قال رئيس الوزراء، علي الزيدي، إن نسبة الفاسدين في مؤسسات الدولة العراقية لا تتجاوز اثنين بالمئة، وإن هؤلاء هم من يسيئون إلى سمعة بقية المسؤولين والموظفين، مانحاً، بهذا التصريح، 98 بالمئة من العاملين في الدولة شهادة نزاهة، في بلد يصعب فيه إنجاز معاملة من دون المرور بسلسلة من الوسطاء والامتيازات والعلاقات، وفي دولة أُنفقت فيها مئات مليارات الدولارات وما تزال عاجزة عن توفير خدمات أساسية لمواطنيها.
لكن ربما يكون الزيدي صادقاً في اعتقاده أن الفاسدين لا يتجاوزون اثنين بالمئة، وعلى الأغلب هنا تكمن المشكلة، وهي في عدم رؤية الزيدي للفساد فساداً أصلاً.
فالزيدي ليس غريباً عن الدولة التي يتحدث عن نزاهتها. إنه أحد أبناء النظام السياسي والاقتصادي الذي نشأ بعد عام 2003، وأحد رجال الأعمال الذين صنعوا ثرواتهم في ظلّه، وعقدوا علاقاتهم مع أحزابه ومسؤوليه ومؤسساته. وقبل أن يصبح رئيساً للوزراء، كان يدير أعمالاً في اللجان الاقتصادية للأحزاب، وانتقل بعدها إلى المصارف والاستثمار والتعليم والتجارة، وارتبطت جلّ أعماله بعقود حكومية، بينها تجهيز مواد البطاقة التموينية والغذاء للجيش العراقي.

لقد عرف الزيدي الدولة من موقع التاجر قبل أن يصل إلى موقع الحاكم، منخرطاً خلال هذا المسار مع رجالها ومؤسساتها، وتعامل مع منظومة العقود والامتيازات التي نشأت حول المال العام. واليوم أصبح علي الزيدي -الرجل الذي صعد اقتصادياً في ظل هذه المنظومة- مسؤولاً عن إدارتها، وعن تحديد ما إذا كانت فاسدة أم نزيهة.
تجعل سيرة علي الزيدي تعريفه للفساد موضعاً للفحص. فربما لا يرى أرفع مسؤول في الدولة العراقية أن الحصول على الامتيازات بفضل العلاقات السياسية مشكلة، كما أن تضارب المصالح أمر، في نظره، لا يستحق الإدانة، أما استخدام النفوذ للحصول على فرص اقتصادية أكثر فهو ليس سوى “شطارة” يعرفها رجال الأعمال والسياسة. وربما يرى أن الفاسد هو من يمد يده و”يبوك” مباشرة من المال العام، أما الذين يعرفون كيف يحصلون على المال عبر العقود والقرارات والعلاقات فهم رجال أعمال ناجحون.
إبراز هذا الاحتمال بشأن رؤية الزيدي للفساد وتعريفه ليس بعيداً عن طبيعة الاقتصاد السياسي العراقي، الذي أصبحت فيه العلاقة بالسلطة طريقاً إلى الثروة، والثروة طريقاً إلى السلطة. فمنذ عام 2003، لم تكتفِ الأحزاب باقتسام المناصب، بل امتد نفوذها إلى العقود والتعيينات والمصارف والمنافذ والهيئات العامة. وبمرور الوقت، تحول كثير مما يُفترض أن يثير الشبهات في دولة محترمة إلى جزء من قواعد العمل اليومية المعتادة في العراق.

صندوق النقد الدولي، المؤسسة غير المعروفة بخطابها الثوري، وصف الفساد في تقريره عن العراق لعام 2025 بأنه متفشٍّ في الوظائف الأساسية للدولة، وربط بين ترتيبات تقاسم السلطة بعد 2003 واستغلال المؤسسات لتحقيق منافع شخصية وحزبية، وهو تشخيص يعني أن الفساد ليس نتاج مجموعة من الأشخاص السيئين الذين تسللوا إلى مؤسسات سليمة، بل هو جزء من الطريقة التي توزَّع بها السلطة والموارد داخل الدولة.
أما البنك الدولي، فقد أظهر مسحه لمنشآت الأعمال في العراق عام 2022، أن 50.5 بالمئة من الشركات المشمولة واجهت طلب رشوة واحداً على الأقل في المعاملات التي يقيسها المسح.
ولا يحتاج العراقي إلى قراءة تقارير صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي ليعرف أن الفساد جزء من حياته اليومية. يكفي أن يحاول استخراج وثيقة، أو تسجيل عقار، أو إنجاز معاملة، أو الحصول على موافقة إدارية، ليجد نفسه في كل واحدة من هذه المحطات أمام موظف يريد رشوة، أو وسيط يعرض تسهيل الأمور، أو صاحب علاقة يستطيع أن “يسوي” ما لا يستطيع الآخرون فعله.
حتى الجواز الإلكتروني، الذي يدفع المواطن 91 ألف دينار لإصداره، تحيط بدوائر إصداره مكاتب تقدم خدمات إلكترونية يُفترض أن الدولة قادرة على توفيرها مباشرة وبسهولة.
ولو وقف العراقي أمام ضميره فقد يجد أنه شارك، ولو مرة واحدة في الشهر، في ممارسة يعرف أنها فاسدة. ربما دفع مالاً لتسريع معاملة، أو طلب مساعدة قريب يعمل في مؤسسة حكومية، أو وافق على ترتيب غير قانوني كي لا تتعطل مصالحه.

وعلى الرغم من أن هذه الأفعال تجعلنا جميعاً فاسدين، فإن ذلك لا يعني أننا متساوون في المسؤولية. فمن يدفع رشوة تحت الابتزاز ليس مثل من يطلبها، ومن يبحث عن طريقة للحصول على حقه ليس مثل من يستخدم السلطة لحرمان الآخرين منه، ومن يعمل في خدمة الدولة ليس كمن يطلب خدماتها.
وبطبيعة الحال، ليس ضرورياً أن يكون جميع الموظفين فاسدين لكي تكون المؤسسة فاسدة. فقد يعمل فيها موظفون لا يتقاضون الرشى، لكنهم يقبلون نظاماً يوزع الامتيازات بالمحسوبية، أو يصمتون عن مخالفات يعرفونها، أو ينفّذون قرارات تخدم مصالح خاصة. وقد يكون بعضهم عاجزاً عن الاعتراض أو خائفاً من خسارة وظيفته، لكن هذا فساد أيضاً وجزء من المشكلة؛ لأن الفساد لا يعني أن يسرق المرء فحسب، بل يكفي أن يتيح له أن يصبح ممكناً ومحمياً ومقبولاً.
وربما هنا بالضبط تكمن مشكلة الزيدي. فهو ينظر إلى المسؤولين الذين عرفهم وتعامل معهم، وإلى المؤسسات التي بنى علاقاته الاقتصادية في محيطها، ولا يرى ما يدعو إلى اعتبارهم فاسدين، ذلك أن ما عايشه من أساليب فاسدة أصبح طريقة عمل مألوفة إلى درجة أن الخروج عليها، لا الالتزام بها، قد يبدو أمراً استثنائياً.
والكارثة ليست في أن يكون رئيس الوزراء مخطئاً في تقدير نسبة الفاسدين فقط، بل في أن يكون مقتنعاً تماماً بهذه النسبة، وأن تكون خبرته الطويلة في التعامل مع الدولة قد جعلته يرى كثيراً من أشكال استغلال النفوذ والمحسوبية وتبادل المصالح أعمالاً عادية لا علاقة لها بالفساد.
والحال هذه، يصبح من المشروع التفكير في احتمال موغل في غرابته، وهو أن يكون بعض الذين يضعهم الزيدي ضمن نسبة الاثنين بالمئة هم الذين تجاوزوا حتى حدود الفساد المسموح به في المنظومة، أو الذين لم تعد السلطة قادرة على حمايتهم، بينما يبقى الآخرون نزهاء في حساباته؛ لأنهم يعرفون كيف “تمشي الأمور”.
ومن يُشخّص الفساد ويطالب بإنهائه لا يشبه من يحاول إنكاره، والأرجح أن الفساد الذي لا يراه رئيس الوزراء، علي الزيدي، لن يدخل في إحصاءاته، وبلا شك لن يكون موضوعاً لمكافحته.