“العراق أولاً”.. كيف تحوّل شعار السوداني إلى ساحة تتنافس عليها الدولة والسيادة وإيران؟

#العراق_اولا وسم سياسي تحول من شعار لحكومة السوداني إلى لغة سياسية تبنتها خطابات الدولة والإعمار ومناهضة النفوذ الإيراني.. يتتبع هذا المقال كيف انتشر الشعار، وكيف تغيرت دلالاته..

شريف مرادشريف مراد | 17 أيلول 2026

في صباح 19 تموز، نشرت صفحة “زقورة نيوز” عبارة بدت للوهلة الأولى كتعليق سياسي عابر: “كل ما ستفعله حكومة الزيدي هو امتداد لنتائج عمل حكومة السوداني”. لم يحظَ المنشور بتفاعل استثنائي، إذ حصل على بضعة إعجابات وتعليقات ومشاركة واحدة. لكن المنشور سيبدو مختلفاً عندما يوضع إلى جانب مئات المواد  التي حملت وسم #العراق_اولا خلال الأسابيع التالية، كاشفاً بداية سردية أخذت تعيد تقديم إرث رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني داخل المشهد السياسي الجديد. 

بعد أقل من ثلاث ساعات، عادت الصفحة نفسها للحديث عن زيارة رئيس الحكومة علي الزيدي إلى واشنطن، وربطت بين “محاربة الفساد” و”حصر السلاح” وبين مسار الإصلاح الذي تقدمه الحكومة الجديدة. وبعد أيام، بدأت صفحات أخرى ذات خطاب قريب من خطاب ائتلاف “الإعمار والتنمية” تكرر الفكرة نفسها بصيغ مختلفة: ما بدأه السوداني لا ينبغي أن يتوقف بخروجه من الحكومة، والزيدي لا يبدأ مشروعاً جديداً بقدر ما يستكمل مساراً قائماً. 

لكن هل كان وسم #العراق_اولا يعبّر فعلاً عن هذه السردية وحدها؟  

تكشف عينة محدثة تضم 1455 مادة منشورة بين 19 تموز و17 آب 2026، أن الوسم سرعان ما أصبح أوسع من الحملة السياسية التي ارتبط بها في بدايته. فبين المنشورات التي حملته، ظهرت مواد رياضية ودينية وأخبار يومية لا علاقة مباشرة لها بالسياسة، إلى جانب نواة سياسية أكثر تركيزاً ربطت بين إرث السوداني وائتلافه وبين أجندة الزيدي في ملفات مثل حصر السلاح والسيادة. 

ومع اتساع استخدام الوسم، بدأت أطراف أخرى منحه معاني مختلفة. فحسابات ذات خطاب قومي وصدري ومناهض لإيران استخدمت “العراق أولاً” للانتقال من الحديث عن الإعمار والدولة إلى خطاب أكثر حدة، يجعل أولوية العراق مواجهة النفوذ الإيراني. 

ليتجاوز “العراق أولاً” مهمته بوصفه مجرد شعار يُستخدم لتقديم مشروع سياسي بعينه، ويتحول إلى مساحة تتنافس فيها روايات مختلفة على تعريف ما تعنيه أولوية العراق، متنقلاً من شعار للإعمار والدولة، إلى شعار لاستكمال مشروع السوداني مع الزيدي، وصولاً إلى خطاب يضع “العراق أولاً” في مواجهة “ذيول إيران”. 

وسم ضخم.. لكن حملته السياسية أصغر مما تبدو 

قد يبدو وسم العراق_اولا ضخماً إذا نظرنا إلى عدد المنشورات التي حملته فقط. لكن الأرقام تصبح أكثر دلالة عندما نفكك ما وراءها.  

من بين 1455 مادة في العينة، استحوذ فيسبوك على قرابة ثلاثة أرباع المنشورات، بينما جاءت مساهمة تيك توك أقل بكثير من حيث العدد، رغم قدرته على صناعة قفزات كبيرة في المشاهدات. 

وبعد استبعاد المنشورات الرياضية والدينية والاستخدامات العامة للوسم، ظهرت نواة سياسية عالية الثقة تضم نحو 311 مادة فقط، أي قرابة خُمس كل ما نُشر تحت الوسم. 

بمعنى آخر، ليس كل من كتب #العراق_اولا كان يشارك في حملة سياسية واحدة. 

صفحة ديوان الوقف الشيعي مثلاً استخدمت الوسم بكثافة ضمن منشورات دينية وإدارية. كما كرره المعلق الرياضي علي عنب في عشرات المنشورات الرياضية. هذه المواد ترفع حجم الوسم وتزيد من حضوره على المنصات، لكنها لا تقول شيئاً تقريباً عن المشروع السياسي الذي ارتبط به.  

لكن داخل النواة السياسية تتغير الصورة تماماً، فأكثر من 85 بالمئة من المواد السياسية المركزة جاءت من أربعة ناشرين فقط: “زقورة نيوز”، و”صوت الإعمار”، و”صوتي حقي”، و”محمد حارث المطلبي”.

كانت “زقورة نيوز” الأضخم بفارق واضح، إذ نشرت أكثر من نصف المواد السياسية عالية الثقة. لكن حضورها لم يقتصر على رسالة سياسية واحدة، فقد تنوع محتواها بين أخبار السوداني والزيدي، وملفات حصر السلاح والفساد والعلاقات الخارجية. 

أما “صوت الإعمار” و”صوتي حقي” فكانتا أكثر تخصصاً بكثير، إذ دارت الغالبية الساحقة من منشوراتهما السياسية حول السوداني، أو “الإعمار والتنمية”، أو إنجازات حكومته السابقة. ولا تثبت صفحات كهذه وحدها وجود إدارة مركزية للحملة، لكنها تكشف البيئة الإعلامية التي حافظت على حضور السوداني في المشهد بعد انتقال السلطة.  

ومن داخل الائتلاف نفسه، يظهر محمد حارث المطلبي، عضو المكتب السياسي لائتلاف “الإعمار والتنمية”، بوصفه أحد أوضح من صاغوا الرابط بين مرحلَتي السوداني والزيدي.  

في التاسع من آب، قال المطلبي صراحة: “إن الزيدي يكمل منهج التنمية الذي بدأه السوداني”. وتحدث عن علاقة تقوم على “الدعم والإسناد والتشاور”، قبل أن يضع مكافحة الفساد وحصر السلاح ضمن الملفات المشتركة. 

هنا لم يعد الأمر استنتاجاً من تشابه المنشورات، ذلك أن أحد الفاعلين داخل الائتلاف نفسه كان يشرح السردية مباشرة. 

من إنجازات السوداني إلى سلاح الدولة 

في الأيام الأولى من العينة كان السوداني هو مركز الثقل. 

مشاريع الكهرباء، والخدمات، والمدارس، والاستثمارات، والعلاقات الخارجية التي أبقت العراق بعيداً عن الصراعات، كلها ظهرت مراراً في منشورات “صوت الإعمار” و”صوتي حقي” و”زقورة نيوز”. 

في اليوم التالي، عاد إلى الفكرة نفسها بصورة أوضح: الاستقرار وحصر السلاح يفتحان الباب أمام استثمارات كبرى وفرص عمل. 

وهكذا بدأ ملف أمني يتحول في خطاب الحملة إلى مسألة اقتصادية، باعتبار أن حصر السلاح يعني استقراراً، والاستقرار يعني استثماراً، والاستثمار يعني استمرار مشروع التنمية. 

ثم جاءت أحداث نهاية تموز لتضيف طبقة جديدة، بعد التصعيد العسكري والضربات الأمريكية-السعودية على جماعات مسلحة داخل العراق. نشرت “زقورة نيوز” في 29 تموزعنواناً يقول: “بعد القصف الأمريكي السعودي.. مجلس الأمن الوطني يقر خطة لحماية السيادة وحصر السلاح بيد الدولة”. 

الملف الذي قُدِّم قبل ذلك باعتباره إصلاحاً حكومياً وشرطاً للاستثمار أصبح الآن قضية سيادة. وهذا التحول يظهر أيضاً في البيانات، ففي النصف الأول من الفترة كان معدل المنشورات المتعلقة بالسوداني و”الإعمار والتنمية” أعلى بكثير، ثم تراجع بوضوح خلال آب، بينما ارتفع معدل المواد المتعلقة بحصر السلاح. 

السوداني لم يختفِ، الذي تغير هو الوظيفة التي يؤديها داخل الخطاب، فبدل التركيز على ما أنجزه في الماضي فقط، بدأت مواد جديدة تنسب إليه أصل المشروع الذي ينفذه الزيدي حالياً. 

في الثالث من آب، نشرت “زقورة نيوز” مادة عن “مشروع السوداني بحصر السلاح” باعتباره “لبنة لدولة القوة الواحدة”. وبعدها بثلاثة أيام ظهر عنوان آخر: “السوداني: حصر السلاح بيد الدولة لا رجعة عنه.. وتنويع الاقتصاد أولوية المرحلة”. 

وفي 17 آب، كان المطلبي أكثر وضوحاً بالقول إن “ملف حصر السلاح بدأ في حكومة السوداني”، لتكتمل هنا الدائرة السردية: تبدأ بمشروع الدولة والتنمية، والزيدي يستكمله، وحصر السلاح ليس تغييراً في الاتجاه، بل أحد شروط نجاح المشروع القديم في مرحلته الجديدة. 

تدوير المحتوى.. مؤشرات تفتح أسئلة أكثر مما تجيب 

هناك أيضاً إشارات إلى حركة المحتوى بين بعض هذه الصفحات، وتوقيتات متقاربة لإعادة نشر المادة نفسها.  

في 23 تموز، نشرت “صوت الإعمار” خبراً عن استقبال السوداني للأمين العام لحزب الأمة العراقية، وبعد 41 دقيقة ظهر النص نفسه حرفياً على “صوتي حقي”. 

وفي 30 تموز، نشرت “زقورة نيوز” تصريحاً يقول إن حكومة السوداني كانت واضحة في سياساتها وشعارها “العراق أولاً”، وإنها نجحت في النأي بالعراق عن الصراعات. وبعد 36 دقيقة، ظهر النص على حساب “صوت الإعمار” في تيك توك، ثم بعد سبع دقائق على صفحته في فيسبوك.  

مثل هذه الحالات تكشف تدويراً سريعاً للمادة داخل البيئة نفسها، لكنها لا تكفي لإثبات أن الحسابات تدار من جهة واحدة أو أن هناك “غرفة عمليات مركزية”، وقد تكون المواد مأخوذة من بيانات أو تصريحات موزعة على أكثر من جهة. كما لم تكشف العينة عدداً كافياً من حالات النسخ المتزامن يسمح بالقفز إلى استنتاج وجود سلوك منسق غير أصيل.  

الأدق هو القول إننا أمام منظومة إعلامية وسياسية متقاربة في مصادرها ورسائلها، تتبادل أو تعيد تدوير بعض المواد، مع تركيز لافت للنشر في عدد محدود جداً من الصفحات. 

كما لا توجد، حتى الآن، أدلة تسمح بالقول إن “زقورة نيوز” مملوكة أو ممولة من “الإعمار والتنمية”، أو إن “صوت الإعمار” و”صوتي حقي” تديرهما الجهة نفسها. 

لكن هذه الروابط تظل أسئلة تستحق مزيداً من التحقيق، خصوصاً أن “زقورة نيوز” وحدها كانت مسؤولة عن نحو 43 بالمئة من إجمالي المواد التي ظهرت في العينة، بما فيها المنشورات غير السياسية.  

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ما نراه مجرد تشابه وتزامن في التغطية داخل بيئة سياسية متقاربة، أم أن هناك نمطاً أعمق من التنسيق وإدارة المحتوى لم تكشفه البيانات بعد؟ 

حين أخذ آخرون الشعار إلى ذيول إيران” 

ابتداءً من آب، بدأت طبقة أخرى تظهر داخل الوسم، وإن لم تكن كبيرة من حيث عدد المنشورات، لكنها كانت أكثر حدة، وأحياناً أكثر قدرة على جذب التفاعل.

في الثالث من آب، ظهر منشور عن شاب عراقي يرفع العلم الإيراني، وحصد أكثر من 900 تفاعل على فيسبوك. وبعد يومين نشر حساب يحمل خطاباً صدرياً مادة تقول إن إيران لم تتحرك لإنقاذ شيعة العراق، وتنتهي بعبارة “العراق أولاً وأخيراً”. 

وفي الثامن من آب، جاءت واحدة من أكثر الحالات تطرفاً: منشور لـ”ليث شكور” دعا إلى إزالة الصور والأعلام والمنشورات الإيرانية، ومنع الإيرانيين و”ذيولهم” من الظهور الإعلامي، مستخدماً تعبير “القادسية الإعلامية الثالثة”. وتجاوز المنشور ألف تفاعل، وهو رقم أعلى بكثير من غالبية المواد السياسية الصادرة عن الصفحات الأقرب إلى “الإعمار والتنمية”. 

ثم ظهر على تيك توك خطاب أكثر مباشرة تحت وسوم مثل “#ذيول_إيران” و”#ما_بينه_واحد_ذيل”، ليحقق أحد الفيديوهات نحو 19.5 ألف مشاهدة وأكثر من 2200 إعجاب، قبل أن يعيد حساب آخر نشر النص والوسوم نفسها تقريباً في اليوم التالي. 

لكن المفارقة أن أكثر الخطابات عداءً لإيران لم تأت من “زقورة نيوز” أو “صوت الإعمار” أو “صوتي حقي” أو “محمد حارث المطلبي”، وهو فارق أساسي. 

لا تدعم البيانات فرضية أن “الإعمار والتنمية” أطلق حملة لمهاجمة إيران، وما يظهر بدلاً من ذلك أن خطاب الائتلاف حول الدولة والسيادة وحصر السلاح خلق مساحة يمكن لجمهور سياسي آخر أن يدفعها خطوة إضافية: إذا كان “العراق أولاً”، فلتكن الأولوية أيضاً على حساب النفوذ الإيراني والولاءات الخارجية.  

الشعار بهذا المعنى بدأ يتجاوز أصحابه. فالعبارة التي استُخدمت أولاً لتقديم مشروع السوداني و”الإعمار والتنمية”، أصبحت تُستخدم في الوقت نفسه لتسويق استمرار المشروع تحت قيادة الزيدي، وتبرير احتكار الدولة للسلاح، والهجوم على إيران ووكلائها من جانب حسابات لا تظهر علاقة واضحة بينها وبين الحملة الأصلية. 

وربما تكمن أهمية #العراق_اولا هنا تحديداً؛ ليس لأنه يكشف حملة رقمية ضخمة وموحدة، بل لأنه يوضح كيف يمكن لشعار سياسي بسيط أن يتحول إلى مظلة تتنافس تحتها مشاريع مختلفة لتعريف معنى “مصلحة العراق” نفسها: بالنسبة إلى ائتلاف السوداني هي استمرار مسار “الإعمار والتنمية”، وبالنسبة إلى حكومة الزيدي هي دولة تحتكر القوة وتحمي السيادة، وبالنسبة إلى تيار أكثر قومية ومناهضة لإيران تعني كسر الولاءات الخارجية ومواجهة “الذيول”. 

وبين هذه الطبقات، يبقى السؤال الذي لا تستطيع البيانات وحدها الإجابة عنه: أين ينتهي الترويج السياسي المنظم، وأين يبدأ التبني العضوي للشعار؟ 

  • تنشر المادة بالشراكة مع مجتمع التحقق العربي

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

صحفي استقصائي ومحلّل بيانات