكالة الطاقة الدولية، استناداً إلى بيانات شركة كبلر، كان العراق يصدّر عبر مضيق هرمز نحو 3.3 ملايين برميل من النفط يومياً خلال عام 2025، إضافة إلى 310 آلاف برميل من المشتقات النفطية وكميات أخرى من المكثفات، ليكون ثاني أكبر مصدّر للنفط عبر المضيق بعد السعودية.
أما الكميات المتبقية فتُنقل عبر خط جيهان التركي، أو بالصهاريج إلى الأردن ووجهات أخرى. ويجعل هذا التركز في الجنوب أي اضطراب في هرمز تهديداً مباشراً لقدرة العراق على التصدير، مهما بلغ مستوى الإنتاج في حقوله.

ومع امتداد الحرب إلى الممرات البحرية، واجه العراق تأخر الناقلات وتعطّل الشحن، ثم اضطر إلى خفض الإنتاج بعد امتلاء الخزانات، قبل أن يلجأ إلى خفض أسعار بيع النفط؛ في محاولة لتحفيز المشترين على تحمّل المخاطر والوصول إلى الموانئ النفطية العراقية. وبينما انتشرت أنباء عن موافقة إيران على عبور الناقلات العراقية عبر مضيق هرمز، كشف رئيس مجلس الوزراء العراقي، علي الزيدي، عن رفض طهران السماح بمرور شحنات النفط العراقية عبر المضيق. ويعكس هذا التضارب في المواقف مدى ارتباط استمرار الصادرات النفطية العراقية بتطورات الحرب ومواقف أطرافها، وما تفرضه من تحديات على قدرة العراق على تصدير نفطه.
بانياس.. مسار إلى المتوسط تعطّل منذ عقود
يعود ارتباط حقول شمال العراق بالبحر المتوسط إلى شبكة خطوط نفطية امتدت منذ منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، وشملت كركوك–طرابلس، وكركوك–حيفا، وكركوك–بانياس.
أُنشئ خط كركوك–بانياس عام 1952، بطول يقارب 800 كيلومتر وطاقة تبلغ 300 ألف برميل يومياً. وفي عام 1982، توقفت عمليات التصدير عبره بقرار من الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد؛ دعماً لإيران خلال الحرب العراقية–الإيرانية، التي استمرت بين عامي 1980 و1988.
حاول العراق إعادة تشغيل الخط عام 2000، إلا أن المحاولة لم تنجح، قبل أن يتعرض لأضرار كبيرة بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003. وبقي المسار الذي أتاح وصول النفط العراقي إلى الساحل السوري خارج الخدمة، فيما تتكرر مقترحات إحيائه ضمن خطط تنويع منافذ التصدير.

جيهان.. طاقة لا تعوّض الجنوب
يتكون خط كركوك–جيهان من أنبوبين متوازيين. بدأ تنفيذ الأول بعد اتفاقية ثنائية بين العراق وتركيا عام 1973، ودُشّن عام 1976 بطول يقارب 986 كيلومتراً. وفي منتصف ثمانينيات القرن الماضي، أُنجز الأنبوب الثاني ودخل الخدمة عام 1987، بطاقة تصميمية بلغت 1.4 مليون برميل يومياً.
ويمثّل الميناء التركي أحد منافذ تصدير النفط العراقي خارج الخليج، إلا أن الكميات المنقولة عبر هذا المسار، إلى جانب النقل البري، لا توفّر بديلاً قادراً على تعويض الصادرات الجنوبية عند تعطّلها.
وتتضمن الخطط التي أعلنتها وزارة النفط رفع الطاقة التصديرية عبر جيهان إلى نحو 650 ألف برميل يومياً، فيما طرحت وكالة الطاقة الدولية مقترحاً لإنشاء خط جديد يربط حقول البصرة بالميناء التركي؛ لتوفير مسار إضافي بعيداً عن مضيق هرمز.

الخط السعودي.. منفذ فقده العراق
أُنشئ الخط العراقي–السعودي، المعروف اختصاراً بـ”IPSA”، لنقل النفط الخام من حقل الزبير غربي البصرة عبر الأراضي السعودية إلى ميناء المعجز على ساحل البحر الأحمر. ويبلغ طوله نحو 1568 كيلومتراً، بطاقة تصميمية تصل إلى 1.650 مليون برميل يومياً.
بدأ تنفيذ مرحلته الأولى مطلع عام 1984، وشملت مد الخط من حقل الزبير إلى مدينة خريص السعودية، وتشييد خزانات وثلاث محطات ضخ توربينية. ودُشّنت هذه المرحلة منتصف عام 1986، ثم بدأت المرحلة الثانية في الربع الأول من عام 1987، واكتملت أعمالها في كانون الثاني 1990.
وفي آب من العام نفسه، أُوقف ضخ النفط العراقي عبر الخط مع فرض العقوبات الاقتصادية بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 661؛ إثر الغزو العراقي للكويت.
واستحوذت السعودية لاحقاً على الجزء الواقع داخل أراضيها ومرفأ التحميل؛ بدعوى استحصال جزء من التعويضات المستحقة في ذمة العراق لصالحها، ليفقد العراق منفذاً لتصدير نفطه عبر البحر الأحمر.

شركة ناقلات بلا ناقلات للخام
إلى جانب تعطل مسارات التصدير، تراجع دور العراق في النقل البحري لنفطه. فقد تأسست شركة ناقلات النفط العراقية، إحدى تشكيلات وزارة النفط، عام 1972؛ لتنفيذ عمليات النقل البحري للنفط والغاز والمنتجات النفطية، وامتلكت أسطولاً يضم نحو 26 ناقلة، قبل أن يتعرض للتدمير خلال الحروب، ويتراجع خلال سنوات الحصار الاقتصادي.
وبعد عام 2003، باشرت الشركة جهوداً لتحديث أسطولها، إلا أن ما تمتلكه اليوم يقتصر على ناقلات للمنتجات النفطية، فيما تُنقل صادرات الخام بواسطة سفن أجنبية.
يقول صلاح الزيدي، ربان أعالي البحار، في حديث لجمّار، إن أسطول الشركة الحالي “ضعيف جداً” ولا يواكب حجم الإنتاج النفطي في البلاد.
ويوضح أن الأسطول قبل عام 1990 كان يضم أربع ناقلات بحمولة تبلغ 155 ألف طن لكل منها، وناقلتين بحمولة تبلغ 147 ألف طن، وناقلتين بحمولة تبلغ 118 ألف طن، وسبع ناقلات بحمولة تصل إلى 35 ألف طن، وثلاث ناقلات للمنتجات النفطية بسعات تتراوح بين سبعة آلاف و13 ألف طن، فضلاً عن جنيبتين بحمولة ألف طن لكل منهما.

أما اليوم، بحسب الزيدي، فلا تمتلك الشركة سوى ست ناقلات للمنتجات النفطية، اثنتان منها بحمولة تبلغ 31 ألف طن، وأربع بحمولة تصل إلى 13 ألف طن لكل منها، من دون أي ناقلة نفط خام عملاقة من فئة VLCC.
ويقول الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي إن الطاقة الإجمالية لناقلات الشركة الست تبلغ 117 ألف طن، وإن أربعاً منها تجاوز عمرها التشغيلي 15 عاماً، ما يرفع حاجتها إلى الصيانة الدورية كل سنتين ونصف، بدلاً من خمس سنوات للناقلات الأحدث.
ويقارن المرسومي ذلك بعام 1983، حين امتلكت الشركة نحو 25 ناقلة نفط خام بطاقة إجمالية بلغت 1.485 مليون طن، وكانت تنقل النفط العراقي إلى موانئ العالم، إضافة إلى عملها في النقل بين الموانئ الدولية.

المشترون يتولون الشحن
يبيع العراق نفطه وفق نظام “التسليم على ظهر السفينة”، المعروف اختصاراً بـ”FOB”، الذي يتولى بموجبه المشتري توفير الناقلة وتحمّل كلفة النقل والتأمين والمخاطر الملاحية.
ويشير الزيدي إلى أن غياب ناقلات الخام العراقية يحرم البلاد من عوائد أجور النقل التي يمكن تحصيلها بامتلاك أسطول ناقلات عملاقة.
ويوضح حسين الجزائري، الباحث الأكاديمي المتخصص في اقتصاديات النقل البحري، في حديث لجمّار، أن الأسطول العراقي الصغير يقتصر عمله على نقل المنتجات النفطية من ميناء خور الزبير وميناء أم قصر إلى الخزانات العائمة في منطقة انتظار السفن في الفاو، بإشراف شركة ناقلات النفط العراقية وإدارتها.
أما شركة تسويق النفط “سومو” فتتولى بيع النفط العراقي ومنتجاته وفق عقود “FOB”؛ بسبب عدم امتلاك العراق ناقلات خام من فئتي “VLCC” و”Suezmax”، ما يجعل المشترين مسؤولين عن توفير السفن ونقل الشحنات إلى موانئ التفريغ.
ويرى الجزائري أن هذه الآلية تعني خسارة مورد مالي يتمثل في أرباح نقل النفط، مشيراً إلى أن الموانئ النفطية العراقية تستقبل شهرياً نحو 85 ناقلة، وأن كلفة استئجار الناقلة الواحدة تتجاوز 100 ألف دولار يومياً.
تراجع عراقي أمام أساطيل المنطقة
يتضح حجم تراجع الأسطول العراقي عند مقارنته بأساطيل دول المنطقة. فالسعودية تمتلك نحو 40 ناقلة نفط خام عملاقة بطاقة تقارب 12 مليون طن، فيما تدير الكويت 32 ناقلة متنوعة لنقل النفط الخام والغاز والمنتجات النفطية، بطاقة تصل إلى 4.640 ملايين طن.
وفي قطر، تدير شركة ناقلات نحو 69 ناقلة للغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى أربع ناقلات لغاز النفط المسال، ووحدة عائمة لتخزين الغاز وإعادته إلى حالته الطبيعية.
وتدير شركة أدنوك للإمداد والخدمات في الإمارات أسطولاً يتجاوز 245 سفينة، تشمل ناقلات طاقة وسفن دعم وخدمات لوجستية مرتبطة بالنفط والغاز، كما تشغّل ما بين 30 و35 ناقلة متخصصة في نقل النفط الخام والغاز والمنتجات الكيماوية. ووسّعت الشركة أسطولها عبر الاستحواذ على شركة شحن عالمية أضافت 32 ناقلة جديدة.
وفي سلطنة عُمان، تدير شركة أسياد للنقل البحري أكثر من 90 سفينة، فيما تمتلك إيران 42 ناقلة نفط خام عملاقة من فئة “VLCC”.
في المقابل، يقتصر الأسطول العراقي على ست ناقلات للمنتجات النفطية، من دون قدرة على المشاركة في نقل صادرات البلاد من الخام إلى الأسواق العالمية.
مشاريع لتوسيع الخيارات
أعادت الحرب ومخاطر الملاحة في مضيق هرمز طرح مشاريع تنويع منافذ التصدير، عبر إحياء خطوط قديمة وإنشاء مسارات جديدة تتيح نقل النفط العراقي إلى موانئ خارج الخليج.
وكشف فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، عن تبنّي الوكالة رؤية لإعادة تشكيل خريطة تدفقات النفط في الشرق الأوسط وتقليل الاعتماد على المضيق، تتضمن مقترحاً لتشييد خط ينقل الخام من حقول البصرة إلى ميناء جيهان التركي.
وقال بيرول إن المشروع المقترح المدعوم من الوكالة يعزز أمن الإمدادات، خصوصاً نحو الأسواق الأوروبية، ويوفّر منفذاً بديلاً للصادرات العراقية بعيداً عن المخاطر الجيوسياسية في الخليج.
من جهته، قال باسم محمد خضير، وزير النفط العراقي، في تصريح سابق، إن الوزارة تدرس إنشاء خط نفطي جديد من الجنوب، مع فروع تمتد نحو الأردن وسوريا، ضمن خطة لتعزيز مرونة التصدير، وتقليل المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، وإتاحة التنافس أمام شركات عراقية وأجنبية لتنفيذه وفق المواصفات العالمية.
وأكد خضير وجود خطط لإنشاء خط باتجاه ميناء بانياس السوري، إلى جانب رفع الطاقة التصديرية عبر ميناء جيهان إلى نحو 650 ألف برميل يومياً.
وتواجه هذه المقترحات تحديات تتعلق بالكلفة المالية والظروف الأمنية والتوازنات الإقليمية، التي قد تعيق تنفيذها أو تؤخره. كما أن تطوير أسطول الناقلات يرتبط بتوفير منافذ متاحة ومتنوعة، تضمن استمرار وصول النفط إلى الأسواق عند تعطل أحد المسارات.
وإلى حين تنفيذ هذه المشاريع، يبقى أكثر من 90 بالمئة من الصادرات النفطية العراقية مرتبطاً بالموانئ الجنوبية ومضيق هرمز، وهو ما يعد ثغرة كشفتها الحرب حين أدّى تعطل الشحن إلى امتلاء الخزانات وخفض الإنتاج، من دون وجود منافذ بديلة قادرة على استيعاب النفط.