من زرياب إلى دربونة العوادين.. عن صناعة العود في العراق

قبل ربع قرن، صنع لي فؤاد جهاد عوداً صغيراً ما يزال معي حتى اليوم. كبر العود وكبرت معه أسئلتي عن صناعته: ماذا حلّ بصنّاع بغداد؟ وكيف يُصنع العود العراقي؟ وما الذي ينتظر هذه الحرفة؟

المجتبى الوائليالمجتبى الوائلي | 22 آب 2026

في عامي التاسع، عام 2001، وبينما كنت أخوض اختباراً في مدرسة الموسيقى والباليه في بغداد لتحديد أنسب الآلات الموسيقية الشرقية بالنسبة لي، تملكت والدي سعد جعفر رغبة كبيرة في أن يقع الاختيار على آلة العود تحديداً. 

رأى والدي في العود أكثر من مجرد آلة موسيقية، رأى فيه ما شاعت تسميته في العراق بـ”البرستيج”، على خلاف معظم الآلات الأخرى بالنسبة له، وهو ما حصل في النهاية لحسن الحظ. 

ولأجل ذلك، قصد الوالد بعد شيء من البحث أحد أفضل صانعي العود في العراق، فؤاد جهاد، وكانت ورشته قريبة من بيتنا في منطقة الطوبجي ببغداد، وهناك طلب والدي من جهاد أن يصنع لي عوداً صغيراً يلائم بنيتي الجسمانية في ذلك العمر، وكانت النتيجة رائعة، حيث صنع لي ما نعتبره حتى اليوم تحفة فنية أذهلت زملائي كافة، فالأعواد التي تنتجها ورشة فؤاد جهاد لا تشبه بقية الأعواد في جودتها وزخارفها. 

الكاتب في طفولته مع عوده المصنوع بيد فؤاد جهاد، مصدر الصورة: الكاتب.

واليوم بعد أكثر من عقدين، ما تزال ورشة فؤاد جهاد إحدى أهم ورش صناعة العود في العراق، بل والوطن العربي، على الرغم من أنها غيرت مكانها إلى الصالحية، وأورثت حرفتها إلى جيل جديد من آل بيت جهاد. 

صناعة العود في العراق ليست حديثة عهد، ويرجع تاريخها إلى قرون عدة، إذ يمكن تتبعها وصولاً إلى العصر العباسي الذي تأسست خلاله أول مدرسة لتعليم الغناء والعزف على العود برئاسة إبراهيم الموصلي، وأبرز خريجيها كان زرياب الذي افتتح بدوره مدرسة في الأندلس وأضاف للعود وتره الخامس. 

أما في العراق الحديث فأعلام الصناعة كثر، يُذكر منهم أحمد سليم غني، وهو عازف عود وكونتراباص (آلة تنتمي إلى عائلة الكمان وهي الأكبر حجماً بين أخواتها) في السمفونية الوطنية العراقية، ومدير مدرسة الموسيقى والباليه، والأسطى علي العواد ومحمد فاضل العواد وفؤاد جهاد وفوزي منشد وفرحان عبد الرحمن وخليل العواد وسمير العواد إضافة إلى آخرين. 

خصوصية عراقية 

للعود العراقي شخصية فريدة وصوت مميز، وهي خصائص نالها بعد تراكم طويل من خبرات صانعيه. يقول أحمد سليم غني، الذي وجد في العود آلة أصيلة ورفيقة درب منذ عمر الخمس سنوات، إن “للأعواد العراقية خصوصية كبيرة ترتبط بالمدرسة الأدائية التكنيكية العراقية، فمواصفات الآلة في التصنيع تعتمد كلياً على طريقة العزف عليها، وما يمتلكه الصانع من خبرة وبراعة وإبداع لإبراز هوية المدرسة العراقية في الآلة، إضافة إلى براعة العازف عليها”، مضيفاً أن “الجودة في صناعة العود متوارثة، ونجد اليوم طرقاً حديثة لصناعة العود لم تكن متوفرة سابقاً”. 

يرى عازف العود أحمد سليم غني أن للأعواد العراقية خصوصية كبيرة.

أما مصطفى زاير، وهو مؤلف موسيقي وأحد عازفي العود المشاهير، فيرى أن العود العراقي ممتاز في صناعته، ويمنح العازف راحة ومساحة أوسع للخيال والتأمل في جمال الموسيقى. في حين يؤكد أوس سامي نسيم، العازف في فرقة بغداد للعود، على أنه لم يقتنِ في حياته غير العود العراقي؛ لأنه الأفضل في جميع أنحاء العالم العربي، واصفاً العود بـ”روح الموسيقى الشرقية”. 

يشير مصطفى زاير إلى أن العود العراقي يمنح العازف مساحة أوسع للخيال. 

بيد أن صناعة العود العراقي منذ أكثر من عقد تقف في مفترق طرق خطير قد يؤدي، بحسب بعض الآراء، إلى أفول هذه الحرفة التي تقترب من الفن واندثارها. 

في تشخيص هذا التراجع يقول عامر علي العواد، وهو صانع أعواد عراقي،  في مقابلة مع دويتشه فيله (DW) أُجريت عام 2012، إن الإقبال على العود العراقي بدأ بالتراجع مع انحسار حركة السياحة في العراق بسبب تردي الأوضاع الأمنية ما بعد عام 2003، فتحولت بغداد التي كانت يوماً ما تغص بالصناع المحترفين، والتي اشتهرت بزقاق لهم يدعى “دربونة العوادين” (زقاق لا يزال موجوداً ويقع قرب شارع الرشيد في جديد حسن باشا)، إلى صحراء لم يعد يشغلها غير حرفيين قلة نجوا من هذا التقهقر الشرائي الأخير، وهو تقهقر يشارك في التسبب فيه، بحسب مصطفى زاير، الارتفاع الكبير في أسعار الأعواد العراقية يدوية الصنع على نحو يرهق العازفين المبتدئين. 

ويضيف عامر علي في المقابلة ذاتها أن “الإسلام السياسي الذي شحن التطرف والتعصب الديني في العراق ساهم كذلك في إبعاد الناس عن الفنون عموماً، وبذلك سقط العود ضحية جانبية لهذا التغيير الذي حل بالمجتمع”. 

ويتفق عمر محمد فاضل، وهو وريث صانع العود الشهير محمد فاضل العواد، مع عامر علي في تشخيصاته ضمن لقاء نشره موقع الجزيرة عام 2015، غير أنه يضيف أن دائرة الفنون الموسيقية التابعة لوزارة الثقافة العراقية كانت من الأسباب الرئيسية لهذا التراجع، فبينما يعاني صناع العود المحترفون في الوصول إلى الأسواق العربية والعالمية في ظل غياب أي شكل من أشكال الدعم، يُلاحَظ أن الورشة التي تمولها الدائرة متعطلة عن العمل منذ أكثر من عقد، في الوقت الذي يتقاضى موظفوها فيه رواتبهم من الحكومة من دون أي إنتاج. 

شراء “أفضل” 

على كفة أخرى، فإن ليث فؤاد جهاد (ابن فؤاد جهاد الذي تعلّم الحرفة على يد والده منذ الطفولة وورث الشغف بالعود وصناعته) يختلف في موقفه مع هذا الطرح، إذ يقول إن الإقبال على شراء العود العراقي اليوم أصبح أقوى وأفضل مما كان عليه قبل عقدين أو أكثر، والسبب يعود إلى عوامل عدة، أبرزها انتشار مواقع التواصل الاجتماعي التي ساهمت في إيصال صوت وصورة العود العراقي إلى العالم، إضافة إلى التطور الكبير في صناعته من حيث المواد والأخشاب والمعدات التي أصبحت تُستورد من خارج العراق، كما أن سمعة العراق باعتباره منبع وأصل آلة العود ما زالت تؤدي دوراً مهماً في زيادة الطلب عليه. 

يرى ليث فؤاد جهاد أن الإقبال على شراء العود العراقي أصبح أفضل، مصدر الصورة: الكاتب.

وعلى الرغم من ذلك، فقد اتفق جميع الصانعين على أن انتشار الأعواد التجارية كان له أثر بالغ في نمو سوق هذه الصناعة، فانتشار جمع غفير من الحرفيين الجدد، مقروناً بالأعواد التجارية المستوردة غير المصنوعة يدوياً، وفر بضاعة رديئة الجودة ولكن منخفضة السعر، وساهم في قضم جزء كبير من سوق العود العراقي يدوي الصنع، الذي يعبر عنه نجل فؤاد جهاد بأنه منتج يتميز بالدقة والمتانة العاليتين، تستغرق صناعة القطعة الواحدة منه شهراً أو أكثر من العمل الدؤوب. 

وفي مقابل ذلك، يرى البعض العكس بشأن الصناعة اليدوية للعود، فالموسيقار وعازف العود الراحل منير بشير مثلاً، خلال لقاء له مع LBC اللبنانية، أكد ضرورة أن يكون هناك توحيد لمعايير صناعة العود بين صانع وآخر، وألا يُترك الأمر لتقديرات كل صانع بحسب هواه، مشدداً على تبني التكنولوجيا في صناعة هذه الآلة التراثية لتحقيق الدقة المطلوبة. 

كذلك يرى أحمد سليم غني أن طرق الصناعة الحديثة عندما تقترن بالخبرة المتوارثة للحرفيين يمكنها إنتاج أعواد حديثة تفوق سابقاتها في الجودة. 

رؤى للإنقاذ 

ولد سلف العود في مكان ما بين الهند وبلاد ما بين النهرين قبل بضعة آلاف من السنين، وعلى الرغم من صعوبة تحديد وقت ميلاده بدقة، يذهب كتاب “عَوْدٌ على العود” للدكتور نبيل اللو إلى تقدير أن تاريخ ظهوره يعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، ولم يبلغ الجزيرة العربية حتى القرن السادس قبل الميلاد، عبر آلة “البربط” التي تمثل هي الأخرى سلفاً من أسلاف العود. 

صورة توضح الفرق بين آلتَي العود والبربط، مصدر الصورة: السوشيال ميديا.

ويرى الكندي، أبرز فلاسفة العرب، أن العود آلة مشتركة بين العرب والفرس والترك وأمم أخرى، أما اسم “العود” فقد استقر كما يشير الكتاب خلال العصر الأموي. بينما يقول هاورد غودال، الموسيقي ومؤلف كتاب “قصة الموسيقى”، إن العود كان السلف لآلات غربية لاحقة عديدة مثل اللوت ثم الغيتار لاحقاً، ومعنى اسمه “شريط الخشب”. 

وهذه الآلة التي مثّلت يوماً ما درة تاج الموسيقى العربية، ونالت حظوة كبيرة في مجالس الخلفاء الأمويين والعباسيين ومن تبعهم، وصولاً إلى جلسات السمر في يومنا هذا، لا تستحق مثل هذا الاحتضار، ولذلك يرى الإعلامي عدنان الطائي، الذي يهوى عزف العود منذ التسعينيات، أن وزارة الثقافة مسؤولة عن دعم صناعة العود وتنظيم دورات لتعليمها. وهو ما يمكن فعله وفق رأي أحمد سليم غني عبر الاهتمام بورشة العود التابعة لوزارة الثقافة ودعم مهرجانات يوم العود العالمي. 

كذلك يؤكد مصطفى زاير على أهمية دور وزارة الثقافة، إذ يقول إن الحل يكمن في “تفعيل موضوع ورشة صناعة الآلات التراثية، والاستفادة منها كتجارة داخلية يتم تسويقها للخارج”. 

وما يزال العود العراقي حتى يومنا هذا يحظى بسمعة طيبة محلياً وخارجياً، على الرغم مما حققه المنافسون الأتراك والسوريون والمصريون والخليجيون وغيرهم من تقدم كبير في الجودة والسعر، ومع ذلك تظل مسؤولية الحفاظ على سمعة هذه الصناعة وتعزيزها غاية في الأهمية، حتى تعود “دربونة العوادين” مرة أخرى منطقة جذب سياحي للقامات الموسيقية العراقية والعربية، كما كانت يوماً ما بالنسبة لقامات موسيقية مثل وديع الصافي وبليغ حمدي وغيرهم. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

مترجم وإعلامي، مهتم بالموسيقى وتبسيط العلوم، وصدر له عدد من الكتب المترجمة.
بمشاركة