كتبت، هنا على موقع جُمّار، مقالاً اعترافياً عن تاريخي المخزي مع نساء عائلتي، وعن سنوات كنت فيها “زلمة مكلّف”، أراقب أخواتي وقريباتي، وأقرر أين يذهبن، ومع من يتحدثن، ومتى يحتجن إلى رجل يرافقهن. وكتبت عن شعوري بالعار من رجال يدافعون عن متحرشين، أو يعتبرون التحرش حوادث فردية لا تقول شيئاً عن المجتمع، ومن رجال يشاهدون أمهات تُنتزع منهن حضانة أطفالهن ثم يجدون، بطريقة ما، أن المشكلة في الأمهات.
وكل ذلك يجري وسط شيوع وتبنّي مفهوم ملتبس اسمه “الغيرة”، يفترض أنه يحمي المرأة من الإهانة ويحفظ كرامتها، بينما تُهان النساء فعلاً كل يوم، في الشارع والبيت والقانون، وباسم “الغيرة” نفسها أحياناً.
والإهانة الموجهة للنساء لم تعد تخص النساء وحدهن. فقد أصبحت الطريقة التي يعامل بها الكثير من الرجال العراقيين النساء مثار اشمئزاز، إلى درجة أن رجالاً عراقيين يجدون أنفسهم، داخل العراق وخارجه، مطالبين أحياناً بالإجابة عن سؤال: هل أنتم جميعاً هكذا؟ هل هذه هي الطريقة التي يعامل بها العراقيون العراقيات؟
أي إن “الغيرة” التي يُفترض أنها تحمي سمعة النساء، لم تحم النساء من الإهانة، وانتهت في بعض صورها إلى الإساءة حتى إلى صورة الرجال الذين يمارسونها باسمهم.
كتبت في المقال نفسه عن شعوري بالعار من كوني واحداً من رجال تربوا على مفاهيم “الغيرة” والشرف نفسها، قبل أن أكتشف، متأخراً، أن مفهوم الغيرة والشرف هذا، حتى بأشد معانيه ذكورية، لا يعني شيئاً أمام كل المشكلات التي تتعرض لها النساء من الذكور أنفسهم.

وقبل أن أكتب كل ذلك، لم أكن أعرف أن رجالاً مثلي موجودون بكثرة، ويُطلق عليهم أسماء كثيرة أيضاً. اكتشفت أنني، مثلهم، “أختهن”، و”حفاظة”، و”لباسهن”، و”مخصي”، إضافة إلى أوصاف أخرى يصعب حصرها، ليس لأنها كثيرة فحسب، بل لأنها تتكاثر باستمرار، وكأن هناك ورشة لغوية مفتوحة مهمتها العثور على اسم جديد للرجل الذي لا يجد مشكلة في الوقوف إلى جانب النساء.
والحقيقة أن أياً من هذه الأوصاف لم يزعجني، وليس ذلك لأنني أملك مناعة نفسية استثنائية تجاه الشتائم، وإنما لأن تفسير كل شتيمة من الشتائم قادني، على نحو غريب، إلى الاطمئنان إلى أفكاري. وكلما حاولت فهم الإهانة اكتشفت أنها تقول عن صاحبها أكثر مما تقول عني، وتؤكد لي أنني خرجت، ولو متأخراً، من أفكار غبية وقاصرة ومعدومة الخيال عشت داخلها سنوات.
وفوق ذلك، ثمة مشكلة تقنية في هذه الشتائم: إنها ليست مؤذية بما يكفي. وهذه مشكلة كبيرة بالنسبة إلى الشتيمة؛ لأنه بحدوث عكس مفعول الأذى يتحول هذا الفعل إلى أمر باهت. أما حين يحتاج الشخص الذي شُتم إلى دقائق كي يفهم لماذا يُفترض به أن يشعر بالإهانة، فنحن أمام فشل في صناعة الشتائم!
حفاظة
لنأخذ وصف “حفاظة” على سبيل المثال.
تنطلق الشتيمة من فكرة أن الرجل الذي يدافع عن النساء يشبه ما تستخدمه المرأة أثناء دورتها الشهرية. لكن ثمة مشكلة في الشتيمة نفسها؛ لأنها تكشف أن كثيراً من الرجال الذين يستخدمونها لا يعرفون، على ما يبدو، اسم الشيء الذي يتحدثون عنه. فالمرأة البالغة لا ترتدي “حفاظة”، و”الحفاظة” تُستخدم للأطفال، والمرأة تستخدم فوطة صحية، وهي تحمل أسماء أخرى أصلاً.
وقد يبدو هذا مجرد خطأ في التسمية، لكنه يكشف مفارقة أن السلطة (الرجل) تعرف القليل عمّن تريد إمعان السيطرة عليه (المرأة).
فالرجل، والحال هذه، قد يعرف متى خرجت أخته، ومتى عادت، وما الذي ارتدته، ومن تحدثت إليه، وقد يكون مستعداً للشجار بسبب صورة نشرتها أو خصلة شعر ظهرت منها، لكنه قد لا يعرف اسم ما تستخدمه كل شهر منذ بلوغها.
يعرف الرجل ما يريد مراقبته في حياتها، ولا يعرف بالضرورة كيف تعيش هذه الحياة.

الجهل هنا ليس مجرد نقص في المعلومات، بل هو جزء من طبيعة العلاقة نفسها. إذ لا يحتاج الرجل -ما دام دوره أن يأمر ويمنع ويحرس- إلى معرفة المرأة معرفة حقيقية، يكفيه أن يعرف أين هي، ومع من، وماذا ترتدي. أما جسدها، وأوجاعه، ودورته الشهرية، وتفاصيله اليومية، ومشاعرها، ورأيها وعواطفها تجاه عيشها، ورأيها بما يدور حولها.. فهذه شؤون يجب أن تبقى مجهولة، بل إن الاقتراب من معرفتها قد يصبح هو نفسه مدعاة للسخرية وانتقاصاً من الرجولة!
تخبرني كلمة “حفاظة” أيضاً عن المسافة بين بعض الرجال والنساء اللواتي يعيشون معهن. بعضهم ممن لم يذهبوا مرة إلى صيدلية أو دكان لشراء فوط صحية لأم أو أخت أو زوجة أو حبيبة. وربما لهذا يبدو لهم مجرد اقتراب الرجل من هذه التفاصيل انتقاصاً من رجولته.
أنا، على العكس، أعتقد أن على الرجل أن يعرف.
وحتى لو تركنا المساواة وحقوق النساء والتعاطف وكل هذا “الكلام النسوي” جانباً، وفكرنا بمنطق ذكوري خالص وأناني وبراغماتي، فمن مصلحة الرجل الذي يعيش مع امرأة أن يعرف دورتها الشهرية، وأن يعرف ما يحدث لجسدها خلالها، وأن يفهم أن التغيرات الهرمونية والجسدية حقيقية.
هذه ليست معرفة نسوية ولا بطولة أخلاقية، إذ هي معرفة بشخص تعيش معه. وحتى بالمقياس الأناني المحض، ستجنب الرجل كثيراً من سوء الفهم، وتجعله أقدر على فهم تغيرات وأوجاع وحاجات كانت ستبدو له، في جهله بها، مفاجئة أو بلا سبب.
أي إن شراء الرجل علبة فوط صحية للمرأة التي تعيش معه لا يجعله مناضلاً من أجل تحرير النساء. يمكن، إذا أصر على النظر إلى الأمر من مصلحته وحدها، أن يعتبره معرفة صغيرة تجعل حياته هو أيضاً أسهل.
أما إذا أصررنا على تسمية “حفاظة” فالمشكلة تصبح أكثر طرافة؛ لأن الشتيمة، حرفياً، تطلب منا تخيل امرأة بالغة ترتدي كل شهر حفاظة أطفال. أي خيال عاجز وفقير هذا!
لباسهن
أما توصيف “لباسهن”، فهو أكثر تعقيداً بقليل من حفاظة.
المقصود به، كما أفهم، أن الرجل الذي يقترب كثيراً من النساء، ويتحدث عن المساواة معهن ويدافع عن حقوقهن، يقترب منهن إلى الحد الذي يتحول فيه إلى لباسهن الداخلي، أي إلى قطعة قماش ملاصقة لأكثر مواضع جسد المرأة خصوصية.
مرة أخرى، لا أعرف إن كان الذين اخترعوا الشتيمة قد فكروا فيها طويلاً؛ لأن التفكير فيها لا يخدمهم كثيراً. فهذا التوصيف يهدف إلى إهانة الرجل بتصويره قريباً من فرج المرأة، بينما بنى هو مفهومه الكامل عن الشرف والرجولة والعائلة حول هذا الفرج. لا أعرف، والحال هذه، أيّنا أكثر انشغالاً به، وأينا يجب أن يكون لباساً؟!
جزء كبير من الكلام الذي قرأته بعد مقالي كان يتحدث عن النساء من خلال أجسادهن، وشرفهن، وعفتهن، وسترهن، ومن يلمسهن، ومن ينام معهن، ومن يحق له الوصول إليهن. وحتى الرجال الذين ظهروا في حادثة التحرش، التي دفعتني إلى كتابة المقال الأول، لم يكونوا منشغلين بأفكار النساء ولا بشخصياتهن ولا بما يقلنه، كانوا يطاردون أجساداً، ويحاولون لمسها والوصول إليها، رابطين حياتهم بما تحت اللباس ذاك!
ثم إن اختيار “اللباس” للتشبيه أو التشنيع سيء إذا كان المقصود منه الإهانة، فالرجال الذين يستخدمون هذه الشتيمة يتحدثون، في الوقت نفسه، بلا انقطاع عن “ستر المرأة”، يريدونها مستورة، ويقيمون جزءاً من مفهوم الشرف على مقدار ما يظهر وما يختفي من جسدها.
وما الذي يستر جسد المرأة، حرفياً وقبل كل شيء، أكثر من لباسها؟
أختهن
توصيف “أختهن”، الذي يوجه لي ولرجال مثلي متحررين من سلطة ذكوريتهم كشتيمة، أكثر التوصيفات إثارة للاهتمام.
فكرت في الكلمة طويلاً، واكتشفت أنني، وفق معناها الحرفي على الأقل، كنت “أختهن” حين كنت رجلاً غيوراً أكثر بكثير مما أنا عليه الآن.
في الـ20 من عمري كنت “زلمة مكلّف“. وهذا يعني، عملياً، أنني كنت ملتصقاً بنساء العائلة طوال الوقت، أرافق هذه إلى السوق، وأوصل تلك إلى الطبيب، وأنتظر أخرى عند الخياطة، وأعرف من اتصلت بمن، ومن تحدثت مع من، ومن تأخرت، ومن خرجت، ومتى ستعود.
وبحكم هذه المراقبة المستمرة كنت أسمع أحاديثهن، وأعرف تفاصيلهن، وأدخل في مشكلاتهن، وأتابع تحركاتهن، وأقضي جزءاً كبيراً من يومي في شؤون كان يمكن ألا تكون لي علاقة بها أصلاً.
كنت، بالمعنى الحرفي تقريباً، أعيش بين النساء.
وهنا تصبح “أختهن” شتيمة مربكة هي الأخرى. فمن هو “أختهن” فعلاً؟ الرجل الذي يعرف أين أخته الآن، وإلى أين ستذهب بعد ساعة، وماذا ترتدي، ومن تحدثت إليه، ومتى ستعود، أم الرجل الذي ترك لها كل ذلك وذهب لينشغل بحياته؟
لسبب ما، الأول يسمى في قاموسنا “غيوراً” و”زلمة”، والثاني “أختهن”.
وهذه واحدة من المفارقات التي لم أفهمها إلا بعد أن توقفت عن أداء دور “الزلمة المكلّف”. فالرجولة التي تربيت عليها لم تكن تبعد الرجل عن عالم النساء، بل كانت تلصقه به، تجعل جزءاً من يومه مخصصاً لمراقبتهن، وجزءاً من تفكيره منشغلاً بالتدخل فيما يرتدين، ومن يقابلن، وما إذا كان سلوكهن سيجلب له كلاماً من رجال آخرين.
كنت أظن أن الرجولة تعني أن أكون حاضراً في حياة النساء طوال الوقت. واليوم أعرف أن جزءاً كبيراً من ذلك لم يكن حماية ولا غيرة، بل وظيفة كاملة غير مدفوعة الأجر اخترعها الرجال لأنفسهم: مراقبة النساء. وحين تركت هذه الوظيفة، لم أصبح “أختهن”، بل على العكس، لم أعد أعيش بينهن بتلك الطريقة المريضة التي تجعلني أختهن، أو ما يمكن أن تسميه النساء، بشتيمة أكثر إبداعاً “حزازة” أو “حساسة”.
“وين حق الرجال؟”
“ليحصل الرجال على حقوقهم أولاً”، هكذا كتب كثيرون، أو بصيغة عراقية أكثر مباشرة: “بالأول احچي عن حقوق الرجال، وبعدين احچي عن النساء”.
ليس لدي اعتراض على النصف الأول من الاقتراح. فليحصل الرجال على حقوقهم، والنساء على حقوقهن، والأطفال على حقوقهم، والحيوانات على حقوقها أيضاً. ليحصل كل من له حق على حقوقه، بيد أن المشكلة الوحيدة لدي هي في كلمة “أولاً”، ذلك أنها تصور الحقوق طابوراً على شباك حكومي، وعلى النساء انتظار انتهاء معاملة الرجال حتى يأتي دورهن.
وسأعكس هنا السؤال: لماذا يَفترض الحديث عن ظلم النساء إنكار الظلم الواقع على الرجال؟ أو لماذا يُفترض أن حصول النساء على حقوقهن يسحب شيئاً من رصيد الرجال؟
الحقوق ليست كمية محدودة علينا توزيعها بين الجنسين.
بل إن الحديث الجدي عن حقوق الرجال يقود، في رأيي، إلى المكان نفسه الذي يقود إليه الحديث عن حقوق النساء، وأعني هنا مراجعة مفهوم الرجولة ذاته، وما يمنحه للرجل من سلطة على النساء.
وقد تبدو السلطة في أي مكان وزمان مكسباً خالصاً لمن يمتلكها، لكنها ليست كذلك دائماً. فالسلطة تحتاج إلى حراسة دائمة، وإلى مراقبة من يخضع لها، وإلى إثبات مستمر للقدرة على ممارستها. والرجل الذي مُنح سلطة على نساء عائلته لم يحصل على امتياز فقط، بل حصل معه على وظيفة كاملة مليئة بالأعباء ومعبدة بآلام تشمل الطرفين، صاحب السلطة والمُتسلَّط عليه.
يصبح هذا العبء أشد حين يبدأ الرجل نفسه بالتفكير خارج هذه المنظومة، أو حين يستعيد ضميره ويسأل سؤالاً بسيطاً: لماذا أفعل كل هذا أصلاً؟ لماذا أقضي جزءاً من حياتي في إدارة حياة إنسان آخر؟

عندها تتحول السلطة التي كان يظنها دليلاً على رجولته إلى عبء يريد التخلص منه، لكنه يكتشف أن التخلي عنها ليس سهلاً أيضاً؛ لأن رجالاً آخرين يقفون حوله لتذكيره بأن جزءاً من رجولته كان قائماً، منذ البداية، على امتلاكها، وأن الخروج عن هذه الأفكار يعد خيانة للرجال والرجولة!
فالرجال الذين يطالبني بعض المعلقين بالدفاع عن حقوقهم يعانون هم أيضاً من النموذج نفسه الذي يريد هؤلاء المعلقون الحفاظ عليه، وقد ظهر ذلك بوضوح في نوع آخر من التعليقات على المقال.
قال بعضهم إن العار ليس فيما كتبته، بل فيّ أنا. فأنا، بإعلاني العار من تاريخي ومن سلوك رجال عراقيين تجاه النساء، أهين تاريخاً كاملاً لرجال أشاوس قاتلوا وماتوا على الجبهات طوال عقود دفاعاً عني وعن “عرضي”، ثم آتي أنا بعد كل تلك التضحيات لأبدد هذا العرض بنفسي.
وهذا اعتراض يخلط بين العسكري كصاحب مهنة والرجل كإنسان، ولا يميز، والحال هذه، بين الرجل والعسكري. فالقتال، بما يحتاجه من تدريب وجلادة واستعداد للموت، يتحول هنا من وظيفة يؤديها البعض إلى تعريف للرجولة نفسها. ومن لم يكن مستعداً للقتال، أو خاف منه، أو اختار ببساطة ألا يخوضه، يصبح أقل رجولة من غيره.
بيد أن العسكري يتدرب على القتال، وهذه مهنته، أما أنا فلم أتدرب على قتال أحد، ولا أريد أن أقاتل أحداً. ولا أعرف لماذا ينبغي، في عام 2026، وبعد أن تأسست الدول والجيوش وتقسمت الوظائف، أن أمتلك جلادة جندي لمجرد أنني ولدت ذكراً.
ولا أفهم لماذا ينبغي أن أشعر بأن رجولتي ناقصة لأن رجلاً عراقياً آخر قاتل في حرب، أو لماذا ينبغي لذلك الرجل نفسه أن يشعر بأن رجولته ناقصة إذا خاف في الحرب، أو بكى، أو رفض الذهاب إليها، أو أراد ببساطة ألا يموت.
وهنا، ربما، عليّ أن أشير إلى بعض “حقوق الرجال” المبددة التي سألني عنها المعلقون، وهي حقوق من شأنها، بالمناسبة، أن ترفع عن الرجال كثيراً من الأعباء، وتجعل حياتهم أقل تعاسة، وتمنحهم مساحة للقتال من أجل حقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مثل حق الرجل في ألا يكون مقاتلاً، وألا يكون شجاعاً طوال الوقت، وألا يبقى مستعداً للعنف، وألا يحمل عائلة كاملة على كتفيه، أو يكون مسؤولاً وحده عن إعالتها وحمايتها ومراقبة نسائها، وألا يُطلب منه أن يموت دفاعاً عن “عرض” أحد كي يثبت أنه رجل.
فجزء من الظلم الواقع على الرجال لا يأتي من النساء، بل من تعريف الرجولة الذي صنعه الرجال وورثوه ودافعوا عنه. والتعريف نفسه الذي يمنح الرجل سلطة على النساء يحمّله في المقابل سلسلة طويلة من الواجبات.
عليك أن تحمي وتعيل وتراقب وتقاتل وتتحمل، عليك ألا تخاف، وألا تبكي، وألا تنكسر. وإذا عجزت عن شيء من ذلك فثمة رجل آخر مستعد دائماً ليخبرك بأنك لست رجلاً بما يكفي.
أليست هذه صفقة سيئة للطرفين؟ للنساء اللواتي يراقبهن رجل ويتحكم في حياتهن، وللرجال الذين يقضون حياة كاملة في إثبات أنهم رجال.
وإذا قرر الرجل الخروج من الصفقة تنهال عليه الأوصاف: “مخصي”، “أختهن”، “حفاظة”، “لباسهن”.
الدفاع عن النساء وحقوقهن
لا أرى الدفاع عن حقوق النساء خصماً من حقوق الرجال، بل إن الاثنين يلتقيان في أماكن كثيرة.
فحين لا تحتاج المرأة إلى رجل يراقبها ويحرس “شرفها”، لا يعود الرجل مضطراً إلى قضاء حياته حارساً لها. وحين لا تكون إعالة الأسرة دليلاً على الرجولة وإنما وظيفة الدولة، لا يصبح تعثر الرجل في إعالتها سقوطاً لرجولته. وحين لا يكون القتال صفة ذكورية، يستطيع الرجل أن يقول إنه خائف من الحرب ويتوقف عن دعمها من دون أن يعتذر عن كونه رجلاً.
وقولي الأخير، في كل هذا، هو أن تحرير النساء من الأدوار التي فرضها الرجال عليهن يحرر الرجال أيضاً من الأدوار التي فرضوها على أنفسهم. وحتى لمن لا تكفيه المساواة سبباً، فيمكنه النظر إلى المسألة بأنانية خالصة، باعتبار أن المرأة عندما تعمل تعني أنه ليس على الرجل وحده تحمل عبء الإعالة، وأن المرأة عندما لا تحتاج إلى رجل حارس يصبح لدى هذا الرجل وقت للراحة والهوايات والقراءة والتفكير، وربما، إذا أحسن استثمار كل هذا الوقت، لاختراع شتيمة أذكى من “حفاظة”.