“باسم الغيرة والشرف”.. لماذا أشعر بالعار من كوني رجلاً عراقياً

لماذا يشعر رجل بالعار من كونه رجلاً عراقياً؟ يعود حسين فاضل إلى سنوات كان فيها "زلمة مكلّف"، يراقب نساء عائلته باسم حمايتهن، ليفكك معنى الرجولة التي تربى عليها، وسلطة تبدأ في البيت وتمتد إلى الدين والقانون، وصولاً إلى المدونة الجعفرية..

حسين فاضلحسين فاضل | 20 آب 2026

في نحو العشرين من عمري، وجدت نفسي مسؤولاً عن مرافقة نساء بالغات في العائلة، وأغلبهن أكبر مني سناً، إلى أماكن لا يحتجن فيها إلى مرافقة أحد، لولا خوفنا نحن الرجال من رجال آخرين قد يتحرشون بهن أو يضايقونهن. 

كنت حينها أعمل في وظيفتين، ومع ذلك كان عليّ، وأنا أصغر ذكور العائلة، أن آخذ المريضات إلى الطبيب. كنا نخشى من سكرتير الطبيب أن يضايقهن، والطبيب أن “يبعبصهن”، حسب تعبير عمي حانقاً عندما أخبره بأن طبيباً من سيعالج إحداهن، والصيدلي أن يستغلهن، والعامل في المختبر أن “يلعب” بهن أثناء أخذ عينات الدم أو البول منهن، بتعبير عم آخر، كما نخشى سائق التكسي أن يتحرش بهن، في كل محطة هناك رجل محتمل أن نخاف منه، وكان الحل دائماً أن يرافق المرأة “زلمة” من العائلة ليحميها، ويكون موجوداً إذا تجرأ رجل غريب على مضايقتها. 

ولأني أحبهن فعلاً، رغم السلطة التي مارستها عليهن، ولأني كنت قريباً من كثير من نساء العائلة، أردت أن أجعلهن سعيدات ضمن المساحة الصغيرة المتاحة لهن. كان ذلك يعني، في أحيان كثيرة، أن أمنحهن وقتاً لا أملكه، وأرافقهن لشراء الملابس، أو إلى السوق، أو في زيارة دينية، وأحياناً أن أجلس معهن على سطح المنزل لمجرد أن يخرجن قليلاً لشم الهواء خارج جدران الغرف الضيقة. 

ما زلت أتذكر أحد أيام الصيف، حين تجمعت نساء كثيرات في بيت عمي، وكنت أقسم وقتي بينهن. أوصل عماتي إلى مجلس عزاء، ثم آخذ “البنات” إلى الخياطة، وبعدها أذهب بابنة عمي إلى المضمد. وفي نهاية اليوم جلست مع واحدة منهن كان قد خطبها رجل لا تريده. بقيت إلى جانبها ساعات وهي حزينة، ولم يكن بيدي حيلة سوى أن أتركها تحزن دون أن أقدم لها أي شيء آخر. هكذا راح يوم كامل من حياتي هباءً، وأيام أخرى كثيرة مثله.  

لم أكن طبيباً ولا سائقاً ولا حارساً، ولم تكن أي منهن طفلة تحتاج إلى وصي، كنت موجوداً لأداء دور الرجل الذي تعلمته جيداً، الرجل الذي يرافق النساء ويراقب خروجهن وعودتهن. 

بدأت أفهم عندها أن النظام الذي يمنحني سلطة عليهن كان يطالبني أيضاً بقضاء جزء من حياتي في ممارستها. ومع الوقت، بدأت أسأل نفسي عن أصل هذه المهمة، ولماذا يحتجن إليّ بدلاً من الاعتماد على أنفسهن كأي إنسان بالغ؟! 

كان الجواب في كل مرة تقريباً أن رجلاً آخر هو الخطر عليهن، وأن المرأة عاجزة عن حماية نفسها من هذا “الحيوان” الطليق. قد تُخدع أو تُستدرج أو تضعف إحداهن أمامه وتعجز عن ردّه، ولن يقع الضرر عليها وحدها؛ لأننا وضعنا خلفها بناء كاملاً اسمه “شرف العائلة”، يمكن لكلمة أو علاقة أو إشاعة أن تهزه، أو “تُطشره” حسب تعبير ابن عمي الأكبر. لكن أتساءل اليوم، لماذا ينبغي أن تكون سمعتي معلقة بحياة إنسانة أخرى؟ ولماذا مجرد كوني رجلاً يمنحني سلطة عليها؟ 
 

كيف ينقذ “نعال” شرف العائلة؟ 

مواقف الحياة لم تؤكد لي صورة المرأة العاجزة عن حماية نفسها التي زُرعت في رأسي. أتذكر أنني مرة كنت في سوق شرق بغداد مع أمي وأختي وعمتي وابنتيها، ونفدت سجائري، فتركتهن عند محل للملابس يقلبن البضاعة وذهبت لأشتري علبة. لم أجد النوع الذي أدخنه في المحلات القريبة، فابتعدت أكثر مما توقعت وغبت نحو نصف ساعة. 

عندما عدت، رأيت من بعيد عمتي تنهال بنعالها البلاستيكي على شاب في السوق كان قد “شمر كلمة لواحدة من البنات”، بحسب ما شرحت لاحقاً، فتولت هي الأمر بطريقتها ولمّت عليه السوق كلها. تدخّل رجال في السوق وأكملوا ضرب الشاب، وحين وصلت راكضاً كان قد أُبعد عن المكان وانتهى كل شيء تقريباً. 

الغريب أن غضبي بعد كل ما حدث اتجه إلى نساء العائلة. طلبت منهن أن نعود إلى البيت فوراً، وبقيت غاضباً منهن في الطريق، كأنهن ارتكبن خطأً لأن رجلاً تحرش بواحدة منهن. وعندما وصلنا قالت لي أمي: “تلومنا لأن نذل ذب كلمة علينا، بدل ما ترفع راسك بينا؟!” لتردّ عمتي بعصبية: “جان كتلته لو كتلك، طلعت دمه لو طلع دمك، ورحنا كعدات وعشاير، وآني حليتها بنعالي”.  

كانتا محقتَين، لقد غبت نصف ساعة فقط فحدث ما كنت أخشاه، وكنت أعتقد أن وجودي ضروري لمنعه. لم ينقذهن وصولي، ولم يكن هناك دور لـ”زلمة” العائلة كي يؤديه.

 بدأت منذ تلك الحادثة أتغير وأخفف من المسؤولية التي ألقاها رجال العائلة على عاتقي، فقد استشعرت ثقل العبء الذي فرضته السلطة عليّ وعليهن، وتحملته أنا بدوري لسنوات. بعد ذلك، بدلاً من أن أبقى مع النساء في السوق أو عيادة الطبيب وأظل ملولاً وعصبياً ومتوتراً، و”أكفرهن” بملاحظاتي كما تقول أختي، صرت أوصلهن وأغادر، ثم تخلّيت مع مرور الأشهر عن هذه المهمة تماماً. 

وأحياناً كنت أتواطأ معهن على الكذب على رجال العائلة الأكبر مني، فنخبرهم أنني بقيت معهن طوال الوقت، ولو عرفوا ما فعلت لصرت “ديوثاً” و”عار الزلم” في نظرهم، وكنت أخاف فعلاً أن يعرفوا، وأتحاشى حتى التفكير باللحظة التي سينكشف فيها الأمر، وأخشى أن أعترف بذلك لأقرب المقربين مني، كما لو أن تواطئي مع النساء ليذهبن إلى السوق وحدهن ويدبرن أمورهن بأنفسهن جريمة أحاسب عليها، يا له من خوف ومنطق تافهَين. 

ما بقي عالقاً بذاكرتي من تلك الحادثة لم يكن اكتشافي أن عمتي قادرة على ضرب متحرش بنعالها، وإنما التناقض الذي بدأت أراه في الطريقة التي نتحدث بها نحن الرجال عن النساء. منذ الطفولة وأنا أسمع أن المرأة أعز ما نملك، وأن الأم مقدسة، والأخت شرف، والبنت نخاف عليها، وأن الرجل يُعرف بغيرته على نساء بيته وقدرته على حمايتهن، ثم اكتشفت بالتدريج أن هذه المكانة التي منحناها إياها كانت تمنحنا، في الوقت نفسه، سلطة أكبر على حياتها، فيمكن للرجل أن يقول إن ابنته أغلى ما لديه، ثم يقرر عنها من تصادق ومن تحب ومن تتزوج، وهو مقتنع بأن كل قرار يتخذه عنها دليل إضافي على مقدار حبه لها. 

كما يمكنه أن يدخل في قتال دامٍ لأن شخصاً وجّه كلمة إلى أخته في الشارع، ثم يعود بها إلى البيت ويمنعها من الخروج كي لا تتكرر الحادثة، وكان هذا هو الدور المطلوب مني أن أؤديه أيضاً إذا تكرر مثل هذا السيناريو.

“زلمة مكلّف”

أشعر بالعار من كوني رجلاً عراقياً، وبالقرف من الصورة التي صارت عليها الرجولة في العراق، كنت أغضب لما تتعرض له النساء، وبمرور الوقت تحول الغضب تدريجياً إلى شعور بالعار. 

هذا الشعور في داخلي يزداد مع تداول الأخبار في الأسابيع الأخيرة، التي تلخص القسوة والعنف تجاه النساء، حيث تُسلب حقوقهن، وتُفرض عليهن سلطة هائلة من البيت إلى الشارع، ثم توسعها الدولة بقوانينها، ويمنحها رجال الدين بخطاباتهم وفتاواهم شرعية أكبر. كما يخجلني أن كثيراً من الرجال يحمّلون النساء مسؤولية ما يتعرضن له، ويصل الأمر أحياناً إلى إنكار الجرم، أو التطرف من خلال التشفي بهن. 

في 14 آب الماضي، وللمرة الثانية، وقفت أمهات متضررات من أحكام المدونة الجعفرية أمام البرلمان في بغداد؛ للاحتجاج على سحب حضانة أطفالهن. ظهرت بعضهن بكمامات وأغطية تخفي وجوههن؛ خوفاً من أن يأخذ رجال، وبعضهم أزواج سابقون، صورهن ويستخدموا الذكاء الاصطناعي لتزييفها والتشهير بهن. 

ثم قرأت في اليوم ذاته عن أم في ديالى انتحرت بعدما انتقلت حضانة ابنتها إلى طليقها. وقبل ذلك، جاءت حادثة التحرش الجماعي بفتاة في المنصور، ووجدت رجالاً كثراً، بعضهم زملاء وأصدقاء، منشغلين بتوقيت خروجها، وفحص ملابسها وتصرفاتها، والمكان الذي كانت فيه، لتتحول هذه التفاصيل إلى وسيلة لمحاكمة سلوكها، ثم محاولة تبرير التحرش بإلقاء اللوم عليها، وطرح تساؤلات لا تنتهي: “شعدها طالعة؟”، “شوفها شلابسة”، “ماكو زلمة وراها؟” 

في هذه الأسئلة ما هو أخطر من لوم الضحية، فهي تفترض أن حق المرأة في ألا يُعتدى عليها مرتبط بسلوكها وبصورتها في أعيننا، وهذا الافتراض، على عكس ما يُعتقد، يجعل الرجل حيواناً، بلا عقل ولا منطق. 

لنأخذ وصف “هاي كحبة” الذي يُستخدم عادةً لإسقاط أي اعتبار عن امرأة، ثم ماذا؟ يظل جسد “الكحبة” لها، ولا يصبح متاحاً لرجل في الشارع كي يلمسه، إلا بالاتفاق والتراضي معها، ولا يستطيع أن يطاردها أو يخيفها، ذلك أن من المفهوم ضمناً أن حق المرأة أو أي إنسان في جسده لا يحتاج إلى شهادة بحسن الأخلاق. 

وفي الوقت نفسه لا أستطيع أن أكتب عن هؤلاء الرجال باعتباري رجلاً جاء من مكان آخر. فعلت في طفولتي ومراهقتي وشبابي أشياء أستغرب اليوم كيف فعلتها من دون أن أتوقف وأسأل نفسي لماذا؟ و “شلون”؟ وبأي حق؟! 

منعت شقيقاتي من السؤال عن ثمن ملابس على بسطة لأن البائع رجل، ومنعتهن، في مرات لا تحصى، من الخروج إلى الشارع، أو الكلام مع رجل، أو التعبير عن آرائهن أمام سائق تكسي، وصرتُ أمارس التسلط والرقابة عليهن كسلوك يومي بديهي. لُقّنت من رجال العائلة أنني “زلمة” وظيفتي هي أن أقف سداً بين نساء العائلة والرجال الغرباء، وأمنع أي تواصل لهن مع ذكور آخرين، إذ يُفسَّر تجاوزاً على رجولتي وكياني، فأنا لسانهن وصوتهن، وأنا الذي أعرف ما يجب أن يقلن أو كيف يتصرفن. 

وفي مقابل ذلك، كنت أعيش حياتي في مساحة واسعة من الحرية والقرار، أسافر وحدي، أخوض غمار الحياة بصوابها وخطئها، أسهر، وأتجول، وأجرب، وأملك هاتفاً وحاسوباً وأصدقاء لا يسألني أحد من يكونون. كنت أغلق باب غرفتي لساعات دون أن أقدم تفسيراً، وأذهب إلى أماكن كثيرة دون تبرير سبب ذهابي أو ذكر من سأقابل أو متى سأعود. كنت أجلس في البيت بـ”شورت” وعاري الصدر، ولم يكن جسدي موضوعاً يحتاج إلى إدارة عائلية أو نقاش أو نقد. 

عشت هذا التناقض سنوات من دون أن أراه، ولم أحتج إلى قرار واعٍ بأن أكون رجلاً متسلطاً، بل أصبح التسلط سلوكاً بديهياً بعد أن كفاني أن أكون ولداً، مصادفة، في العائلة، وبالتالي أُمنح سلطة منذ الصغر. 

كنت طفلاً يرفض الذهاب لشراء احتياجات المنزل من دكان الحي، وأشير إلى أن واحدة من أخواتي البنات يمكنها الذهاب بدلاً مني، لكن كان يُردّ علي بـ”أنت زلمة البيت”، “أنت الرجال”، “هي تتقشمر”، هذه الكلمات أكدت لي مسؤوليتي وسلطتي في الوقت ذاته، إذ لم أُربَّ أنا على فكرة أن أختي وأنا شخصان متساويان في الأهلية لإدارة حياتَينا، كنت أنا الرجل، وكانت هي المرأة، وهذا وحده كان كافياً لكي تصبح حياتها وقراراتها شأناً يخصني ويخص العائلة كلها. 
وكلما كبرت ترسخ لديّ أن إثبات رجولتي يتطلب أن تكون لي كلمة على النساء القريبات مني، وأن تكون كلمتي مسموعة غصباً عنهن جميعاً. وحتى عندما كنت أمر بلحظات شك، كان ثمة من يأتي من العائلة والأقارب، نساء ورجالاً، ليؤكد لي شرعية ما أفعل، ولعل أكثر ما يخيفني عندما أعود إلى تلك الفترة من “الرجولة” أنني كنت أبدو “زلمة مكلّف” كلما كنت أشد في المنع وأكثر إمعاناً في مراقبتهن. 

 
الوصاية على النساء في العراق 

الوصاية على النساء لا تبقى عند حدود الخروج إلى السوق أو الذهاب إلى الطبيب. فالفكرة التي تسمح لي بأن أقرر عن امرأة أين تذهب ومع من، لأنها قد لا تعرف مصلحتها أو قد لا تستطيع حماية نفسها، يمكن أن تمتد إلى قرارات أكبر بكثير في حياتها، إلى من تتزوج، ومتى تنفصل، وما الذي ينبغي عليها أن تتحمله داخل زواجها، وحتى إلى علاقتها بأطفالها بعد انتهائه. 

لا يحتاج خطأ المرأة إلى أن يقع فعلاً، وإنما احتمال وقوعه يكفي، وإذا وقع، صار دليلاً بأثر رجعي على أننا كنا محقين في مراقبتها. وإذا لم يقع، يمكن القول إن الرقابة هي التي منعته، وبهذه الحال تصبح الوصاية فكرة لا يمكن للمرأة أن تفوز أمامها؛ لأن كل نتيجة تؤدي إلى الاستنتاج نفسه: تحتاج إلى رجل معها، رجل يعرف أكثر منها. 

وبالنسبة إليّ، هنا تقصر المسافة بين نزع الأهلية عن النساء ونزع شيء من إنسانيتهن. فحين تصبح إرادة المرأة قابلة دائماً للنقض لأن أباً أو أخاً أو ابن عم أو زوجاً أو رجل دين يعرف مصلحتها أكثر منها، لا يعود الأمر متعلقاً بمن يتخذ القرار فقط، بل يصبح رفضها أقل وزناً، وحزنها أقل أهمية، ورغبتها في إدارة حياتها أمراً يمكن تجاوزه. فالإنسانية ليست أن نطعم إنساناً ونكسوه ونحميه فقط، فهذا يمكن فعله مع قطة! وإنما أن نعترف بأن حياته تخصه، وأن إرادته ذات وزن، وأن رفضه سبب كافٍ للتوقف، وأن من حقه أن يختار ويخطئ ويتحمل نتيجة اختياره. 

أفكر في الطلاق من هذه الزاوية أيضاً. فالمرأة التي تقرر إنهاء زواجها لا تُعامل دائماً باعتبارها إنساناً بالغاً وصل إلى قرار يخص حياته، وإنما يبدأ التحقيق في قدرتها على اتخاذ هذا القرار أصلاً. لماذا لم تصبر؟ لماذا لم تتحمل؟ لماذا لم تحفظ بيتها؟ وماذا كان ينقصها؟ وحتى عندما يكون الرجل هو من طلّقها أو دفع الزواج إلى نهايته، يبقى سهلاً أن تصبح هي المسؤولة عما حدث؛ لأنها لم تعرف كيف تحافظ عليه، أو لم تسكت بما يكفي، أو لم تقبل بما كان متاحاً لها، حتى لو كان ما طُلب منها تحمله ضرباً أو إهانة أو حياة لا تريدها. 

ولا تنتهي هذه الوصاية بالضرورة بانتهاء الزواج. فحياة المرأة العاطفية والجنسية بعد الطلاق تظل شأناً يراقبه الآخرون ويحاكمونها عليه. سمعت بنفسي رجالاً يبررون سحب حضانة البنت من أمها بالخوف من أن تتزوج الأم أو تدخل في علاقة جديدة، إلى درجة يمكن معها أن تصبح أمومتها نفسها مرتبطة بالطريقة التي يقرر الآخرون أنها يجب أن تعيش بها بعد الطلاق. 

وفي أصل هذه الحجة خوف من أن ترتبط الأم بعد طلاقها بزلمة آخر، ومن وجوده قرب ابنتها، ومن أن تمس علاقتها الجديدة “شرف” البنت أو سمعتها. وبسبب احتمال كهذا، يمكن أن تصبح علاقة أم بطفلتها موضع تهديد. المرأة هي التي تفقد الحضانة، والطفلة هي التي تُنتزع من أمها، فيما الخطر الذي تُبنى عليه الحجة هو: رجل. 

وحين أضع هذه الحالات إلى جانب بعضها، أجد الرجل حاضراً في أصل الخوف الذي تدفع المرأة ثمنه، نخاف على المرأة من الرجال، فنقيّد حركتها، نخشى أن يخدعها رجل، فنراقب علاقاتها، نخشى أن ترتبط برجل بعد طلاقها، فنأخذ أطفالها منها، وإذا تحرش بها رجل نفتش في ملابسها وطريقة خروجها بحثاً عن الجزء الذي تتحمل مسؤوليته. 

والأكثر قسوة أن هذه الدائرة لا تبقى داخل البيت، فما نتعلمه بوصفه غيرةً وحرصاً وواجباً عائلياً يستطيع أن يجد لغة دينية تمنحه القداسة، كما حصل مع المدونة الجعفرية، ثم يجد قوة سياسية تحوله إلى قانون، كما حصل مع القوى الشيعية التي أقرتها أو القوى السنية التي تريد إقرار مدونة مشابهة. وحين يحدث ذلك، لا يعود الأب أو الأخ أو الزوج وحده من يقرر أن المرأة أقل قدرة على إدارة حياتها، ذلك أن الدولة نفسها تستطيع أن تتبنى هذا التصور وتمنحه قوة القانون. 

وقد استُدعي الله أيضاً لتثبيت هذا السلطة الذكورية على المرأة، إذ يتحدث رجال باسم الرب في الزواج والطلاق والحضانة واللباس والطاعة والخروج، ويستحضرون إرادته لتبرير سلطة الرجل على المرأة، حتى إن الله نفسه يبدو في خطاب بعضهم ذكراً آخر بين الذكور، يحمل تصوراتهم نفسها عن النساء، ويغضب مما يغضبون منه، ويمنحهم السلطة التي يريدونها، ويطلب من النساء ما يريدونه منهن. 

ربما لهذا يخجلني الأمر إلى هذه الدرجة، لأنني لا أستطيع أن أضع خطاً فاصلاً مريحاً بين “هؤلاء الرجال” وبيني، ولا أن أختصر المسألة بمتحرش في الشارع أو رجل دين أو سياسي صوّت على قانون. أعرف البدايات الصغيرة لهذه السلطة، فقد مارست بعضها بنفسي، وأعرف كم كان ممكناً أن أمارسها وأنا مقتنع بأنني رجل جيد، وأنني أحب النساء اللواتي أتسلط عليهن، وأنني أفعل ذلك كله من أجلهن. 

لقد بنينا جزءاً كبيراً من معنى الرجولة في العراق على الدفاع عن النساء، والغيرة عليهن، وعدم السماح لأحد بالتعدي عليهن. ومع ذلك، لا أرى الغضب نفسه حين يكون التعدي صادراً عن رجال، أو حين يستقر في عرف اجتماعي، أو يُمنح شرعية بخطاب ديني، أو يتحول إلى مادة في قانون. أرى نساء يُذللن ويُهنّ، وتُنتزع منهن حضانة أطفالهن، ويُتحرش بهن في الشوارع، ثم أرى رجالاً يبررون ما حدث، أو يبحثون عما فعلته المرأة لتستحقه، أو يتعاملون معه، في أفضل الأحوال، وكأنه شيء لم يحدث أو أنه أمر لا يعنيهم. 
أكثر ما يخجلني في الرجال العراقيين من أترابي، ومن كوني رجلاً محسوباً عليهم، هو غياب شعورهم بالعار من كل هذا، من أن كل ما يحدث للنساء هو بسبب الرجال، ورغم ذلك، فإن من يُعاقَب ويُهان هن النساء. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب عراقي
بمشاركة