كلما اقترب موعد 30 أيلول، بدا أن أحداً في العراق لا يستعد فعلياً لما بعده. فالفصائل لا تتصرف كمن يستعد لتسليم سلاحه، وحكومة علي الزيدي لم تعلن خطة تحدد من سيسلّم، وماذا سيسلّم، ومن سيتولى التنفيذ، وما الإجراءات التي ستُتخذ بحق الممتنعين. وبدلاً من ذلك، تنتظر الحكومة والفصائل وقوى الإطار التنسيقي الخطوة الأمريكية التالية.
وتستغل قوى الإطار والفصائل الوقت لتفريغ المهلة من مضمونها. فقد بدأ 30 أيلول موعداً لتسليم السلاح، ثم أصبح موعداً لخروج التحالف الدولي فقط. وانتقل النقاش من “نزع السلاح” إلى “حصره”، ثم إلى “تنظيمه” و”احتوائه”، قبل أن يُفتح نقاش آخر بشأن التفريق بين السلاح الخفيف والمتوسط والثقيل. ومع كل تعريف جديد، تتراجع خطوات نزع السلاح ويتسع التفاوض على شروط بقائه.
وهكذا تصبح المماطلة قراراً قائماً بذاته. فالفصائل لا تحتاج إلى إعلان رفض قاطع لحصر السلاح، بما قد يستدعيه من مواجهة، ما دام في وسعها إبقاء الحوار مفتوحاً وانتظار ما إذا كانت واشنطن ستترجم تهديداتها إلى عقوبات، أو ضغوط مالية، أو تحرك عسكري. لذلك تختلف مواقف قادة الإطار في لغتها، لكنها تنتهي إلى النتيجة نفسها. فبينما يتحدث عمار الحكيم عن حوار إيجابي بلا نتائج معلنة، ويضع نوري المالكي “التنظيم” بدلاً من “النزع”، يعلن هادي العامري النتيجة سلفاً بالقول إن “الحشد والفصائل اثنينهم باقين”.
أما الزيدي، فلا يقابل استراتيجية الانتظار بخطة حكومية، بل بانتظار مضاد. فحكومته تشدد خطابها حين يرتفع الضغط الأمريكي، ثم تعيد تفسير المهلة حين يشتد ضغط الفصائل والإطار. ولذلك صدرت عنها مواقف متناقضة بشأن 30 أيلول، من اعتباره موعداً نهائياً لحصر السلاح إلى ربطه بخروج التحالف وحده.
وعلى هذا الأساس، صار ملف السلاح محكوماً بسؤال لا تملك بغداد إجابته: ماذا ستفعل الولايات المتحدة بعد 30 أيلول؟ فالفصائل تنتظر الجواب لتحدد حدود تراجعها، والحكومة تنتظره لتعرف حدود ما تستطيع فرضه.
تتوالى تراجعات حكومة علي الزيدي أمام الفصائل المسلحة، فيما أخذ قادة في الإطار التنسيقي، الضامن لبقائه في الحكم، يضعون حدوداً لقدرته على تنفيذ وعوده بحصر السلاح. وفي 29 آب، قال زعيم منظمة بدر هادي العامري إن من المستحيل أن يتخذ رئيس الوزراء قرار الصدام مع “المقاومة”، وضَمِن عدم وقوعه مطلقاً.
وقبل ذلك، اعتُقل عباس اليعقوبي، مسؤول استخبارات حركة النجباء، ليلة 17 على 18 آب، ثم أعلنت هيئة الحشد الشعبي في 19 آب أن القضاء برّأه وألغى القضايا المرفوعة بحقه. وظهر اليعقوبي بعد الإفراج عنه حاملاً بندقية في مؤتمر صحفي، وأعلن التوجه إلى مقاضاة جهاز المخابرات بسبب ما وصفه بالتهم الكيدية. وفي 24 آب، أعلنت الهيئة تسلّم أمن الحشد مجموعة أخرى من الموقوفين، ووصفت ما جرى بأنه “تسوية الالتباس”. وهكذا انتهت العمليتان، في صورتهما المعلنة، بإفراج عن قيادي عاد لمهاجمة الحكومة، ونقل موقوفين آخرين إلى أمن الهيئة.
أما التراجع الأوضح فكان في مهلة نزع السلاح، فبعدما أعلنت الحكومة أن نهاية أيلول موعد لإنهاء الملف، عاد المتحدث باسمها حيدر العبودي، في 21 آب، ليقول إن التاريخ يخص انتهاء وجود التحالف الدولي وليس مهلة للفصائل، وأكد قاسم الأعرجي، مستشار الزيدي، المعنى نفسه بعد يومين. وبذلك تخلّت الحكومة عن الموعد الذي وضعته.
ووسط ذلك، ربطت كتائب سيد الشهداء تفاعلها مع “تنظيم السلاح” بعشرة شروط، واحتفظت بحق العودة إلى حمله متى رأت ضرورة لذلك، فيما أكدت كتائب حزب الله إبقاء سلاحها.
المشكلة في هذا أن الزيدي لا يستطيع ببساطة التخلي عن هذا الملف، فحكومته تواجه ضغوطاً أمريكية لتحقيق نتائج، وسط مخاوف من تعرّض مؤسسات عراقية للعقوبات. ولذلك، فإن التراجع أمام القوى التي تضمن بقاءه في الحكم قد يزيد الضغوط الخارجية عليه، ويضعه أمام التزامات يصعب الوفاء بها من دون مواجهة داعميه.
وتُضعف كل خسارة للزيدي قدرته على إدارة المواجهة التالية، فالفصائل التي اختبرت إمكان التراجع عن المهلة تدخل أي تفاوض جديد وهي أكثر ثقة بقدرتها على انتزاع تنازلات أخرى. ومع تكرار ذلك، تفقد مواعيد الحكومة وتهديداتها وزنها، ويتعين على الذين راهنوا على الزيدي مراجعة توقعاتهم منه. وقد يُقبَل التراجع مرة بوصفه محاولة لتجنب الصدام، لكن تكراره من دون مكاسب واضحة يجعل التساؤل متعلقاً بقدرة الزيدي على إنجاز تعهداته، لا بالوقت الذي يحتاجه لإنجازها.
اشتركوا بالنشرة البريدية لتصلكم كل اثنين.