الاستماع إلى كاظم الساهر بأذنٍ نسوية وأخرى ساهرية

كبرت بلسم مصطفى على أغنيات كاظم الساهر، ووجدت فيها ملاذاً من الحروب والمنفى وخطاب الكراهية ضد النساء. لكنّها بعدما بدأت تصغي إلى كلماته بأذنٍ نسوية، لم تعد تسمع الفنان الذي تحبّه بالطريقة نفسها دائماً.. مقال عن الإصغاء إلى كاظم بأذنٍ نسوية وأخرى ساهرية..

بلسم مصطفىبلسم مصطفى | 22 أيلول 2026

في التاسع من حزيران، ومن دون سابق إنذار، نشر الإعلامي أنس بوخش مقطعاً دعائياً وتشويقياً قصيراً لحلقته الجديدة من برنامج أي بي توكس (ABtalks) على الحسابات الخاصة به، مصحوباً بلحن “قولي أحبك”، في تلميح واضح إلى أن ضيف حلقة الليلة هو كاظم الساهر. تشتعل مواقع السوشيال ميديا وينتشي الساهريون فرحاً، فاللقاء أتى بعد مطالبات عديدة باستضافته، غصت بها مساحة التعليقات تحت كل حلقة تُبث على اليوتيوب. فللبرنامج جمهور شبابي كبير أحب أسلوب الحوار القائم على معرفة الجوانب الإنسانية في حيوات الضيوف بعيداً عن الأعمال والإنجازات الفنية. 

ولأن كل من يعرفني من المقربين يعلم مدى تعلقي الشديد بالساهر وحبي لألحانه وصوته منذ الطفولة، وصلتني رسائل البشرى عن تلك الحلقة المنتظرة، فمن يعنيه أمرك يود أن يغبطك. وإذا لم أهتم أنا بالخبر أو يخفق قلبي له فلا بد أن هنالك خللاً.  

من الطفولة إلى النضوج 

في استحضار اسم الساهر سفرٌ وترحال عبر الأزمنة والأماكن، حيث رافقتني أغنياته منذ الطفولة، مروراً بالصبا والشباب وحتى النضوج والأمومة، وشكلت تطور شخصيتي عبر تلك السنين، فكانت كستار يحجب زئير الصواريخ وهدير الطائرات، وخلقت في ذهني واقعاً متخيَّلاً أهرب إليه حين أستذكر فترات قاسية وعصيبة عصفت بالعراقيين.  

فإذا أردت العودة بالذاكرة إلى الثمانينات إبان الحرب الإيرانية-العراقية، أستذكر ابنة الخامسة وهي ترقص على أنغام أغنية من كلمات الشاعر العراقي عزيز الرسام لا تفهم جلّ كلماتها، فتغني: “شجابرك على الموت” بدل “شجابرك على المر”. كنت أتساءل في قرارة نفسي وقتئذٍ: ماذا تعني تلك الجملة يا تُرى؟ لا أعرف لِمَ لم أستفسر من والدتي أو والدي، ربما كنت أربطها في عقلي الباطن بالموت العبثي الذي أسمع عنه من البالغين في محيطي، وأسأل: ما الذي يجبرنا على الموت؟ فالأطفال يشعرون أيضاً حتى إن عجزوا عن التعبير. 

أما إذا أردت العودة إلى سنوات الحصار والحروب التي تخللته، حيث غنّى الساهر للطفولة في “تذكر“، ولبغداد في “كثر الحديث“، من كلمات كريم العراقي، أستعيد مشهد جلوسنا حول صينية الشاي وقت العصر، أو كما يسميه بعض العراقيين “العصرونية”، ونحن نستمع إلى موال “بحضن دجلة الزوارق هايمة طوف ونيران الشواطي وسمج مسكوف، الله ينتقم منج يا أيام، هلي الطيبين ضاعوا من إيديه”، نحاول حبس دموعنا متأثرين، متذكرين “العزيز” الذي ودعناه ورحل، ويهمس الأهل: “الله ينتقم منك يا صدام”، فهي تنسجم مع إيقاع وقافية الموال، وتعبّر عما كان يختلج في النفوس من غير أن تقدر على البوح علناً، فالتصريح يعني رصاصة الموت. رغم ذلك، يظل الهمس العائلي وسيلة من وسائل المقاومة الخفية، فالسكوت لا يعني أن الشعوب راضية عن الظلم والاضطهاد. 

بعدها أنتقل بالذاكرة إلى مقاومة من نوعٍ آخر، مقاومة تخص الفتيات وحدهنّ. فرغم أنف الحروب والعنف والعقوبات، كنا نغني ونقع في حب فنانٍ مفضل اتخذناه استعارةً عن الحبيب المستقبلي. كان الساهر بطل حكايات الساهريات الصغيرات الحالمات بحبيب يخشى عليهن من الحزن فينادي حبيبته ليطمئن: “ها حبيبي مو على بعضك أحسك”، أو يدعو الله أن يحرسها من “عين البشر” أو يراها أول مرة في سهرة، رغم أن السهرات كانت أضغاث أحلام في التسعينيات، فيتمنى لها أن “تفرح وتتألق وتتشجع لتتقدم له خطوة”. 

لكن سرعان ما ظهر للساهر ند ومنافس قوي، هو هيثم يوسف، ذلك الشاب الوسيم الذي أطل على الشاشة بأغنية “عنيد“، وكانت فاتحة لأغانٍ سرعان ما وجدت لها مكاناً في قلوب الكثيرات. فحصل انقسام بين الصديقات ما بين “ساهريات” و”هيثميات”، وكان انقسامنا طبقياً نوعاً ما، فيمكن القول إن الهيثميات كان يُنظر إليهن أو ينظرن إلى أنفسهنّ كـ”برجوازيات حداثيات”، على عكس الساهريات “المحافظات والتقليديات”، فالساهر كان بالنسبة للهيثميات “دقة قديمة” لا تواكب الموسيقى المعاصرة.  

لكن التنافس والانقسام لم يدوما طويلاً. فبعد صدور ألبوم “في مدرسة الحب” واتخاذ كاظم لخط القصيدة المغناة وصعود نجمه عربياً اتسعت رقعة محبيه، وضمت الهيثميات الأرستقراطيات، وهنّ يشرن إلى الساهر باستخدام اسمه الأول فقط؛ دلالةً على الحميمية كما لو كان صديقاً مقرباً. أما الساهريون القدامى فزادت محبتهم وكبر احترامهم. أتذكر كيف تسمرنا أمام شاشة التلفاز حين بُثت أغنية “في مدرسة الحب“، ولم يتحرك أي من أفراد عائلتي الكبيرة قيد أنملة حتى انتهت الأغنية. فنالت إعجاب الجميع واستحقت التصفيق كما لو كنا نحضر حفلةً حية للساهر. 

ومع صدور ذلك الألبوم، وفي السنوات التي تلته، بدأت فصول جديدة في موسيقى الساهر وفي الوطن وعلاقتي معهما. لقد تسيّد موضوع المرأة معظم أغانيه، خصوصاً أن العديد من القصائد التي لحّنها وغنّاها كان قد كتبها الشاعر الراحل نزار قباني، وكما هو معروف، فإن المرأة “تحتلها أعظم احتلال”، أو ربما تكون هي “المحتلة” فيها.  

لا يخلو عدد من تلك القصائد من نبرة أو معالجة ذكورية تمتعت على مدى طويل بحصانة نسبية من النقد لأسباب كثيرة، على رأسها شهرة الشاعر وشعبيته، ومفعول السحر الذي تفعله كلمات أشعاره، فيختفي وراءها أي خطاب مهين للمرأة أو مكرس لغطرسة وأنانية الرجل العاشق. لكن السبب الأهم برأيي هو أن النقد والقلم النسوي الناقد لم يكن قد برز إلى السطح بعد في مجتمعٍ أدبي وفني يُسيطر عليه الرجال بنسبة كبيرة، فلا عجب ألا تنتبه محباته لتلك الإشكاليات في عدد من أغنياته الشهيرة، وأنا منهنّ، أو تغفر من انتبهت منهنّ تلك الإساءات، ليس لأجل الساهر ومحبةً لألحانه وصوته فقط، لكن لأن التغني بالمرأة، على ما اعتلاه من ذكورية واضحة أو مستترة، كان ولا يزال يحمل ملامح خطاب مضاد لأيديولوجية ميسوجينية (كارهة للنساء) آخذة بالتصاعد والحدة في كل أرجاء العالم، وفي المنطقة العربية والعراق على وجه الخصوص منذ عام 2003 ولغاية اليوم.  

جاءت أغاني كاظم الساهر المُتغزلة بالمرأة وتصريحاته عنها فيما بعد كردّ اعتبار للكثير من العراقيات وهنّ يواجهن خطاباً إلغائياً منذ عام الغزو وتداعياته، خطاباً يستلب حقوق النساء الأساسية في التنقل والعمل والملبس، بل يسلب في بعض الحالات، كما في جرائم ما يُسمى بـ”غسل العار” والعنف الأسري، الحق في الحياة. تضافرت قوى الأبوية، العشائرية منها والمؤسساتية؛ لتُكرس واقعاً يُغيِّب الحضور النسائي العام بالإكراه، ويفرض نسقاً واحداً من المرأة المغطاة قلباً، أو بالأحرى عقلاً، وقالباً. يشتد هذا التضافر كلما أحكمت التنظيمات الإرهابية أو الحزبية ذات التوجه الديني المتطرف سيطرتها ونفوذها. 

وكلما اشتد العنف اليومي صرت أستحضر من خلال أغاني الساهر حالةً من النفي المزدوج: نفي من الوطن ونفي للنساء، فلسان حالي يقول: “نُفيت واستوطن الأغراب في بلدي، ودمروا كل أشيائي الحبيبات”، فيما يحلم قلبي المُغرم بحياة عاطفية أحياها مع الحبيب والشريك بعيداً عن المفخخات و”عن مدينتا التي شبعت من الموت”. 

وبمرور السنين، ومع الهجرة والاغتراب، وتفتيت الهوية، غلُظ الرابط بين موسيقاه وبين وطنٍ بتُّ لا أعرفه إلا في الذاكرة والخيال. فمن “دكيت باب الجار” إلى “سلامتك من الآه“، و”سلامي إن شاالله يوصل سلامي”، و”استعجلت الرحيل“، مروراً بـ”لا ترحلوا“، و”جمالُ وجهكِ دجلتي وفراتي”، كل كلمة تأخذني حيث الحنين والأهل والوطن بوجعه وجراحه.  

“قتل البهجة” 

لا أعلم متى بالضبط حدثت الشرارة وبدأت أقرأ أغاني فناني المفضل وآراءه قراءة نقدية. هل للأمر علاقة باكتساب المعرفة النسوية وتبنّي أدواتها البحثية؟ على الأغلب نعم. فتبنّي النهج النسوي النقدي يشبه ارتداء عدسة طبية تُعالج قصر النظر، أو سماعةً تعالج ضعف السمع، فيصبح ما كان ضبابياً واضحاً ومرئياً للمرة الأولى، وما كان غير مسموعٍ مفهوماً وذا معنى. لكننا أحياناً نختار عمداً الضبابية على الوضوح التام، فنضع العدسة والسماعة النسوية جانباً، كي لا “نقتل البهجة”، استعارةً من وصف الأكاديمية النسوية سارة أحمد للصوت النسوي المزعزع لكل تصورٍ عن معنى السعادة المشروطة بالمنظومات الأبوية بأنه صوت “قاتل للبهجة”، وللنسويات اللاتي يرفضن التمييز والعنصرية والظلم ويُشككن بالخطابات السائدة بأنهنّ “قاتلات للبهجة”. 

 أعتقد أن هذه هي حالتي مع الساهر، كتمت صوتي النسوي معظم الوقت كي لا أنكد على نفسي الاستمتاع بألحانه الشجية، أو التسمر أمام الشاشة لمتابعة مقابلة إعلامية أخشى تكرار حديثه فيها. وللإنصاف فإن العيب ليس في الساهر وحده، فطبيعة الأسئلة الموجهة له عادةً تهدف إلى خلق “بهجة تريندية”، وتسحبه بعيداً عن فنه وثقافته الموسيقية لتحصره في زاوية السطحية والشعبوية، ولا بد أن يُسأل عن المرأة في حياته في كل حوار، فهذا هو إكسير نجاح الحلقة جماهيرياً. 

وتزامناً مع إعلان الحلقة المرتقبة، كنت قد انتهيت تواً من قراءة رواية “أنا التي لم تعرف رجالاً قط” الديستوبية لجاكلين هاربمان، بعد أن رشحتها لي ابنتي الكبرى. وأنا أراقب ردة فعلي على الإعلان، استذكرت هذا الاقتباس من الرواية: “لوقتٍ طويل، كانت الأيام تمضي نسخاً متشابهة عن بعضها البعض، حتى بدأت أفكر، فتغير كل شيء”. فعادة ينشرح صدري لمعرفة أن كاظم سيطل علينا في لقاء طويل، لكن هذه المرة شعرت باستياء شديد. 

هذه المرة بدأت أفكر، فالجلوس على الكرسي نفسه الذي جلس عليه سيئ الصيت والسمعة أندرو تيت منذ بضعة أسابيع كان بالنسبة لي أمراً غير مقبول. ولأنني أعترف بأنني مصابة بـ”متلازمة كاظم الساهر”، رحت أبحث عن تبريرات للفنان الذي أعشق من قبيل: ربما لم يكن يعلم، ربما لا يعرف من هو تيت أصلاً، ربما يعلم ولكن هو عليه بنفسه فقط. ألم تظهر الراحلة نوال السعداوي في برامج مع إعلاميين وإعلاميات لا يليقون بمكانتها! هكذا أحاول أن أخفف من حدة غضبي.  

لكنني لم أكن مستاءة من المقابلة فقط، فعلى غير العادة أيضاً، ما زلت منزعجة من أغنية جديدة صدرت للساهر قبل بضعة أيام بعنوان: “إلا أجيبك“. أغاظني العنوان كثيراً، ففيه من الدلالات على الإكراه والغصب الكثير. ولأن لحن الأغنية في أحد الكوبليهات ذكرني بأغنية “لا تحرموني“، التي صدرت في تسعينيات القرن الماضي في إطار مسلسل “المسافر“، رحت أقارن بين الغصب والإكراه في “لا تحرموني” وذلك المتضمَّن في “إلا أجيبك”، وشتان بين الاثنين، ففي “لا تحرموني” يحكي كاظم عن حبيبَين متفقَين يريد لهما الأهل الفراق قسراً، أما في “إلا أجيبك” فكاظم يعيش حالة الحب من طرف واحد، وهو مصرّ على أن تسميه “ملاكُه” بـ”الحبيب” شاءت أم أبت.  

لم تكن هذه أول أغنية للساهر فيها معاني “الغصب”. أتذكر أن إحدى النساء ردت على تعليقٍ لي تركته تحت فيديو الأغنية على اليوتيوب متضمناً نقدي أعلاه، فكتَبَت لي ما معناه أنني لا أعرف شيئاً عن أغاني كاظم، وعلى عكس ادعائي، فإنني غير مطلعة على أغانيه القديمة، خصوصاً أغنية “أغازلك غصباً عنك ترضى ما ترضى”. بالتأكيد أنني كنت أعرف الأغنية وأحفظها عن ظهر قلب، لكنني كنت أستمع بدون تفكير. تعليقها هذا جعلني أقارن بين الأغنيتين، وعلى الرغم من أوجه الشبه، فإن الساهر في “أغازلك” يخاطب حبيبته المتخاصمة معه، وفي “إلا أجيبك” يخاطب بأنانية ونرجسية امرأة لا تبادله المشاعر نفسها. 

في تساؤلاتي تلك فعلٌ قاتل للبهجة في تعكيره الأجواء وتنغيصه على حس المتعة وخلخلته للتوازن، فالصراع بين الهوى الساهري والنقد النسوي يعني شطر النفس شطرين ثم إعادة دمجهما لتحقيق مواءمة بين نقيضين. أن تُقتل البهجة يعني رفض المسلمات والصور النمطية والخروج على قواعد الشعبوية وتحدي الخطابات الأبوية، وفي قتلها إحياءٌ للصوت الناقد المتحرر من فخ التخندق والاستقطاب أملاً بتقديم رؤية بناءة ومنصفة للساهر وللآخرين.  

“نحن الرجال ندمر أعظم امرأة” 

امتدت حلقة كاظم الساهر على مدار ساعتين وحظيت بنسبة مشاهدة عالية. وكما كان متوقعاً، أكد الساهر مجدداً على موقفه الداعم للمرأة والحانق على الرجل، ولم تكن المرة الأولى التي يتحدث فيها الساهر عن القهر الرجالي للنساء، فقد تعودنا أن نسمع تصريحات مشابهة في كل حواراته الإعلامية تقريباً.  

إلا أن الساهر لم يتوقف عند هذا الحد، فطبيعة الأسئلة وتركيزها على تفاصيل حياته أكثر من فنه وفرت له المناخ المناسب للحديث عن علاقة والده المضطربة بوالدته، وكيف قهرها وظلمها بالزواج عليها أكثر من مرة، وهي لم تقابله إلا بالإحسان وبالتسليم لقدرها المحتوم، وعن جوانب تخص علاقته بطليقته الراحلة، المعروفة باسم “عروبة الساهر”، مشيراً إليها بـ”أم الأولاد”، ومعبراً عن ندمٍ لم يُفصح عن تفاصيله، تطلّب تدخّل معالجين نفسيين واللجوء إلى الروحانيات الإيمانية بعد وفاتها. وبهذا الصدد، صحيح أنه لم يشارك أي تفاصيل تخص ما حصل بينه وبين طليقته، أو لماذا يشعر بالندم إلى الدرجة التي يرفض معها الارتباط بامرأةٍ أخرى، إلا أنه من الواضح أن ذلك الأسى لم يأت من فراغ، خصوصاً أنه ترافق مع توجيه أصابع اللوم إلى الرجال في كل ما تعانيه النساء. 

وهنا قد يسأل سائل: ما المشكلة في أن يقف الساهر في صف المرأة، أو أن يعترف بالاضطهاد الذي واجهته والدته وطليقته؟ أليس هذا بالأمر الحميد؟ تكمن المشكلة الجوهرية في أن هذا الاعتراف ينتهي عند هذا الحد. فكما ذكر الساهر نفسه، الرجال بطبيعة تكونيهم “يدمرون أعظم امرأة”، وهي عبارة تصدرت المنشورات الرقمية فور انتهاء الحلقة. بمعنى آخر، فإن “الخيانة” و”عدم الالتزام” خصائص تولد مع الرجل، فهو ظالم للمرأة وليس بيده فعل شيء إزاء هذا الأذى سوى الاعتراف وطلب الصفح، إن كان رجلاً ذا ضميرٍ صاحٍ. 

وأكد الساهر في لقائه على مسألة الضمير أكثر من مرة، ولم يصور المرأة، سواء كانت والدته أو طليقته، خارج إطار الخضوع المحتوم والصبر والتحمل لدرجة الامتناع عن ذرف الدموع، كما لو أن المرأة ليس بمقدورها سوى أن تقبل بهذا الظلم، عسى أن تجد في أغاني الساهر التي تتغزل بها، كـ”حلوة وأميرة ترضى بحصيرة”، عزاءً ومواساة.  

يكاد لا يختلف هذا الطرح عن خطاب المنظومات الأبوية-الذكورية وهندستها للبشر بحسب أجناسهم البيولوجية، فكل له دوره وطباعه وخصاله في هذه الحياة. فالتراتبية بين الرجال والنساء وما يترتب عليها من سيطرة رجالية مطلقة وخضوع نسائي هي بمثابة أقدار محتومة، لا يمكن تغييرها أو تحويل مساراتها أو هدم الواقع الناتج عنها. 

استناداً إلى تجاربه الشخصية ومعرفته المحدودة والقاصرة، يعيد الساهر، بوعيٍ أو بدونه، تقديم تفسير بيولوجي حول العالم على أنه الحقيقة الواحدة والمطلقة. فالنساء هنا والرجال كذلك يرثون الأدوار والسلوكيات من الولادة، فالإنسان “يولد رجلاً أو امرأة”، “ولا يصبح” كذلك، على حد تعبير سيمون دي بافوار، فيختفي بذلك الدور الذي تلعبه التنشئة الاجتماعية والثقافية -بما تتضمنه من أعراف وتقاليد وقيم ومؤسسات سياسية ودينية وقانونية وعشائرية- في تشكيل الذوات الإنسانية وصُنع الهويات وتحديد الهرميات بينها، كما تختفي إرادة الإنسان، رجلاً كان أم امرأة، في تغيير تلك الهندسة المجتمعية وعلاقات القوة المترتبة عليها وفي مقاومتها ورفضها والتحرر من سطوتها. 

وبوجود هذه القراءة الحتمية لا يمكن تصور أن تنشأ صداقة بين الرجل والمرأة، وهو ما أكده الساهر بعد أن رفض الإجابة عن السؤال المتعلق بهذه الصداقة في بادئ الأمر. فهو يرى، رغم اعترافه بأن لديه صديقات يعتز بصداقتهن ويضعهن “على رأسه”، أنه من الصعب أن تقبل الزوجة بأن يكون لزوجها صديقة، فالمرأة هي الملامة أيضاً. ولم يخبرنا الساهر ما إذا كان الزوج سيقبل أن تحظى زوجته بصديق، وما هو سبب رفضه في هذه الحالة. ربما كان الساهر محقاً في صعوبة تحقق مثل هذه العلاقة في مجتمعاتنا، ولكنه لم يكن محقاً في تشخيص أسبابها.  

في هذا السياق، تأتي الاعترافات كمحاولة للتكفير عن الذنوب ومحو أثر الإساءات، فيكفي للرجل صاحب الضمير الحي أن يقر بأخطائه علناً ليحظى بالغفران ولتمضي القافلة على الطريق نفسه من جديد.  

اقتصاديات الشهرة.. التأثير والتأثير المضاد 

مما لا شك فيه أن شهرة الساهر متأصلة في تاريخه الفني، فهو قامة موسيقية لها قاعدة جماهيرية كبيرة من مختلف الأجيال والأجناس والأعراق، وتاريخ حافل من الإنجازات. وبغض النظر عن شخصية المشهور، فللشهرة “هالة” بين المتابعين والجمهور، ويكون لها بُعد اقتصادي حين يتوسطها الفضاء الرقمي، فجمهور ومحبو الشخص المشهور يثقون فيه وينظرون له كقدوة لها مصداقية، وعليه فإن المشكلة لا تتعلق بأفكاره فحسب، فهو حر بآرائه، بقدر تعلقها بطريقة استهلاكها وتداولها عبر فضاءاتٍ رقمية ذات أنظمة وخوارزميات مبنية على اقتصاد المرئيات، وهو اقتصاد قائم على تحويل الانتباه والتفاعل إلى سلعة تجارية من جهة، وعلى خلق وإدامة الاستقطاب من جهة أخرى، فيصبح تأثير المشهور على تشكيل وتوجيه آراء متابعيه مضاعفاً. فالبيئة الرقمية تتسم بما يطلق عليه الباحثون “ثقافة المؤثرين“، والحدود باتت اليوم ضبابية بين “الإنفلونسر” وصانع المحتوى والناشط والفنان والمثقف، فالكل يساهم في تغذية تلك الثقافة بدرجة أو بأخرى.  

قصص
من السطح إلى الحفلة.. سيرة كاظم الساهر في بيتنا
حسن شغيدل/10 أيلول 2026

 فما إن تنتشر مقاطع لتصريحات الساهر حتى يُعاد طرحها واستهلاكها من دون مساءلة، مع وجود استثناءات تحاول تفكيكها، وهنا مكمن الخطورة. وكما أن لكل شخصية مشهورة معارضين وكارهين، فالأمر ذاته ينطبق على الساهر، وعلى النقيض من محبيه، تتداول فئة المعارضين والكارهين أفكاره بطريقة مختلفة لا تقل إشكالية أو خطراً، بل على العكس من ذلك، فلطالما تعرض الساهر للتهجم الشخصي عليه ومن خلاله على النساء، من مجموعات لا تختلف في أفكارها عن أفكار أندرو تيت، ليس لأنه يقدم تعميماً حول الرجال، كما يُحاجج البعض، بل لأنه يثني على المرأة ثناءً لا تستحقه، وفق رؤيتهم. هكذا تتصادم وتتنافس وتتسارع السرديات في فضاءاتٍ رقمية متحيزة تعج بالعدائية المفرطة تجاه النساء، فالشراسة تجاه النساء، خصوصاً تلك التي تُبث من على المنابر وتنتشر في فلك الاقتصاد الرقمي النيوليبرالي، سلعة مربحة قادرة على تحقيق الرواج والتفاعل السريع.  

“يكرهون الورد، يكرهون النساء”.. يكرهون كاظم الساهر 

في ذروة النزاع الطائفي عام 2007، أدى الساهر قصيدة “تعالي أقبل وجهك” في حفلة بالقاهرة. أعادت المساحات الرقمية نشر هذا المقطع من القصيدة المُغناة طوال السنوات اللاحقة: “يكرهون الحب، يكرهون الحياة، يكرهون الورد، يكرهون النساء، يكرهون النور، يكرهون السلام”. منح هذا الانتشار الرقمي المقطع معاني جديدة في سياقٍ من التنافس المحموم وغير المسبوق على طعن النساء وجرح كرامتهنّ، في عنفٍ رقمي يزداد حدة من دون أن يواجه محاسبة أو مساءلة.  

واليوم تغزو منصات التواصل صفحاتٌ وحسابات لا تُعد ولا تحصى، منها ما هو مرتبط بصفحات داعمي المدونة الجعفرية، ومنها ما هو مرتبط بالمانوسفير، أو الفضاء الرجالي المناهض للمرأة عموماً وللنسويات خصوصاً، تسودها لغة عدائية توصم فئة الأمهات المطلقات والموظفات بألفاظٍ وصفات مسيئة وتحقيرية، منها “نواشز” و”آكلات السحت“، مستخدمة ضمائر الجمع بقصد التعميم وشيطنة طيف واسع من النساء. 

تهاجم تلك الحسابات، تحديداً المانوسفيرية منها، كاظم الساهر باستمرار. فحسب لغتهم، يُمثل الساهر “ملك السيمبات“، وفي الخطابات الذكورية بات الـ”سيمب” وصفاً ازدرائياً لإهانة أي رجل يحترم المرأة ويدافع عن حقوقها. بل إن هناك نادياً على الإنستغرام لكارهي الساهر، وكما يصف أصحابه، فإن “الصفحة مخصصة لإيقاف التملق والتلوق والتزحلق للمرأة، الذي يقوم به الأب الروحي للسيمبية الأستاذ كاظم الساهر بالتملق لحافية القدمين”، في إشارةٍ إلى إحدى أشهر قصائده المغناة.  

في منشور ساخر للصفحة، يظهر مقطع للساهر وهو يغني بيتاً من أغنية “دلوعتي” يقول: “إن الرجال فوارس لكنما لا سلطة تعلو على النسوان”؛ ليثبتوا وجهة نظرهم بأن الساهر شخص “مازوخي” و”لوكي”، معترفين بحقدهم غير المبرر على النساء، ومؤكدين أن التراتبية المجتمعية القائمة بين الرجل، صاحب المنزلة واليد الطولى، والمرأة، الخاضعة والمطيعة في مرتبتها الدنيا، هي نظام صحيح وشرعي، ولا يجوز المساس به أو تصويبه. 

في الهجوم على شخص الساهر تحقيرٌ للنساء. ما تفعله هذه الحسابات مجازاً هو إلصاق للساهر وللنساء في جسدٍ واحد يسهل جرحه بمنشور واحد. لا غرابةَ إذاً في أن تُصر الساهريات على الاصطفاف مع الساهر، ويتصلب موقفهن الدفاعي وهنّ يواجهن بمفردهن جبهاتٍ من التحريض والتعهير والشيطنة على المستوى الرقمي والقانوني والاجتماعي. 

وهنا ربما تصبح الخشية من تقديم رأي مخالف أو نقد لأفكار الساهر مفهومة ومبررة، فممكن أن يتحول هذا الرأي إلى سلاح آخر يستخدمه كارهو الساهر وكارهو النساء لشرعنة خطابهم، والإمعان في تشويه العراقيات، وانتزاع صفة الإنسانية عنهن. ولأن الاستقطاب ولّاد، فهو يعرقل من إمكانية وجود مساحة ثالثة للمعالجات الرصينة والهادئة والمنصفة، في الوقت الذي يُنتج فيه حلقةً مفرغة من الهجوم والدفاع.  

لكن الساهر نفسه، من دون قصد، اقترح لنا طريقةً أخرى للخروج من هذا المأزق. 

لا تتذكروني لكن لا تنسوا موسيقتي 

طوال مسيرته الفنية، تجاهل الساهر كارهيه مركزاً على إنتاجه الفني. ربما نحتاج أيضاً أن نتجاهل الخطابات المأزومة ولا ننجرف في تيار اقتصاديات الشهرة والمرئيات، فاكتساب المعارف لا يعتمد على آراء الشخصيات المشهورة، مهما كانت قيمتها ومكانتها، ومن المهم الفصل بين الاثنين. 

 ربما نحتاج أيضاً أن نُنصت إلى الموسيقى الساهرية، ففي الإنصات تذكر وتأمل، والنقد البناء لا يكون بدونهما. في نهاية الحلقة مع بوخش، وفي معرض رده على السؤال الأخير حول الكيفية التي يريد كاظم أن يتذكره بها الناس قال الساهر: “لا تتذكرني (الناس) بس خليها ما تنسى موسيقتي”، متمنياً أن تساعد موسيقاه الناس على “التأمل” وعلى الذهاب بهم إلى “أماكن جميلة”.  

فالموسيقى ليست “شؤون صغيرة” لكنها “تساوي” الحياة، والموسيقى الساهرية هي إرث للوطن، فالعراق “مُخبأ” بين ثنايا أشعار وقصائد وألحان الساهر، وقد سكنت أحزانه في “مزاراته الموسيقية”، على حد تعبيره. ففي الإصغاء إلى هذه الموسيقى استحضارٌ للوطن، وفي تذكرها احتفاء وتقدير للمسيرة، وفي نقد ثغراتها إنصاف وعمران وبصيرة. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

حاصلة على منحة ليفرهيوم لدراسات ما بعد الدكتوراه وأكاديمية في قسم دراسات الترجمة في جامعة كاردف.
بمشاركة