قبل أكثر من ستين عاماً ناقشت نزيهة الدليمي الأمية كأداة اجتماعية وسياسية تُستخدم لإبقاء النساء على هامش المجتمع. فالمرأة المحرومة من التعليم لا تُحرم من المعرفة وحدها، وإنما من فرص العمل والاستقلال الاقتصادي، ومن القدرة على فهم القوانين ومعرفة حقوقها والتعبير عن رأيها والمشاركة في الحياة العامة. فتصبح الأمية حلقة أساسية في منظومة متكاملة من التهميش، تبدأ بإبعاد الفتيات عن المدارس، ثم تمتد إلى حصر النساء داخل أدوار محددة مفروضة عليهن ليخدمن سلطة ما،وحرمانهن من التأثير في القرارات التي تمس حياتهن.

ودعمت الدليمي هذا التحليل بأرقام تكشف حجم الإقصاء التعليمي، ولا سيما في الريف، حيث قدّرت نسبة الأمية بين الفلاحات بمئة في المئة، في مقابل وجود 20 مدرسة قروية فقط للبنات في أنحاء العراق. هذه الأرقام لم تكن في نظرها دليلاً على ضعف رغبة النساء في التعلّم، بل نتيجة مباشرة لسياسات لم توفر لهن المدارس والمعلمات والمقاعد الدراسية. فالدولة والمجتمع اللذان لا يتيحان للفتاة فرصة التعليم، ثم يصفانها بالجهل أو يشككان في قدراتها، يصنعان تهميشها أولاً ويستخدمانه لاحقاً مبرراً لاستبعادها من الفضاء العام.
كما ربطت الدليمي بين الأمية وانعدام الثقة بالنفس. فالمرأة التي تُعامَل باستمرار على أنها أقل قدرة من الرجل قد تبدأ بتصديق هذه الصورة والتشكيك في إمكاناتها، وهو ما يجعل السيطرة عليها أكثر سهولة. لذلك لم يكن التعليم في تصورها مجرد وسيلة للحصول على شهادة، بل طريقاً لاستعادة المرأة وعيها بذاتها وكرامتها وقدرتها على مقاومة التبعية والدفاع عن حقوقها. ومن هنا دعت إلى فتح مراكز لمكافحة الأمية وتوسيع مدارس البنات وإعداد أعداد أكبر من المعلمات، باعتبار ذلك جزءاً من مشروع تحرري، لا مجرد إصلاح تعليمي.

تكشف قراءة المقال أن الأمية تؤدي وظيفة تتجاوز إبقاء المرأة خارج المدرسة، فهي تساعد على إبقائها عاملة بلا أجر في الريف، وتابعة اقتصادياً داخل الأسرة، وغائبة عن التنظيم والعمل السياسي، وأضعف أمام القوانين والأعراف التي تتحكم في زواجها وطلاقها وأطفالها وممتلكاتها. ولذلك رأت الدليمي أن محو الأمية لا ينفصل عن بقية حقوق النساء؛ لأن المرأة لا تستطيع أن تكون مواطنة كاملة ما دامت محرومة من الأدوات التي تمكّنها من معرفة حقوقها وانتزاعها.
وبعد عقود من تنظيم شؤون الأسرة العراقية بقانون واحد، عادت الطائفة لتصبح عاملاً يحدد حقوق النساء والأطفال داخل الزواج وبعد إنهائه. فمنذ عام 1959، تولّى قانونالأحوال الشخصية رقم 188 تنظيم قضايا الزواج والطلاق والنفقة والحضانة والإرث أمام محاكم الدولة، ووفّر إطاراً قانونياً موحداً للعراقيين، بصرف النظر عن مذاهبهم.
لكن مجلس النواب أقرّ عام 2025 تعديلاً على هذا القانون، تبعه اعتماد “مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري” كملحقبالتعديل. وبذلك، لم تعد جميع الأسر خاضعة بالضرورة إلى القواعد القانونية نفسها، بل أصبح تطبيق الأحكام مرتبطاً بالمذهب المختار في عقد الزواج. وهذا التحول لا يتعلقبطقوس دينية خاصة، بل بقضايا تمس حياة المرأة مباشرة، مثل سن الزواج، والطلاق، والحضانة، والنفقة، والإرث.
تكمن خطورة المدونة الجعفرية في أنها تنقل حقوقاً أساسية من مظلة قانون موحد إلى أحكام مذهبية تتباين فيها مكانة المرأة وحقوقها. وقد حذّرت ناشطات ومنظمات نسوية منأن ذلك يضعف مبدأ المواطنة المتساوية، ويوسع سلطة الرجال والمؤسسات الدينية داخل الأسرة، ويفتح الباب أمام تزويج القاصرات وتقليص حقوق الأمهات في الحضانةوالطلاق والنفقة.
كما يتم التحشيد لإعداد مدونة سنّية، في محاولة لتحقيق ما يُقدَّم بوصفه “توازناً مذهبياً”. غير أن النتيجة المحتملة ليست تعزيز العدالة، بل تفكيك قانون الأحوال الشخصية الموحد إلى مدونات طائفية متوازية، لكل منها أحكامها الخاصة في الزواج والطلاق والحضانة والنفقة والإرث. وبذلك، تتحول حقوق المرأة من حقوق مواطنة تضمنها الدولة بالتساوي إلى حقوق متفاوتة يحددها انتماؤها المذهبي، ويصبح التنافس بين الطوائف على تثبيت تشريعاتها بديلاً عن تطوير قانون مدني موحد وأكثر إنصافاً لجميع العراقيات والعراقيين.
لهذا تبدو العودة إلى مقال نزيهة الدليمي “حقوق المرأة العراقية”، الذي كتبته في تموز 1958، ضرورية اليوم. فقد انتقدت الدليمي آنذاك عدم مساواة المرأة بالرجل في الزواجوالطلاق والملكية والأطفال، ورأت أن الأعراف والقوانين الموروثة تنتقص من كرامتها بوصفها إنساناً كامل الحقوق. وبعد عام واحد، صدر قانون الأحوال الشخصية رقم188 لسنة 1959، في مرحلة كانت الحركة النسوية تسعى فيها إلى بناء قانون أكثر توحيداً وإنصافاً للنساء.

اليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، لا نناقش كيفية تطوير ذلك القانون وتحقيق المساواة الكاملة، بل ندافع عن بقاء الحد الأدنى من الحماية التي وفّرها. كانت نزيهة الدليمي تكتبعن عراق ينبغي أن يتقدم من الأعراف الطائفية والعشائرية نحو المواطنة والقانون، بينما تعيد المدونة الجعفرية الأسرة العراقية إلى مسار معاكس: من القانون الموحد إلى تعددالأحكام، ومن حقوق المرأة بوصفها مواطنة إلى حقوق تتغير بحسب مذهبها وعقد زواجها.
قراءة أفكار الدليمي اليوم لا تستعيد تاريخ الحركة النسوية العراقية فحسب، بل تكشف حجم التراجع أيضاً. فالحقوق التي طالبت بها عام 1958، مثل حرية المرأة في الزواجوالطلاق والمساواة في رعاية الأطفال، ما تزال موضع نزاع، وما كان مشروعاً لتوسيع حقوق العراقيات أصبح معركة لحماية ما تبقى منها.
ماريا طلال
المقال:
حقوق المرأة العراقية
نزيهة الدليمي
للمرأة حقوقها الطبيعية كأي إنسان آخر، ونعني بالحقوق حقوق الإنسان المطلقة في الحياة. فمن البديهي أن تتأثر هذه الحقوق بتطور المجتمعات والعلاقات الاقتصادية، فتظهر حقوق جديدة ويبطل مفعول حقوق أخرى. والمثال على ذلك واضح في الفرق الكبير بين لائحة حقوق الإنسان التي أُقرت في فرنسا سنة 1789، وبين لائحة حقوق الإنسان التي أقرتها هيئة الأمم المتحدة سنة 1948، إذ قد ظهرت في اللائحة الأخيرة حقوق جديدة لم تكن مدرجة في اللائحة الأولى، كحق الإضراب وحق تكوين النقابات والأجر المتساوي للعمل المتساوي… إلخ.
فحقوق المرأة، كأي إنسان آخر، هي حقوق متطورة حسبما تتطور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؛ لذا فإن دراسة حقوق المرأة في أي عصر أو في أي بلد تتطلب دراسة وافية للدور الاقتصادي والاجتماعي الذي يمر فيه ذلك البلد.
ونحن إذ نقدم هذا المقال تعنينا بالدرجة الأولى دراسة حقوق المرأة العراقية بالنظر إلى الدور الذي يمر فيه العراق والحقوق الطبيعية لكل فرد فيه.
فالعراق لا تزال تطغى عليه العلائق الاجتماعية في الدور الزراعي بصورة عامة، أما دور العلائق الصناعية فيه فمحدود ومقتصر على بعض المدن الكبيرة.
من ذلك ينتج أن حقوق الإنسان في العراق مشتقة من صميم المجتمع الزراعي، ويحتمل أن تُفسر من قبل الطبقة الحاكمة بأنها حرية الإقطاعي في تملك الأرض والفلاحين والتصرف بهم، أو يُحتمل أن تُفسر كما يفسرها البرجوازيون بأنها حرية استغلال العلائق الإنتاجية واستغلال المنتجين. ولكن لائحة حقوق الإنسان التي أقرتها هيئة الأمم المتحدة وضعت حداً لذلك باعتبارها لائحة أممية أقرّت، مع نواقصها العديدة، كثيراً من حقوق الطبقات الطالعة.
ولقد تكونت لجنة خاصة من المجلس الاقتصادي والاجتماعي العالمي سنة 1946 لبحث حقوق المرأة، ووضعت مواد خاصة بحقوق المرأة في لائحة حقوق الإنسان.
والآن، وعلى ضوء ما تقدم، نعدّد حقوق المرأة العراقية على اختلاف قومياتها ومراتبها، ثم نذكر ما تملكه واقعياً من هذه الحقوق.
فحقوق المرأة في الريف هي:
- حق تملُّك الأرض.
- حق إعطائها أجوراً على عملها في الأرض.
- حقها في أن تعيش حرة ذات كرامة.
- حقها في التعليم، وخصوصاً المهني منه.
- حقها في العناية الطبية.
- حقها في الحصول على الملبس والمسكن الجيدين.
- حقها في التمتع بالحياة العلمية والفنية التي يجب أن تعم كل الشعب.
- حقها في التعبير عن رأيها وإنشاء المنظمات الديمقراطية والاشتراك في المنظمات الديمقراطية الأخرى.
- حقها في أن تنتخب وتُنتخب في جميع هيئات السلطة بدون قيد ولا تمييز.
- الحقوق المدنية المساوية لحقوق الرجل في الأملاك والزواج والأطفال.
- الحق في حماية الأمومة والطفولة من قبل الدولة، وإنشاء عدد كافٍ من دور التوليد ومن دور الاستشارة للنساء والأطفال ومن رياض الأطفال ودور الحضانة.
أما حقوق المرأة في المدينة، فبالإضافة إلى ما تقدم، لها حقوق جديدة أخرى هي:
- الحق المضمون في العمل.
- حق النساء في أن يخترن بحرية أية مهنة أو عمل.
- الحق في شغل أي منصب إداري عام.
- تكافؤ الفرص في التقدم إلى جميع الميادين.
- تساوي الأجور عند تساوي العمل.
- تساوي الحقوق في الضمانات الاجتماعية.
- منح عطل مدفوعة الأجرة عند الحمل والولادة.
هذه هي الحقوق التي يجب أن تتمتع بها كل نساء العراق على اختلاف عقائدهن وقومياتهن وطبقاتهن، ولكننا عندما ندرس واقع النساء العراقيات نرى أنهن محرومات منها تماماً.
فالفلاحة لا تُحرم من تملّك الأرض فحسب، بل إنها لا تستلم أي أجر على عملها في الحقل. إنها تعمل كتابعة لزوجها، وحصة الزوجين ضئيلة جداً، فإنها تُعطى في الشمال على أساس المناصفة مع صاحب الأرض، وأما في الجنوب، ففي حوض دجلة تُعطى على أساس قوانين بدائية محلية، فيُقسم الناتج إلى خمسة أكداس، يُعطى واحد منها بدل الرسوم ويُسلّم إلى صاحب الأرض، واثنان لصاحب الأرض بدل إيجار الأرض والحصان، والباقيان للفلاح نفسه. ويؤخذ من الناتج 2.5 إلى 5 بالمئة ضريبة لصاحب الأرض، ويؤخذ من حصة الفلاح البذور التي استلفها. ويُعطى الفلاح أيضاً في لواء العمارة نفقات “الحوشية”، أي حرس الإقطاعي المسلح، وأجور “الملالي”وأجور الوكلاء و”السراكيل” ونفقات المضيف.
أما في حوض الفرات، فيأخذ الفلاح حصتين من الإنتاج وثلاث حصص تذهب إلى الملاك. والحقيقة أن الفلاح لا يأخذ أكثر من ربع الإنتاج لاستحداث كثير من الضرائب على الإنتاج. وتُقدر حصة الفلاح بـ50 ديناراً سنوياً -خلال سني الحرب- لا يستلمها نقداً، إذ إنه كثيراً ما يصبح مديناً بعد بيع المحصول وتتراكم عليه الديون التي يسجلها عند صاحب الأرض. هذا مع العلم بأن هذا الدخل السنوي ليس ناتجاً عن عمل الفلاح وحده في الحقل، بل عن عمله وعمل زوجته أو زوجاته وأطفاله. فلو حصلت الفلاحة على حصص مماثلة لحصة الفلاح الضئيلة نتيجة عملها المتواصل لتضاعف مدخول العائلة الفلاحية.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن حق الفلاحة في تملك الأرض يتلاءم طبعاً مع حق الفلاح فيه، والحصول على هذا الحق يرفع حالة الأسرة الفلاحية. وما يقال عن الفلاحة في حق تملك الأرض واستغلالها يقال عن جميع النساء في الريف ليصبحن أعضاء منتجين في المجتمع، وذلك لارتباط الإنتاج الزراعي بالأرض.
أما حقها في أن تعيش حياة حرة ذات كرامة فذلك معدوم في الريف تماماً. فالمرأة مهانة محتقرة، ليس لها أي وزن، ويُنظر إليها نظرة دونية. إن هذا الامتهان المزمن قد أدى إلى أن تفقد المرأة كل ثقة بنفسها وتشكك في إمكانياتها. فمن المهم جداً أن تلتفت الحركة النسائية عندنا إلى هذه الناحية، فتخلق إنسانة تشعر بكرامتها الإنسانية وتدافع عنها، إذ إن هذا الشعور حيوي جداً بالنسبة لنيل المرأة جميع حقوقها الطبيعية.

أما عن حقها في التعليم، وخصوصاً المهني منه، فالمرأة في العراق لا تملك من هذا الحق شيئاً. ونستطيع أن نقول إن الأمية بين الفلاحات هي بنسبة 100 بالمئة، وعدد المدارس القروية للبنات هو 20 مدرسة في كل أنحاء القطر، عدد طالباتها 1249 طالبة، وعدد معلماتها 71 معلمة، وهذه المدارس موزعة حسب الجدول الآتي:
أي إن هناك مدرسة قروية واحدة لكل 69,800 قروية، ومقعداً دراسياً واحداً لكل 1,160 قروية، ومعلمة قروية واحدة لكل 20 ألف قروية.
إذن، فيجب عمل حملة واسعة للمطالبة بفتح مراكز مكافحة الأمية، بحيث تكون النسبة معلمة واحدة لكل 20 أمية، ومدرسة مكافحة أمية واحدة لكل 120 أمية، والتركيز على فتح مدارس البنات في القرى والأرياف، والمطالبة بتوسيع دور المعلمات؛ لكي تتخرج أعداد أكبر من المعلمات عندما يكون القطر بهذه الحاجة إليهن.
أما حق تعليم النساء في المدن، فإنه أحسن حالاً منه في الريف، وهناك عدد من المتعلمات والمثقفات، ولكن نسبتهن لا تزال ضئيلة جداً.
يبلغ عدد مدارس البنات الابتدائية 204، عدد طالباتها 45,600 طالبة، يقابلها 901 مدرسة للبنين، عدد الطلاب فيها 153,635، أي إن عدد الطالبات الإناث أقل من ثلث طلاب الابتدائية. وهناك 31 مدرسة ثانوية فقط للبنات في جميع أنحاء العراق، يقابلها 73 للبنين، وتوجد مدرستان مهنيتان للبنات في بغداد، وهما مدرسة للفنون المنزلية وأخرى للتمريض. أما في المدارس العالية، فعدد الطالبات 867 فقط. هذا مع العلم بأن نسبة الأمية بين نساء المدن هي 75 بالمئة. أما العناية بثقافة الأطفال ورعاية الدولة لهم، فذلك غير موجود في بلادنا.
والآن نذكر مدى ما تحظى به النساء العراقيات من العناية الصحية، حالهن حال المواطنين العراقيين جميعاً. فالإحصائيات الرسمية لعدد المؤسسات الصحية المنتشرة في شتى أنحاء القطر حتى عام 1950، تبين لنا أن هناك 71 مستشفى رسمياً و11 مستشفى أهلياً و403 مستوصفات. إن هذه المستشفيات تشمل المستشفيات الموجودة في مراكز الألوية وبعض الأقضية التابعة لها، وإن عدد الأسرّة فيها جميعاً 4,900، منها 4,475 متاحة مجاناً. وإذا علمنا أن نحو ألفي سرير فقط للنساء، تبيّن أن هناك سريراً واحداً لكل 1,373 امرأة، مع العلم بأن هذه الأسرّة من ضمنها أسرّة لأمراض الرمد والزهري والحميات والجذام والأطفال والعصبية.
والأطباء المسجلون في العراق حتى عام 1950 عددهم 811 طبيباً، 444 منهم في بغداد. وأما مستشفيات الولادة، فتوجد الآن ثلاثة مستشفيات مختصة لا يتعدى عدد أسرّتها المئتين، أما في الخارج، فإنها معدومة في الأقضية والنواحي والقرى.
إذن، فنضال النساء يجب أن يتجه نحو الإكثار من المستشفيات بصورة عامة، ونحو الإكثار من المستشفيات التي تعنى بالولادة والأمراض النسائية بصورة خاصة.
وحقوق المرأة العراقية المدنية غير مساوية لحقوق الرجل فيما يخص الزواج والطلاق والتملك والأطفال، وذلك راجع إلى سيادة الأنظمة والقوانين البالية من العهود الإقطاعية، مما يسبب انتقاصاً فظاً لكرامة المرأة كإنسان له الحق في هذه الحقوق نفسها. فهي لا تملك أي حق في إبداء رأيها في الزواج أو الطلاق، ولا ترث إلا نصف حصة أخيها، وليس لها الحق في الأطفال الذين تنجبهم وتربيهم.
والمرأة في المدينة بصورة خاصة ليس لها الحق المضمون في العمل؛ وذلك لانتشار البطالة بين أفراد الطبقات الكادحة، وعدم وجود صناعة كافية تستوعب هذا العدد الضخم من العاطلين. فكيف للمرأة أن تحاول إيجاد عمل لها، وهي التي يُنظر إليها نظرة أوطأ، اللهم إلا إذا كان تشغيلها على أساس أجور أقل. ومن جهة ثانية، فإن حاجة النساء الكادحات إلى العمل تتزايد يوماً فيوماً لتردّي الحالة المعيشية، فيُضفن بذلك أعداداً أكبر وأكبر إلى العاطلين.

وفي أكثر الصناعات لا تتقاضى العاملات أجوراً متساوية مع أجور الرجال للعمل المتساوي، كما في معامل النسيج والصابون والطابوق.
والعاملات محرومات من الإجازات قبل وبعد الولادة، وكثيراً ما تُطرد الحوامل من أعمالهن، أو تُطرد من لها طفل رضيع لأنها لا تُعطى أي فرصة لإرضاعه خلال العمل. سيدّعي البعض أن هذه الحقوق مدونة في قانون العمال لسنة 1936، نعم إنها موجودة، ولكنها غير مطبقة عملياً.
والمرأة العراقية محرومة من جميع الضمانات الاجتماعية التي تقرها المجتمعات المتقدمة، شأنها شأن بقية المواطنين.
وليس للمرأة فرص متكافئة لإظهار إمكانياتها في المجالات المختلفة، فكثيراً ما يُحظر عليها شغل بعض الوظائف أو تقلد المناصب المختلفة؛ لا لسبب سوى أنها امرأة!
وهي كذلك محرومة من تنظيم نفسها في منظمات للدفاع عن حقوقها، ومن التعبير عن رأيها بحرية، شأنها شأن المواطنين الآخرين، الحق الذي استطاعت أن تحصل عليه النساء في أكثر بلدان العالم، بل حتى في بعض البلدان العربية.
يتبين من كل ما تقدم أن المرأة العراقية محرومة من كل الحقوق التي نصت عليها لائحة حقوق الإنسان لسنة 1948، والتي أقرتها هيئة الأمم المتحدة، فضلاً عن لائحة حقوق المرأة التي أقرها المؤتمر النسائي العالمي الثالث سنة 1953، وما على المرأة العراقية إلا أن تتبنى النضال من أجل تحقيق هذه الحقوق بكل الوسائل.
المصدر: