حين تُلفق الجماعات العراقية ميراثها وتخترع تقاليدها 

اقتسمت الجماعات العراقية بعد عام 2003 السلطة، ثم راحت تخترع ماضياً يمنحها الحق في الاحتفاظ بها.. يتتبع محمد عطوان كيف تحوّل الموروث واختراعه إلى سلاح في الصراع على الهوية والحكم في العراق..

محمد عطوانمحمد عطوان | 6 أيلول 2026

إحدى الفرضيات التي طرحها إريك هوبسباوم في كتابه “اختراع التقاليد” هي أن أي جماعة اجتماعية مهيمنة تستطيع توظيف بعض التقاليد، مدّعية ارتباطها بتقاليد سابقة لها، أو-بدرجة أقل- أن تضفي على تقاليدها التأثير الآسر نفسه الذي كانت تتمتع به تلك التقاليد في الماضي. ولذلك، فإن الكثير من المؤسسات السياسية والحركات والجماعات الأيديولوجية والقومية كانت حديثة النشأة، لكنها اختلقت ماضياً لها، ومدّت جذورها في الحقب السابقة، إما عن طريق تحوير الحقيقة، أو عن طريق التلفيق. 

هذا يكشف أن التقاليد التي تبدو جذورها ضاربة في القدم قد يكون أصلها حديثاً، وقد تكون، في بعض الأحيان، موضوعة وضعاً. لذلك، يُفيد استعمال المصطلح “اختراع” هنا في الدلالة على أن ما هو جديد يظل مُستحدَثاً، لكنه يُقدَّم بوصفه قديماً لحاجات رمزية تتصل بتأثير غايات أيديولوجية ما. فما يجري هو تكييف أداتي لحالات جديدة تحيل إلى أشكال وأوضاع وحالات قديمة. وفي هذه الحالة، لا يكتسب التقليد الجديد قِدمه من تواصلية تاريخية فعلية، إنما من عملية إسناد تاريخي مُتكلّفة تمنحه مظهراً من مظاهر الدوام والرسوخ. 

ولعل محاولة العودة بالتاريخ إلى الوراء لتتبع جذور هذه الممارسات والعمليات الذهنية، التي يقال عنها تقاليد، لن تعيننا على العثور على ما يجعلها متصلة اتصالاً عضوياً بممارسات الحاضر، بل على العكس من ذلك، فإن ما هو حاضر لا يحمل من الماضوية إلا الاسم أو الرمز الذي يحيل ممارسته إلى ما هو متأصل ومتجذر في تربة تاريخية عميقة. وهنا لا يكون الماضي هو الذي أنشأ الممارسة المستحدثة، بقدر ما أن بعضاً من عناصره فقط استُدعي ليمنحها شرعية ومظهراً من مظاهر القِدم. إنه نوع من إعادة تشكيل متجددة لفكرة التقاليد التي كانت معمولاً بها، عبر إحلال ممارسات جديدة بدلاً منها لتصبح هي التقاليد ذاتها التي ينبغي مراعاتها والانتظام في ضوئها. 

لعل هذا أمر متوقع في سلوك أي جماعة تصل إلى السلطة أو تستحوذ على أدواتها، حين تفتقر في الأساس إلى تقاليد محددة تُعرّف بها، أو حين تفقد تقاليدها القائمة صلاحيتها وقدرتها على التكيف مع التحولات التي يفرضها ميزان القوى المتغير. عندها، تُنشئ تقاليد جديدة تؤدي الوظائف نفسها التي كانت تؤديها التقاليد السابقة، لكنها تنقلها إلى فضاء رمزي جديد من العلامات. وهكذا يصبح التكيف ممكناً من خلال استخدام أنماط قديمة في ظروف جديدة ولأغراض جديدة. 

لذا، تسعى الجماعات التي تشغل مكانة معينة ضمن بنية السلطة، والممثلة للمكونات الاجتماعية العراقية، إلى تبنّي تقاليد ذات طابع ثقافي وطقوسي، تعكس منظورها الأيديولوجي الجديد عن نفسها في سياق علاقتها بالمحكومين. وبذلك تفرض تقاليدها، جاعلة منها تقاليد جديدة وقديمة في آن، فيستجيب الناس لها، الأمر الذي يُحدِّد الفارق بينها وبين الخاضعين لها. وهكذا، تصبح التقاليد الموضوعة عاملاً مميزاً بين الجماعات، من خلال ما تمارسه من طقوس وما تتخذه من مواقف. 

لقد برزت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي شرائح من الأفراد المتعلمين والمثقفين من الطبقة الوسطى الحضرية، أنتجوا أعمالاً مسرحية وأدبية وفنية، فضلاً عن أعمال درامية وأغان وبرامج بُثت على التلفزيون والإذاعة. وهؤلاء الأفراد تميزوا بحريتهم الفكرية، ومثّل ظهورهم الاجتماعي والثقافي مقاومة للتقاليد الموروثة والممارسات القيمية الشعبوية. ولم يقتصر ذلك على الأفراد أو الأسر المتعلمة التي كانت تعيش في المدن، بل امتد أيضاً إلى من كانوا خارجها، ممن تأثروا بالتيارات الثقافية والسياسية الليبرالية والاشتراكية، وإلى المنخرطين في المدارس والجامعات والنوادي الثقافية، مما ساهم بدوره في تشكيل هذا الموقف تجاه تلك التقاليد. 

ولذلك، انصب سلوكهم السوسيولوجي المتّبع مؤسسياً على اختراع تقاليد الطبقات الاجتماعية. ولعل ذلك لا يتحقق بهذه الطريقة التعسفية، بل بالتراكم قطعاً، ولكن في حالة العراق، انصب الجهد على عاتق المؤسسة الرسمية بوصفها المنظومة الأيديولوجية التي تحوِّل المجتمع المحلي إلى مجتمع مدني، ما يعني أن الخطاب الموجّه هو المناط به اختراع تلك التقاليد. لكن الطبقية المراد تحديد ملامحها، والتي تؤطر شكل العلاقة بين الطبقات، لم تكن حاضرة بالصلابة التي تمكّنها من إظهار خصائصها المادية والرمزية بما يكفي ثم معاينة آثارها داخل المجتمع المحلي على نحو عضوي، فنكاد لا نلمس من هذا الجهد إلا بعض الملامح الذوقية المتشكلة هنا وهناك لفترات محدودة، والتي سرعان ما آلت إلى الزوال. 

إذن، ما حاولت أن تصنعه السلطات المنتجة للخطاب، أو، بعبارة أدق، ما كان يشغل هاجس الإنتلجنسيا الصاعدة في ذلك الوقت، كان يتجه إلى اختراع تقاليد طبقية عبر اعتماد نوع من البيداغوجيا: المهنية، واللهجية، والجمالية، والسياسية… إلخ، التي تخلع على الطبقات مظهراً ثقافياً يميزها ويحدد صورها الاجتماعية. 

لا شك أن هناك فارقاً كبيراً بين عقلية النخب السياسية الحاكمة، المنشغلة بتوطيد سلطتها، وتطلّعات المثقفين إلى التنمية المدنية في جميع المجالات الإبداعية: الأدب، والصحافة، والتشكيل، والعمارة. ولكن مع ذلك برزت إسهامات ملحوظة لدى المثقفين العاملين في مؤسسات الدولة الرسمية، لا سيما في هيئاتها الإدارية وقطاعاتها المدنية الأخرى، كالنقابات والجمعيات والمنظمات السياسية. وقد تزامن ذلك مع سعي الأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها إلى إيجاد مساحة للعمل التربوي والتوجيهي خارج إطار السلطة الحاكمة. 

لقد سعت هذه الممارسات السوسيولوجية، وإن كانت متقطعة، إلى تصوير شكل وطبيعة المجتمع المحلي بما يتوافق مع متطلبات تحديث الدولة، بغض النظر عن الأيديولوجيات السائدة، سواء كانت شيوعية أو بعثية. ومع ذلك، لم تُفلح معظم هذه الممارسات في ترسيخ تقاليد واسعة الانتشار. فلم تُسهم أوبريتات وأغاني السبعينيات التي صنعها فنانون طليعيون في خلق صورة واقعية عن الوطن الباسم السعيد، ولم تُسوِّق المسلسلات التلفزيونية البغدادية قيمها البصرية واللغوية لتصبح قيماً وطنية موحّدة، ولم تفلح مؤسسات صناعة الثقافة، ولا المناهج الدراسية، ولا برامج الأحزاب السياسية، بطاقتها الاجتماعية ذات الطابع الثقافي التقدمي، في نشر قيم التعدّدية والتنوع بين العراقيين. بل على العكس من ذلك، تصادموا مع بعضهم أيديولوجياً وجسدياً على النفوذ، وتركوا وراءهم تاريخاً من الانشقاق موسوماً بالدم والثأر، بدلاً من أن يُدشِّنوا ملامح أولية لمجتمع مدني متماسك. 

لذا، في أعقاب تحوّل بنية السلطة القديمة وإطارها السياسي بعد عام 2003، انهارت أسطورة الوطنية العراقية التي ساهمت النخب السياسية والثقافية في بنائها على مدى أكثر من سبعين عاماً. وكما تغيّر خطاب الدولة مع وصول الملك فيصل الأول وبروز نخب سياسية جديدة وطبقات اجتماعية ناشئة، وكما تطوّرت أساليب الإدارة والعمارة، وأدوات السلطة خلال الحقبتين الملكية والجمهورية، شهد انهيار ذلك كله زوال الجماعات الاستبدادية، واختفاء الطبقات البيروقراطية العليا، وبروز طبقات أخرى وخطابات أيديولوجية جديدة حلّت محلها. 

لذلك اقترح الشكل الثقافي التعددي الجديد شراكة الجماعات الإثنية والقومية في الحكم، وهو ما جلب معه قيماً ثقافية مخبوءة وهامشية تخص جماعات هويّاتية ظلّت زمناً طويلاً خاضعة لمركزية القلة الحاكمة. وهذه الجماعات، بمعنى فلسفي وجودي، ظلّت تتعرّف إلى ذاتها من خلال ما يفرضه الخطاب المهيمن عليها، فكانت لسنوات طويلة تستدل على ذاتها عبر ذات متخارجة عنها، أي عبر “ذات آخرانية”. 

وهكذا، أدى التحول السياسي في بنية السلطة المركزية إلى قلب منظومة القيم الاجتماعية للفئات المهمشة رأساً على عقب، إذ حلّت هذه الفئات محل الفئات المركزية، أي حلّ من كان مقصىً عن الحكم محل من صار مقصىً عنه هو الآخر. وبهذا المعنى القائم على النَسخ مثّل اختراع التقاليد الصيغة الضرورية لتوجيه سلوك الأفراد عقب عام 2003، والصيغة التي استوجبت توظيف السرديات الجماعوية المقموعة في برامج سياسية يومية. 

لقد تقاسم لعبة التدافع على النفوذ فريقان محليان، فريقٌ مسلوب “الحق” في الحكم، ومكبوت ومنفي لاعتبارات طائفية، وله آثار فكر لم يُروَ بعد، فكر استُبعد، أو فكر لأناس جرى استبعادهم. وقُيّض لهذا الفريق أن يسترد ذلك “الحق”، فوجد حريته كاملة في نشوة استعادة الذات، قبالة فريق آخر كان قد احتكر هذا “الحق” لمدة طويلة، ثم انفلت منه، ويسعى إلى استعادته أيضاً. الفريق الأول يصر على عدم التنازل عما يسميه حقاً مسترداً، فيما يصر الفريق الآخر على أهمية استعادة ما “سُلب” منه. وهذه الصيغة المضللة يعاد إنتاج فرضيتها في العراق بما يوافق منطق السلطة الجديد اليوم، فهي صيغة التحاصص السياسي الفاعلة. 

وهذا يعيدنا إلى أن الذات الوطنية التي صاغت مقولة الدولة المركزية لم توفّق في تشكيل صورتها عن الأمة والدولة عبر فرضية تمثيل الذوات الهويّاتية فيها (القومية، الطائفية، الحزبية، المناطقية، القبلية، والتاريخية.. الخ)، فالسياسات الثقافية والأيديولوجية المعمول بها كانت تنظر إلى الهوية الجامعة من منظور أيديولوجي قومي إدماجي. ونتج عن ذلك إبعاد الذوات والهويات المتمايزة من فرضيات التمثيل، أي بوصفها ذوات وهويّات لم تكن معترفاً بها، وحتى الاعتراف بها كان يستند في الأصل إلى معنى من معاني الإنكار، أي إلى اشتراط استجابة هذه الجماعات للمنظور الثقافي الذي تقترحه السلطة الحاكمة عنها. 

كان العقل السياسي الحاكم، ولا يزال، مسكوناً بنوع من الارتياب تجاه كل ما يمكن أن يكون مختلفاً عنه جنسياً، وعرقياً، ومناطقياً، ومذهبياً، وحتى دينياً. فما كان يحكم العراقيين هو شكل من الأيديولوجيا المستندة إلى نوع من الشوفينية اللغوية، وإلى ملفوظات قيمية عروبية متداولة عن الحكم التاريخي للدولة العربية ووحدتها ورسالتها ومصيرها. وبذلك، لم يكن مفهوم الوطن يُعرَّف ضمن إطار تصوري تعددي جامع، بقدر ما كان يُعرَّف ضمن إطار واحدي تحكمه جماعة إثنية وقومية محدّدة. 

ويمكن عدّ هذا الأمر أحد الإشكالات الذهنية التي لا يزال العراقيون يتدافعون فيما بينهم بغية تخطّيها. فمن ذا الذي يمكنه أن يتغلب على عُقد الماضي الدموي هذه؟ ومن ذا الذي يمكنه أن يحوّل قيم السيادة القومية إلى قيم للمشاركة والاختلاف والتسويات؟ لذلك، لا يزال العراقيون، في ظل غياب التمثيل العادل داخل السلطة، يخترعون لأنفسهم روايات وذاكرات وتقاليد تتصل بمكوّناتهم، وقيمهم، وعلاقتهم بالسلطة، وبمرجعياتهم الأيديولوجية القومية أو الدينية أو المذهبية، وبنخبهم السياسية والاقتصادية، ويحاولون تجذير حضور هذه النخب عبر ممارسات سردية شعبوية تُبَث وتُنشَر عبر تقنيات التواصل الاجتماعي الحديثة. 

فالتقاليد التي أوردناها في المقدمة لا تزال تتغذى من الرأسمال اللهجي والثقافي والعرقي والتاريخي لكل جماعة من الجماعات المتقابلة داخل السلطة والمجتمع، بوصف هذا الرأسمال معطى لم يُعترف به بعد. وهو ما تستعيده الجماعات السياسية المهيمنة مراراً أمام أتباعها، ولعل خطاباتها داخل السلطة هي التي تتحكم بمصائرهم وتشكل مواقفهم عن نفسها وعن الآخر.  

لذلك، نسمع عن خطاب النخب الشيعية الذي يستدعي المظلومية، والشهادة، وقيادة المرجعية الدينية، وكربلاء، والمقاومة، والأكثرية السياسية، ليحوّل الذاكرة الجماعية من إرث ديني اجتماعي إلى حق في التمثيل والسلطة والاعتراف. في مقابل ذلك، نسمع عن خطاب النخب السُنيّة بشأن الإرث السُنّي الديني، والإرث العربي والعراقي والوطني، وإرث الدولة والجيش والإدارة قبل 2003، وإرث المدن (بغداد، والموصل، وتكريت، والأنبار، وسامراء، والأعظمية)، والمظلومية الجديدة، والرفض والمقاومة، والاعتدال وحماية الدولة، والمصالحة والمواطنة. 

إذن، فالعلاقة الأيديولوجية القائمة على ثنائية تكوينية، طرفاها المكونات الاجتماعية، بعنوانها العريض، وممثلوها، هي التي تحض الهامشيين على “مركزة” التقاليد، أو، بعبارة أخرى، على تلفيق الميراث الذاتي للجماعة. فلا غرابة، والحال هذه، في صعود قيم محلية مناهزة للقيم الوطنية، أو صعود لهجات محلية بوصفها لهجات مهيمنة، على حساب اللهجة المعيارية التي كانت تصنعها قنوات السلطة الرسمية قبل عام 2003. 

لذلك، تتحول السلطة الرمزية، المتمثلة الآن بسلطة الجماعات الهويّاتية الفرعية، لتصبح سلطة بناء الواقع، ويقع على عاتقها بناء نظامها الأيديولوجي الجديد، أو، بعبارة رمزية، اختراع تقاليدها الثقافية. فما هو أكثر إثارة للاهتمام هو استخدام المواد السردية القديمة لبناء نوع جديد تماماً من التقاليد الموضوعة الصالحة للأغراض الجديدة. 

ولم يكن أمام هذه الجماعات إلا خياران: إما الاقتراض التقليدي من اللغة المهيمنة، بما يقتضيه ذلك من اعتراف بما لدى الآخر، أو ابتداع كلمات جديدة متولدة من اللهجة العتيقة، ولكن مجوّدة بما يجعلها لغة تشفٍّ أو مقاومة، أي لغة تتطلّع إلى أن تكون لغة للسلطة. وهنا يصبح توظيف اللهجة ممكناً مع امتلاك السلطة، حين تعبّر تلك السلطة عن سطوتها باللغة، فكما أن للهامش لغة، للسلطة لغة أيضاً. 

وهذا يعني أن اللغة التي نتحدث عنها هنا تتشكل طبقياً، فاللهجات التي تصعد إلى المتن إنما تصعد بفعل امتلاك السلطة من قبل الناطقين بها. فتبحث الجماعات الصاعدة في هذه الظروف عن هويتها من خلال إحياء لغتها التي قاربت على الزوال، فيما تتطلب السلطة خطاباً يعرّف بمن هم القابضون عليها، ويمنح لغتهم موقعاً في المتن. 

وهكذا، فإن استعادة اللهجات القديمة واستعمالها نوع من إعادة الاعتبار إلى تلك العوالم الهامشية؛ اعترافاً بوجودها وتأكيداً على ثرائها وقيمتها؛ لأن محاولة تقعيد الشفاهي والطرفي تعتبر عودة إلى ذلك الماضي من قبل الذين يتعمدون إعادة إنتاج لغته الماضوية.  

وهذا ما يرد بشكل واضح في الاصطلاحات اللهجية التي يستعملها بعض نواب الجنوب في تصريحاتهم وفي التعبير عن ردود أفعالهم الهجينة والخشنة، وفي مقابل ذلك، ما يعبر عنه بعض نواب الغربية عبر لهجاتهم المتعالية أيضاً. فتتحول السياسة وأدبياتها عندهم إلى سوق كلامية، مكانها المضيف والقبيلة، بدلاً من البرلمان والتفاهمات الدبلوماسية المرعية، إذ ثمة مفارقة ترد في خطاباتهم عندما يتعمدون استعمال لهجات مدينية محدثة، ويستبطنون لهجات “الآباء” الأولين أيضاً، بغرض اكتساب “أهلية التأثير الكاريكاتوري في سوق الألسنية”، والتحكم في مجال “السوسيولكنة”. فبحسب ميزان القيم المحلية، يغدو استخدام لهجة في مواجهة لهجات أخرى تعبيراً عن هويّة اجتماعية محدّدة، وعن حاجات ومواقع يفرضها المجتمع ويُحدّدها. 

وعلى الجانب الثقافي ازدهرت الاستعادات الفلكلورية المناطقية للجماعات، من خلال التنقيب في مفردات الأغاني الريفية القديمة الدالّة على هجر المكان والتعسف الإقطاعي والفقد، والتركيز اللاشعوري على الأغاني المعتمدة على رثائيات النعي، المترافق مع المزاج الشعبي الفجائعي الذي خلّفته الحرب على داعش، ومحاولة تقديم هذا اللون من الأداء المُلحّن بوصفه هويّة ثقافية جنوبية.  

ويتصل بذلك شيوع ظاهرة مهاويل الطائفة، الذين يساهمون في تحويل الانتماء الطائفي إلى ذات سياسية أو اجتماعية متقابلة مع طوائف أو جماعات أخرى. وهؤلاء المهاويل، بحكم انطلاقهم من ذاتية الجماعة والتعبير عنها، يستندون إلى ثقافة المديح والتكسب، فيغدو خطابهم وسيلة لإنتاج هذه الذات الجماعية وتعزيز تمايزها عن الآخر، فضلاً عن ظهور أعمال درامية ممالئة، أُنتجت لخدمة سياسات الهوية، ومموّلة بالمال السياسي. وهذه الأعمال، وإن كان بعضها ممولاً حكومياً وليس حزبياً، إلا أن تمويلها يظل سياسياً بالمعنى الأوسع؛ لأنه لا يقتصر على إنتاج عمل درامي، بل يساهم في صياغة رواية للحرب على العدو، وفي مقدمتها الحرب على داعش، وتحويلها من حدث عسكري وسياسي إلى إرث تتنافس الجماعات العراقية على امتلاكه وتمثيله. 

ولم يقتصر هذا التوظيف على الإنتاج الثقافي، بل امتد إلى الممارسة الطقوسية نفسها، كما يتضح في ممارسات السياسيين في المسير مشياً لزيارة الأربعين، ومشاركتهم إعلامياً في تقديم الطعام وتوزيعه على الزائرين. وبذلك يتحول الجهد الحكومي الرسمي مادياً وبشرياً إلى وسيط لإدامة الطقس وإحيائه، فيما يتحول حضور السياسي فيه إلى وسيلة لإظهار انتمائه إلى الجماعة التي تستعيد هذا الطقس وتمنحه دلالته السياسية. وبالتالي، تصبح هذه الممارسات، على اختلاف أشكالها، أدوات لإعادة إنتاج السلطة رمزياً، واختزال معنى الحكم في هويّة النخب التي تتولى السلطة. 

إذن، فالخطاب الذي يستعمله السياسيون الحاليون هو التقليد الجديد الذي يتلمس جذوره في البنيات الذهنية، أي في البنيات اللغوية والرمزية العميقة للجماعة التي ينتمون إليها. فما يتحدثون به الآن، وما يصدر عنهم من ملفوظات، ليس خطاباً حداثياً وافداً، وإنما يمتد بجذوره في تربة محلية سحيقة. 

وكان يمكن لمعظم السياسيين أن يتداولوا الصياغات اللغوية العصرية، بدلاً من تعمدهم استعمال اللهجات المناطقية التي كانت مستنكرة ومتنحية. فاستعمالهم لها بوصفها خطاباً جديداً للسلطة لا يبدو ابتداعاً هنا، بل يبدو متجذراً، وإن لم يكن كذلك في الواقع، لكن استعمال اللهجات في سياق معين، وعبر فذلكة وتفنن، يوحي بأنها متصلة بلهجات الأجداد. وأحياناً يبدو الأمر في غاية الغرابة عندما ترى نائباً أو وزيراً لا يمت بصلة إليها، ولكنه ينتحلها، مع أنها ليست لغته، ولا لغة أهله وأجداده في الأصل. 

إذن، يأتي اختراع التقاليد هنا بدلالة إقرار منطق الاعتراف برأسمال كل جماعة إزاء غيرها، فكل اعتراف بما لدى جماعة هو في الوقت نفسه نية تجاهل لما لدى غيرها، ما دامت سلطة كل جماعة تستند لأجل تحقيق ذاتها إلى معنى من معاني الاستقلال والتمايز عن الغير، أو، بعبارة أدق، إلى رغبة مضمرة في محو تاريخه أو حرمانه من حقه في التمثيل. وبالتالي، عند الاعتراف بتقليدٍ ما بوصفه “تقليداً أصيلاً” قد يتم تجاهل تقاليد الغير أيضاً. بهذا المعنى، فإن كل جماعة اجتماعية هنا تنطوي على مخزون من النيات المسبقة، فلا يوجد اعتراف محايد أصلاً. 

وبتعبير بورديو في كتابه “الرمز والسلطة”: “لكل جماعة رأسمالها الذي يدفعها إلى ممارسة العنف الرمزي بمجرد أن يُعترف به”؛ لأن عدم الاعتراف به أو عدم تقديره قد يلحق الضرر بالآخر، بل قد يكون شكلاً من أشكال العنف، لما يترتب عليه من حبس الإنسان في صورة كاذبة أو مشوهة أو مختزلة للوجود. فالاعتراف، في نهاية المطاف، يخول للأشخاص الذين يمارسون السلطة نوعاً من الزهو والسؤدد. 

إذن، باختصار شديد، لم يكن اختراع التقاليد في العراق مجرد استعادة لممارسات قديمة، بل رغبة في إعادة تشكيل الذوات المقموعة داخل بنية السلطة الجديدة، عبر استدعاء ما تختزنه من رأسمال لغوي وثقافي وتاريخي وطقوسي. فالجماعات التي انتقلت من الهامش إلى المتن أخذت تستعيد موروثاتها، وتمنحها دلالات جديدة، وتحوّلها إلى تقاليد تبدو قديمة وأصيلة، وهي في الواقع تستجيب لأغراض السلطة الجديدة. ومن هنا، استلزم الاعتراف برأسمالها إقراراً بسلطتها الرمزية، وفي الوقت نفسه تجاهلاً لرأسمال الجماعات الأخرى، وحرمانها من التمثيل.  

وهذا يعني أن اللهجة والطقس والذاكرة والموروث لم تعد مجرد رأسمال جماعي رمزي، بل غدت أدوات يعاد إنتاجها داخل السلطة. فالمأزق هو في أن الجماعات، وهي تعيد تشكيل ذواتها وتخترع تقاليدها، لا تزال تفعل ذلك ضمن منطق التمايز عن الآخر، فيتحول اختراع التقاليد عندها من وسيلة للاعتراف بالذات إلى وسيلة لتعنيف الآخر. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

أكاديمي وكاتب عراقي متخصص في الفكر السياسي المعاصر، وأستاذ في جامعة البصرة، حاصل على الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة بغداد. صدرت له عدّة أبحاث وكتب، من بينها "أصل الطيبة: نقد الهوية المصطنعة للبصريين"، و"تحوّلات السلطة في المدينة العراقية الحديثة"، و"صور الآخر في الفكر السياسي العربي المعاصر"، و"شيعة العراق: المرجعيات والأحزاب".