سباق الأعشار.. كيف وزعت “المعدلات المتضخمة” طلاب الطب بين الحكومي والموازي والأهلي؟

يحصل الطالب العراقي على معدل 99 بالمئة، ثم يُغلَق باب كلية الطب الحكومية في وجهه بسبب أعشار قليلة.. مقال عن تضخم الدرجات وسباق القبول في التعليم الموازي والأهلي..

أمير حيالأمير حيال | 18 تشرين الأول 2026

معدل 99 بالمئة لم يعد يضمن للطالب العراقي الحصول على مقعد في كلية الطب، إذ أدى الارتفاع الكبير في الحصول على الدرجات إلى انقسام الناس في التساؤلات: هل أصبح الطلبة أذكى وأشطر، أم إن الامتحانات وطريقة وضع الدرجات تنطوي على مشكلة؟ 

بدأت هذه القصة منذ عام 2020 مع انتشار جائحة كورونا، ثم أحداث احتجاجات تشرين، حين اضطرت وزارة التربية إلى حذف أجزاء من الكتب وتأجيل الامتحانات لمساعدة الطلبة، لكن هذا الحل المؤقت تحول إلى عادة مستمرة كل سنة، فالطلبة يطالبون بالحذف، والوزارة تستجيب وتغير المواعيد، مثلما حدث في نيسان 2026، حين أعلنت جدولاً ثم غيرته بعد ثلاثة أيام فقط بسبب اعتراضات المعلمين والطلبة. 

وعلى الرغم من عودة الامتحانات إلى موعدها المعتاد في الشهر السادس مع تقليص محدود جداً للمناهج، واصلت المعدلات صعودها الصاروخي بلا توقف، إذ بدأت بالارتفاع عام 2020، واستمرت في الصعود بأعوام 2021 و2022 و2023، ثم واصلت قفزاتها في عامي 2024 و2025 من دون أي تراجع، في مشهد مختلف تماماً عما كان عليه الواقع عام 2017 على سبيل المثال. 

هذا الوضع دفع كثيراً من الطلبة إلى إعادة السنة الدراسية كاملة، ليس ليتعلموا أكثر، بل ليركزوا على الأسئلة المكررة القديمة طمعاً في الوصول إلى الدرجة الكاملة. 

معدل 99 لا يكفي 

وصلت المفارقة إلى ذروتها عام 2025، حين أغلقت كليات الطب أبوابها في وجه طلبة حصلوا على معدل 99؛ لأن القبول توقف عند 99.57، ما أجبر هؤلاء المتفوقين على الذهاب إلى الجامعات الأهلية بسبب أعشار بسيطة أضاعت أحلامهم. 

وهنا يظهر تناقض غريب، فكيف ترتفع الدرجات بهذا الشكل والطلاب ما زالوا يطالبون بحذف من المناهج وتأجيل الاختبارات؟ السر يكمن في طبيعة الأسئلة الوزارية ذاتها، إذ تحولت في السنوات الأخيرة إلى نماذج مكررة ومعروفة مسبقاً، وصار الطالب قادراً على نيل الدرجة الكاملة بمجرد حفظ الإجابات والتدرّب عليها من دون الحاجة إلى فهم عميق أو تفكير. 

وقد ألغى هذا التكرار الفوارق الحقيقية بين جامع المعرفة والحافظ، ونفخ الدرجات بشكل غير واقعي. ويتضح ذلك بسهولة عند مقارنة أسئلة الرياضيات، ففي امتحان عام 2018 جاء سؤال يطلب تذكر وتطبيق قوانين درسها الطالب في الصف الخامس، بينما غابت هذه المسائل الذكية عن امتحانات 2026 لصالح أسئلة مباشرة وسهلة الحفظ. 

قيمة هذه الأسئلة أنها تكشف من يفهم حقاً ويربط المعلومات القديمة بالجديدة، بدلاً من حفظ القوانين ونسيانها بمجرد الخروج من قاعة الامتحان. 

في المقابل، جاء امتحان الرياضيات لعام 2026 نسخةً مكررةً من مسائل الكتاب وأسئلة السنوات السابقة، إذ أظهرت الأرقام أن 110 درجات من أصل 155 كانت مقابل أسئلة طابقت مسائل الكتاب حرفياً، والباقي نُسخ سابقة مع تغيير بسيط في الأرقام. وقد حرمت هذه النمطية الامتحان من التمييز بين الطالب الذي يفهم بعمق وزميله الذي تدرب على حفظ القوالب الجاهزة وتفريغها على الورقة. 

حلول معلبة 

زاد انتشار شروحات الإنترنت والملازم الرقمية منذ عام 2020 من هذه الأزمة، فعلى الرغم من أنها وفرت الدروس للجميع مجاناً وبلا تكلفة، فإنها عوّدت الطلبة على تلقي حلول معلبة وجاهزة، وقتلت فيهم مهارة التفكير والتحليل الذاتي. 

أما المناهج ذاتها فمشكلتها تكمن في كثرة صفحاتها وحشوها لا في عمق أفكارها، فالكتب الثقيلة تُجبر الطالب على الحفظ السريع لإنهاء المادة قبل الامتحان، بدلاً من أن تمنحه فرصة الفهم والاستيعاب، ليتحول من باحث ومفكر إلى مجرد وعاء لتخزين المعلومات. 

التعليم في عالم اليوم لم يعد حشواً للرؤوس، بل تدريب للعقول على التفكير النقدي وحل المشكلات والعمل الجماعي، كما لا يعني استخدامُ التكنولوجيا الاكتفاء بملفات المراجعات المركزة والحلول الجاهزة، بل توظيفها في البحث وتجهيز الطالب لسوق العمل بمهارات حقيقية تفيده في حياته اليومية، وتجعل منه عنصراً يشارك ويبحث ويسأل بدلاً من الاكتفاء بالاستماع. 

لهذا كله، لا يمكن القول إن صعود المعدلات علامة على شطارة استثنائية أو تطور في التدريس، بل هو نتيجة واضحة لنظام دراسي كامل يدفع الطالب نحو الحفظ الآلي والتفريغ في الورقة، عوضاً عن الفهم والتحليل الحقيقي. 

مقارنة بسيطة بين عامي 2015 و2025 تكشف الفارق بوضوح، ففي السابق كانت الدرجات منطقية وتفرز المستويات بدقة، أما اليوم فقد قفزت إلى أرقام غير مسبوقة تجاوزت حتى الـ100 بالمئة. 

لا يعني هذا الصعود الصاروخي أن الطلبة صاروا أكثر مثابرة فجأة، بل يؤكد أن طريقة وضع الأسئلة والتقييم هي التي تغيرت. 

اللجوء إلى الطب الأهلي 

فجّر النائب عادل الركابي نقاشاً حاداً حين تحدث علناً عن تضخم أعداد أصحاب المعدلات الكاملة، مشيراً إلى تكرار الأسئلة وشبهات تسريبها، وهو ما أثار انقساماً واسعاً على منصات التواصل، إذ غضب طلبة واعتبروا كلامه تقليلاً من جهدهم وتعبهم، بينما وافقه آخرون ورأوا في تصريحه اعترافاً بخلل حقيقي يضرب نزاهة الامتحانات. 

في المقابل، يرتبط هذا التضخم ارتباطاً وثيقاً بظاهرة التوسع في الجامعات الأهلية، ففارق عشري بسيط مثل 0.01 بات كافياً لحرمان طالب متفوق من الطب الحكومي ودفعه مجبراً نحو الكليات الخاصة. 

مسار كليات الطب الأهلية بدأ في أيلول 2017 مع منح أول ترخيص لجامعة العميد، ثم سارت الأمور بحذر شديد حتى عام 2022، مع شروط صارمة كوجود مستشفيات تعليمية، لتنضم إليها جامعات مثل وارث الأنبياء والكفيل والعين. لكن بحلول عام 2024 تحول التوسع إلى موجة سريعة أثارت القلق على مستوى خريجي الطب، ما أجبر الحكومة، تحت ضغط نقابة الأطباء والبرلمان، على اتخاذ قرار حاسم في تموز 2024 بمنع فتح أي كليات طب جديدة. 

وفي محاولة لضبط جودة التعليم، وضع مجلس الوزراء نهاية عام 2025 شروطاً صارمة على كليات الطب الأهلية، فألزمها بامتلاك مستشفيات تعليمية لتدريب الطلبة، وفرض امتحاناً تقويمياً موحداً مع الجامعات الحكومية لقياس المستوى العلمي بدقة. 

وتقتصر كليات الطب البشري الأهلية المعترف بها حالياً على سبع جامعات فقط، هي: العميد، ووارث الأنبياء، وآشور، والمستقبل، والسبطين، والكفيل، والعين. 

لكن الأزمة لم تقف عند حدود التعليم الأهلي، بل امتدت بقوة إلى التعليم الموازي داخل الجامعات الحكومية ذاتها، فمع انفجار المعدلات بعد عام 2020 وثبات مقاعد القبول المجاني، وجد آلاف المتفوقين أنفسهم خارج حسابات كليات الطب والهندسة الحكومية العامة، ما اضطرهم إلى دفع مبالغ مالية لحجز مقاعد ضمن الموازي. 

هذا التحول حوّل التعليم الموازي من مسار ثانوي محدود قبل 2020 إلى شريان رئيسي يبتلع عشرات الآلاف سنوياً، إذ وصل عدد المتقدمين إليه في بعض السنوات إلى أكثر من 35 ألف طالب، قُبل منهم نحو 25 ألفاً. 

وبذلك بات التفوق وحده غير كافٍ، وصار الحصول على مقعد جامعي مدفوع الثمن امتداداً إجبارياً لنظام قبول عاجز عن استيعاب معدلاته المتضخمة. 

صار دفع الأموال في التعليم الموازي وسيلة أسرع للنجاة وتفادي إعادة السنة، ما يفرض حلاً شاملاً تشترك فيه وزارتا التربية والتعليم العالي معاً، إذ تبدأ المشكلة من المدرسة وتنتهي في مقاعد الجامعة. 

حلول التربية والتعليم 

يبدأ الحل في وزارة التربية بوضع تقويم دراسي ثابت لا يتغير، يحمي الطلبة من التوتر والمفاجآت. تلي ذلك خطوة حاسمة بتغيير نمط الأسئلة الوزارية عبر إدخال مسائل تعتمد على الفهم والتحليل لفرز الأذكياء، بدلاً من تكرار نماذج جاهزة تُنتِج درجات متطابقة، فضلاً عن تطوير مناهج تركز على مهارات التفكير بما يلائم واقع المدارس وإمكاناتها. 

أما وزارة التعليم العالي، فعليها كسر احتكار المعدل لمعايير القبول، إذ لا يصح رهن مستقبل الطالب بأجزاء عشرية ضئيلة، والبديل يكمن في اعتماد اختبارات قبول تخصصية ومقابلات تقيس مهارات كل متقدم وشغفه؛ للتحقق من أهليته لدراسة الطب أو غيره قبل منحه المقعد. 

تضخم المعدلات ليس دليلاً على عبقرية مفاجئة، بل نتاج نظام تعليمي يكرّس الحفظ ويهمل الفهم، وهو ما أكده نعيم العبودي، وزير التعليم السابق، بالإشارة إلى الفجوة بين الأرقام والطاقة الاستيعابية للجامعات. فالمنافسة المحمومة رفعت حدود القبول حتى في الكليات الأهلية إلى ما لا يقل عن 95 بالمئة للطب العام و85 بالمئة للأسنان والصيدلة. ولن ينصلح هذا المسار إلا بنظام تقييم عادل يعامل الطالب كإنسان صاحب قدرات، لا كمجرد رقم في بطاقة درجات. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

طالب طب ومصمم غرافيكي وكاتب عراقي.
بمشاركة