يعد مضيق هرمز الممر البحري الأكثر حساسية في منظومة الطاقة العالمية، إذ يمرّ عبره نحو خمس التجارة البحرية العالمية للنفط الخام، ما يجعله نقطة اختناق استراتيجية تتحكم فيها معادلات جيوسياسية معقدة تتجاوز حدود منطقة الخليج نفسها. وبالنسبة العراق، تتخذ طابعاً وجودياً، إذ تمر الغالبية العظمى من صادراته النفطية عبر هرمز، وتشكّل بدورها العمود الفقري لإيرادات الدولة العامة.
وقد ظلّت هذه العلاقة البنيوية بين الاقتصاد العراقي والمضيق مصدراً للقلق في الأدبيات الاقتصادية والاستراتيجية على مدى عقود، إلّا أنها انتقلت من حيز التنظير إلى الواقع الملموس حين أقدمت إيران على إغلاق المضيق فعلياً في أواخر شباط ومطلع آذار من عام 2026، عقب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، وأعقب ذلك حصار بحري أمريكي لاحق السفن التي تمر بالتنسيق مع طهران، ليجد العراق نفسه أمام اختبار غير مسبوق لمدى صلابة بنيته التصديرية.
ماذا عن البدائل المتاحة والفاعلة لممر مضيق هرمز، والتي ما زالت معلّقة؟ سواء تلك المتعلّقة بالمنافذ القائمة أو شبه الجاهزة كخط كركوك-جيهان التركي، وقد أثبتت التجربة أثناء هذه الأزمة أنه الأسرع تفعيلاً بحكم توفر بنيته التحتية أصلاً، أو المشاريع الكبرى مثل مشروع خط البصرة-حديثة-العقبة الرابط بالأردن، بوصفه المحور الاستراتيجي الأعمق وإن كان الأبطأ تنفيذاً، وصولاً إلى خيار الربط بالسواحل السورية عبر بانياس أو طرطوس، المرهون بتحسن البيئة الأمنية هناك واستدامة استقرار الأمن والدبلوماسية، وخط بصرة-حديثة-تركيا كصيغة توليفية بين المحورين الداخلي والشمالي.
يحاول هذا المقال تقديم إجابات واقعية وعلمية لكل ذلك، ويجيب عن أسئلة أخرى تتعلق بخطوط أخرى مثل خط البصرة-ينبُع السعودي، أو حتى البنية التحتية الداخلية لنقل وتخزين البترول.
كشفت تداعيات هذا الإغلاق حقيقة اقتصادية بالغة الدلالة، فقد اضطر العراق إلى خفض إنتاجه النفطي في الحقول الجنوبية؛ بسبب امتلاء مستودعات التخزين وعجز الناقلات عن مغادرة المضيق، وشهد إنتاج جنوبي العراق عموماً، بوصفه المصدر الرئيسي لصادرات البلاد، تراجعاً حاداً نتيجة توقف عمليات الضخ والاستهدافات المتكررة التي طالت المنشآت النفطية، والأخطر من ذلك أن الدولة عجزت عن الاستفادة من الارتفاعات التي سجلتها أسعار النفط عالمياً نتيجة تداعيات الحرب، فلا قيمة لارتفاع السعر ما لم يقترن بقدرة على البيع.
تزداد دلالة هذه التجربة حين تُقارَن بتجارب دول أخرى امتلكت منافذ تصديرية بديلة ولو جزئية، مكّنتها من تعويض بعض من خسائرها، بل سجّل بعضها ارتفاعاً في العائدات، في حين ظل العراق حبيس انكماش حادّ في إيراداته السيادية رغم الطفرة السعرية العالمية، وهذا التباين يحمل في طيّاته استنتاجاً مهماً مفاده أن القيمة الحقيقية لأي بنية تحتية تصديرية بديلة لا تقاس بعائدها المباشر في أوقات الاستقرار، بل بقيمتها التأمينية بوصفها أصلاً يحمي استمرارية تدفق الصادرات السيادية عند وقوع الصدمة، حتى لو ظلت خارج الاستخدام الأمثل في الأحوال الاعتيادية.
والملاحظ أن هذه الأزمة، رغم استثنائيتها من حيث الحدّة والتزامن، لم تكن سوى تكرار لنمط تاريخي متجذر في التجربة العراقية، بدءاً من حرب الناقلات في الثمانينيات إبان الحرب العراقية-الإيرانية، مروراً بأزمات إقليمية متعاقبة، حيث دأبت الحكومات المتتالية على الحديث عن ضرورة تنويع المنافذ التصديرية مع كل أزمة، لكن سرعان ما يُنسى هذا الحديث بمجرد عودة الهدوء، دون أن يتبلور هذا الاهتمام المتكرر في مشاريع منجزة أو التزامات مؤسسية مستدامة.
أولاً: المنافذ القائمة أو شبه الجاهزة
1. خط كركوك-جيهان (المسار التركي)
يمثل خط كركوك-جيهان أقدم البدائل وأكثرها جاهزية تشغيلية، إذ يمتد بطول يقارب 957 كيلومتراً، بطاقة تصميمية تفوق مليون برميل يومياً، وإن كان تشغيله الفعلي التاريخي قد بقي أقل من هذا الرقم بكثير، مرةً بسبب الأضرار المتكررة وأخرى بسبب الخلافات المزمنة مع حكومتَي إقليم كردستان العراق وأنقرة.
وتؤكد قراءة السلوك التصديري العراقي في أوقات الأزمات مركزية هذا الخط ضمن أي استراتيجية طوارئ؛ ذلك لأنه الممر الوحيد الذي يمتلك بنية تحتية قائمة فعلاً، ولو بحالة تشغيلية متعثرة تاريخياً، ما يجعله الخيار الأقرب إلى التفعيل السريع عند وقوع أي اضطراب مفاجئ في التصدير عبر الخليج، خلافاً لبقية المشاريع التي لا تزال في طور التخطيط أو الإنشاء ولا يمكن التعويل عليها في المدى القصير، فالميزة النسبية لهذا الخط لا تكمن في طاقته التصميمية بحد ذاتها، بل في كونه يختصر عامل الزمن، وهو المتغير الأكثر حسماً في أي سيناريو انقطاع مفاجئ، بينما تبقى بقية البدائل، على أهميتها الاستراتيجية طويلة الأمد، رهينة لمدد إنشائية تمتد لسنوات ولا تتناسب مع طبيعة الأزمات الآنية التي تستدعي استجابة عاجلة.
هذه الميزة التشغيلية تقابلها كلفة استراتيجية تتمثل في الاعتماد الكبير على الإرادة السياسية التركية، التي دأبت على استخدام هذا الملف كورقة ضغط تفاوضية في ملفات أمنية ومائية وتجارية متشابكة. وتزيد من تعقيد هذا الاعتماد الخلافات القانونية القائمة بين بغداد وأنقرة بخصوص تصدير نفط إقليم كردستان دون إذن الحكومة الاتحادية، وهو نزاع صدر بشأنه حكم من هيئة تحكيم دولية بفرض غرامة على الجانب التركي لم تُسدَّد حتى الآن، ما يجعل العلاقة التعاقدية بين البلدين مثقلة بإرث من عدم الثقة القانونية والمالية، ويضاف إلى ذلك أن الاستثمار المطلوب لإصلاح المقاطع المتضررة وتطوير المحطات، فضلاً عن رسوم العبور والتكاليف المصاحبة، يرفع من كلفة البرميل المصدَّر عبر هذا المسار مقارنة بالتصدير التقليدي عبر الخليج في أوقات الاستقرار.
2. خط البصرة-حديثة-العقبة (المسار الأردني)
يحتل هذا المشروع، من الناحية الاستراتيجية، مكانة الخط الفقري ضمن منظومة البدائل، ليس لكونه الأحدث، بل لأن جذوره تمتد إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين طُرحت فكرته أول مرة إبان الحرب العراقية-الإيرانية واضطرابات الملاحة في الخليج آنذاك، وظل التفاهم العراقي-الأردني بشأنه يتجدد مع كل حكومة عراقية جديدة بعد عام 2003 دون أن يكتمل تنفيذه، ليعاود الظهور بقوة مع كل تصعيد إقليمي.
ويُخطَط لتنفيذ هذا المشروع وفق مراحل متتابعة تراعي حجم الاستثمار الضخم المطلوب ويتدرّج زمن التنفيذ تبعاً لذلك، إذ تشمل المرحلة الأولى مدّ الخط من البصرة إلى حديثة بطول يبلغ 700 كيلومتر، على أن تليها المرحلة الثانية بخط ممتد من حديثة إلى العقبة بطول ألف كيلومتر، لتصل الطاقة التصديرية الإجمالية للخط عند اكتمال مرحلتيه إلى مليون برميل يومياً.
مرّ المشروع بتحول جوهري في صيغته التعاقدية، يستحق التوقف عنده من منظور اقتصادي. فالصيغة الأولى المقترحة، القائمة على نظام “إنشاء-تشغيل-تمليك” (BOOT)، أثارت اعتراضات داخلية واسعة كونها تمنح الأردن حق تملّك الجزء المار في أراضيها بعد 25 عاماً، إلى جانب كلفة إنشائية باهظة قُدّرت بـ26 مليار دولار، ومخاوف جدّية من احتمال وصول جزء من النفط المصدَّر إلى الجانب الإسرائيلي أو ممارسة إسرائيل نفوذها عليه، وذلك بحكم الموقع الجغرافي المتلاصق بين ميناء العقبة الأردني وميناء إيلات الإسرائيلي على الساحل ذاته.

أفضت هذه الاعتراضات إلى إعادة رسم الصيغة، بحيث يصبح الخط مملوكاً بالكامل للجانب العراقي، مع خفض الكلفة الإنشائية إلى تسعة مليارات دولار، وتحديد رسم عبور رمزي قدره 25 سنتاً أمريكياً لكل برميل يغطي كلفة الحماية والطاقة التشغيلية والدعم اللوجستي، ويكون الحد الأدنى للتصدير 200 ألف برميل يومياً، وهو يقارب حجم الاستهلاك المحلي الأردني من الطاقة، وهذا ترتيب يضمن استمرارية تشغيلية دنيا للخط حتى في أوقات الاستقرار حين يكون التصدير عبر الخليج (الأقل كلفة) متاحاً.
من زاوية التحليل الاقتصادي، يوفر هذا الخط منفذاً حقيقياً على البحر الأحمر يتيح الوصول إلى آسيا وأوروبا دون المرور بهرمز، ويعزز شراكة اقتصادية وأمنية استراتيجية مع الأردن، قد تخلق عمقاً إقليمياً للعراق وتقلل من اعتماده على طرف إقليمي واحد، خصوصاً أن الجانب الأردني يدرك استفادته الكبيرة من المشروع، وهو ما يمنح بغداد هامشاً تفاوضياً أفضل نسبياً مقارنة بالمسارات الأخرى إذا ما أُحسن استثمار الدبلوماسية الاقتصادية، كما أن مسار الخط يمرّ في مناطق أقل كثافة سكانية مقارنة بالخطوط الأخرى، مما يقلل نسبياً من المخاطر الأمنية الداخلية.
غير أن هذه المزايا تصطدم بعوائق جوهرية، منها كلفة استثمارية مرتفعة تحتاج إلى بنية تحتية مرافقة من محطات ضخ وخزانات ومرافق تصدير، ومدة تنفيذ لا تقل عن أربع سنوات، وحساسية أمنية بالغة كون الخط عرضة تاريخياً للاستهداف، حتى إن تنفيذه تأجَّلَ في الثمانينيات بسبب مخاوف مماثلة استدعت طلب ضمانات دولية من الرئيس الأمريكي آنذاك.
يُضاف إلى ذلك أن قدرته الاستيعابية محدودة نسبياً مقارنة بصادرات العراق الإجمالية، أي إنه حل جزئي وليس بديلاً كاملاً، خاصة إذا استقر التصدير عند الحد الأدنى البالغ 200 ألف برميل، وهو ما يجعل جدواه الاقتصادية عند هذا المستوى محل تساؤل؛ نظراً لضخامة الكلفة الإنشائية مقارنة بحجم التدفق، مع الأخذ بالاعتبار أن التمويل بالكامل من الموازنة العراقية يزيد العبء المالي على الدولة في وقت هي بأمسّ الحاجة فيه إلى السيولة، فضلاً عن أن منفذ العقبة على البحر الأحمر ليس محصّناً بالكامل من نقاط الاختناق الأخرى، إذ يبقى الوصول إلى آسيا مرهوناً بمضيق باب المندب المعرّض هو الآخر للاضطراب، بينما يبقى الوصول إلى أوروبا مشروطاً بقناة السويس التي لا تستوعب مرور ناقلات الخام العملاقة (VLCC)، ومروراً بمضيق تيران الذي يشكل بدوره نقطة اختناق إضافية.
3. خط العراق-سوريا (حديثة-بانياس/طرطوس)
أعادت التطورات الإقليمية طرح خيار ربط العراق بالسواحل السورية (بانياس أو طرطوس)، خصوصاً في ظلّ التراجع الحاد الذي سجّلته الصادرات النفطية العراقية، والذي بلغت نسبته نحو 90 بالمئة؛ إثر الشلل الذي أصاب ميناء البصرة خلال أزمة 2026، وهو ما أعاد طرح مسألة تنويع المنافذ التصديرية باعتبارها ضرورة استراتيجية لا تحتمل مزيداً من التأجيل.
وتوجد في الأساس خطوط عراقية-سورية قديمة، أبرزها خط كركوك-بانياس، إلّا أنها معطلة منذ الثمانينيات والتسعينيات، وباتت متهالكة إلى درجة أن كلفة صيانتها قد توازي كلفة إنشاء خط جديد بالكامل.
يوفر هذا المسار من الناحية النظرية منفذاً مباشراً إلى المتوسط يتيح الوصول إلى أوروبا دون المرور بقناة السويس أو مضيق هرمز، ويقلل الاعتماد على تركيا كممر وحيد خارج الخليج، بما يعزز هامش المناورة بالنسبة للعراق.

وقد تُضاف إلى هذا المشروع مزايا اقتصادية إضافية إذا ما أمكن دمجه ضمن مبادرات إقليمية أوسع، كمبادرة “الشام الجديد” أو ممرات طاقة شرق المتوسط، بما قد يقاسم الكلف الاستثمارية ويرفع الجدوى الاقتصادية للمشروع، خاصة في ظل تطلّع السلطات السورية إلى تموضع بلادها كمركز إقليمي لتوزيع الطاقة، وهو ما قد يحظى بدعم أطراف إقليمية فاعلة، غير أن هذه الفرص قد تصطدم بواقع أمني وسياسي بالغ الهشاشة، إذ لا تزال البيئة السورية عالية المخاطر بوجود تعدد في القوى العسكرية الفاعلة على الأرض.
كما أن كلفة إعادة بناء خط على امتداد مئات الكيلومترات عبر بيئة تعاني من مخلفات النزاع وحقول الألغام والبنية التحتية المدمرة ستكون مرتفعة للغاية، مع احتمالية أن يكون الخط عرضة لضغوط سياسية دولية معارضة لأي تعزيز لدور دمشق الإقليمي. لذا فإن هذا الخيار، وإن كان يحمل قيمة استراتيجية معتبرة من حيث المبدأ في تنويع المنافذ التصديرية، ينبغي التعامل معه كخيار طويل الأمد ومشروط بتحسن ملموس في البيئة الأمنية والسياسية السورية وبضمانات ملموسة، لا كبديل قابل للتفعيل في الأمد القريب.
4. خط بصرة-حديثة-تركيا
يمثل هذا المشروع صيغة توليفية تربط بين المحور الداخلي (بصرة-حديثة) والامتداد الشمالي نحو تركيا، إما عبر الربط بشبكة الأنابيب الداخلية القائمة أو عبر إنشاء خطّ مباشر جديد من حديثة إلى الأراضي التركية.
ويحمل هذا المشروع مزايا متعددة تجعله خياراً جديراً بالدراسة ضمن منظومة التنويع الشامل، إذ يتيح ربط الإنتاج في وسط وجنوب العراق مباشرة بالمنفذ التركي دون المرور بالمسار الكردستاني التقليدي، ما يمنح بغداد مرونة تشغيلية أكبر في توجيه الخام تبعاً لمصدر الإنتاج وظروف التصدير، ويرفع من الطاقة الاستيعابية الإجمالية للمنفذ الشمالي عند تفعيله بالتوازي مع خط كركوك-جيهان، فضلاً عن القيمة المضافة التي يحملها المشروع في تعزيز الترابط بين الشبكة الداخلية والمنافذ الخارجية، غير أن تفعيله الفعلي يبقى مشروطاً بحلّ الخلافات القانونية العالقة بين بغداد وأنقرة.
وتُضاف إلى مزايا المشروع إمكانية وضعه ضمن حزمة أوسع من المبادرات الإقليمية، مثل طريق التنمية، بما يحقق شراكة اقتصادية متينة وتكاملاً استراتيجياً مع تركيا، إلّا أن التجربة التفاوضية التاريخية تشير إلى أن الجانب التركي عادة ما يتمسك بمواقف تفاوضية صارمة ولا يُبدي مرونة كبيرة في تقديم تنازلات، ما يستدعي استعداداً عراقياً لمفاوضات طويلة ومعقدة.
5. خط البصرة-ينبع (المسار السعودي)
يستحضر هذا الخيار سابقة تاريخية مباشرة، إذ أنشأ العراق خطاً مماثلاً في ثمانينيات القرن الماضي لتصدير نفطه عبر البحر الأحمر؛ تجنباً للتصدير عبر الخليج إبان الحرب مع إيران، إلّا أن العمل به توقف عام 1990 عقب غزو العراق للكويت، حين أقدمت السعودية على مصادرة الخط وإعلان تملّكه كتعويض عن الأضرار التي لحقت بها جراء تلك الحرب. وتحمل هذه السابقة دلالة اقتصادية وسياسية بالغة الأهمية، فهي تُظهر أن مخاطر الاعتماد على البنية التحتية العابرة لحدود دولة أخرى لا تقتصر على الأعطال الفنية أو الأمنية، بل تمتد لتشمل مخاطر المصادرة السيادية في ظروف الأزمات الجيوسياسية، وهو ما يُصنَّف في أدبيات الاستثمار الدولي ضمن المخاطر السياسية غير التجارية.
وتتشابه سلبيات هذا المسار مع تلك المرتبطة بالتصدير عبر ميناء العقبة من حيث محدودية استيعاب البحر الأحمر ونقاط الاختناق الإضافية فيه، إلّا أن السلبية الأبرز والأكثر خصوصية هنا تتمثل في كون السعودية تنظر إلى تصدير النفط العراقي عبر أراضيها وموانئها بوصفه منافساً لصادراتها الخاصة، لا سيما أنها تمتلك بنية تحتية محدودة لا تكاد تكفي لتصدير نفطها، وهو ما يجعل استيعاب كميات إضافية من الخام العراقي أمراً غير مضمون من الناحية التشغيلية، فضلاً عن أن التجربة التاريخية للمصادرة ترتب عليها تبعية بنيوية خطيرة لجارٍ يمتلك أجندة وسياسات طاقة خاصة، وقد يستخدم القدرة الاستيعابية ورسوم العبور كأداة ضغط سياسي عند الحاجة.
ثانياً: تعزيز الشبكة الداخلية كركيزة تمكينية
لا تكتمل أي استراتيجية للتنويع الخارجي دون معالجة الاختناق الداخلي في شبكة الأنابيب العراقية، فقد كشفت الأزمة الأخيرة أن ضعف الربط بين حقول الإنتاج في الجنوب والشمال والمنافذ البرية المقترحة يحدّ من قدرة بغداد على إعادة توجيه الخام بسرعة نحو أي بديل تصديري جديد عند وقوع صدمة مفاجئة.
وتكمن أهمية توسيع الشبكة الداخلية في توفير مرونة تسمح بتحويل الإنتاج من أي حقل إلى أي منفذ بديل، سواء نحو تركيا أو الأردن أو سوريا مستقبلاً، تبعاً للظروف السعرية والأمنية المتغيرة، فضلاً عن أنها قد تؤسس لدور مستقبلي للعراق كممر ترانزيت إقليمي إذا ما تم ربطها بخطوط قادمة من دول الجوار، إلّا أن هذا التوسع يتطلب استثمارات كبيرة لا تحقق بذاتها منفذاً بحرياً مباشراً، بل تبقى رهينة بمشاريع المنافذ الخارجية المصاحبة لها، كما تحمل مخاطر أمنية داخلية من تخريب وسرقة وتهريب تستدعي منظومة حماية وتنسيقاً استخبارياً مستمراً.
يقود التحليل الموضوعي لحالة الأنابيب ومنافذ التصدير العراقية أو المتاحة للعراق إلى استنتاج مركزي، مفاده أن خط البصرة-حديثة يمثل العقدة الاستراتيجية الرئيسية التي تتفرع منها بقية المسارات، سواء نحو العقبة أو سوريا أو تركيا مستقبلاً، وينبغي أن يكون الخيار الاستراتيجي الأول الذي تُبنى عليه بقية المشاريع تدريجياً، بدلاً من تشتيت الموارد المالية المحدودة على جبهات متعددة في آن واحد، ويكتسب هذا الخط أهمية مضاعفة كونه لا يخدم التصدير الخارجي فحسب، بل يسهم في تزويد محطات الكهرباء المحلية والمصافي، ويشكل حلقة وصل بين حقول الجنوب وبقية المناطق العراقية، بما يجعله استثماراً ذا عائد مزدوج داخلي وخارجي.

ومن الناحية الاقتصادية البحتة، تشير المعطيات إلى أن التصدير عبر مياه الخليج يبقى الخيار الأقل كلفة في أوقات الاستقرار، وهو ما يعني أن الجدوى الاقتصادية لهذه الأنابيب البديلة، في ظل التشغيل الاعتيادي، محدودة نسبياً إذا ما تم قياسها بمعيار العائد المالي المباشر وحده، بالمقابل فإن الاستمرار في تفعيلها ولو بمستويات دنيا في أوقات الاستقرار، أسوة بالحد الأدنى المتفق عليه في مشروع العقبة، يحافظ على جاهزيتها التشغيلية ويحوّلها إلى أصل تأميني حقيقي عند وقوع أزمة، وهو ما أثبتته التجربة الفعلية لعام 2026، حين كان الخط الوحيد القابل للتفعيل السريع هو خط كركوك-جيهان القائم أصلاً، في حين ظلت بقية المشاريع حبيسة مراحل التخطيط والتفاوض.
كما تجدر الإشارة إلى أن الوجهة الرئيسية لصادرات العراق النفطية هي دول شرق آسيا، وهو ما يفتح الباب أمام بديل تكميلي غير أنبوبي يستحق دراسة معمقة، يتمثل في إنشاء خزانات نفط خام مملوكة للعراق في تلك الدول المستوردة، بطاقة تخزينية تعادل صادرات العراق لعدة أشهر؛ نظراً لكلفتها الأقل نسبياً مقارنة بمد الأنابيب عبر أراضٍ متعددة الدول، ولاستقرار البيئة السياسية في تلك الدول الآسيوية بعيداً عن التجاذبات الأمنية للشرق الأوسط، بما يجعلها أقل عرضة لاستخدام موقع الخزانات كأداة ضغط سياسي مقارنة بأنبوب يعبر أراضي دول ذات خلافات إقليمية عميقة.
في المحصلة، تكشف تجربة أزمة مضيق هرمز لعام 2026 أن العراق يواجه معضلة مزدوجة بين معيار الجاهزية التشغيلية ومعيار الاستقلالية السيادية، دون أن يتوفر حتى الآن مسار واحد يجمع بينهما معاً، وهذا التباين يفضي إلى إشكالية أكثر إلحاحاً من الناحية العملية، تتمثل في عامل الزمن والكلفة، فمعظم البدائل المطروحة، وفي مقدمتها خط البصرة-حديثة-العقبة، تتطلب مدداً إنشائية تمتد لسنوات عدة، في وقت يكون فيه العراق بأمسّ الحاجة إلى بديل تصديري عاجل يقيه تبعات أيّ انقطاع مفاجئ، ما يجعل الفجوة الزمنية بين لحظة اتخاذ القرار ولحظة التشغيل الفعلي عبئاً استراتيجياً بحد ذاته لا يقل خطورة عن الاعتماد الأحادي نفسه.
ويضاف إلى هذا العائق الزمني عبء الكلفة الاستثمارية الضخمة التي تتطلبها هذه المشاريع، وهي كلف تتحملها في الصيغة المعتمدة حالياً الموازنة العامة للدولة بالكامل، كما هو الحال في مشروع العقبة، دون أن تُعتمَد صيغ استثمارية تشاركية توزّع المخاطر المالية على أطراف متعددة وتخفف الضغط المباشر على الخزينة العراقية، وهذا النمط من التمويل الأحادي القائم على الإنفاق السيادي الكامل يمسّ جوهر قدرة الدولة على المضي في تنفيذ هذه المشاريع، إذ يحوّلها إلى عبء مالي إضافي يُثقل موازنة منهكة أصلاً بتبعات الأزمة ذاتها، بدلاً من أن تُدار كاستثمار موزّع المخاطر يخفف من وطأتها على المالية العامة.
وانطلاقاً من هذا الواقع المزدوج، حيث يتقاطع بطء التنفيذ مع ضخامة الكلفة، يعرّي هذا الواقع الفجوةَ بين الفلسفة المالية قصيرة الأمد التي حكمت تاريخياً قرارات الاستثمار السيادي العراقي، والفلسفة الاستراتيجية طويلة الأمد التي تستدعيها طبيعة المخاطر الجيوسياسية المحيطة بالبلاد، فقد دأبت الحكومات المتعاقبة على التعامل مع ملف تنويع المنافذ التصديرية بوصفه استجابة آنية طارئة تُستحضر مع كل تصاعد للتوتر الإقليمي، كما حصل مع مشروع البصرة-حديثة-العقبة الذي أُعيد طرحه وتجميده مراراً منذ الثمانينيات دون أن يكتمل، ثم يقل الاهتمام به مجدداً بمجرد عودة الاستقرار النسبي وانخفاض كلفة التصدير عبر الخليج، دون أن يتبلور هذا الاهتمام المتقطع في التزام مالي ومؤسسي مستدام يمتد عبر دورات الأسعار المختلفة، والنتيجة المترتبة على هذا النمط المتكرر من التردد والتأجيل هي أن العراق يعيد إنتاج هشاشته البنيوية ذاتها مع كل أزمة جديدة، من حرب الناقلات في الثمانينيات إلى إغلاق مضيق هرمز عام 2026، دون أن يراكم قدرة مؤسسية أو بنيوية فعلية تحصّنه من تكرُّر السيناريو ذاته مستقبلاً.
وعليه، فإن أيّ مقاربة جادة لتحصين الاقتصاد العراقي من تبعات هذه الهشاشة البنيوية تستلزم تحولاً جذرياً في الفلسفة المالية الحاكمة لقرار الاستثمار في البنية التحتية التصديرية البديلة، بحيث لا تُعامل هذه المشاريع كبند نفقة طارئة (يتطلب إنفاقاً طارئاً) تُقيَّم جدواه بمعيار العائد المباشر في أوقات الاستقرار، بل كأصل تحوطي سيادي تقاس قيمته الحقيقية بقدرته على تقليص الاضطراب في تدفق الإيرادات المالية للدولة خلال الأزمات، بما يستوجب التزاماً مالياً ومؤسسياً مستداماً يمتدّ إلى ما بعد لحظة الأزمة الآنية التي استدعته، ولا يُترك، كما جرت العادة، ليخبو مع عودة الهدوء.
تُنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”.