“كلشي ما ندرس”.. يوميات طلاب الترجمة في تكريت ومدن أخرى

دخلت ماريا قسم الترجمة وهي تحلم بأن تسير على خطى كبار رواد الترجمة، فوجدت مختبراً مغلقاً، وقواميس ممنوعة، ومحاضرات تختصرها جملة واحدة: "كلشي ما ندرس".. يوميات من أقسامٍ تُخرِّج مترجمين لم يتدرَّبوا على الترجمة.

ماريا طلالماريا طلال | 30 أيلول 2026

“كلشي ما ندرس”. كان هذا رد أحد طلاب قسم الترجمة، في إحدى الجامعات العراقية، حينما سألته بحماس، عندما كنت في المرحلة التحضيرية للسنة الأولى، عن مواد الجامعة والمصادر التي يجب أن أقتنيها من أجل خوض رحلة دراسة الترجمة، كي أحذو حذو صالح علماني، وباهرة عبد اللطيف، وسعدي يوسف، وآخرين. ولكن كلما ذكرت اسماً من تلك الأسماء بدا غير مألوف لذلك الطالب الذي كان على أعتاب التخرج من الجامعة. 

ظننت أن جملة ذاك الطالب تنمُّ عن مستواه الأكاديمي والثقافي، وليس عن واقع حال التدريس والطلبة، وكلما عبرت مرحلة دراسية تبين لي أن واقع تدريس الترجمة أسوأ مما كنت أظن. 

“الدكتور ما محضر” 

“أستاذة جامعية ترقص كراقصة تعرٍّ بملابس داخلية مثيرة”. كانت هذه العبارة مكتوبة باللغة الإنكليزية حينما قرأت وزملائي واجب الترجمة الذي أرسله أستاذ المادة إلى مجموعة الواجبات، تأكدنا أنه لم يكلّف نفسه عناء مراجعة النص الإنكليزي الذي سيقدمه في المحاضرة لطلاب المرحلة الرابعة، وحذفه بعد تنبيه الطلبة له، وأصبحت عبارة “الدكتور ما محضر” تُتداول بين الطلبة، في إشارة إلى أن محاضرة اليوم ستكون “كلاوات”.  

في المرحلة الأولى، قرأت اسم مادة الأدب في جدول المحاضرات، ليلتها حلمت بالقصائد والنصوص التي سنقرأها بلغة أصلية، عارية من الترجمة. راجعت كتبي العربية المترجمة والإنكليزية، وحلمت بالنقاشات التي استعددت لخوضها. 

لكن خلال فصلين دراسيين كاملين، كان كل ما حصلتُ عليه وزملائي ملف “pdf”، غالبه معلومات مأخوذة من المواقع الإلكترونية، يُعرّف الأدب بطريقة سطحية، وفيه بعض القصائد التي كنا نتلوها كصلاة بلا إيمان أو أي مشاعر، بلا مقدمة عن أساسيات النقد أو كيف تُقرأ القصائد وما أنواعها وأوزانها، وذلك من أجل أن يدربنا الأستاذ فقط على النطق الإنكليزي، في تدريب لم يكن من مهمته، بل كان مهمة أستاذ مادة الصوتيات التي فشل فيها معظم زملائي. واعتمدنا على شرح أستاذ في اليوتيوب و”ملزمته”، نحفظها كما كنا نفعل في المرحلة الثانوية، دون تطبيق عملي يليق بطلبة جامعيين. 

رغم وجود مختبر صوت في القسم بأجهزة حديثة، لم يُسمح لنا بدخوله إلا مرة واحدة لتنظيف الغبار وأخذ محاضرة سريعة، رغم إصرار أستاذة المادة وطلبها المتكرر من رئاسة القسم. ولم يعلم أحد حتى اللحظة سبب منعنا من الدخول.

الكاتبة أثناء الدراسة لامتحانات نهاية السنة في المرحلة الرابعة، مصدر الصورة: الكاتبة.

كان العزاء الوحيد درس الكتابة الأكاديمية “الإنشاء”، إذ كان مساحة للكتابة والتعبير بلغة جديدة، بتشجيع من الأستاذة التي كانت تبدي تفاعلاً كبيراً، وتدفعنا لإجراء حوارات عن الروايات والأدب. سمحت لنا بأن نعيد تشكيل لغة جديدة بعواطف نشعر أننا نختبرها لأول مرة. لكن بعض الزملاء كانت وجوههم تمتعض عند الحوارات، فتيقنت أنهم لم يقرأوا أي رواية في حياتهم، ولا يعرفون عن الأدب سوى ما تناولته المناهج التعليمية، بل حتى إنهم لا يحبون الأدب ولا الكتابة بشتى أنواعها، إذ دخلوا قسم الترجمة بسبب نظام الانسيابية، فكما قالت إحدى الزميلات: “قسم الترجمة كشخة”. 

وهو ما تؤكده هناء خليفة، التدريسية في الجامعة المستنصرية-قسم الترجمة، في مقالها المعنون: “القراءة، النص الأدبي، والترجمة الأدبية”. إذ لاحظت فقر معرفة الطلبة بالأدب وأنواعه وأعلامه، وضعف عنايتهم به وتتبعهم له. وتعزو ضعفهم إلى طبيعة مناهج التدريس في المراحل الدراسية، التي ترتكز ارتكازاً كلياً على آليات التلقين والحفظ التي لا تنمّي ملكة القراءة وتشجع عليها. 

في المرحلة الثانية، حينما قرأت اسم مادة الرواية في جدول المحاضرات دعوتُ ألا أُصاب بخيبة جديدة. فعلى عكس غالبية زملائي، قراري في دراسة الترجمة كان عن رغبة وحب، رغم الابتزاز العاطفي الذي واصلت عائلتي ممارسته لتركه والالتحاق بأي قسم طبي. 

لا أُنكِر جهد أستاذة مادة الرواية في محاولة جعلنا نمارس اللغة، ولكنه كان على حساب تحوّل محاضراتها إلى دروس محادثة تقتصر على الذين يجيدون التحدث والنقاش بطلاقة، فكان عدد الطلاب يُعدُّ على أصابع اليد الواحدة. والحوار كان يدور حول الرواية المقررة من الوزارة فقط، بلا أي حديث عن الروايات وعوالمها وما نحتاجه لمناقشة وتحليل النص الأدبي. لذا حتى عندما عبرنا مادة المسرحية في المرحلة الثالثة كانت أمامي وزملائي تساؤلات: ما الاستعارة؟ وما التشبيه؟ وما البلاغة اللغوية؟ وكيف نحلل النص وننقده؟ ورغم بساطة الأسئلة لم نفهم أبداً ما كان يريده الأستاذ، عانى الجميع في البداية وبعضهم للنهاية، إذ كان علينا البحث من جديد وتعويض ما فاتنا لسنتين. 

كتاب المسرحية، مصدر الصورة: الكاتبة. 

كانت محاضرات مادة المسرحية من أروع المحاضرات، وإن استمتاعي بها وقدرتي على خوض نقاشات أدبية كانا بسبب القراءة التراكمية لسنوات. رغم ذلك لم أحصل على درجة امتياز ولا حتى زملائي الأوائل.  

لم تكن المعاناة تقتصر على طلاب دفعتي وتجربتهم. يروي سعد، (20) عاماً، طالبٌ في القسم، المعاناة ذاتها التي اختبرها زملائي: “شكد ما نكتبله ما يرضى، ما يكول شيريد بالضبط”.  

والسبب أن الطلاب ينتظرون من الأستاذ تقديم سؤال واضح من ملزمة يعدّها أو ملزمة جاهزة من الإنترنت يوافق على اعتمادها، وهذه المنهجية التي يتبعها غالبهم. لكن بحسب أستاذ الأدب في جامعة بغداد هيثم الزبيدي: “قانونياً يُمنع أن يعطي الأساتذة ملازم وتلخيصات”. وإذا ثبت أن أحد الأساتذة خالف هذه التعليمات فسيعاقب، لكن ليعاقب يجب أن يشتكي أحد الطلبة الذين اعتادوا في الأصل الملازم وهذه المنهجية! 

“قسم ما له فايدة” 

في العراق، غالباً ما يُقاس نجاح أي قسم بقدرته على توفير “التعيين” لخريجيه، وبما أن قسم الترجمة لم يعيِّن أي دفعة من دفعاته، اعتبرت الحكومات المتتالية كلية الآداب من الكليات الساندة، أي إن خريجيه يعدّون خياراً ثانياً، حتى عند التقديم على العقود والتعيين، لذا قد يبرر هذا عدم إيلاء الأساتذة والطلبة أهمية لهذا القسم. 

فالعديد لا يرون لهذا القسم أي أهمية؛ لأن “غوغل” أو “جات جي بي تي” يقوم بمهمتنا الآن وبشكل أسرع. وأذكر عبارة قريب لي يدرس إحدى تخصصات الهندسة: “هو إنتو قسم ما لكم فايدة مثل ترجمة غوغل”. أجبته بأن الترجمة تتيح له أن يقرأ مناهج في الهندسة من تأليف علماء ليسوا بعرب، وحينما رد بأنهم يدرسون بالإنكليزية، ذكرت أن للترجمة فضلاً في تناقل العلوم وتطويرها. لكن الحوار معه توقف بمقاطعة قريبة لنا، طالبة في الطب، استهزأت بكلينا، ليتحول الصدام إلى صدام بين الهندسة والطب، ونجوت من مهمة شرح تاريخ العالم، فلو أردت بدء شرح فضل الترجمة لوجدت نفسي أروي تاريخها منذ السومريين، ثم حركات الترجمة بين الشرق والغرب وحركات الترجمة في العصر الحديث. 

يرى مؤرخون كثر أن حركة الترجمة بدأت من العصر الأموي، ثم ازدهرت وتطورت في العصر العباسي. ويشير الباحث والمفكر العربي جورج صليبا إلى أن الترجمة لم تؤثر فقط في ازدهار العلوم، بل ساهمت في ازدهار الاقتصاد أيضاً، من خلال توحيد اللغة الإدارية للدولة وترجمتها إلى العربية عوضاً عن الفارسية واليونانية اللتين كانتا تكلفان الكثير، يقول: “إن حركة الترجمة كانت حركة إدارية بالدرجة الأولى، تناحرت فيها الكفاءات بالدرجة الأولى وكثرت فيها الاتهامات بالخيانة… ولكن النتيجة أن لغة العلوم الجديدة، أي العربية، وسعت حلقت المنافسة، وفسحت أمام العرب العاملين في الدواوين بأن ينافسوا هم بدورهم لكي يحصلوا على العلوم الجديدة لأنفسهم، إبقاءً لوظائفهم الجديدة، لذلك نرى أن معظم الترجمات التي تمت في القرن التاسع كان يمولها العاملون في الإدارة والمقربون إلى السلطة، ونادراً ما كان يمولها الخليفة نفسه”. ويناقش فكرته هذه بشكل أعمق من خلال كتابه “الفكر العلمي العربي – نشأته وتطوره”. لذا فإن الترجمة ليست رفاهية، بل هي احتياج بشري، من دونها لم نستطع أن نتواصل مع بعضنا ولا أن نتطور ولا حتى أن نقرأ هذا المقال. 

كما أن أول قاموس عرفته البشرية، وهو قاموس يعود للحضارة السومرية، ويُعرف بـ“معجم أوروك“، يضم قوائم من الكلمات السومرية مع ترجماتها إلى اللغة السومرية القديمة وتفسيراتها. بالإضافة إلى “قائمة الفهرس اللغوي السومري”، التي كانت تُستخدم في المدارس السومرية لتعليم الكتابة واللغة، وتحتوي على مفردات مترجمة بين السومرية والأكادية. 

القاموس ممنوع 

أحد القوانين الغريبة التي اصطدمت بها في جامعتي، بل حتى في جميع أقسام الترجمة في العراق، هو منع استخدام “القاموس” وحتى المعجم الورقي خلال الامتحانات، بيد أن الامتحانات يجب أن تقيس قدرة الطالب على تقديم ترجمة نوعية وصياغة جمل محكمة، وليس كمية الكلمات التي يستطيع نقلها إلى اللغة الأخرى، فيما يُسمح للمتقدمين إلى امتحان عضوية جمعية المترجمين باقتناء قاموس خلال الامتحان! 

وحين حاججت مسؤول القسم في منعه استخدام القاموس خلال الامتحان، اكتشفت أنه لم يكن يدري بهذه الآلية ولا ينتمي إلى جمعية المترجمين العراقيين.  

ترجمة أدبية بلا أدب 

في مقال للتدريسي في قسم الترجمة، جامعة الموصل، الأستاذ ياسر يونس، يُقسم طلبة الترجمة إلى نوعين، الأول يتعامل فيه الطلبة مع الترجمة بوصفها فناً، والثاني يتعاملون فيه مع الترجمة بوصفها علماً، وهؤلاء يتذمرون من التفكير خارج الصندوق أو مناقشة ترجمة نص شعري. 

ويعزو الزبيدي هذا الأمر إلى خوف الأساتذة من شكاوى الطلبة أو حتى إضرابهم وتظاهرهم.  

لكن هل حقاً يخشى الأساتذة من الطلبة أم أنهم يهملون وظيفتهم؟ 

يروي إياد (30) عاماً، خريج جامعة تكريت، الأمرَ الذي عانيته ذاته، إذ كان يتشوق إلى نقاش أدبي أو ترجمة نص أدبي طوال عام كامل. في مادة الترجمة الأدبية لم يترجموا سوى نصين أدبيين، إذ استعان الأستاذ بملزمة مستقطعة من أطروحة دكتوراة عن الترجمة بين الهندية والإنكليزية، فيما يدرسون الترجمة بين العربية والإنكليزية! 

كلما قرأت تراجم سركون بولص وحسب الشيخ جعفر، الذي عرّفنا على بوشكين، وغيرهما من المترجمين، شعرت بالامتنان لأنهم لم يدرسوا الترجمة الأدبية كما درسناها، كنا سنُحرم ربما من قصائد آرتو رامبو بترجمة كاظم جهاد، أو تراجم سعدي يوسف.  

وتروي آمنة (27) عاماً، من جامعة تكريت، عن الاستعلاء الذي كانوا يعامَلون به من قِبل غالبية الأساتذة، وفي حال تقديم أي شكوى فإنهم يعانون من معاداة الأساتذة، وإن حالفهم الحظ باتباع المدرّس كتاباً بدل الملزمة، فإنهم لا يكملون المنهج المقرر. 

والأمر لا يقتصر على الترجمة الأدبية فقط، فحتى الترجمة التخصصية التي تتضمن نصوصاً سياحية وطبية متخصصة لم تُعطَ حقها، رغم تأكيد إياد أن التدريسية كانت تملك معرفة وأسلوباً جيّدَين ولم تعتمد على الملازم، ولكنها لم تحاضر سوى في الأسبوعين الأخيرين من نهاية العام الدراسي. يقول إياد لجمار: “الدكتورة تجي على مجالها لأن مشغولة بوظيفة ثانية، فما كدرت تساعدنا نقوي نفسنا، جان بسنة نكدر نستفاد بيها هواي، للأسف محاضرة بالأسبوع ونادراً ما نأخذها، خاصة أنها ترجمة تخصصية تشمل الطبية السياحية”. 

خرّيجنا ليس بباحث 

تخرج إياد وآمنة من قسم الترجمة، جامعة تكريت، وهما غير قادرَين على الترجمة التعاقبية أو الفورية؛ نتيجة غياب التدريب الصيفي، وكذلك لم يكتسبا مهارة ترجمة نص قانوني. فبحسب إياد، كان كتاب القانونية قديماً، والأستاذ لم يكن متخصصاً في الترجمة القانونية، واعتمد على معلومات قليلة من الكتاب. 

لكن حال آمنة وأياد أفضل من حال زملائهما وحتى زملائي، إذ تخرج العديد من القسم وهم غير قادرين على التحدث والكتابة بلغة إنكليزية بسيطة. ويذكر إياد أن المحسوبية والفساد طغيا على طابع القسم، فهناك طلبة أساميهم موجودة على ورقة الحضور فقط، وقد تخرجوا من القسم.  

يرى الزبيدي أن سبب جميع هذه المشكلات التي تواجه الطلبة والأساتذة وتؤدي إلى انخفاض مستويات كليهما هو غياب استراتيجيات تطوير التعليم، والتركيز على الجانب النظري أكثر من العملي، فيتخرج الطالب وهو ليس بباحث. كما أن الدراسات العليا أصبحت في متناول العديد من الأشخاص، سواء كانوا أصحاب كفاءة أو لا، بالإضافة إلى غياب الرقابة على كفاءة الأساتذة ومجهودهم العلمي. ويذكر أن العديد من المكاتب الآن لا تبيع البحوث للطلبة فقط، بل تقدّم رسائل ترقية للأساتذة أيضاً، ويستشهد بإعلان معلق على جدار جامعة المستنصرية لإحدى مكاتب كتابة البحوث. 

ماذا بعد التخرج  

استمر إياد في عمله بالمبيعات بعد التخرج، واستفاد من الترجمة في البدء برحلة تعلم البرمجة. فيما حاولت آمنة العمل في مجال ترجمة الكتب، لكن لم تساعدها الدور العراقية ولم تقدم لها تدريباً، لذا عملت في “كوزمتك”. وتوزَّع زملاؤهما بين وظائف في تخصصات ذات صلة بالترجمة، كالتدريس وتعليم اللغة، أو في أفضل الأحوال التحقوا بمعهد الداخلية الذي صار يطلب خريجي ترجمة.  

وبقيت قصائد ومقالات وكتب ومعلومات تنتظر مترجمين ومترجمات ليجولوا بها على ألسنة لغات جديدة. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

صحفية ومترجمة من العراق، صدر لها عدة تراجم، تكتب في قضايا التنوع الاجتماعي والادب والفن.
بمشاركة