في سن التاسعة، وفي ظهر إحدى الأيام الصيفية، كنت أنا وأختي نرقص على أغنية أطفال، نحرك أذرعنا ورؤوسنا بحرية، طفلتين مستمتعتين بأغنية طفولية، حتى ظهر أبي بوجه أحمر غاضب.
ضربني أنا وأختي بـ”الجفجير”، ومع الضربات كانت تخرج من فمه كلمتا “ساقطات” و”كيولية”. لم أكن أعرف معناهما قبل تلك الحادثة، وأفهمتني الضربات التي ازرق جسدي وكُسرت يد أختي بسببها حجم “العار” الذي ارتكبناه، لمجرد أننا حركنا جسدينا وتمايلنا على إيقاع الموسيقى.
كان والدي يتبنى معتقدات دينية تجعل الرقص والأغاني من الكبائر والمحرمات، لا باعتبارها أفعالاً قد “تُدخلني النار” وحدي، بل لأنها، بحسب ما كان يؤمن، ستجره هو أيضاً إليها. وكان يردد دائماً حديثاً اكتشفت لاحقاً أنه لا أصل له: “إذا دخلت امرأة إلى النار أدخلت معها أربعة: أباها وأخاها وزوجها وولدها”.
كان يردد الحديث على مسامعنا مع كل فعل أو قرار، ويزيد من تعصبه مجتمع مغلق يرى في النساء هماً وغماً حتى الممات.
من تلك الحادثة تعلمت درساً قاسياً عن الرقص، وهو أن أتجنبه وأتجنب حتى ذكره. صرت أتشنج عندما أقرأ عن شخصية ترقص في كتاب أو رواية، ويصبح وجود الكتاب نفسه عبئاً علي.

في الواقع، لم يسأل والدي يوماً عن الشخصيات في الكتب التي أقرأها، لكن الخوف كَمَن في عقلي. صرت أتجنب الأعراس خشية أن يعرف أبي أننا نرقص هناك، وحتى عندما أكون وحدي، كانت حركاتي الراقصة مشبعة بالخوف والتشنج. كلما أردت تحريك جسدي، ولو قليلاً، تذكرت تلك الكدمات، إلى أن تعرّف جسدي إلى ساجدة عبيد.
لا أعرف متى بدأت أحب أغانيها وأستمع إليها، لكنني أتذكر اللحظة التي كسر فيها صوتها شيئاً من “العار” العالق بجسدي. ظهرت إحدى أغانيها مصادفةً بين مقترحات الأغاني التي كنت أسمعها سراً بسماعات الرأس، كان الصخب في صوت ساجدة يناديني لأتحرك أكثر.
كنت في الـ19، في المرحلة الثانية من الجامعة، وهي المرحلة التي بدأت فيها إعادة تفكيك المفاهيم بعمق أكبر، استناداً إلى ما أختبره أنا، لا إلى ما قيل لي، وإعادة بناء علاقتي بجسدي وصحتي النفسية.
كنت وحدي في البيت، أغلقت باب الحوش وباب المطبخ وباب غرفتي، وخلعت السماعات لأستطيع سماع صوت الباب. أنصتُّ أكثر: “يمين، يسار، فوك، تحت”. لم أكن أعرف الحركات، لكن صوتها والقصص التي ترويها في أغانيها جعلاني أتمايل وأكتشف مفاصل في جسدي لم يُسمح لي، كامرأة، بتحريكها، أماكن “الخطيئة” التي تعلمت منذ الصغر أنها يجب أن تُغطى وألا تبرز أبداً. لكن ساجدة علمتني كيف أحرك هذا الجسد، وهذه المناطق تحديداً، فيما تروي لي قصصاً غير تقليدية.
كنت أشعر بالتشنج والعار والخجل والثقل النفسي، حتى إنني كنت أغمض عينيّ، لكنني أصررت على إكمال الرقص.. إكمال التحرر.
بالتكرار، صار جسدي أكثر “حرية”، وصارت ساجدة رفيقتي التي تواسيني في عذابات الحياة الصغيرة، وفي خيبات الأهل والحبيب، وحتى في الأفراح الكبيرة. كانت تصرح برغباتها ورغباتنا في “هلي الظلام”، وتدعو على من آذوا روحها في “شدعيلك ياللي حركت كلبي”. كسرت ساجدة “تابو شراب العرك”، وقدّمت رغبات الجدات اللواتي تعلَّمنا أنهن يفقدن رغباتهن حين يتقدمن في العمر، فعرفتنا إلى “عجوز البيت السكرانة”، وردت على من “يعهّر” حركات الجسد: “هذا لعبنا لا تكول استهتار”.
صرت أتوق إلى الذهاب إلى الأعراس لأسمع صوت ساجدة. على صوتها يرقص الجميع، ويتحرر الجسد من عين الرقيب والخوف. تُحرِّك النساء أجسادهن أكثر، وإن بقي بعضهن حذرات من عين تلتقط رقصهن وتحوله إلى مادة للأحاديث.
أما أنا، ففي كل عرس لا أتوقف عن الرقص حتى تتعب قدماي، وأعجز عن الحركة ليومين، رغم الخوف من معرفة أبي.
كشفت لي ساجدة الازدواجية التي نعيشها في العراق. لم يسبق أن حضرت عرساً لم تكن ساجدة بطلته، فلم يكن الجميع يطلبون سوى أغانيها. في أحد الأعراس، رأيت طفلة في الخامسة أو السادسة ترقص بكل جسدها، وحين غُيّرت أغنية ساجدة صرخت الطفلة، متعثرةً في نطق اسمها، مطالبةً فتاة الـ”دي جي” بإعادة الأغنية. شجعت الأم ابنتها وصارت ترقص معها، لكن الجدة قالت لها بنوع من المزاح: “ديري بالج لا تصير كيولية”.
لا أحد يريد أن يصير مثل ساجدة، لكن الجميع لا يرقصون إلا على صوتها، يستهلكون صوتها ثم “يحتقرونها”.
تشرح النسوية بيل هوكس، في كتابها Eating The Other، كيف لا تكتفي المجتمعات باستهلاك “الآخر” واعتباره مصدراً للمتعة، بل تعيد بعد ذلك إنتاج النظرة الدونية إليه. وهذا ما يظهر بوضوح في الطريقة التي يُحتفى بها بأصوات النساء، ولا سيما الأصوات الشعبية، في لحظة الفرح، ثم تُخضع للنقد الأخلاقي في الفضاء العام. وهذا ما حدث بعد وفاة ساجدة.
ففجأة تحولت ساجدة عبيد من طاقة الفرح الخضراء التي كسرت الحواجز الطبقية، ودخلت بيوت الأغنياء والفقراء والمهاجرين والمغتربين، ووحدت العراقيين في حبها، إلى موضوع للذم والاستهجان، وصار البعض يسخّف أي شخص يراها أيقونة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد نشرت بعض الصفحات، ومنها صفحة الحساب الرسمي الذي يديره وكلاء أعمالها، صورةً لها بغطاء رأس، رغم أنه لم يكن جزءاً من حياتها، ولم تكن تلك هي الصورة التي اختارتها لنفسها، بل وُلّدت بالذكاء الاصطناعي، وقد ظهرت في لحظات حياتها الأخيرة في المستشفى بلا غطاء رأس، كما كانت دائماً. كأن ما كانت عليه لم يكن كافياً أو مقبولاً، فكان لا بد من إعادة تشكيلها بعد موتها لتناسب معايير لم تعش وفقها يوماً.
حاولوا السيطرة على آخر ما يستطيعون السيطرة عليه من ساجدة: جسدها، وأجساد النساء اللواتي يتحركن على أغانيها. فيستخدم رجال الدين كلمة “الراقصات” شتيمةً في كثير من خطبهم، ويحرِّمون الرقص، ويتوعدون النساء اللواتي يرقصن أو يسمعن الأغاني بألوان من العذاب يتفننون في تخيلها: “ستُعلقين من شعرك، من صدرك”، تخيلات دنيوية مرعبة.
حين ترقص النساء على أغاني ساجدة، فإنهن يمارسن حقهن في الفرح والتعبير بأجسادهن. لكن الخطاب الذي يتوعدهن بالعذاب يحاول إخضاع هذه اللحظة أيضاً لسلطته، فيقرر كيف تتحرك المرأة، وأمام مَن، وما الذي يحق لها أن تستمتع به. ويعمل التخويف هنا على دفعها إلى مراقبة نفسها حتى في غياب من يراقبها، فتتراجع عن حركة ترغب فيها، أو تشعر بالذنب إزاء لحظة فرح، لتمتد سلطة الواعظ إلى علاقتها بجسدها، ويصبح الخوف وسيلة لضبط سلوكها من الداخل.

وتؤدي إهانة الراقصات وظيفة أخرى: تحويل امرأة إلى عبرة للأخريات، وإبلاغهن بأن الخروج عن الحدود المرسومة لهن قد يكلفهن سمعتهن ومكانتهن الاجتماعية. وحتى حين ترقص المرأة لمجرد أنها تحب الأغنية، فإن محاولة منعها تمنح تلك اللحظة بُعداً سياسياً؛ إذ تضع حقها في الاختيار في مواجهة سلطة تدّعي حق التحكم بها.
في يوم تأهل المنتخب العراقي إلى كأس العالم 2026، واحتفاءً بهذا الإنجاز للمرة الثانية في تاريخ العراق الرياضي، خرج الرجال يحركون أجسادهم ويرقصون في الشوارع علناً، بلا خوف أو رقابة، وبلا رجل قد يكسر عظامهم أو شرطة قد تعتقلهم بتهمة “المحتوى الهابط”. في المقابل، لم أرَ امرأة واحدة تحرك جسدها، إذ اكتفين بالتصفيق، بل تعرضت بعض المشجعات العراقيات لمضايقات وتشكيك أخلاقي لمجرد حضورهن المباراة.
وفي حفلات التخرج، تمتلئ خانة التعليقات على منصات التواصل الاجتماعي بعبارات “تعهّر” أي فتاة تميل بجسدها ولو قليلاً، وأحياناً يكفي وجودها وسط الرقص للتشكيك في أخلاقها.
والنساء اللواتي رقصن على “تيك توك” و”إنستغرام”، ولو قليلاً، صار محتواهن “محتوى هابطاً”، وبعضهن اعتقل. وحتى بعض الرجال الذين يتمايلون قليلاً مع الأغاني يوصمون بأنهم “خفيفون” أو “ناعمون” أو “فروخ”، وتمتلئ خانة التعليقات بإيحاءات جنسية مهينة.
امرأة شجاعة
عام 2021، اشتعلت احتجاجات أمام “سندباد لاند” قادتها جماعات دينية رفضت حفلاً لساجدة عبيد بوصفه “غير أخلاقي”، وأُلغي الحفل. لذلك كنت أخشى على ساجدة دائماً، في مجتمع يضيّق على النساء يوماً بعد يوم، من اغتيال الناشطات بلا حساب، إلى الإفلات المستمر من العقاب، وصولاً إلى قوانين وقرارات وحملات تقيد التعبير والحريات، مثل حملة مكافحة المحتوى الهابط، وإلغاء حفلات المغنين في محافظات عديدة تحت شعار “القدسية”.
لم تتحدث ساجدة أبداً عن محاولات اغتيال أو مضايقات، رغم انتقالها بعد عام 2003 إلى أربيل، بعدما باعت عائلتها منزلها في بغداد. وتحدث مقربون منها عن تهديدات طالت دائرتها، لكنها لم تحب أن تقدم نفسها بوصفها ضحية.
وحين يذكّرها شقيقها إياد بحادثة إطلاق النار التي أصابت باب سيارتهما تختصر الواقع بقولها: “هذا ليس استثناءً، كل مغنية في العراق لديها قصة مشابهة”.
وأنا أحب ساجدة لهذا السبب. كانت امرأة “شجاعة” بطريقتها، لا تحمل لافتة في الشارع ولا تكتب منشورات على “فيسبوك”، بل تفكك ما نعيشه نحن النساء وتغنيه، وترفض إطار الضحية.

أحب قوتها، تلك التي ظهرت حتى في أكثر اللحظات رعباً ومصيرية. تُروى حكاية عن إحدى المناسبات في زمن النظام السابق، حين قال لها عدي صدام حسين، المعروف بمزاجه الحاد، إنه استمتع بغنائها لكنه لا يستطيع تقبل أن تحمل مغنية “غجرية” اسم والدته. وبعد صمت، ردت عليه ببساطة: “هذا ليس ذنبي، أنا وُلدت قبل والدتك”.
أن تقول امرأة ذلك أمام عدي، وأن تحمل كل تلك الوصمات: “غجرية” و”كيولية”، ثم تفرض اسمها وحضورها، وتصبح جزءاً أساسياً من الأعراس وصوتاً يجمع الناس رغم كل شيء، فذلك ما استطاعت ساجدة وحدها أن تفعله.
لم يستطيعوا إسكات التي غنت دائماً عن المحظور. علمتنا ساجدة عبيد أن “لا تكول من أحبك عيب”، وأن المجتمع الذي ينخره الفساد “مو هو اللي يكول العيب”، وأن هذا “حكمك القاسي أيها المجتمع”.
ظهيرة يوم السبت، الرابع من نيسان 2026، ودّعت ساجدة برقصة على أغنية “يا ظلام يا هلي”؛ لأنها تحكي قصصنا نحن النساء، ليس مع الأهل وحدهم، بل مع المجتمع الذي يصر على وضعنا في قالب واحد. أما أغاني ساجدة، فربما حررتنا من القوالب التي حاولوا حصرها فيها: “غجرية” و”كيولية” و”راقصة”.
وحتى بعد موتها، تناولتها التعليقات بالذم، وكشفت مجدداً ازدواجية ما نعيشه وما نرغب فيه. صارت أغانيها “تريند” لأبناء جيلي والأجيال السابقة، ورقصوا عليها في كل أفراحهم، فلماذا ازدروا ما رقصوا عليه وطربوا له؟
بعد رحيلها، صرت أسمع أغانيها وشيء من الغصة في حلقي، وصار جسدي، الذي تعلّم على صوتها أن يتخفف من العار، حزيناً لغيابها، يفتقد مَن شاركته اكتشافه.
أغاني ساجدة ستعيش لأجيال، سنعود إليها ونرقص، ونترك أجسادنا تتحرك كما ترغب، بعيداً عن الخوف من نظرات الآخرين وأحكامهم. وستأتي نساء بعدنا، يكتشفن أغانيها ويصنعن معها لحظاتهن الخاصة من الفرح والتحرر، كما أفعل أنا وبنات جيلي مع أغاني صديقة الملاية وحمدية سبتي وأخريات. وسيبقى شيء من ساجدة فينا، في رغبتنا بأن نحب أجسادنا، ونختار كيف نعيش بها، ونرقص بلا وصم أو محاسبة، ودون أن نعتذر عن ذلك لأحد.