أموت وفي نفسي شيء من “فدوة”.. يوميات مدققة لغوية سورية في مؤسسة عراقية

كانت غنى حسان تنجز مهام "باجر" اليوم، وتبحث عن معنى لـ"فد". وبين ضحكات اللهجة العراقية وقصص البلد الذي تدقق أخباره، وجدت المدققة السورية نفسها تفكر في سوريا بعد عشرين عاماً.

غنى حسانغنى حسان | 1 تشرين الأول 2026

نظن أننا نملك زمام الحياة، والدروب، والأقدار، لكن من ذا الذي يجبر القدر على الالتزام بما كتب؟  

فتاة من أقدم عاصمة في التاريخ، تحمل حقيبة صغيرة، وقلقاً كبيراً، وأحلاماً أكبر، تبحث عن شرفة تنظر منها إلى مستقبل يشبهها، وعن سفح جبل تطل به من علٍ. 

كبرتُ في بلد تُقَص فيه الأجنحة قبل أن تطير، ويُخنق الهمس قبل أن يعلو. تحولَت فيه غالب وسائل الإعلام إلى أبواق وطبول لا تقرع إلا بإيقاعات القمعيين، ولا سبيل إلى الانتماء إليها إلا بمجافاة الحقائق، لكن ذلك لم يكن لينسجم مع طباعي المتمردة، أنا التي لا أسمع إلا ضجيج الشوارع. 

حاولت مراراً أن أغادر البلاد، قصدت كل السبل، منح دراسيّة، عقود عمل، رحلات سياحية، لكن الجدار أمامي بدا محكماً وبلا شقوق، فأبناء البلاد المنكوبة كأنما تتواطأ عليهم الدنيا، تلفظهم بلدانهم وتتبرأ منهم دول العالم، وكأن لعنةً تلتصق بهم إن هم حلُّوا أو ارتحلوا. 

وأنا أتابع رحلتي في النجاة عملت في إعداد الأفلام الوثائقية، أصوغ قصص الشعوب وتاريخهم، وأدقق في واقعهم وفي تفاصيل حياتهم، تفاصيل لا تشبه حكايات الناس في بلدي، فحكايتهم مختلفة، إنها حكاية شعب شق طريقاً من دمٍ ليستنشق هواء لا تختلط به رائحة الموت والقذائف. لم يكن الوثائقي ما أرنو إليه، لا أريد توثيق قصص الناس، أريد روايتها، لا أريد أفلاماً عن الطقوس والعادات، بل عن الواقع والمعاناة والطموح والتطلعات. وبين الطريق الذي أسلكه والحلم الذي أتبعه، لاح لي نور من بعيد… سقط حكم المستبدين.  

تاريخ سقوط نظام الأسد في كانون الأول من 2024 ليس تاريخاً لنهاية نظامٍ حاكم مستبد فحسب، إنه يوم نهضت فيه الآمال.. آمال شعب أراد فقط أن يعيش. 

لم يكن ذلك مجرد حدث سياسي، كان تحرراً لأحلامي المكبلة، أخذ النفق الذي أتيه فيه يتسع، والدخان الذي يغشي العينين ينقشع، وصار الدرب يمتد أمامي بلا نهاية. 

وقفت أمام زحام شديد، كثير من القنوات التي كانت تغطي جراحنا المفتوحة رأيتها حاضرة في الميدان، كثير من المنصات التي تابعتها خِفيةً فتحت ذراعيها لتحتوي المشهد، ولتحتضن أصواتاً جديدة كانت حناجرها تغص لسنوات، وجدْتُني أشارك في المقابلات، وأشهد الفعاليات، أتحدث وكأنني أُخرج رأسي من بين أمواج كانت تبتلع صوتي. ثم ما لبثت أن تقدمت بأوراقي للالتحاق بركب المؤسسات الإعلامية تلك، وما بين مؤسسة وأخرى، وفرصة وأخرى، تلقيت بريداً إلكترونياً من مؤسسة تدعى “جُمَّار”. 

“جمَّار”! لم أسمع بهذا الاسم من قبل، ما معناه؟ فتّشت في المعاجم، فهكذا أنا، لا أزال أخيّم بين الكتب كلما ضيّعتني الحياة. قرأت في لسان العرب: “قلب النخلة جُمَّارها، وهي شطبة بيضاء رخصة في وسطها عند أعلاها… سمي قلباً لبياضه… والقلب هو الجُّمَّار، وقلب كل شيء لبه وخالصه ومحضه” 1 لسان العرب، ابن منظور الأنصاري، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، 1414هـ، الجزء الأول، ص:688 . 

إذاً الجمار لب النخلة، شجرة العراق الباسقة، تشبهه صلابة، تضرب بجذورها عمق التراب، وتُنبئ بأن الأرض مهما تجف فإنها تبقى قادرة على العطاء. في سوريا جالية عراقية كبيرة، جلها أقام في دمشق إثر الظروف العصيبة التي شهدها العراق، ولي من الأقارب العراقيين ما يزيد عن عشرين قريباً، أعرفهم جيداً، جريئي القلب حتى في الكلام، سريعي الغضب إذا ما غضبوا، سريعي الهدوء إذا هدأت الأسباب. 

الحروب والنكبات تنثر الشعوب كاللآلئ في أنحاء العالم، تشتّت شمل شعب لكنها سرعان ما تجمع شمله بشعوب أخرى، شتات يجمع الخلان! 

لكن ما الذي يجعلني أعمل في مؤسسة عراقية وأنا لست ذات اطلاع على أحداث العراق ومستجداته؟ أظن أن المسافة بيننا ليست قريبة.  

في مقابلة العمل، أطلت علي فتاتان، مشرقتان مبتسمتان، ابتسمتُ معهما دون أن أشعر، تسألني إحداهما بلهجة دافئة: “شلونج؟ عساج بخير”. هذا الصوت ليس غريباً، هذا اللحن ليس أعجمياً، صحيح أن أقاربي كلامهم خلط، عراقي وسوري، لكن كان لي زميل في الجامعة عراقي الهوية يدعى “ماهر”، وكلامه “عراقي عراقي”.  

كنا نطيل النظر إليه كأنه ظاهرة فريدة، ليس لأنه مختلف الجنسية، بل لأنه يتأبّط أوراقه تحت ذراعه أينما ذهب، فهو دائم السعي وراء أوراقه المطلوبة والمرفوضة، والمختومة والمؤجلة، كان مصيره معلقاً على الأبواب والشبابيك، فلا يخرج من مكتب حتى يهرول إلى آخر، حياته سلسلة من النوافذ و”الطوابير”، وأوراقه أثقل من حقيبته. ولم أفهم معاناته حتى رأيت معاناة السوريين في المهاجر، معاناة أن تحمل هويتك وماضيك وحاضرك ومستقبلك في ظرف بلاستيكي، ثم تتحول إلى قاصٍّ يقص سيرته الذاتية، ومستجدٍ يستجدي تعاطفاً إنسانياً، لعلَّ ما أبطأ بك في بلادك يأتيك مسرعاً في بلاد الآخرين. 

أتممت مقابلة العمل، لم تكن مقابلة عمل عادية، فقد تذكرت خالتي وأبناءها العراقيين، تذكرت حديثهم العذب، وابتساماتهم العريضة، وموائدهم الدائرية، وأصنافهم المفضلة، تذكرت “الدولمة” و”كبة التمن” و”البرياني”، أطباق لم أتذوقها إلا في بيتهم. 

عصف بي الفضول، أمضيت ليلتي وأنا أتصفح موقع المؤسسة ومنصاتها، دخلت لب النخلة، تقلّبت في بياضها، أتنقل بين مواد وتقارير كثيرة، مواد عن أزمات العراق وواقعه، عن اقتصاده ونفطه، عن مائه ونباته وحيواناته، عن حروبه وثوراته. شعرت أن الطريق الذي بدا بعيداً أخذ يقترب، وأن القدر يكشف لي عن فصل جديد لم يخطر على قلبي. 

لم أصعد سفح جبل كما أردت، لكنني تسلقت نخلة، وتأملت بلاداً لم أزرها يوماً، هذه النخلة كانت تمنحني ارتفاعاً، لا يهمني الارتفاع إن كان من صخور الجبال أم من جذوع النخل، أنا الآن أراقب من فوق، هذا ما أبحث عنه. 

صعوبات مهنية وثقافية 

دخلت عالمي الجديد والحماس يتلبسني. لم يكن انتقالي إلى العمل في مؤسسة عراقية انتقالاً مهنياً فحسب، إنه انتقال إلى بيئة ثقافية ومعرفية جديدة، كنت أمام مشهد إعلامي مختلف. العراق بلد لا يهدأ، مزدحم بالأحداث، سريع الإيقاع، شديد التعقيد، وقد شهد في العقود الأخيرة تحولات أعادت تشكيله، وعانى أزمات متسارعة، ينبني حاضره اليوم على إرث قديم، وكان جل ما أعلمه من تاريخه الحديث سقوط صدام حسين والاحتلال الأمريكي، هذا ما عبر أمام عيني على الشاشات عندما كنت طفلة، قبل أن أنجرف مع التيار السوري عام 2011.  

من التقارير أشرفت على عراق غريب، لم أسمع عنه من قبل. محافظات وأقضية لا أحفظ أسماءها، مصطلحات وتعابير قانونية وقضائية لا تتطابق مع ما عندي من مصطلحات، أحزاب وتشكيلات عسكرية، شخصيات سياسية واجتماعية، فأين أنا؟ كأني افتتحت كتاباً جديداً، كتاباً يروي قصصاً متشابكة، كان العراق يصرخ في كل العناوين، أمواله تتسرب من بين أصابع المسؤولين، والجفاف يشقق تربته الراسخة، والألغام تترك في جسده ندوباً نازفة، والاحتجاجات تموج به على ارتفاع، والديون تشده من كل طرف.  

بين الطيور المهاجرة مع الرياح ذهبت إلى العراق، وعشّشت بين المواد، أقرأ وأدقق، أسأل وأبحث وأتحرى، تمشّيت على ضفاف دجلة، ومضيت نحو الأهوار، وعرَّجت على الأزقة العابقة برائحة الشاي بالهيل، وسمعت أصوات الانتخابات، ودخلت المتحف الوطني، وتعرفت على حضارات بلاد الرافدين، وتجولت بين شرايين النفط، ووقفت أمام المساحات الزراعية العطشى، وتعرفت على الأزياء والملابس العراقية، وسمعت الكثير من الأغنيات. 

واليوم، بعد أكثر من عام في العمل، أقول: “لقد رأيت العراق”، صرت أعرف ديالى ونينوى وكركوك والأنبار كما أعرف دمشق وحمص وحلب واللاذقية، وصرت أعرف الانتفاضة الشعبانية واحتجاجات تشرين كما عرفت احتجاجات درعا وحماة وغوطة الشام، أعرف ساحة التحرير وساحة الحبوبي وشارع أبو نؤاس كأنني مررت بها مراراً، أعرف أعياده واحتفالاته، وأعلامه وشعراءه وكتابه، أعرف قصصه وأزماته وأخباره، لقد ألِفت هذا البلد البعيد القريب. 

حاجز اللهجة 

لم تكن اللهجة بمنأى عن التخبط الذي أصابني، فاللهجة العراقية رغم جمالها ودفئها، ورغم معرفتي بكثير من تعابيرها، إلا أنها بدت لي بحراً من المعاني والدلالات، فهي تكتنف تنوعاً كبيراً وتتفرع إلى العديد من اللهجات، وكان علي أن أكون شديدة الإنصات، أركز على السياقات لتدلني على ما قد يفوتني من معان، أسأل أحياناً، وأجتهد أحياناً، وأحفظ الغريب من المفردات، ربما أحدث ذلك تشويشاً، وربما أثار بعض الضحكات.  

أصابتني نوبة ضحك حقيقية عندما أدركت أن “باجر” معناها “الغد”، وقد كنت أظن أن معناها “مباشر”، فكنت أهرع إلى تنفيذ مهام “باجر” مباشرة وأظن أنها مستعجلة. 

وأتذكر حيرتي عندما كنت أسمع كلمة “هم” في مثل: “هذا الموضوع هم”، وأقول في نفسي: “ما علاقة الهموم والأحزان بموضوع جيد؟” ولم أدرك أن معناها “أيضاً” حتى أجابتني زميلتي رداً على تمنياتي لها بيوم سعيد: “إلك إنت هم”. وحاولت تفهُّم تثنية الـ”هم” عندما سمعت “همين”، وأحاول إلى اليوم استخراج الفروق بينها وبين: “هماتين وهمات”، أنا حقاً في متاهة لغوية.  

أما كلمة “فد” فأصابني شبه يأس من الوصول إلى معناها، وعندما سألت بعض الرفاق عنها كان الجواب: “هاي نستخدمها بس ما أكو إلها معنى محدد”. لا بأس، لعلي “فد يوم” أدرك معناها. 

أما فروق المعاني مع اتحاد الألفاظ بين لهجتي واللهجة العراقية فقصة ثانية. كيف أُخرج من دماغي أن “دزّ” معناها “وشى” عندما أقرأها بمعنى “أرسل” في سياقات العراقيين؟ وكيف أقنع نفسي بأنّ “عزّل” معناها “أنهى” ونحن لا نستخدمها إلا بمعنى التنظيف؟ والكلمة اللطيفة “هواية” التي كلما شدني معنى “الموهبة” له عاد معنى “التكثير” ليسحبني إلى سياقاتهم من جديد. 

ولا يسألني أحد عن حساباتي عندما أتخيّر ألفاظاً حيادية خشية أن يحمل اللفظ دلالات مختلفة إذا ما قوبل باللهجة العراقية، فقبل أي جملة أنطقها تمر لحظة صمت أُخضع فيها عباراتي لاختبار ذهني صارم. 

أستمع إلى نقاشات زملائي كل يوم، أراهم كجوقة تعزف سمفونية جماعية باللهجة العراقية، يعيدون فيها تشكيل الحروف لتناسب طربهم، فيقلبون الكاف شيناً، والعين نوناً، والقاف كافاً، ويُتبعون هذا القلب بالدمج والاختصار، فيرددون: “كلش” و”شكو” و”شبساع”، ما يمنح اللحن خفة وسرعة، وتتسلل عبارات التلطُّف: “فدوة لروحك”، و”عيوني”، و”تدلل”، و”يابة” و”يمعود”، فتضفي الألفة والدفء على أي حوار، لتغدو هذه السمفونية اليومية رابطاً متيناً يقرّب الأفراد مهما تقاذفتهم المسافات.  

تأملات في مسارين متوازيين 

حكايات العراق جعلتني أعبر الزمن، حملتني تجربتي هذه في العمل إلى ما بعد عشرين عاماً. لقد كنت أظن أن انهيار الأنظمة الديكتاتورية هي نهاية مسرحية الدماء، وأن الألم الذي طاف بنا في سوريا بعد ثورة امتدت 14 عاماً قد وجد نهاية الطريق، غير أن المشهد العراقي المشحون بذاكرة مليئة بالأحداث منحني وعياً مختلفاً، وعياً لا يُكتسب إلا ممن عاش تلك التفاصيل. 

 فبعد أكثر من عشرين عاماً على سقوط حكم البعث في العراق لا تزال الخيوط تتشابك، والتدخلات الخارجية تعكر صفوه السياسي، وتعرقل صنع قراره السيادي، ولا تزال القوى المختلفة فيه تتصارع في ساحات مفتوحة. أما قضايا السلاح المنفلت والمغيبين قسراً فهي جروح لم تندمل، مع استمرار أزمات الكهرباء والخدمات الأساسية دون أفق واضح لها، وغير ذلك الكثير الكثير من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تتقاطع في كثير من ملامحها مع الأزمات السورية، كل أزمة تفتح الباب لأخرى. لقد تخيلت سوريا بعد عشرين عاماً، رأيتها في انعكاسات المرآة العراقية، كان القلق يحفني بعد كل تقرير، والخوف يتسلل إلي ويحاصرني عند أي مقارنة.  

تعاظم اليأس في نفسي وبدت الصورة أمامي أكثر وضوحاً، صرت أعي تماماً أن إسقاط الحكم ليس تتويجاً للحكايا، وليس نهاية سعيدة أو خلاصاً بقدر ما هو مسؤولية كبيرة، إنه الخطوة الأولى في مسار التغيير، والبداية الجديدة لحكايا أكثر تعقيداً وتحديات أكثر شراسة، فعلاج الأزمات المتراكمة وبناء الدول المهدومة يحتاج صبراً عظيماً ونفساً طويلاً، وعلى الشعوب التي أخذت على عاتقها إنهاء حكم الأنظمة المستبدة أن تستكمل طموحها في تعمير البلدان المكلومة، أما الطريق إلى الاستقرار فطويلٌ وعرٌ مزدحمٌ بالأزمات. 

ورغم كل ما ورثته من اليأس والإحباط، كان الأمل الوحيد الذي أعاد اتّزاني يصدر من وهج يشعّ من زملاء العمل. ثلة من الصحفيين الذين شغلتهم بلادهم فراحوا يتتبعون أخبارها، ويدارون انكساراتها، ويضيئون الطريق أمام أبنائها، ينقدون الواقع العصيب أملاً بمستقبل أرحب. متحصنين بالمصداقية، ملتزمين بالمسؤولية، ينتزعون الحرية انتزاعاً، وليس لهم سلاح إلا الكلمة، ولا هدف إلا الإصلاح، جمعتني بهم بلاد متعبة، وحاضر يعج بالتحديات، ومستقبل تائه، ورغبة في أن يكون الغد كما نهوى. هم مثال للشعوب الطيبة التي تحتضن أوطانها كما تحتضن أبناءها، وحدها تلك الشعوب إن حكمت تزدهر الأوطان.  

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتبة سورية.
بمشاركة