السلاح واللغة في العراق.. هل يتغيّر موقع البندقية أم موقع صاحبها؟

مع عودة الحديث عن حصر السلاح في العراق، يبحث المقال في ما يتغيّر حين تدخل القوى المسلحة مؤسسات الدولة، وما يبقى معلّقاً ما دام قرار استخدام القوة خارجها..

محمد عبد الكريم الشيخمحمد عبد الكريم الشيخ | 28 أيلول 2026

يُروى أن رجلاً من بني كلاب وفد على ملك من حِميَر. كان الملك على مرتفع، فقال له: “ثِبْ”، وكان يقصد بها “اجلس”. أما الرجل ففهمها بلغته “اقفز”، فقال: “لتجدني أيها الملك مطواعاً”، ثم وثب من أعلى فهلك. 

كان اللفظ واحداً، لكن المعنى مختلف. فالكلمة لا تصل إلى السامع حاملةً بالضرورة المعنى الذي أراده قائلها؛ إذ يحكم فهمها السياق اللغوي والثقافي والاجتماعي. وحين يتحول المعنى إلى فعل، يمكن لكلمة واحدة أن تغيّر مصيراً. 

وبين اللغة والسلاح علاقة معقدة. فاللغة لا تكتفي بتسمية السلاح، بل تمنح وجوده واستخدامه معنى. قد يُسمّى الفعل دفاعاً أو هجوماً، تحريراً أو احتلالاً، مقاومة أو إرهاباً، وحين يدخل السلاح المجال السياسي، تصبح التسمية جزءاً من الصراع على شرعيته. لكن الألفاظ لا تحسم وحدها موقع السلاح، إذ يحسمه أيضاً ما تعنيه لحامله، ومن هو العدو، ولمن تكون الطاعة، ومن يملك قرار استخدام القوة. 

مع انكفاء موعد الـ30 من أيلول، وظهور موعد جديد في 30 حزيران 2027، عاد الحديث عن السلاح في العراق. وتتجاوز المسألة كميته وأنواعه إلى السؤال عمّا يحدث له حين ينتهي السبب الذي قيل إنه حُمل من أجله، ومن يقرر أن ذلك السبب انتهى. 

السلاح والدولة 

يمكن تصنيف السلاح في العراق من حيث علاقته بالدولة في ثلاث صور. الأولى سلاح القوات والمؤسسات الرسمية، الذي يخضع لقيادتها، ويصدر قرار استخدامه وفق القانون، وتتحمل الدولة مسؤولية نتائجه. والثانية سلاح لمواجهة الدولة أو يسعى إلى فرض إرادته عليها بالقوة، على اختلاف أهداف الجماعات التي تحمله وأفعالها. 

أما الصورة الثالثة فهي سلاح علاقته بالدولة مضطربة. قد يكون حامله جزءاً من مؤسسة رسمية أو شريكاً في العملية السياسية، بينما يبقى مصدر قراره العسكري أو ولائه غير محسوم. وقد تبدأ جماعة مسلحة نشاطها خارج الدولة ثم تدخل مؤسساتها من دون أن تحسم علاقتها بسلاحها. 

تداخلت في العراق هذه الصور مع السلاح الشخصي والعشائري، الذي استُخدم للحماية والردع وتسوية النزاعات، ومع سلاح قوى واجهت الاحتلال أو التنظيمات الإرهابية، وسلاح جماعات استهدفت الدولة والمجتمع. تختلف وظائف هذه الأسلحة، لكن الحدود بين السياسي والعسكري تتداخل حين تدخل قوة مسلحة الحكومة أو البرلمان وتحتفظ، في الوقت نفسه، بقدرتها العسكرية. 

بعد عام 2003، حملت قوى مختلفة السلاح في مواجهة قوات الاحتلال، ثم دخل العراق في صراعات داخلية وطائفية وإرهابية واسعة. ومع دخول بعض القوى المسلحة العملية السياسية، برز السؤال عن مصير سلاحها: هل تغيّر موقعه فعلاً، أم تغيّر موقع أصحابه؟ 

يقاس اندماج هذه القوى بمدى خضوع سلاحها وقرار استخدامه لسلطة الدولة. فقد تدخل القوة مؤسسة رسمية، ويحمل أفرادها رتباً عسكرية، ويتلقون رواتبهم من الدولة، فيما تبقى جهة أخرى قادرة على تحريكهم وتحديد العدو أو موعد المواجهة ونهايتها، فيكون الاندماج ناقصاً مهما اكتمل شكله الإداري، كما نرى في تجارب عديدة في العراق. 

قرار السلم والحرب 

يضع الدستور العراقي رئيس مجلس الوزراء في موقع القائد العام للقوات المسلحة، ويحظر تكوين مليشيات خارج إطارها. كما يجعل إعلان الحرب من اختصاص مجلس النواب بموافقة ثلثي أعضائه، بناءً على طلب مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء. وبذلك يُفترض أن يصدر قرار الحرب عن المؤسسات الدستورية، لا عن جماعة أو حزب أو تشكيل مسلح. 

يتعقّد تطبيق هذا المبدأ في العراق حين تشارك قوى مرتبطة بتشكيلات مسلحة في البرلمان والحكومة، وتبقى لها قدرة على استخدام السلاح خارج قرار الدولة. 

ظهرت هذه المشكلة في هجمات وقعت خارج قرار الدولة، بينها قصف السفارة الأمريكية بالمنطقة الخضراء في الثامن من كانون الأول 2023 و17 آذار 2026، واستهداف مصالح وقواعد للتحالف الدولي في مناسبات مختلفة.  

دخلت بعض هذه القوى الانتخابات بأسماء وتحالفات جديدة، وانتقل قادة فيها من العمل المسلح إلى البرلمان. لكن دخولها العملية السياسية لا يحسم علاقة تشكيلاتها بالسلاح، ما دامت الشبكات والروابط التي تحدد استخدامه قائمة. ويظهر أثر هذه العلاقة في مصدر القرار العسكري، وفي الجهة التي تكون لها الطاعة عند اختلاف الأوامر. 

قد ترى عشيرةٌ السلاح ضمانة لحمايتها، ويراه حزب وسيلة لحماية مشروعه، وتربط جماعة الاحتفاظ به بمواجهة قوة أجنبية أو خطر يتجاوز الحدود. ويمكن التعبير عن هذه المواقف في المجال السياسي، لكن اتخاذ قرار عسكري بناءً عليها يعيد السؤال عن الجهة التي تملك حق تعريف الخطر ومواجهته. 

فإذا كان حمل السلاح مرتبطاً بمواجهة القوات الأجنبية، فمن يقرر انتهاء هذه المهمة؟ قد يقول طرف إن هناك احتلالاً تركياً، أو إن الوضع في سوريا والمنطقة ما يزال يحمل تهديداً، أو إن الدولة عاجزة عن حماية حدودها. يظل الخلاف قائماً ما دامت كل جماعة قادرة على تحويل تقديرها للخطر إلى قرار باستخدام القوة. 

توحيد المؤسسة والقرار 

تقدّم البيشمركة مثالاً مختلفاً نشأ في سياق قومي وتاريخي خاص، وظلّ لعقود مرتبطاً ببنية سياسية وحزبية في إقليم كردستان. وفي 21 أيلول 2026، أُعلن رسمياً استكمال توحيد قواتها داخل وزارة شؤون البيشمركة. ويثير هذا الإعلان سؤال العلاقة بين القوات وقيادة القوات المسلحة العراقية: ما حدود هذه العلاقة؟ وكيف تُنظَّم حركة القطعات واستخدام القوة داخل الإقليم؟ فتوحيد الألوية والأوامر داخل الإقليم لا يحسم وحده العلاقة مع القيادة الاتحادية. 

ويظهر السؤال ذاته مع الحشد الشعبي، وإن اختلف السياق. فبعد انهيار قطعات من الجيش أمام داعش عام 2014، دعت المرجعية الدينية العليا إلى التطوع والانخراط في القوات الأمنية الرسمية، وكان حصر السلاح بيد الدولة من المبادئ المعلنة. ثم وضع قانون هيئة الحشد الشعبي لعام 2016 الهيئة ضمن القوات المسلحة وربطها بالقائد العام، ونص على فك ارتباط منتسبيها بالتنظيمات السياسية والحزبية والاجتماعية ومنع ممارسة النشاط السياسي. 

يضم الحشد تشكيلات ذات خلفيات مختلفة، ولذلك يظهر أثر القانون في القرار العسكري لكل تشكيل، خصوصاً حين يتعارض القرار الرسمي مع موقف جماعة أو عقيدة أو مرجعية أخرى، عندها تتضح الجهة التي تكون لها الطاعة. 

الدولة جزء من السؤال 

لا تقع مسؤولية استمرار العلاقة المضطربة بين السلاح والدولة على حامل السلاح وحده. فمنذ 2003، رفعت قوى حكمت العراق شعار حصر السلاح بيد الدولة، فيما دخل السلاح في التوازنات السياسية التي تشكّلت على أساسها حكومات متعاقبة. واعتمدت الدولة في مراحل أخرى على قوى مسلحة لمواجهة أخطار عجزت قواتها عن التصدي لها وحدها، خصوصاً خلال الحرب على داعش. وبقيت بعض هذه القوى تجمع بين النفوذ السياسي والقدرة العسكرية. 

أبقت الحكومات العراقية هذا التناقض قائماً حين أشركت قوى مسلحة في السلطة، واعتمدت على بعضها في القتال، ثم أعلنت حصر السلاح بيد الدولة من دون أن تحسم تبعية قرارها العسكري. فقد أصبح لبعض القوى موقع داخل المؤسسات الرسمية، مع استمرار قدرتها على تحديد متى تستخدم السلاح خارج أي سلسلة أوامر. لذلك يرتبط استمرار السلاح أيضاً بالطريقة التي أُديرت بها الدولة والتحالفات التي قامت عليها الحكومات. 

ويرتبط النقاش بقدرة العراق على حماية حدوده وأجوائه ومؤسساته. فقد تغيّر الإطار الدولي للعقوبات بعد سقوط نظام البعث، وأصبح للحكومة مجال لاقتناء الأسلحة وبناء قواتها، مع بقاء قيود ومشكلات تتعلق بالتمويل والتخطيط والتدريب والصيانة والاعتماد على الخارج. ولا يمكن تفسير ضعف بعض القدرات العراقية بعامل واحد، أو اختزال بناء القوة في شراء العتاد، فالدولة تحتاج إلى قوات قادرة على أداء مهامها، وإلى قيادة تملك قرار استخدام القوة التي تعمل باسمها. 

وحتى إذا سلّمت الفصائل صواريخها وطائراتها المسيّرة، كما تهدف الحوارات اليوم، يبقى ما لديها من سلاح أخف جزء من المشكلة. فحجم السلاح يحدد قدرته التدميرية، فيما يظل قرار استخدامه قادراً على فتح مواجهة خارج إرادة الدولة. ولهذا يتوقف معنى الحصر على الجهة التي تملك الأمر بإطلاق النار، أياً كان نوع السلاح. 

تعود المسألة في النهاية إلى المسافة بين اللفظ والمعنى. قد تتغير أسماء الجماعات والقوائم والشعارات، وقد تتوحد المؤسسات والرتب، لكن معنى كل ذلك يظهر في الجهة التي تحدد متى تُستخدم القوة، وضد من، وتحت أي قانون، ومن يتحمل نتائج استخدامها. عندئذٍ فقط يتضح إن كان موقع السلاح في العراق قد تغيّر، أم تغيّر موقع حامله. 

  • تُنشر المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

شاعر وناشط عراقي