“فسيلة الآباء” و”نخلة المختبر”.. كيف تتغير زراعة النخيل في العراق؟

مزارعون يتمسكون بفسائل ورثوها عن آبائهم، فيما يزرع آخرون نخيلاً خرج من المختبر.. هذه قصة فلاحين في جنوب العراق، يختبرون بطريقتهم تحولاً قد يغيّر شكل بساتين العراق..

مرتضى الحدودمرتضى الحدود | 27 آب 2026

في سبعينيات القرن الماضي، وقف الحاج مدلول حسين شامخاً عند أطراف بساتين المجرية في قضاء كرمة بني سعيد جنوب الناصرية، محتضناً إحدى نخلاته التي كان يسميها “بنت السودة”؛ لنضوج ثمرها ومذاقه اللذيذ وشدة سوادها.

كان يحميها كمن يحمي طفلاً من خطر داهم عندما كانت جرّافة ضخمة تشق طريقاً جديداً للمنطقة تنتصب النخلة في مساره.

لم تكن النخلة مجرد عائق أمام الطريق الجديد بالنسبة للحاج مدلول، بل كانت تاريخاً وذاكرة وعمراً ممتداً في الأرض رفض أن يُقتلع، وأصرّ على حماية شجرته حتى اضطر العاملون إلى تغيير مسار الطريق وحرفه؛ احتراماً لإرادة رجل رأى في النخيل روحاً لا تُمس، كما يروي حميد شويع، أحد أقارب الحاج مدلول.

رحل الحاج مدلول عن الدنيا عن عمر ناهز 80 عاماً، لكنه ترك خلفه إرثاً أخضر يضم قرابة 700 نخلة من مختلف الأنواع، اعتنى بها كأبنائه، كان يسقيها بيديه، ويحفر لها الجداول المائية، خاصة تلك البعيدة عن مجرى النهر، مؤمناً بأن النخلة لا تعيش إلا إذا وجدت من يرعاها بقلبه قبل جهده.

آمن الحاج مدلول بأن النخلة لن تعيش بلا رعاية من القلب، مصدر الصورة: الكاتب.

مساحة جدل

تتجاوز علاقة المزارع بالنخيل في جنوب العراق حدود الزراعة التقليدية لتصل إلى مرتبة القداسة، حيث يُنظر إلى النخلة بصفتها رمزاً للصبر والعطاء وميراثاً لا يمكن التفريط فيه، فهي ليست مجرد شجرة، بل حياة كاملة تنبض في قلب الأرض، ويحملها المزارع في روحه أينما ذهب.

وعلى الرغم من مرور عقود طويلة تبدل فيها كل شيء تقريباً، من المناخ الذي لم يعد كما كان إلى ملامح الأرض ووعي الأجيال الجديدة، ظلت أشجار النخيل وحدها شاهدة على الزمن، ومحتفظة بمكانتها كأحد أبرز رموز الهوية الوطنية، وجذراً عميقاً يربط الماضي بالحاضر.

ولم يُترك هذا الإرث بلا ضوابط تحميه، إذ صدرت قوانين وتشريعات تحمي النخيل من الإزالة أو التجاوز، سواء كان ذلك بحق أو من دونه، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من هذا الرمز التاريخي.

صدرت قوانين وتشريعات تحمي النخيل من الإزالة أو التجاوز، مصدر الصورة: الكاتب.

وفي هذا السياق، يذكر مهدي القيسي، مستشار وزارة الزراعة، أن حماية الأشجار والغابات تنظمها ثلاثة قوانين أساسية: قانون الغابات والمشاجر رقم 30 لسنة 2009، الذي يمنع قطع الأشجار أو تجريفها من دون موافقات أصولية، وقانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009، الذي يضمن حماية التنوع الأحيائي، ويمنع قطع الأشجار المعمرة، ويساهم في ردع المخالفين بعقوبات تصل إلى السجن أو الغرامة، وقرار مجلس الوزراء رقم 50 لسنة 2019، الذي يلزم الجهات المعنية بإيقاف تجريف البساتين ومنع تحويلها إلى أراض سكنية، مع وضع شروط صارمة لتغيير جنس الأرض.

ومع تقدم السنوات، دخلت التكنولوجيا الحديثة حاملة وعوداً بإكثار النخيل وتوسيع مساحاته عبر تقنيات الزراعة النسيجية، التي حققت نتائج لافتة في بعض المناطق.

حملت التكنولوجيا الحديثة وعوداً بإكثار النخيل، مصدر الصورة: الكاتب.

وعلى الرغم من إصرار الأكاديميين والمتخصصين على أن النخيل النسيجي يتفوق إنتاجاً وجودة، ما تزال هذه التقنية محدودة الانتشار، وعالقة في مساحة جدل بين حداثة العلم وقداسة الإرث.

وتعتمد الزراعة النسيجية على استنبات أجزاء نباتية داخل بيئات معقمة لإنتاج نباتات مطابقة للأم، خالية من المسببات المرضية، وبمدة زمنية قصيرة.

إلا أن هذه الوعود لم تكن كافية لإقناع المزارع، الذي لا يمنح ثقته بسهولة ولا يخوض تجربة جديدة قبل أن يختبرها بنفسه، إذ يبقى التغيير رهينة ميزان التجربة، فالمزارع لا يغامر بأرض عاشت معه عقوداً إلا إذا رأى نجاحاً مؤكداً لا يقبل الشك.

صوت من الأرض

محمد كاظم، مزارع خمسيني من ناحية العكيكة جنوب الناصرية، يجسد هذا الارتباط، فهو يقف كل صباح بين أكثر من 100 نخلة تمتد على ثلاثة دونمات، يتفقدها كأنها أفراد من عائلته.

يقول كاظم لجمّار إن الأرض لا تحتمل التجارب غير المضمونة، وإن النخيل بالنسبة له ليس مشروعاً عابراً، بل ميراث حياة بأكمله.

ويروي كيف شاهد إحدى تجارب زرع النخيل النسيجي بالقرب من أرضه، قبل أن تنتهي بخيبة أمل، ثمر ييبس قبل أوانه، ونتاج يُعرف محلياً بـ”الشيص”.

بعض تجارب زراعة النخيل النسيجي انتهت بخيبة أمل، مصدر الصورة: الكاتب.

قد يكون السبب نقص الخبرة، أو سوء العناية، أو ربما كانت الفسيلة غير جيدة، لكن النتيجة وحدها كانت كافية لزرع التردد في نفوس الفلاحين.

بالنسبة لمحمد وأمثاله، لا يكفي أن يقال إن النخيل النسيجي أفضل أو أسرع نمواً، فالفشل القريب يعلمهم أن الابتعاد أكثر أماناً من المغامرة. هكذا يُحسم القرار في الريف، تجربة واحدة غير ناجحة قد تغلق باب التغيير لسنوات طويلة.

وعلى الضفة الأخرى من الحكاية، يقف كاظم جواد (60 عاماً) في ناحية أور جنوب الناصرية، برؤية مختلفة لا تخشى التجربة ولا تتصادم مع الموروث. تحدث إلينا وهو يتجول في أرضه، إذ يحاول أن يتعايش مع التقنيات الحديثة.

كاظم، وهو مزارع في الأصل، لا ينتمي كلياً إلى الصورة النمطية للفلاح التقليدي، فهو خريج كلية الإدارة والاقتصاد، واختار أن يبقى في الأرض لا خلف مكاتب الوظيفة، مؤمناً بأن الزراعة حين تُدار بعقلية علمية يمكن أن توفر مورداً مالياً مستقراً وأكثر جدوى.

هناك من آمن بإدارة الزراعة علمياً لتكون أكثر جدوى، مصدر الصورة: الكاتب.

لم يكتفِ كاظم بالقناعة النظرية، بل قرر أن يختبر زرع النخيل النسيجي على أرض الواقع. على مساحة دونمين فقط، زرع 100 فسيلة من النخيل النسيجي، واضعاً التجربة في إطار محسوب لا يعرّض كامل أرضه للمخاطرة.

ويقول إن نجاح هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام تعميمها على بقية أرضه البالغة 20 دونماً، والتي تضم اليوم نخيلاً تقليدياً وفيراً.

اختار كاظم بعناية أصنافاً محددة من النخيل النسيجي، من بينها “الشويثي” و”الاستعمران”، وهي أنواع معروفة بجودتها وقابليتها للإنتاج.

ولم يترك الأمر للصدفة، إذ هيأ أرضية زراعية ملائمة عبر اعتماد تقنيات الري الحديثة بالسقي عبر أنابيب مائية تضمن له كميات مناسبة، وتنظيم استخدام الأسمدة وفق إرشادات علمية.

وخلال نحو شهرين فقط، بدأت ملامح التجربة تظهر، فسائل تنبت بثبات ونمو يصل إلى قرابة عشرة سنتيمترات، في مؤشر أولي يراه كاظم دافعاً للاستمرار.

نبتت بعض فسائل النخيل النسيجي بثبات، مصدر الصورة: الكاتب.

بالنسبة له، هذه ليست مجرد تجربة زراعية، بل محاولة لإثبات أن العلم يمكن أن يجد له مكاناً حتى بين جذوع النخيل العتيقة.

اهتمام ضعيف

تبدأ رحلة الزراعة النسيجية، بحسب الخبير الزراعي د. عبد الباسط عودة إبراهيم، من خلال عزل النسيج من النبات الأم وزراعته في بيئة غذائية خاصة، لتتدرج المراحل وصولاً إلى إنتاج نباتات كاملة قادرة على النمو في الحقول تحت الظروف البيئية الطبيعية.

وقد وضع العالم الياباني-الأمريكي توشيو موراشيغي عام 1974 الأساس العلمي لهذه العملية، إذ صنّفها إلى ثلاث مراحل رئيسة: مرحلة إنشاء المزرعة النسيجية، ومرحلة التضاعف على البيئة المغذية، ومرحلة تكوين الجذور.

ومع تطور الأبحاث والتطبيقات العملية، أضيفت لاحقاً مرحلتان أساسيتان إلى هذا التصنيف، تتعلق الأولى بتهيئة النبات الأم قبل أخذ الأنسجة، فيما تُعنى الثانية بأقلمة النباتات الناتجة عن الزراعة النسيجية وتهيئتها للانتقال إلى ظروف الحقل الطبيعية، بدلاً من بقائها في الظروف المختبرية المحمية.

وضع عالم ياباني-أمريكي الأساس العلمي للزراعة النسيجية، مصدر الصورة: الكاتب.

وبهذا أصبحت عملية التكاثر بزراعة الأنسجة تمر بسلسلة مراحل دقيقة، لكل منها متطلبات خاصة تختلف من مرحلة إلى أخرى، لضمان تحقيق أعلى نسب نجاح واستجابة للنسيج المزروع.

وقدم د. أحمد دينار الأسدي، أستاذ زراعة النخيل في جامعة ذي قار، قراءة علمية لجمّار عن واقع زراعة النخيل في العراق، مسلطاً الضوء على طرق الإكثار وأسباب تراجع الإنتاج والفجوة بين الإمكانات المتاحة ومستوى التطبيق الفعلي في الحقول.

ويبيّن الأسدي أن إكثار النخيل يتم تقليدياً بطريقتين، الأولى عبر البذور، وهي طريقة غير محبذة لكونها تحتاج إلى سنوات طويلة قبل ظهور نوعية الثمار، فضلاً عن احتمال أن يكون الناتج ذكرياً غير منتج. أما الطريقة الثانية فهي الإكثار بالفسائل، وهي الأكثر شيوعاً، غير أن هذه الطريقة تبقى محدودة بسبب قلة عدد الفسائل التي تنتجها كل نخلة، حيث يتراوح إنتاج صنف “البرحي” ما بين خمس إلى ثماني فسائل، فيما يعد صنف “الزهدي” الأعلى إنتاجاً بحدود 30 فسيلة فقط.

ويضيف أن هذا القيد دفع باتجاه اعتماد طريقة ثالثة، وهي الزراعة النسيجية التي تتيح إنتاج فسائل مطابقة وراثياً للنخلة الأم، وبأعداد تصل إلى مئات الآلاف، بعد إخضاعها لفحوص وشروط دقيقة داخل المختبرات.

قيود إكثار النخيل بالطرق التقليدية تشجع على الزراعة النسيجية، مصدر الصورة: الكاتب.

ويوضح أن هذه التقنية لا تقتصر على النخيل فحسب، بل تُستخدم أيضاً في إكثار النباتات المهددة بالانقراض أو ذات الأهمية الاستراتيجية العالية.

وعلى الرغم من أهمية هذه التقنية، يشير الأسدي إلى أن الزراعة النسيجية في العراق ما تزال تعاني من ضعف الاهتمام، في ظل غياب مختبرات متخصصة للإنتاج التجاري، واقتصار الموجود منها على أغراض بحثية فقط.

ويؤكد أن هذا النوع من الزراعة يتطلب دقة عالية وتعقيماً صارماً، إذ إن النسيج النباتي قد يتلف بمجرد تعرضه للتلوث من دون الكابينات المعقمة، فضلاً عن الحاجة إلى أجهزة متقدمة لتنقية الهواء، وأنظمة إضاءة دقيقة، وضبط درجات الحرارة والرطوبة بما يتلاءم مع متطلبات كل نبات.

ويشير إلى أن المشكلة لا تكمن في غياب الكفاءات العلمية، بل في ضعف الدعم الحكومي والمؤسساتي، على الرغم من توفر خبرات قادرة على إدارة هذا الملف بكفاءة.

لا تحظى زراعة النخيل نسيجياً بالدعم الحكومي والمؤسساتي الكافي، مصدر الصورة: الكاتب.

ويُرجع الأسدي إخفاق فلاحين كثر في تلقيح نخيلهم التقليدي إلى أخطاء شائعة، في مقدمتها استخدام أصناف غير ملائمة من اللقاح أو عدم الالتزام بالتوقيت الدقيق للعملية، ما يؤدي إلى ضعف الإنتاج أو ظهور ثمار غير مكتملة “الشيص”. ويشير إلى لجوء البعض إلى شراء “الطليع” من مصادر غير موثوقة من دون مراعاة التوافق الوراثي.

ويشدد الأسدي على أن زراعة النخيل تتطلب عناية فائقة تبدأ من تخطيط البستان، إذ إن تقارب المسافات بين النخيل -الذي يصل في بعض البساتين إلى مترين فقط بينما يبلغ طول السعفة أربعة أمتار- يحجب أشعة الشمس ويخلق بيئة خصبة للحشرات، مؤكداً أن المسافة المثلى يجب ألا تقل عن عشرة أمتار.

الأرقام تتحدث

في مقارنة رقمية، يوضح الأسدي أن إنتاجية النخلة الواحدة في الولايات المتحدة تبلغ 250 كيلوغراماً، مقابل متوسط يتراوح بين 68 و70 كيلوغراماً في العراق، عازياً هذا التفاوت إلى تدني مستوى الخدمات الزراعية، على الرغم من امتلاك العراق نحو 650 صنفاً مسجلاً، أبرزها “البلكة والشويثي والبريم والحلاوي”.

تُعد إنتاجية النخلة العراقية منخفضة مقارنة ببلدان أخرى؛ لتدني مستوى الخدمات الزراعية، مصدر الصورة: الكاتب.

وساهمت الحروب، والهجرة نحو المدن طلباً للوظائف الحكومية، فضلاً عن غياب حماية المنتج والتوسع العمراني، في انحسار هذه الثروة، فبعد أن كان العراق يضم 34 مليون نخلة عام 1952، انخفض العدد إلى نحو 12 مليون نخلة بحلول عام 2020.

وكانت وزارة الزراعة قد أعلنت إدخال تقنية الزراعة النسيجية لتطوير البحث العلمي، بجهود محلية ودعم من منظمة “الفاو”.

وقد استقر خيار الوزارة على محافظة البصرة لتكون مركزاً لهذه التقنية بسبب ملاءمة بيئتها الطبيعية، حيث تجاوز عدد الأشجار النسيجية هناك 75 ألف نخلة تمتد على مساحة 2000 دونم عند ضفاف شط العرب، وتتركز في مناطق مثل “النشوة” التي تضم أصنافاً كـ”البرحي والساير والخضراوي”.

ويرى د. صالح هادي، مدير قسم البحوث في مديرية زراعة ذي قار، أن الزراعة النسيجية تضطلع بدور محوري في زيادة أعداد النخيل خلال الأعوام الأخيرة، مبيناً أنها ساهمت بوضوح في إكثار أنواع محددة، ما أدى إلى ارتفاع الأعداد بدلاً من الركود الذي ساد في فترات سابقة.

ساهمت الحروب والهجرة نحو المدن في انحسار ثروة النخيل، مصدر الصورة: الكاتب.

ويقول لجمّار إن النخيل النسيجي يمتلك المقومات التي تجعله بديلاً للنخيل التقليدي في المستقبل القريب، على الرغم من أن هذا التحول ما يزال مرهوناً بالثقافة المجتمعية ومدى تقبل الفلاحين لهذه التقنيات الحديثة.

ويشير إلى أن الإقبال في محافظة ذي قار ما يزال دون المستوى المأمول، في وقت تشهد فيه بقية المحافظات توسعاً محدوداً، ما يجعل هذا النوع من الزراعة خياراً عملياً لا غنى عنه.

ويفصّل هادي في مزايا هذا النوع، موضحاً أن أبرز ما يميز النخيل النسيجي هو “وضوح الخارطة الجينية”، الأمر الذي يتيح سرعة فائقة في الإكثار وضماناً تاماً لنوعية الصنف المراد إنتاجه، فضلاً عن إمكانية الحصول على كميات كبيرة في وقت قياسي، وهو ما لا يمكن تحقيقه عبر الطرق التقليدية.

يتمتع النخيل النسيجي بمقومات يمكن أن تجعله بديلاً للنخيل التقليدي، مصدر الصورة: الكاتب.

وفيما يخص الجدل حول جودة الثمار، يحسم هادي الأمر بالتأكيد على أن التباين في الجودة يعود بالدرجة الأولى إلى طبيعة الخدمة المقدمة في البستان، من حيث التسميد والرعاية، مشدداً على أن التوجه الحالي يمضي نحو الزراعة النسيجية؛ لقدرتها على اختصار سنوات الانتظار قبل الإنتاج، وضمان نمو متجانس يسهّل عمليات الجني، مع الحفاظ على الصنف الأصلي من دون حدوث اختلافات وراثية، حتى ولو بنسب محدودة.

جذور ضاربة في التاريخ

يظل العراق الموطن الأقدم للنخيل، حيث ظهرت الشجرة أول مرة في مدينة “أريدو” جنوبي البلاد قرابة عام 4000 قبل الميلاد.

وما يزال المتحف العراقي يحتفظ بختم أكدي يجسد مكانتها، كما خلدتها مسلة حمورابي بسبعة قوانين صارمة نظمت زراعتها وحمايتها من القطع.

وعلى الرغم من أن القوانين العراقية القديمة لم تكتفِ بتنظيم الزراعة، بل نصت على عقوبات صارمة بحق المهملين -إذ ألزمت مسلة حمورابي الفلاح بدفع إيجار البستان كاملاً إذا أدى تقصيره إلى انخفاض الإنتاج، في دلالة على تقدير النخلة كثروة وطنية- إلا أن التحديات الراهنة تجاوزت حدود الرعاية البشرية لتصطدم بعوائق بيئية وتقنية.

يحتفظ العراق بمكانته كأقدم موطن للنخيل، مصدر الصورة: الكاتب.

فقد سجلت البصرة إصابات بمرض الذبول في الفسائل النسيجية، ناتجة عن فطر “فيوزاريوم سولاني” الذي يهاجم المجموع الجذري بدلاً من السطحي، ولا سيما عند نقل الفسائل من بيئة المختبر المحمية إلى الحقول المفتوحة.

وتراوحت نسب الإصابة بين 4 و4.5 بالمئة، فيما بلغت معدلات النفوق الفعلي ما بين 2.4 و6.2 بالمئة.

وبالمقارنة مع النخيل التقليدي، فإن الأخير يُظهر قدرة أعلى على المقاومة ووتيرة إصابة أبطأ تجاه فطريات التربة.

ويلفت محمد عباس، مدير زراعة ذي قار، إلى أهمية دعم ملف الزراعة النسيجية كخيار استراتيجي.

إلا أن مساهمة النخيل النسيجي لم تتجاوز ثلاثة بالمئة من هذا الإنتاج، وهو ما يرجعه عباس إلى ضعف إقبال الفلاحين، مؤكداً أن التوسع يتطلب تكثيف الإرشاد الزراعي لبيان الجدوى الاقتصادية.

يُظهر النخيل التقليدي قدرة أعلى على المقاومة من النسيجي، مصدر الصورة: الكاتب.

ويشير متخصصون، ومنهم د. أحمد ماضي المياحي، من مركز أبحاث النخيل في جامعة البصرة، إلى أن النبات النسيجي يحتاج إلى رعاية خاصة عند الغرس وحماية من الصدمات البيئية، عبر تقنين الري والتعرض التدريجي للشمس.

أما النخيل التقليدي فيتميز بتحمل عال للظروف المحلية فور فصله عن الأم، كما يظل مستقراً وراثياً، على عكس النسيجي الذي قد يواجه احتمالات طفيفة للتغير الوراثي إذا لم تُطبق بروتوكولات صارمة.

وفي جولة في سوق الشتلات، أوضح أبو سيف لجمّار أن فسائل النخيل النسيجي المستوردة من الإمارات عبر شركات موثوقة في بغداد تُطرح بضمانات تشمل أصنافاً كـ”البرحي والمجهول”، بأسعار تبدأ من 120 ألف دينار.

وعلى الرغم من ارتفاع نسب النجاح، تظل قناعة الفلاح هي العامل الحاسم، إذ لا يقدم المزارع على التجربة إلا بعد رؤية نتائج ملموسة لدى أقرانه.

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

مرتضى الحدود، صحفي عراقي، تركّز كتاباته على التحوّلات التي تشهدها مناطق جنوب العراق.
بمشاركة