لماذا العراقيات أسمن؟.. أجساد تشحمها الحروب والأبوية والمساحات الضيقة  

لا ترتبط السمنة لدى كثير من النساء العراقيات بالطعام فقط. يكشف هذا المقال كيف تتداخل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية في تشكيل علاقة النساء بأجسادهن ومحاولاتهن لفقدان الوزن..

لمى سلمانلمى سلمان | 23 آب 2026

“أسوي رجيم.. فترة ألتزم وبعدين بس يصير موقف يضوجني أكسر الرجيم وأبلش آكل حتى بدون وعي، وخصوصاً لمن تصير عندي مشكلة”. هكذا ﺗﻘول مينا (27 سنة) من بغداد، وهي تروي معاناتها المتكررة مع محاولات الالتزام بـ”الدايت”، وغالباً ما يُختزل ما تعيشه مينا في كلمة “الإرادة”، فتلام لأنها لا تستطيع مقاومة طبق “الدولمة” أو قطعة “بقلاوة” وقت الحزن أو الملل، خاصة مع تأثير وزنها في قدرتها على المشي والحركة. 

مينا ليست الوحيدة، فبحسب آخر الإحصائيات الوطنية لعام 2015، تبلغ نسبة السمنة في العراق بين النساء 42.6 بالمئة مقابل 25.6 بالمئة بين الرجال. وهي أرقام لا يمكن تفسيرها بالإرادة وحدها، بل ترتبط بعوامل أوسع، من أعباء العمل غير المنتهي، إلى بيئة حضرية غير مهيأة، وصولاً إلى بنية أبوية وسياسات عامة لا تعترف بالسمنة كقضية صحية واجتماعية. 

وفي ظل هذه العوامل، لا يصبح الالتزام بـ”الدايت” أو الذهاب إلى “الجيم” خياراً بسيطاً أو متاحاً، بل رفاهية لا تملكها كثير من النساء. 

صدمة نفسية أم شحوم فقط؟ 

ترى الطبيبة بتول عيسى، أخصائية الطب النفسي في وزارة الصحة العراقية، أن النساء العراقيات عشن حروباً متتالية ونزوحاً متكرراً وفقدان الأحباء، ما وضعهن في حالة توتر دائم وعجز عن السيطرة على أنماط الأكل أو الحركة. 

وتوضح أن الضغط النفسي المزمن يرفع هرمون الكورتيزول في الجسم، ما يؤدي إلى تراكم الدهون في منطقة البطن، واضطرابات النوم، وزيادة الشهية. 

ومع غياب الدعم النفسي والاجتماعي، يتحول الأكل إلى وسيلة تكيف غير صحي، وقد يصل إلى إدمان عاطفي يمنح إحساساً زائفاً بالراحة، خاصة مع الحلويات والشوكولاتة. 

لذلك ترى عيسى أن السمنة ليست مرضاً فردياً، بل انعكاس لبنية اجتماعية مأزومة ولسنوات طويلة من القهر النفسي والحرمان العاطفي. 

عمل فني: أيفا انانا 

خلال الأعوام الـ20 الماضية، تجاوزت نسبة الأمراض النفسية بين العراقيين والعراقيات 20 بالمئة، مع ارتفاع مستمر بسبب الحروب والتهجير وفقدان أفراد العائلة أو الأحبة. لكن بحسب دراسة نُشرت عام 2023 بعنوان “Iraq’s mental health crisis: a way forward؟” فإن النساء تأثرن بشكل أكبر، إذ تعرضت 91.1 بالمئة منهن في بغداد لصدمة مرتبطة بالحرب، ويشكلن نحو 44 بالمئة من مرضى العيادات النفسية، كما أنهن أكثر عرضة للاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة. 

وتنعكس تأثيرات هذه الأمراض على الجسد، فالاكتئاب والقلق المزمنان يؤديان إلى اختلالات هرمونية، ترفع مستوى الكورتيزول وتؤثر في تنظيم الشهية والنوم، مما يزيد من احتمالية الإفراط في الأكل وتخزين الدهون، بحسب الطبيبة. وهكذا تصبح السمنة لدى كثير من النساء العراقيات استجابة جسدية لاضطراب نفسي لم يُعالَج، بل ويتفاقم بفعل الضغوط المجتمعية وعبء المسؤوليات والأعمال المفروضة التي تنهكهن بشكل يومي. 

العمل الرعائي قد يزيد السمنة 

لم يكن زوج إسراء مرتاحاً لفكرة تخصيص وقت للرياضة، إذ كان يرى أن البيت والأطفال أولى بوقتها وجهدها، خصوصاً أن إسراء تعمل خارج المنزل لساعات طويلة، تمتد من الـ12 ظهراً حتى التاسعة مساء. لكنها قررت تخطي كل ذلك بعد أن عجزت الأدوية عن تخفيف آلام الانزلاق الغضروفي الذي عانت منه لسنوات، وصاحبه شعور محبط بالعجز والثقل زاد من إهمالها لصحتها ولياقتها البدنية.  

تقول إسراء: “جان أكثر شي يأثر بيه هو كلام الزبائن في محل عملي لمن اسمعهم يكولون (جتي هاي السمينة)”. 

تصف المدربة حنين (30 سنة)، مدربة اللياقة البدنية من بغداد، واقعها وواقع الكثير من النساء، إذ تعمل المرأة خارج البيت وداخله، ابتداءً من تربية الأطفال وليس انتهاءً بالطبخ والتنظيف ورعاية كبار السن، ونادراً ما تجد وقتاً لتريح جسدها أو تمارس الرياضة.  

عمل فني: أيفا انانا 

وغالباً ما تحمّلها الأدوار الجندرية أعباء إضافية، فبحسب التقديرات الدولية، تؤدي النساء في العراق 86 بالمئة من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، ويقضين ما لا يقل عن ست ساعات يومياً في رعاية شؤون المنزل والأطفال، مقارنة بأقل من ساعة واحدة للرجال. هذا العبء يستنزف طاقتهن الجسدية والنفسية، ورغم الجهد المبذول وزيادة التعرق أثناء العمل الرعائي والمنزلي، فإن ذلك لا يُعتبر نشاطاً بدنياً صحياً، بل إرهاق مستمر؛ إذ لا تُستهلك السعرات بشكل متوازن، وتُنجز الأعمال المجهِدة داخل بيئة مغلقة ولساعات طويلة، دون أخذ قسط من الراحة أو اتباع نظام غذائي منتظم، ما يسبب اضطراب النوم وتراكم التوتر، وهما عاملان رئيسيان في زيادة الوزن. 

تقول الطبيبة بتول عيسى، أخصائية الطب النفسي: “في مجتمعاتنا، غالباً ما تقاس قيمة المرأة بعطائها وخدمتها للأسرة، لا بذاتها أو صحتها”. مضيفة أن غياب مشاركة الرجل في الأعمال المنزلية يضاعف العبء الجسدي والنفسي، ويترك جسدها يتحمل الضغط وحده، فيؤدي إلى تعب عضلي وتخزين للدهون كاستجابة بيولوجية للإجهاد المستمر. 

كما أن القرب الدائم من الطعام بحكم الطهي وإعداد الوجبات، مع عدم اتساع الوقت لممارسة الرياضة، يجعل التحكم بالسلوك الغذائي تحدياً يومياً. ومع انخفاض النشاط البدني وتراجع الأيض، إلى جانب الإجهاد المزمن وما يسببه من خلل هرموني يؤثر في الشهية والنوم، لا تعود زيادة الوزن مرتبطة بالطعام فقط، بل بنمط حياة مرهق، خاصة مع الظروف الاقتصادية التي تفرض نظاماً غذائياً معيناً. 

الاقتصاد والعمارة ضد أجسادنا 

تشير الطبيبة نادية مجيد، أخصائية التغذية العلاجية وخريجة كلية الطب في جامعة بغداد، إلى أن الظروف الاقتصادية الصعبة تدفع كثيراً من العائلات إلى الاعتماد على الأطعمة الغنية بالنشويات منخفضة التكلفة بدلاً من الأغذية الصحية الغنية بالبروتين، ما يحد من فرص الحصول على غذاء متوازن. 

لكن العامل الاقتصادي ليس بمعزل عن غيره، إذ يتقاطع مع تحولات أعمق في البيئة العمرانية التي تؤثر في حركة الإنسان اليومية. 

توضح نادية أن البيوت العراقية في الماضي كانت تمتد على مساحات تتراوح بين 400 و600 متر مربع، وتضم باحات داخلية وحدائق تسمح بالحركة داخل المنزل، غير أن هذه المساحات تقلصت تدريجياً خلال العقود الأخيرة. وتقول 
إن البيوت نفسها لم تعد موجودة، فقد قُسّمت بشكل عشوائي إلى قطع صغيرة قد تصل إلى 100 متر أو حتى 35 متراً، رغم أن ذلك مخالف للقانون، لكنه أصبح أمراً واقعاً بفعل عوامل اقتصادية واجتماعية. 

ورغم أن نسبة من يسكن من أهل العراق في الشقق لا تتجاوز 6.6 بالمئة، وفق التعداد السكاني لعام 2024، فإن نمط البناء الضيق -سواء في الشقق أو البيوت المجزأة- يعكس تحولاً نحو حياة أكثر انكماشاً وأقل حركة. 

ولا يتوقف هذا التحول عند حدود المنازل، بل يمتد إلى الفضاء الحضري. إذ يؤكد المهندس الاستشاري خالد الصالحي، مدير شعبة التنمية المستدامة في جامعة المستقبل، أن العشوائية في السكن ونمو المدن غير المنظم يضعفان البنية التحتية ويحدان من توفر المساحات العامة، ما يقلص فرص ممارسة النشاط البدني بسبب غياب الأرصفة الآمنة والمساحات الخضراء والمرافق الرياضية. وهو ما تؤكده منظمة الصحة العالمية (WHO)، إذ تشير إلى أن تصميم المدن له دور أساسي في تشجيع النشاط البدني والوقاية من الأمراض السارية، وهي أمراض لا تنتشر من خلال العدوى أو عن طريق أشخاص آخرين، ولكنها عادة ما تكون ناجمة عن سلوكيات غير صحية. 

عمل فني: أيفا انانا 

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن الأمراض غير السارية مسؤولة عن 55 بالمئة من مجمل الوفيات، وإن أكثر من 30 بالمئة من العراقيين والعراقيات يعانون من السمنة التي تعد سبباً رئيسياً للإصابة بأمراض كثيرة، منها داء السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والشرايين، وارتفاع ضغط الدم، وتراكم الدهون الضارة، كما تؤدي إلى التهاب المفاصل، ومشاكل في الجهاز الهضمي، وتكيس المبايض، وتزيد من خطر الإصابة بأنواع مختلفة من السرطان والاكتئاب.

تقول مدربة اللياقة البدنية حنين: “للأسف ماكو أماكن آمنة مخصصة للنساء للمشي أو الجري، ولا أجهزة رياضية في الحدائق العامة مثل دول مجاورة كتركيا، بحيث يگدرون يمارسون الرياضة بأي مكان، مو شرط بالجيم”. 

وحتى في الحالات التي تتوفر فيها مساحات للمشي، لا تختفي العوائق، بل تأخذ بعداً اجتماعياً. تقول مينا: “أهلنا ميقبلون نطلع نمشي وحدنا، وحتى إذا نكول لأخوية تعال ويانه يرفض؛ خوفاً من التحرش وتبعاته”. 

لذا يصبح “الجيم” الخيار الوحيد لمواجهة السمنة، لكنه يواجه أيضاً صوراً نمطية ومعيقات. 

حصة الرياضة ملغاة 

“بمجتمعنا تنتشر أفكار مو حلوة عن الجيم، مثل وجود كاميرات في الحمامات أو احتمال حدوث تصرفات غير لائقة”. هذا قول إسراء (43 سنة) عن الأقاويل السيئة حول “الجيم”، ما أخافها وزوجها من الالتحاق بالتدريبات. 

تُعد الرياضة جزءاً أساسياً من مواجهة السمنة، لكنها ليست خياراً متاحاً دائماً للنساء في العراق، إذ تواجه كثيرات قيوداً اجتماعية ومؤسسية تحد من قدرتهن على ممارسة النشاط البدني، وترتبط بواقع أوسع يبدأ منذ الطفولة. 

تقول السيدة باسمة (60 عاماً)، معلمة تربية رياضية في إحدى مدارس بغداد: “تفتقر المدارس للتجهيزات الرياضية، لا كرة طائرة أو قدم، ولا كرة سلة، ولا حتى بورد للسلة… وحتى شبكة الطائرة ما إلها أعمدة”. 
وتضيف أن المشكلة لا تقف عند نقص المعدات، بل تمتد إلى تهميش الدرس نفسه رغم تخصيص ثلاث حصص أسبوعياً، فغالباً ما يُستغل درس الرياضة لإعطاء مواد أخرى. 

وفي الجامعات يكون الوضع أعقد، خاصة مع وجود اختلاط وقيود أشد. يقول محمد حارث (19 عاماً)، طالب جامعي من جامعة النهرين في بغداد: “غالبية الكليات بيها ملاعب كرة قدم، لكن باقي الرياضات محدودة، والأهم أن مشاركة الطالبات قليلة جداً”. 

وتؤكد البيانات هذا الواقع، ففي دراسة  أُجريت في إقليم كردستان، كان ضيق الوقت (47.4 بالمئة) والإرهاق (24 بالمئة) والتكلفة (22.4 بالمئة) أبرز العوائق الشخصية لممارسة الرياضة، فيما شكلت عوامل مثل العمل والتحرش وغياب الدعم العائلي عوائق اجتماعية رئيسية، أما على مستوى البيئة، فبرز نقص الأرصفة والمساحات العامة ومحدودية الوصول إلى المرافق الرياضية كأهم العوائق. 

ورغم عدم توفر إحصاءات مماثلة لوسط وجنوب العراق، فإن المؤشرات تشير إلى واقع مشابه أو أكثر تعقيداً. وتؤكد الأدبيات الصحية العالمية أن المدارس والجامعات تؤدي دوراً حاسماً في تشكيل العادات الصحية، إذ يُوصى بأن يمارس الأطفال والمراهقون نشاطاً بدنياً لمدة  60 دقيقة يومياً؛ من أجل الوقاية من السمنة والأمراض المزمنة. 

دولة تفاقم السمنة 

رغم معاناة النساء من السمنة، تبقى الاستجابة الحكومية في العراق محدودة. وبحسب أطلسالسمنةالعالمي، لم يُجرِ العراق أي مسح وطني شامل حول زيادة الوزن أو الأنماط الغذائية أو الخمول البدني خلال السنوات الخمس الماضية. 

وفي ظل غياب سياسات وقائية شاملة، تقتصر الاستجابة على تدخلات طبية علاجية محدودة داخل بعض المستشفيات، دون أن ترافقها برامج وطنية للتوعية أو تحسين البيئة الداعمة للنشاط البدني. 

وتشير الطبيبة نادية مجيد إلى أننا “نحتاج إلى بنية تحتية تشجع على الحركة، مثل مسارات للمشي وحدائق عامة آمنة، ومناهج دراسية تُدرِّس الوعي الغذائي منذ المراحل الابتدائية، كما يجب فرض ضرائب على المشروبات المحلاة وتقييد الإعلانات المروجة للأطعمة السريعة”. 

أما الدكتورة بتول عيسى فترى أن “الرعاية النفسية لا تقل أهمية، فالدولة مطالبة بتوسيع خدمات الطب النفسي المجتمعي، وتوفير الدعم للنساء اللاتي يعانين من اضطرابات الأكل والاكتئاب”. 

تمكنت إسراء من خسارة 27 كيلوغراماً من وزنها بعد أن التحقت بصالة رياضية وداومت على التمرين منذ عام 2020 دون انقطاع.  
“تخلصت من آلام المفاصل، وصرت ألبس قياسات أصغر، ولكيت بالجيم بيئة آمنة… أكو تعاون حلو، وتعرفت على بنات صاروا صديقاتي”. 

أما مينا فاختارت أن تبدأ بتغيير مختلف وبطيء، عبر تغيير نظام حياتها، شأنها شأن نساء كثيرات لا يكففن عن المحاولة، رغم بيوتٍ تضيق بهن، ومدنٍ لا تشجع على السير، ومجتمعٍ يثقلهن بأدوار لا تنتهي. لذا لا يكفي أن يُطلب من النساء أن “يعتنين بأنفسهن” و”يسيطرن على الإرادة”، ما لم تعاد صياغة الشروط التي تمنعهن من ذلك أصلاً. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

صحفية عراقية وكاتبة مهتمة بقضايا حقوق الإنسان والمرأة والمجتمع، تنشر اعمالاً صحفية وأدبية تتناول قضايا اجتماعية وإنسانية وثقافية.
بمشاركة