شاهدة قبر صغير لسمكة عراقية كانت تعيش في الأهوار

حفر مرتضى الجنوبي قبراً لسمكة نفقت بعدما جفّ هور الحويزة، فيما ارتفعت خلفه لافتة الحقل النفطي الذي يحمل اسم الهور. صورة واحدة لأهوار تخسر ماءها وأهلها، بينما تُقتطع أرضها للنفط وتُوزَّع قضيتها بين الأحزاب..

عبد الله السعدعبد الله السعد | 3 أيلول 2026

بصوت يملأه القهر يختصر مرتضى الجنوبي، الصياد والناشط البيئي، حكاية العطش والنزوح في الأهوار: “35 ألف نسمة بالمشرّح ما محسوبلها أي حساب، 35 ألف نسمة ما محسوبة من البشرية، ما حاسبيلها حساب، 35 ألف نسمة صارلها سنين بلا ماي، صارلها سنين تعاني من الجفاف، والله شني؟ علمود الحقول النفطية، والله شني؟ أگله وگال 40 مليون نسمة عايشة على المشرح، چا إحنه شنو مو بشر؟” 

صرخة الجنوبي ليست سوى بحّة حزينة في حنجرة آلاف العائلات في جنوب العراق. هناك، حيث يقع واحد من أكبر أنظمة الدلتا الداخلية في العالم، تدور رحى معركة غير متكافئة من أجل البقاء.  

بين وفرة النفط “الذهب الأسود”، الذي تزحف حقوله لتبتلع مساحات شاسعة من المسطحات المائية لصالح الاستكشافات والشركات النفطية، وبين شُحّ الماء “الذهب الأزرق”، الذي ينحسر باستمرار، تقف الأهوار اليوم على تخوم الفناء، بعد أن كانت تفيض بذلك الشيء الذي جعل منه الله “كلَّ شيء حي”. 

طفلة عراقية تقف فوق مساحة جفت، المصدر: جاسم الأسدي. 

هذه المسطحات المائية الفريدة، التي تتغذى تاريخياً من فيضان نهرَي دجلة والفرات وتفرعاتهما، ومياه الأمطار، وروافد عابرة للحدود مثل نهر الكرخة، لم تكن مجرد أرقام على الخارطة، بل كانت مصدر حياة تمتد مساحته من تسعة آلاف إلى 20 ألف كيلومتر مربع في مواسم الفيضان، ونظاماً إيكولوجياً استثنائياً يحتضن أنواعاً نادرة ومهددة بالانقراض من الطيور والزواحف.  

لكن هذه الطبيعة الساحرة، التي قاومت قسوة التاريخ والدورات الزمنية الطويلة، تواجه عطشاً لا ينتهي لآبار النفط. 

الألسن المالحة 

يوثق عامر عبد الرزاق، الخبير الآثاري، تاريخاً علمياً للبيئة المائية التي تشكلت في السهل الرسوبي للعراق منذ عصور ما قبل اكتشاف الكتابة، نحو 3500 ق.م، هذا التوثيق قرينته الأختام الأسطوانية القديمة، التي توثق تفاصيل حياة السكان الأصليين، من بيوت القصب المقوسة، إلى “المشاحيف”، وحتى صناعة حلوى “الخريّط” المستخلصة من البردي، تفاصيل قاومت الاندثار لآلاف السنين. 

لكن هذه الديمومة التاريخية، التي لطالما تغذت من التدفق الحر لنهرَي دجلة والفرات، تخفي خلفها نقطة ضعف قاتلة، كما يصف حسن الجنابي، وزير الموارد المائية الأسبق، فالأهوار “نظام إيكولوجي هش للغاية”، استمراريتها تعتمد على مياه تقطع آلاف الكيلومترات لتصل إليها، وليست وليدة أمطار محلية غزيرة. 

هور الحويزة بعد جفافه، المصدر: مرتضى الجنوبي.

هذا البُعد الجغرافي جعل من السهل السيطرة على شرايينها المائية، وقطعها متى ما اقتضت المصالح ذلك، وغالباً ارتبطت هذه المصالح بالسياسة والسلطة. 

حتى سبعينيات القرن الماضي، بقيت الأهوار في مأمن من الخطر الذي تعاني منه اليوم، لكن الجغرافيا الساحرة سرعان ما تحولت إلى “تهمة” وساحة عسكرية. 

بدأ أول فصول التجفيف الممنهج أيام الحرب العراقية – الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، عندما شرعت السلطات بتشييد سداد ترابية عُرفت بـ”الألسن”؛ لتقطيع أوصال هور الحويزة ومنع تقدم القوات الإيرانية.  

وما إن وضعت الحرب أوزارها، حتى تلقت الأهوار طعنتها الكبرى في أعقاب “الانتفاضة الشعبانية” عام 1991. حينها، اتُخذ قرار سياسي وأمني بتجفيف الأهوار الوسطى وهور الحمار بالكامل، تحت لافتة “الاستصلاح الزراعي”.  

الهدف الفعلي، كما توثقه الكتب الأمنية السرية لتلك الحقبة، كان تجفيف الملاذات الآمنة للمعارضين وتسهيل حركة القطعات العسكرية. شُقّت قنوات بديلة مثل نهر القائد ونهر العز؛ لتحويل مجرى المياه بعيداً عن الأهوار، ما تسبب بكارثة بيئية وإنسانية، صنفها برنامج الأمم المتحدة للبيئة كواحدة من أكبر الكوارث البيئية في التاريخ البشري، وقد دفعت مئات الآلاف من السكان المحليين إلى نزوح قسري، تاركين خلفهم أرضاً محروقة وبيئة تتداعى. 

الجنة المجففة 

في نيسان 2003، لاح أمل جديد للجنة المجففة، سقط النظام الذي حفر نهر القائد ونهر العز في جسد الأهوار، وبادر سكان الأهوار إلى كسر السداد الترابية وهدم الحواجز بأيديهم، لتندفع المياه مجدداً وتغمر ما نسبته 35 إلى 40 بالمئة من المساحة الكلية للأهوار. 

استجابت لهذا التحرك الدولة الجديدة، فأسست مركز إنعاش الأهوار والأراضي الرطبة، ووعدت ببرنامج طموح يعيد الحياة إلى تلك الأراضي. 

لكن الرياح جاءت بما لا تشتهي الأهوار وأهلها، فبينما كان الجانب الإيراني يشدد خناقه المائي، عبر تشييد سد الكرخة والسداد الترابية التي منعت مياه نهر الكرخة من الوصول إلى الشطر الغربي لهور الحويزة داخل العراق، ظهر عدو داخلي جديد يتمثل في وزارة النفط والشركات العاملة في هذا القطاع. 

أسهمت العمليات النفطية والتوسعات الاستكشافية بعد عام 2008، في تجفيف مساحات شاسعة جداً مما تبقى من هور الحويزة وهور الحمار بشطريه الشرقي والغربي. هذا الزحف دفع لجنة إنعاش الأهوار في مجلس محافظة البصرة، في منتصف آذار 2010، إلى إبداء امتعاضها الشديد من شركة نفط البصرة بسبب تجفيفها الأهوار لصالح مشاريعها. 

الأهوار كحصة سياسية 

نظام المحاصصة وتقاسم المغانم، الذي صار سمة النظام السياسي الجديد، حوّل الأهوار إلى حصة في الغنيمة، وكانت “وزارة الدولة لشؤون الأهوار” نموذجاً صارخاً لكيفية تحويل مأساة جفاف الأهوار ومعاناة سكانها المحليين إلى ورقة مساومة وغنيمة حزبية لترضية الأطراف السياسية. 

تأسست الوزارة ضمن كابينة نوري المالكي، وأُسندت حقيبتها إلى حسن الساري، لتبدو ظاهرياً كخطوة جادة لإنصاف بيئة فريدة عانت من التجفيف لعقود.  

ولكن العودة إلى سيرة الساري تكشف أن الوزارة كانت امتيازاً سياسياً، لا خطة استراتيجية لإعادة الحياة للأهوار، فحسن الساري هو الأمين العام لحركة الجهاد والبناء، وقائد قوات “سرايا الجهاد”، كما يعتبر نفسه المؤسس لصحيفة “البينة” الناطقة باسم الحركة، والساري من قيادات “المجلس الأعلى الإسلامي العراقي”، وانتُخب مؤخراً رئيساً للهيئة العامة للمجلس. 

تكشف سيرة الوزارة وأرشيفها أن استحداثها لم يكن سوى ترضية شكلية تندرج ضمن توزيع الحصص القائم على الولاءات، بدلاً من تقديم معالجات مهنية حقيقية. والدليل الأبرز على عبثية هذا الكيان هو تصنيفه “وزارة دولة”، وهو ما يعني منصباً شرفياً يفتقر إلى الهيكل المؤسسي التنفيذي والميزانيات السيادية، مما جعل هذه الوزارة مؤسسة شكلية عاجزة عن تقديم أي حلول استراتيجية لإنقاذ النظام الإيكولوجي، أو توفير بنية تحتية حقيقية تمنع نزوح سكان الأهوار. 

لقد تُركت جنة السومريين تواجه العطش والتلوث، بينما كانت قضاياها تُتداول كمناصب في مكاتب الأحزاب والمجاهدين، وعلى طاولات الصفقات.  

في حوار تلفزيوني لحسن الساري على القناة الرسمية للدولة، كشف بوضوح عن الآلية الهشة لتنصيبه، معترفاً بطبيعة هذه المناصب المستحدثة التي وصفها صراحة بأنها كانت مجرد “مكتب بلا وزارة” حقيقية. هذا الاعتراف يوثق كيف أُديرت ملفات وطنية حساسة وسيادية بحجم ملف الأهوار بعقلية النفوذ لا بعقلية بناء الدولة. 

ولأنها مجرد حلقة فائضة فرضتها المحاصصة، كانت الوزارة من أولى ضحايا الاحتجاجات. ففي آب 2011، تم إعلان حل الوزارة ضمن ما عُرف بـ”الترشيق الوزاري”، وإحالة الساري إلى التقاعد بجرة قلم، لتنتهي مسرحية سياسية لم تقدم للأهوار سوى الوعود.  

نداء لا يسمعه أحد 

لم تتوقف مأساة الأهوار عند تمثيليات “وزارة الدولة”، ففي خريف عام 2025، أطلق أهالي القرى المتاخمة لبركة “أم نعاج” صرخات استغاثة للحكومة والمجتمع الدولي؛ من أجل إيقاف مساعي تحويل مناطقهم إلى حقول نفطية استكشافية. 

اليوم، تستمر الخارطة المائية للأهوار بالانحسار، وأمسى هور الحمار الشرقي هو الهور الوحيد الذي يقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة البصرة، هذا الهور، الذي يعتمد على ظاهرة المد والجزر ليتغذى من مياه شط العرب عبر أنهار الشافي والمسحب والصلال، انشطر بدوره إلى قسمين، شمالي يُعرف بـ”هور الشافي”، وجنوبي يُعرف بـ”هور المسحب والصلال”. 

ورغم عودة بعض ملامح الحياة، فإن المعاناة تتخذ أشكالاً أخرى. يوضح حسين أبو طبيخ، رئيس جمعية الأهوار الخيرية، أن عودة المياه بعد عام 2003 أنعشت المنطقة جزئياً، لكن تناقص مناسيب المياه، واندفاع “اللسان الملحي” من شط العرب، ونقص الأعلاف الطبيعية، دفعت بأعداد كبيرة من الأهالي إلى الهجرة نحو المدن، ويحذر أبو طبيخ من تفشي الأمراض والأوبئة جراء النقص الحاد في الخدمات الأساسية. 

ويضيف أبو طبيخ أن الانبعاثات الغازية ومخلفات العمليات النفطية وجهت ضربة قاصمة للقطاع الزراعي، مما أجبر السكان على النزوح هرباً من التلوث والجفاف. 

نهر الشافي عند الغروب، المصدر: سلمان العراقي. 

فصول المعاناة تكتمل مع الخسائر الاقتصادية الفادحة. هادي بدر المالكي، رئيس فرع الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية في شمال البصرة، يؤكد أن تجفيف الشركات النفطية للأهوار أسفر عن هلاك أعداد هائلة من المواشي والأسماك وهجرة الطيور. 

ورغم هذه الصورة القاتمة، لا يزال السكان المحليون يقاومون بكل ما لديهم من قوة للتشبث بأرضهم. ويشير سلمان العراقي، الدليل السياحي والناشط البيئي، إلى أن هور الشافي يشهد بين الحين والآخر وصول أسراب من الطيور المهاجرة، ويستقطب مجموعات سياحية تبحث عن سحر الطبيعة والضيافة الجنوبية المعهودة. 

وما بين وفرة النفط وشحة المياه، تبقى أهوار البصرة شاهدة على مفارقة قاسية، كيف لأرض تطفو على بحار من الثروات أن يشكو أهلها من العطش؟  

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب مستقل، مهتم بالشأن السياسي والاقتصادي. نشرت مقالاته في مواقع مختلفة.
بمشاركة