موجز المليشيات في العراق.. منذ تأسيس الدولة العراقية إلى الآن

لماذا لم يخلُ تاريخ العراق من المليشيات؟ من الحرس القومي وفدائيي صدام إلى الفصائل الحالية، يتتبع هذا المقال تحوّلات السلاح الموازي للدولة العراقية..

آدم سالمآدم سالم | 20 أيلول 2026

يمثّل ملف المليشيات والجماعات المسلحة خارج إطار الجيش النظامي ظاهرةً لافتة في التاريخ العراقي الحديث. ورغم أن الطفرة الكبرى لهذه التنظيمات حدثت بعد عام 2003، فإن جذور السلاح الموازي للدولة تمتد إلى بدايات تشكيل العراق المعاصر، متأثرةً بالتحولات السياسية والتدخلات الخارجية والأيديولوجيات العابرة للحدود. 

وليس كل سلاح خارج الجيش يعد مليشيا بالمعنى نفسه، فالتمرد العشائري يختلف عن الحركة القومية المسلحة، وكلاهما يختلف عن المليشيا التي يُنشئها حزب حاكم لحماية سلطته. غير أن هذه النماذج تشترك في مزاحمة الدولة على احتكار القوة، أو تحويل السلاح إلى مصدر للنفوذ والسلطة خارج المؤسسات الرسمية. 

عقب تأسيس المملكة العراقية عام 1921، ركزت النخبة الحاكمة بالتعاون مع السلطة البريطانية على بناء جيش نظامي، بدأ بتأسيس فوج موسى الكاظم في العام نفسه. ومع ذلك، نشأت الدولة وسط مجتمع يمتلك فيه شيوخ العشائر والقوى المحلية السلاح والنفوذ، فيما خاضت حركات عشائرية وكردية مواجهات دورية ضد سلطة بغداد. 

لم تكن هذه الحركات مليشيات حزبية بالمعنى الذي ظهر لاحقاً، بل تمردات محلية أو حركات قومية مسلحة. لكنها كشفت مبكراً عن مشكلة سترافق الدولة العراقية طويلاً، وهي وجود قوى منظمة خارج الجيش تستطيع منازعة الحكومة في السيطرة على الأرض.   

الستينيات.. مليشيا الحرس القومي الانقلابية 

مع قيام النظام الجمهوري عام 1958، وصعود الأيديولوجيات القومية واليسارية، انتقل السلاح الموازي من طابعه المحلي والعشائري إلى الطابع الحزبي. وبعد ثورة 14 تموز، اتسعت قوة الشيوعيين والمؤيدين لعبد الكريم قاسم، وبدأ الصراع بين القوميين واليساريين يظهر في الشارع ومؤسسات الدولة، قبل أن يبلغ ذروته خلال عقد الستينيات. 

عقب انقلاب الثامن من شباط 1963، الذي أطاح بحكم عبد الكريم قاسم، وسّع حزب البعث مليشيا “الحرس القومي” لتكون قوة تحمي الانقلاب وتقمع خصومه. تولى الحرس ملاحقة الشيوعيين واليساريين وأنصار النظام السابق، وأقام جهازاً أمنياً موازياً للشرطة والجيش. 

الحرس القومي ينتشر في أحد شوارع بغداد، مصدر الصورة: السوشيال ميديا.

لم يكن الحرس القومي جيشاً نظامياً في بنيته الأساسية، فقد تشكل من أعضاء الحزب وشباب وطلاب ومؤيدين جرى تسليحهم على عجل. ارتدى أعضاؤه شارات خضراء، وتمتعوا بصلاحيات واسعة في المداهمة والاعتقال والتحقيق، وأقاموا مراكز احتجاز خاصة بهم. 

كانت مهمته “تطهير” الساحة السياسية، ومارس أفراده الاعتقال والتعذيب والتصفية خارج القانون، واتسع عنف التنظيم إلى درجة أثارت استياء قطاعات من المجتمع والمؤسسة العسكرية نفسها. ولم يدم الحرس طويلاً، إذ حُل بعد إطاحة عبد السلام عارف بحكم البعث في تشرين الثاني 1963، لكنه أسس نموذجاً سيعود بأسماء مختلفة: يصل حزب إلى السلطة، ثم ينشئ قوة مسلحة يثق بولائها أكثر من ثقته بالجيش.  

الجيش الشعبي.. عودة المليشيا الحزبية 

بعد عودة حزب البعث إلى الحكم عام 1968، ظهر نموذج آخر للسلاح الحزبي تمثل في “الجيش الشعبي”، الذي تأسس قوةً مرتبطة بالحزب ومساندة للقوات المسلحة. 

ضم الجيش الشعبي مدنيين وأعضاء في حزب البعث تلقوا تدريبات عسكرية، وتولى قيادته مسؤولون حزبيون. وكانت وظيفته المعلنة تعبئة المجتمع وإسناد الجيش وحماية المنشآت، لكنه مثّل أيضاً قوة موازية تضمن للحزب وجوداً مسلحاً خارج المؤسسة العسكرية التقليدية، وتمنحه أداة لمراقبة المجتمع والجيش معاً. 

شعار الجيش الشعبي العراقي، مصدر الصورة: ويكيبديا. 

اتسع دوره خلال الحرب العراقية-الإيرانية، وأُرسل أفراده إلى جبهات القتال رغم محدودية تدريب قطاعات واسعة منهم. وبعد حرب الخليج وانتفاضة عام 1991، حُل الجيش الشعبي، لكن فكرة القوة المسلحة المرتبطة بالحزب لم تنتهِ، بل عادت لاحقاً بصيغة أكثر ارتباطاً بشخص الحاكم وعائلته. 

وفي حربه ضد الحركة الكردية، استخدم النظام نموذجاً مختلفاً، حين سلّح مقاتلين أكراداً ضمن ما عُرف رسمياً بالأفواج الخفيفة وأفواج الدفاع الوطني، واشتهر شعبياً باسم “الجحوش”. قاتلت هذه القوات إلى جانب الجيش ضد البيشمركة، مقابل الرواتب والسلاح والنفوذ المحلي، وبلغ استخدامها ذروته خلال الحرب العراقية-الإيرانية وحملات الأنفال. 

وفي الجهة المقابلة، تشكل في إيران مطلع الثمانينيات “فيلق بدر”، بوصفه الجناح العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق. ضم التنظيم معارضين عراقيين وأسرى سابقين، وقاتل إلى جانب إيران ضد نظام صدام حسين، قبل أن يعود إلى العراق بعد عام 2003 ويتحول إلى قوة سياسية وعسكرية فاعلة. 

تكشف هذه النماذج أن السلاح الموازي لم يكن حكراً على السلطة، فقد استخدمته الحكومة لضبط المجتمع ومحاربة خصومها، فيما أنشأت المعارضة بدورها تشكيلات مسلحة، بعضها برعاية دول مجاورة كجزء من صراعها مع النظام العراقي.   

التسعينيات.. فدائيو صدام ونموذج الولاء الشخصي 

دخل العراق التسعينيات بعد حرب الخليج وانتفاضة عام 1991، وهو يرزح تحت حصار اقتصادي خانق وانهيارات متتابعة. وفي هذا السياق، ازدادت مخاوف النظام من الانقلابات والتمرد الداخلي، فاتجه نحو مأسسة تشكيلات تقوم على الولاء المباشر لصدام حسين وعائلته. 

أُسس “فدائيو صدام” عام 1995 بقيادة عدي صدام حسين، قبل أن تنتقل قيادته مدةً إلى قصي. ضمت القوة عشرات الآلاف من الشباب، واعتمد اختيار أفرادها على الولاء للنظام والرئيس لا على الكفاءة العسكرية وحدها، وارتدى أفرادها ملابس سوداء وأقنعة في بعض الاستعراضات، وتلقوا تدريبات على حرب الشوارع والعمليات الخفيفة. وصنع النظام حولهم صورة تقوم على الجرأة والعنف، من خلال القفز عبر النار وكسر الحواجز واستخدام السلاح في العروض العامة. 

بوستر لفدائيي صدام، تظهر فيه صورة صدام ونجله عدي، مصدر الصورة: السوشيال ميديا. 

وظيفة الفدائيين كانت حماية نظام البعث، مرّة أخرى، من المجتمع والجيش معاً، وقد استخدمهم النظام في ردع التمرد ومراقبة الولاء وملاحقة المعارضين ومن يصنفهم “خونة” أو “مهربين” أو “خارجين عن القانون”، ونفذوا عقوبات وعمليات قتل وتشويه بعيداً عن القضاء والتسلسل العسكري. وكانت تبعيتهم المباشرة لعائلة صدام تمنح النظام أداة عنف يستطيع استخدامها من دون المرور بمؤسسات الدولة، وإن كانت تلك المؤسسات خاضعة له. 

وفي عام 2001، أسس النظام “جيش القدس”، وقدمه باعتباره قوة شعبية تستعد لتحرير فلسطين. وقد خضع عراقيون، بينهم نساء وطلبة وموظفون، لتدريبات واستعراضات تحت هذا الاسم، لكنه بقي في معظمه أداة للتعبئة السياسية وإظهار قدرة النظام على حشد المجتمع في سنواته الأخيرة. 

عند الغزو الأمريكي عام 2003، خاض فدائيو صدام مواجهات ضد القوات الأمريكية، قبل أن يختفي التنظيم بسقوط النظام وحل التشكيلات العسكرية وشبه العسكرية. والتحق بعض عناصر المؤسسات السابقة لاحقاً بالجماعات التي قاتلت الاحتلال، من دون أن يعني ذلك وجود امتداد تنظيمي واحد ومباشر بين الفدائيين وتلك الجماعات.  

بعد الغزو الأمريكي: 2003–2014 

أدى سقوط النظام وانهيار الأجهزة الأمنية وقرار الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر بحل الجيش والتشكيلات العسكرية إلى توسيع الفراغ الأمني، وسرعان ما انتشرت الأسلحة وعادت إلى العراق من المنفى أحزاب تمتلك أجنحة عسكرية، وظهرت جماعات جديدة تحت شعارات مقاومة الاحتلال أو الدفاع عن الطائفة، فيما دخلت البلاد تدريجياً في الحرب الأهلية. 

لم تكن هذه الجماعات من طبيعة واحدة، فبعضها قاتل القوات الأمريكية، وبعضها شارك في الصراع الطائفي، وبعضها عمل بوصفه جناحاً مسلحاً لقوة سياسية مشاركة في الحكم، فيما تبنت القاعدة مشروعاً جهادياً عابراً للحدود استهدف القوات الأجنبية والدولة العراقية والمدنيين. 

أسس التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر “جيش المهدي” في صيف 2003، مستفيداً من الرصيد الاجتماعي والديني لوالده محمد محمد صادق الصدر. وخاض التنظيم مواجهات واسعة ضد القوات الأمريكية، ولا سيما في النجف ومدينة الصدر عام 2004. 

ثم انخرط جيش المهدي بعمق في الحرب الطائفية التي بلغت ذروتها بين عامي 2006 و2007، بعد تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء، وشاركت وحدات وعناصر تحمل اسمه في الخطف والقتل والتهجير وإدارة السجون السرية وفرق الموت. 

لم يكن جيش المهدي تنظيماً منضبطاً بصورة كاملة، إذ حمل اسمه مسلحون ومجموعات محلية تفاوت ارتباطها بقيادته، واستُخدم غياب القيادة الموحدة لاحقاً للتنصل من جرائم ارتُكبت باسمه. غير أن تعدد مراكز القوة لا يلغي أن جيش المهدي أصبح واحداً من أبرز أطراف العنف الطائفي في بغداد ومناطق أخرى. 

وفي المقابل، ظهرت جماعات سنية مسلحة مثل الجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين، فيما أسس أبو مصعب الزرقاوي تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين. ولم يكن تنظيم القاعدة مجرد جماعة لمقاومة الاحتلال، فقد استهدف الأسواق والمراقد والمدنيين والقوى العراقية، وجعل إشعال الحرب الطائفية جزءاً من استراتيجيته. ومن تحولات هذا التنظيم نشأت “دولة العراق الإسلامية”، ثم تنظيم “داعش”. 

ابتداءً من عام 2006، ظهرت مجالس الصحوة من عشائر ومقاتلين محليين بدعم أمريكي لمواجهة تنظيم القاعدة، وأسهمت في إضعافه، لكنها أضافت بدورها عشرات الآلاف من المسلحين إلى مشهد لم تتمكن الدولة من دمج جميع أطرافه بصورة دائمة في أجهزتها. 

منظمة بدر أثناء وجودها في إيران، مصدر الصورة: السوشيال ميديا. 

أما منظمة بدر، التي عادت إلى العراق بعد سقوط النظام، فقد أعلنت انتقالها إلى العمل السياسي، ودخل كثير من عناصرها الأجهزة الأمنية الجديدة، ولا سيما وزارة الداخلية. لكن هذا الاندماج لم يؤدِ إلى تسليم سلاحها أو إنهاء بنيتها السابقة، فقد اتُّهمت عناصر وشبكات مرتبطة بها باستخدام مواقعها في الشرطة والقوات الخاصة لتنفيذ الاعتقالات والتعذيب والقتل الطائفي خلال سنوات الحرب الأهلية، فضلاً عن اتهام الفصيل بارتكاب مخالفات جسيمة لحقوق الإنسان أثناء معارك ضد “داعش”.  

جيش المهدي والفصائل المنشقة 

أعلن مقتدى الصدر تجميد جيش المهدي عام 2007، ثم ظهر “لواء اليوم الموعود” لمقاتلة القوات الأمريكية. وبعد سقوط الموصل عام 2014، أسس الصدر “سرايا السلام”، التي ورثت جزءاً كبيراً من البيئة التنظيمية والبشرية لجيش المهدي. 

وتفرعت من البيئة الصدرية فصائل سعت إلى استقلال عقائدي ومالي وتنظيمي. كان أبرزها عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، التي تبلورت تنظيماً مستقلاً في حدود عام 2006، وتبنت العمل المسلح ضد القوات الأمريكية وأقامت علاقة وثيقة بإيران. 

أفراد من جيش المهدي في الأعوام الأولى من تشكله، مصدر الصورة: السوشيال ميديا.

أما كتائب حزب الله، فقد تشكلت من شبكات وفصائل مسلحة مختلفة ارتبطت بالحرس الثوري الإيراني. 

وفي عام 2013، أسس أكرم الكعبي حركة حزب الله النجباء بعد خروجه من عصائب أهل الحق، وسرعان ما شاركت الحركة في القتال داخل سوريا، ثم أصبحت جزءاً من منظومة الحشد الشعبي بعد عام 2014. 

تبنت هذه الفصائل ولاية الفقيه وارتبطت بإيران عسكرياً وسياسياً وعقائدياً بدرجات مختلفة، فيما حافظ التيار الصدري على خطاب يؤكد محلية قراره. وتحولت أجنحتها المسلحة بالتدريج إلى قوى سياسية أيضاً: للتيار الصدري كتلته السياسية، ولعصائب أهل الحق كتلة صادقون، فيما دخلت كتلة حقوق، المرتبطة بكتائب حزب الله، العمل البرلماني. 

أتاح الجمع بين الحزب والمليشيا لهذه القوى المشاركة في كتابة القوانين واختيار الحكومات وتعيين المسؤولين، مع الاحتفاظ بسلاح يمكن استخدامه لحماية النفوذ الذي تحققه داخل الدولة. 

المليشيات تدخل إطار الدولة 

في حزيران 2014، انهارت قطعات من الجيش أمام هجوم داعش، وسقطت الموصل ومدن أخرى. أصدر المرجع علي السيستاني فتوى “الجهاد الكفائي”، داعياً القادرين إلى التطوع في القوات الأمنية للدفاع عن العراق. 

استجاب آلاف المتطوعين، فيما كانت الفصائل الموجودة قبل الفتوى أسرع القوى وأكثرها قدرةً على تنظيمهم وتسليحهم وإرسالهم إلى الجبهات. وتشكل الحشد الشعبي من فصائل قديمة ومتطوعين جدد وتشكيلات مرتبطة بالعتبات الدينية، فضلاً عن وحدات سنية ومسيحية وإيزيدية وتركمانية وشبكية. 

أدى الحشد دوراً أساسياً، إلى جانب الجيش والشرطة والبيشمركة والتحالف الدولي، في وقف تقدم داعش واستعادة المدن. وفي الوقت نفسه، استغلت فصائل موجودة قبل الاجتياح الفتوى والحرب لتوسيع أعدادها وتسليحها ونفوذها، والحصول على شرعية دينية ووطنية وموارد حكومية لم تكن تمتلكها من قبل. 

مقاتل من الحشد الشعبي أثناء قتاله في الفلوجة عام 2017، مصدر الصورة: وكالة تسنيم الإيرانية.

ووثقت منظمات حقوقية عمليات قتل وخطف وتهجير وتدمير للممتلكات ارتكبتها بعض فصائل الحشد خلال العمليات وما بعدها. ولم يؤدِ الاعتراف الرسمي بالحشد إلى محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، بل وفر في حالات كثيرة غطاءً مؤسساتياً لتنظيمات احتفظت بقياداتها وولاءاتها السابقة.

في عام 2016، أقر مجلس النواب قانون هيئة الحشد الشعبي، وجعلها جزءاً من القوات المسلحة ومرتبطة بالقائد العام، على أن يخضع منتسبوها للقوانين العسكرية ويُفصل العمل العسكري عن النشاط السياسي. 

لكن إدخال الحشد في القانون والموازنة لم يُنهِ استقلال الفصائل، بل أنتج وضعاً مزدوجاً عماده ألوية تحصل على مخصصات ورواتب ومقار وأسلحة من الدولة، وتنظيمات تحتفظ في الوقت نفسه بأسمائها وقياداتها وأجنحتها السياسية ومكاتبها الاقتصادية وعلاقاتها الخارجية. 

وهكذا استخدمت الفصائل الغطاء الرسمي والمال العام لبناء قوة عسكرية لا يخضع قرارها دائماً للقائد العام للقوات المسلحة، مع أن القانون يضعها تحت إمرته. 

من الحرب على داعش إلى الحرب على الخصوم 

بعد هزيمة داعش عسكرياً، استخدمت الفصائل الشرعية التي منحتها إياها الحرب لتوسيع نفوذها في السياسة والاقتصاد والأجهزة الأمنية والمنافذ الحدودية والمشروعات العامة، ولم تعد القوة المسلحة تحرس مصالح الحزب من خارج الدولة، بل دخلت مؤسساتها لتقرر من يتولى المواقع التي يُفترض أن تراقبها وتحاسبها. 

ظهر ذلك بوضوح خلال احتجاجات تشرين 2019، حين عمل مسلحون ينتمون إلى فصائل أو يتحركون بحمايتها إلى جانب أجهزة الدولة في قتل المتظاهرين واختطاف الناشطين وترهيبهم. ولم يؤدِ غياب الأحكام القضائية إلى نفي مسؤوليتهم، بل كشف قدرة منظومة السلاح على تعطيل التحقيق وإخفاء الفاعلين وحمايتهم من المحاسبة. 

كما ظهرت “فصائل الظل”، وهي أسماء تتبنى القصف والاغتيال والتهديد ثم تختفي أو تتوقف عن النشاط، ووظيفتها تتعدى إخفاء هوية المنفذين عن الأجهزة العراقية إلى توفير مسافة إنكار للفصائل الأم، كي تستخدم العنف ضد خصومها أو المصالح الأجنبية من دون أن تتحمل كلفته السياسية والقانونية بصورة مباشرة. 

لا ينطبق وصف واحد على جميع تشكيلات الحشد، فداخله فصائل مرتبطة بإيران، وأخرى بالعتبات والمرجعية، ووحدات محلية وقومية ودينية تختلف في بنيتها ومرجعيتها. لكن هذا التنوع لا يلغي مشكلة وجود تنظيمات تحصل على رواتبها وتسليحها من الدولة، ثم تستخدم قوتها لحماية مصالح حزبية أو تنفيذ أجندات لا تقررها المؤسسات العراقية. 

المعضلة أصبحت أكثر تعقيداً من مجرد وجود مليشيات خارج الدولة، فبعض الفصائل صارت جزءاً من مؤسسات الحكومة والبرلمان، وشاركت في اختيار الحكومات والقائد العام للقوات المسلحة، مع الاحتفاظ بسلاح يمكن استخدامه ضد قرارات ذلك القائد أو بعيداً عنها. 

لماذا تلجأ السلطة إلى المليشيات؟ 

تلجأ السلطات، ولا سيما التي تصل إلى الحكم بعد انقلاب أو انهيار كبير، إلى إنشاء جماعات مسلحة موازية حين لا تثق تماماً بالجيش النظامي. فالجيش يمتلك قياداته وتسلسله المهني وقدرته على تنفيذ الانقلابات، بينما تدين المليشيا بالولاء المباشر للحزب أو الحاكم أو العقيدة التي أنشأتها. 

كان الحرس القومي قوة تحمي انقلاب البعث وتطارد خصومه، وأصبح الجيش الشعبي ذراعاً مسلحة للحزب بعد عودته إلى الحكم، فيما مثّل فدائيو صدام قوة مرتبطة بالرئيس وعائلته في مرحلة ضعف الدولة وتزايد الخوف من التمرد. 

وفي لحظات الانهيار المفاجئ أو التهديد الوجودي، مثل احتلال 2003 أو اجتياح داعش عام 2014، تفقد الأجهزة الرسمية جانباً من قدرتها على السيطرة، عندها تكون الجماعات المسلحة الموجودة مسبقاً أسرع في التعبئة والحركة؛ لأنها تمتلك قيادة وعقيدة وشبكات تجنيد وتمويل لا تحتاج إلى الإجراءات البيروقراطية التي تعمل بها مؤسسات الدولة. 

وتمنح المليشيات السلطة “سلطة ظل”. فعندما تريد جهة حاكمة أو مشاركة في الحكم تصفية خصم، أو قمع معارضين، أو قصف مصالح دولية وإقليمية، تستطيع استخدام ذراع مسلحة غير رسمية أو اسم مؤقت. يتيح ذلك لها ممارسة العنف ثم التنصل من المسؤولية أمام القضاء والرأي العام والمجتمع الدولي. 

كما تعتمد المليشيات على التعبئة الأيديولوجية أو الطائفية أو القومية، وهي أدوات سريعة وأقل كلفة من بناء مؤسسة عسكرية مهنية، ويتحرك المقاتل بدافع الحزب أو الزعيم أو الفتوى أو القضية، ويصبح انتماؤه إلى الجماعة مصدراً للهوية والمكانة أكثر من كونه مجرد وظيفة عسكرية. 

وفي حالات كثيرة، لا تستعين السلطة بالمليشيا لتجاوز ضعفها، بل لإبقاء الدولة ضعيفة. فالمؤسسة القوية تخضع للقانون والمراقبة وتحتكر القرار، بينما تسمح المؤسسات الهشة للحزب المسلح بأن يشارك في الحكم ويحتفظ في الوقت نفسه بالأداة التي يهدد بها خصومه. 

السلاح والثقافة اليومية 

لا تشرعن المليشيات وجودها بالسلاح وحده، فهي تتغلغل في الحياة اليومية عبر الأناشيد والشعارات والأزياء والرايات وصور القادة والجداريات والطقوس العامة. 

اتكأ الحرس القومي على الثقافة الحزبية والاجتماعات الطلابية والشارات الخضراء، فيما وظف فدائيو صدام الأزياء السوداء والأقنعة والعروض التي تحاكي أفلام الحركة؛ لصناعة صورة القوة في زمن الحصار والعوز. 

أما جيش المهدي والفصائل التي ظهرت بعده، فقد استثمرت البنية الدينية والطقوسية، من اللطميات والرايات إلى صور القادة والقتلى، وربطت الفعل العسكري بالدفاع عن المذهب أو المقدسات أو مواجهة الاحتلال. 

ليست هذه الرموز مجرد زينة تحيط بالسلاح، إذ إنها جزء من عملية تحويل القوة المسلحة إلى حضور طبيعي في المجتمع. فعندما تمتلئ الشوارع بصور القادة والرايات والأناشيد، تصبح المليشيا سلطة تعلن من يملك المكان ومن يستطيع استخدام القوة فيه. 

وتوفر الجماعة المسلحة للمنتمي إليها، إلى جانب العقيدة، شبكةً من الحماية والعمل والعلاقات والنفوذ. وعندما تضعف مؤسسات الدولة تستطيع المليشيا أن تؤدي دور “القبيلة البديلة”، عبر منح الفرد حمايةً وعزوة وفرصاً لا يستطيع الوصول إليها منفرداً. 

كان الحرس القومي “عشيرة حزبية”، وفدائيو صدام “عشيرة السلطان”، فيما تُمثل الفصائل الحديثة “عشيرة المذهب أو العقيدة”، مع فارق أن العشيرة الجديدة لا تقف خارج الدولة دائماً، بل قد تمتلك مقاعد في برلمانها ومناصب في حكومتها وألوية تمولها موازنتها. 

في الواقع، تغيرت الأسماء والأزياء والشعارات، لكن السلاح الموازي بقي مرتبطاً بأزمة واحدة، وهي أزمة عجز الدولة العراقية عن احتكار استخدام القوة. وفي أحيان كثيرة، لم تكن المليشيا نتيجة ضعف الدولة وحده، بل أداة صنعتها السلطة لحماية نفسها، ثم أصبحت شريكاً فيها أو قوة قادرة على إخضاعها. 

وفي مرحلتها الراهنة، لم تعد المشكلة وجود جماعات مسلحة تقاتل الدولة من خارجها، فبعض الفصائل أصبحت جزءاً من مؤسساتها، وتحصل على أموالها منها، وتشارك في تشكيل حكوماتها، فيما تحتفظ تلك الفصائل بقيادتها وعقيدتها وسلاحها وقدرتها على تعطيل قرارات الدولة. 

لقد وصلت المليشيا في العراق إلى مرحلتها الأكثر اكتمالاً، بعد أن تحولت من سلطة موازية للدولة إلى سلطة تنمو داخلها، وتستخدم مؤسساتها لحماية السلاح الذي يمنع الدولة من أن تصبح دولة كاملة. 

  • تنشر المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب وصحفي عراقي