“السدر بدلاً من النخيل”.. كيف يتكيف مزارعو العراق مع الجفاف والفساد؟

من الأرز إلى التين، ومن النخيل إلى السدر، يغيّر مزارعو العراق محاصيلهم لمواجهة الجفاف وارتفاع التكاليف ومنافسة المستورد، فيما يصطدم الدعم الحكومي والدولي بالفساد وصعوبة الوصول إلى الأسواق.

مبادرة الإصلاح العربيمبادرة الإصلاح العربي | 29 تشرين الأول 2026

دفع نقص المياه مزارعي عقرة إلى ترك زراعة الأرز والتوجه إلى زراعة التين والجوز والرمان. وفي جنوب العراق، يزرع آخرون السدر بدلاً من النخيل، ويتجه مزارعون يستأجرون أراضي في البصرة إلى زراعة الأعشاب؛ لانخفاض تكلفتها وإمكانية بيعها طوال العام. وتكشف خيارات هؤلاء كيف تتداخل مواجهة الجفاف والملوحة مع محاولات تجاوز ارتفاع تكاليف الإنتاج ومنافسة المستورد وصعوبة الحصول على الدعم الحكومي. 

خلال نيسان وأيار 2025، أجرينا 34 مقابلة مع مزارعين وناشطين ومسؤولين حكوميين وممثلين لمنظمات محلية ودولية، في إقليم كردستان وشمال العراق ووسطه وجنوبه. وتحدث المشاركون، الذين أُخفيت أسماؤهم لحمايتهم، عن طرق استمرارهم في الزراعة، وحدود المساعدة التي يتلقونها من الحكومة والمنظمات الدولية. 

تُظهر هذه التجارب أن توفير أنظمة ري حديثة وألواح شمسية يصطدم بظروف تحدد قدرة المزارعين على استخدامها والاستفادة منها، من دخلهم وديونهم إلى علاقاتهم السياسية وفرص بيع محاصيلهم. 

معدات يصعب تحمّل كلفتها 

تزداد الضغوط المناخية على الزراعة العراقية. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، ارتفع متوسط درجات الحرارة في العراق بمقدار 0.48 درجة مئوية لكل عقد بين عامي 2000 و2023، مقابل متوسط عالمي بلغ 0.37 درجة. وقدّرت المنظمة الدولية للهجرة بقاء أكثر من 140 ألف شخص نازحين لأسباب مرتبطة بالمناخ حتى آذار 2024. 

وتتداخل هذه الضغوط مع آثار النزاعات وصعوبة الوصول إلى الأراضي وضعف إدارة المياه ومعالجتها، فضلاً عن تحديات تقاسم المياه مع تركيا وإيران. 

ركزت الاستجابة الحكومية على تطوير محاصيل مقاومة للمناخ، وتشجيع البيوت البلاستيكية وتقنيات الري الحديثة. وتستهلك الزراعة بين 75 و80 بالمئة من المياه المستخدمة في العراق، مع استمرار الاعتماد على الري بالغمر والقنوات المفتوحة. 

وتدعم الحكومة شراء تقنيات الري الحديثة بنسبة 30 بالمئة، وتشتري القمح من مستخدميها بأسعار أعلى قليلاً، وتوفر قروضاً منخفضة الفائدة للمعدات وتحسين البساتين. ومنذ 2022، أُطلقت مبادرات لتمويل الألواح الشمسية المستخدمة في تشغيل مضخات المياه. 

لكن تكلفة هذه المعدات تتجاوز قدرة كثيرين. فقد قدّر أحد المشاركين في الحمدانية تكلفة تركيب شبكة الري بالتنقيط لمزرعة متوسطة بنحو 45 ألف دولار. وفي المقابل، أظهر مسح أجراه المجلس النرويجي للاجئين في البصرة عام 2022، أن متوسط دخل المزارعين المشمولين بلغ 280 ألف دينار شهرياً. 

وتضاف إلى تكلفة الشراء نفقات الصيانة والإصلاح، ومشكلات المعدات منخفضة الجودة. وحين يفشل المحصول أو تنخفض الإنتاجية يصعب تسديد الأقساط، وقد يضطر المزارعون إلى بيع أجزاء من أنظمة الري لتغطية احتياجاتهم. 

مساعدة محدودة وعلاقات نافذة 

قدمت المنظمات الدولية معدات ري وألواحاً شمسية وبيوتاً بلاستيكية، ودربت مزارعين على استخدامها وصيانتها. وشملت تدخلاتها تأهيل قنوات ومحطات مياه، وتوفير ثلاجات لحماية منتجات مربي الجاموس من التلف. وفي المناطق المستعادة من تنظيم داعش، استهدفت برامجها تشجيع عودة النازحين عبر تأمين مصدر دخل. 

لكن المساعدات بقيت محدودة النطاق، ووصف مشاركون المعدات بـ”غير المكتملة”. وقال موظف سابق في منظمة دولية إن خراطيم الري الموزعة كانت قصيرة وتفتقر إلى مضخات مياه، متسائلاً عن إمكانية استخدامها. 

وفي الناصرية، رصدنا مبادرة اقتصرت على توزيع نحو 12 خزان مياه، تبلغ تكلفة الواحد منها في السوق المحلية 20 ألف دينار تقريباً. كما أدى خفض المساعدات التنموية إلى توقف مشاريع أو تقليصها، بما يضعف استمراريتها وإمكانية توسيعها. 

ويواجه الدعم مشكلات تتعلق بتوزيعه أيضاً. فبحسب مزارعين تحدثنا إليهم، يحصل أصحاب الصلات السياسية على حصة غير متناسبة من الإعانات والخدمات، ويتمكنون من توسيع إنتاجهم وزيادة مشتريات الحكومة منه على حساب صغار المزارعين. 

واشتكى مستأجرون في البصرة من حصول ملاك أراضٍ على قروض زراعية واستخدامها في بناء منازل أو إطلاق مشاريع أخرى، بدلاً من تحسين الأراضي وتجهيزها. 

محاصيل بلا سوق 

تفاقمت هذه الصعوبات مع التحولات الاقتصادية بعد 2003، حين اتسع الانفتاح التجاري وتراجع الإنتاج الوطني. وأتاحت سيطرة نخب سياسية وجماعات مسلحة على الحدود ومسارات التجارة تدفق منتجات مستوردة تضغط على أسعار المحاصيل المحلية وتقلص أسواقها. 

كما عززت التشريعات المتعلقة بحماية الأصناف النباتية اعتماد المزارعين على الشركات المنتجة والمستوردة للبذور، عبر تقييد حفظ البذور المحمية وتبادلها، بما يزيد تكاليف الإنتاج والمديونية. 

وتؤثر هذه الظروف في فرص تغيير الممارسات الزراعية. وروى مشارك عَمِل في مشروع لتشجيع الصيد بالشباك أن صيادين تمسكوا بالصيد الكهربائي لأنه يوفر كميات أكبر. وقال: “التوعية ليست كافية لشخص جائع، لا يمكنك تثقيفه إذا لم يملك طعاماً”. 

وتوضح هذه التجربة صعوبة مطالبة العاملين في الزراعة والصيد في العراق بتغيير أدواتهم حين تهدد كلفة التغيير دخلهم وقدرتهم على تأمين معيشتهم. 

تغيير المحاصيل ومصادر الدخل 

استجاب مزارعون بتقليص إنتاجهم والبحث عن وظائف حكومية أو أعمال يومية، مع الاحتفاظ بأراضيهم لتأمين غذاء الأسرة وبيع الفائض. 

وفي عقرة، دفع نقص المياه بعض منتجي الأرز إلى زراعة التين والجوز والرمان. واكتسب التين أهمية بسبب تحمله الظروف القاسية ومذاقه المرتبط بزراعته في المرتفعات، الذي يساعده على منافسة المستورد. 

وفي الجنوب، انتقلت أسر من الأهوار إلى الزبير للعمل في زراعة الطماطم وتقاسم الأرباح مع ملاك الأراضي. وقال مشاركون إن عائد بعض هذه الأسر لا يتجاوز 750 ألف دينار في الموسم. 

واتجه مزارعون في الجبايش وشمال البصرة إلى البامية لقلة احتياجاتها المائية نسبياً، واستخدموا الأنفاق الزراعية المنخفضة لزراعتها شتاءً وحصادها ربيعاً، بما يتيح زراعة محاصيل صيفية، بينها الذرة المستخدمة علفاً للحيوانات. 

وتزداد الحاجة إلى الأعلاف مع تراجع المراعي التي يعتمد عليها الجاموس، واضطرار مربين إلى بيع جزء من مواشيهم لتغطية كلفة إطعامها. ووفّر التوسع في الزراعة فرص عمل لسكان فقدوا مصادر العيش التقليدية، بينهم نساء يصعب عليهن إيجاد عمل في المدن بسبب الأعراف الاجتماعية. 

السدر مكان النخيل 

دفعت الملوحة والجفاف وانتشار الأمراض مزارعين في الجنوب إلى الابتعاد عن النخيل. وقال أحدهم: “بدأنا ندرك أن الأموال التي كنا ننفقها لمحاولة الحفاظ على الأشجار كانت أكثر بكثير من الأرباح التي كنا نجنيها من بيع التمور”. 

واتجه بعضهم إلى السدر الذي يحتاج إلى مياه أقل ويتحمل الملوحة بصورة أفضل، ويمكن حصاد ثماره بعد عامين، مقارنة بخمس سنوات يحتاج إليها النخيل، بحسب المشاركين. 

كما تحوّل مستأجرون في البصرة من زراعة الطماطم مرتفعة التكلفة إلى الأعشاب التي يمكن بيعها طوال العام. ويساعد تنويع المحاصيل على توزيع المخاطر وتقليل الخسائر في حال فشل أحدها أو تدفق واردات تخفض أسعاره. 

وفي عقرة، بدأ مزارعون بتربية الأغنام لبيع حليبها أو لحومها حين لا تكفي الأمطار لزراعة الأرز، بينما أنشأ آخرون مشاتل لتوفير دخل أكثر استقراراً. 

وتحمل هذه التحولات خسائر ثقافية أيضاً، مع تراجع النخيل وتغيّر أنماط العيش المرتبطة بالأهوار. 

الآبار وحدود الحلول الفردية 

جمع مزارعون مياه الأمطار، وأعاد آخرون استخدام مياه الصرف الزراعي، رغم مخاطر التلوث والملوحة عند غياب المعالجة. ويظل حفر الآبار من أكثر الخيارات انتشاراً، إذ سُجل نحو 110 آلاف بئر في العراق حتى 2023. 

وتقلل الآبار اعتماد المزارعين على الأمطار والحصص الحكومية التي قد تخضع لاعتبارات سياسية وانتخابية. وتتأثر قانونية بعض الآبار بعلاقات أصحابها بالنخب السياسية والمالية. 

لكن التوسع في استخراج المياه الجوفية أدى إلى انخفاض مستوياتها في بعض المناطق، فيما يواجه مزارعو الزبير تلوثاً متزايداً في مياههم الجوفية مرتبطاً بالصناعة النفطية. 

وقد ظهرت مبادرات تجمع مزارعين وناشطين عراقيين في الخارج لتجريب الزراعة العضوية والحرجية، باستخدام السماد العضوي وتنويع الأشجار والمحاصيل وتحسين التربة. وتسعى مجموعات أخرى إلى استعادة البذور المحلية وتبادلها وإحياء معارف إكثارها. 

ويمكن دعم هذه الجهود بتعديل قانون تسجيل الأصناف الزراعية واعتمادها وحمايتها؛ لضمان حقوق المزارعين في حفظ البذور وتبادلها، وإدراج الزراعة المستدامة والحرجية في الخطط الحكومية. 

ويحتاج استمرار الزراعة إلى تعزيز الأسواق المحلية، وإعادة تشغيل المصانع الوطنية المتوقفة، ودعم تعاونيات تتقاسم تكلفة المعدات ومخاطر المواسم، وتقييم المساعدات الدولية على المدى الطويل، فتجارب المزارعين تربط التكيّف مع المناخ بشروط معيشتهم، من خلال القدرة على شراء المعدات وصيانتها، والحصول على المياه بعدالة، وبيع المحاصيل بعائد يسمح بمواصلة الزراعة. 

  • هذا المقال نسخة مختصرة من بحث “ما وراء الحل التكنوقراطي: المزارعون العراقيون والتكيّف المحلي مع تغيّر المناخ“، لطيف الخُضيري، ضمن مشروع “DIRAIA”، ويُنشر بالشراكة مع مبادرة الإصلاح العربي.  

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

مؤسسة بحثية و ملتقى الفكر الحر في المنطقة العربية.
بمشاركة