في سنوات المراهقة، كان تل الصيّاغ مساحة مفتوحة نقصدها للعب كرة القدم. أرض واسعة على أطراف الكوفة، غير مستوية، تتناثر فوقها بقايا طابوق قديم لم نكن نلتفت إلى دلالته. بالنسبة لنا كانت مجرد ساحة إضافية، بلا تعريف، بلا سياق.
ومدينة الكوفة التي تقع في محافظة النجف وتعد من أكبر أقضيتها، تأسست عام 17 هـ (638 م) كمعسكر للجند في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، ثم أصبحت عاصمة للخلافة في عهد علي بن أبي طالب، وتحولت إلى مركز علمي وديني بارز في العصور اللاحقة.
في عام 2007 قيل لنا إن جزءاً من الأرض قد حُفر، وإن أقواساً بارزة ظهرت تحت مستوى التراب. تركنا اللعب واقتربنا، لم تكن المسألة رواية منقولة أو حكاية قديمة، رأيت الأقواس بنفسي.
كانت واضحة تحت سطح الأرض، أجزاء من بناء متماسك، تظهر ثم تختفي مع حافة الحفر. لم يكن المشهد واسعاً أو احتفالياً، بل محدوداً، كأن الأرض كشفت طرفاً صغيراً من طبقة أعمق.

استمرت أعمال التنقيب فترة قصيرة خلال عامي 2007 و2008، ثم توقفت، ولم تتوفر لدي معلومة مؤكدة بشأن طبيعة الجهة المشرفة على التنقيب إن كانت حكومية خالصة أو بعثة متخصصة مشتركة، لكن بعض المعالم بقيت ظاهرة جزئياً، ثم عادت تُغطى تدريجياً.
لم يُشرح لنا حينها ما الذي اكتُشف بالتحديد، غير أن ظهور تلك الأقواس غيّر نظرتي إلى المكان، فلم يعد مجرد أرض نلعب فوقها، بل موقعاً يخفي بناء قديماً وزمناً غير مرئي تحت السطح.
في تلك الفترة، كان بعض كبار السن يتحدثون عن ارتباط المنطقة بأسواق الكوفة القديمة. لم أتعامل مع ذلك بوصفه يقيناً تاريخياً، وإنما بوصفه سردية متداولة بين أبناء المدينة.
لكن ما رأيته تحت الأرض جعل تلك السردية أكثر قابلية للتصديق، على الأقل بوصفها احتمالاً يستحق التحقق العلمي.
منذ ذلك الوقت، لم أعد أرى التل كمساحة فارغة، صار بالنسبة لي موقعاً شهد بنفسه على وجود طبقة أخرى من المدينة، وإن لم يُستكمل التنقيب.

في تلك المرحلة، قال لي أحد المعلمين المتقاعدين وهو المرحوم محمد رضا الرويشدي، الذي كان عمره حينها يفوق السبعين عاماً، وكان مهتماً بالتاريخ والتراث الشعبي، إن هذه المنطقة تتردد كثيراً في أحاديث كبار السن، وترتبط في الذاكرة الشعبية بأسواق الكوفة الأولى، وبمرحلة نشأة المدينة، حتى إن هناك سردية تقول إن بيت الشاعر أبي الطيب المتنبي يقع في هذه البقعة.
الحديث جاء بوصفه سردية متداولة تنتقل بين الناس منذ زمن وتكتسب قوتها من التكرار والمكان أكثر مما تكتسبها من وثيقة مكتوبة، حيث تشير السردية المحلية إلى أن الموقع كان سوقاً لصياغة الذهب والعملات، وأن بعض الصاغة جيء بهم من الحيرة لحاجة الناس إلى تلك المهنة إبان فترة ازدهار المدينة، وسمي حينها بـ”سوق الذهب” أو “تل الصاغة”، ثم تغير مع الوقت وأصبح يُعرف بـ”تل الصيّاغ”.
منذ ذلك الوقت، ترسّخ في الذهن أن تل الصيّاغ يحمل معنى يتجاوز شكله الخارجي. إذ إن الموقع تحول من مساحة لعب إلى مساحة سؤال عما يخفيه تحت الأرض، وعن سبب توقف التنقيب عام 2008، وعن الطريقة التي يُفترض أن يُعامل بها مكان يحمل إشارات إلى تاريخ مدفون.
مع مرور السنوات، تغيّرت اللغة التي تُستخدم في الحديث عن التل، إذ تراجعت مفردات الحفر والتنقيب والآثار، وبرزت لغة أخرى تتحدث عن الاستثمار والتنمية والعائد الاقتصادي من قبل الإدارة المحلية.
هذا التحول في اللغة فتح باباً أوسع للتساؤل حول كيفية إعادة تعريف وظيفة الأرض، وحول اللحظة التي ينتقل فيها المكان من ذاكرة محتملة إلى أصل اقتصادي.
ومع الزمن، تحوّل التل إلى موقع تعاد قراءته وفق تصنيفات مختلفة، تتغير بتغيّر الجهة التي تنظر إليه.
في الوثائق الرسمية يشار إليه بوصفه قطعة أرض قابلة لإعادة التوظيف، وفي الذاكرة الشعبية يستعاد بوصفه جزءاً من أسواق الكوفة الأولى، وفي نظر الباحثين في الآثار يمثل شاهداً مادياً على مراحل تأسيس المدينة وتحولاتها المبكرة.




ففي مرحلة سابقة، أُدرج الموقع ضمن تصور عام يهدف إلى توسيع المساحات المفتوحة المحيطة بمسجد الكوفة ومسجد السهلة، استجابةً لحاجة المدينة إلى متنفسات تخفف الضغط العمراني المتزايد. ويعود ذلك إلى طبيعة الموقع نفسه، إذ لا يمثل تل الصيّاغ معلماً أثرياً شاخصاً قائماً فوق سطح الأرض، وإنما يُعتقد أن بقاياه تمتد في طبقات مطمورة تحت التربة.
فالمكان، بحسب ما تواتر في ذاكرة المدينة وما يتداوله أبناؤها منذ عقود، يرتبط بـ”سوق الصاغة” في الكوفة القديمة، وهي تسمية متوارثة في الوعي المحلي، ترسخ إيماناً لدى الناس بأن المكان لو نُقب تنقيباً علمياً واسعاً فسيُعلَن فعلياً عن وجود سوق الصاغة.
هذا الفهم انعكس على التصور الذي طُرح حينها بشأن طريقة إدارة الأرض، فالمقترح الذي قدمته أمانة مسجد الكوفة بعد أن أحيلت الأرض إليها عام 2016، بقرار من المجلس المحلي للكوفة ضمن رؤية خدمية تتقاطع مع خصوصية المكان الدينية والتاريخية، قام على فكرة إبقاء الموقع ضمن إطار منفعة عامة من دون إنشاء كتل عمرانية ثقيلة تغير ملامحه.
وقد تضمن التصور إنشاء مدينة خدمية للزائرين تتخللها مساحات خضر مفتوحة ومتحف يعرض تاريخ المدينة وموروثها، إضافة إلى مرآب واسع يستوعب أكبر عدد من مركبات الزائرين الوافدين، مع الحفاظ على طبيعة الأرض وعدم المساس بما قد يكون موجوداً في باطنها من طبقات أثرية محتملة.
وبهذا المعنى، لم يكن المقترح يتعامل مع المكان بوصفه أرضاً قابلة للبناء فحسب، بل بوصفه فضاء يمكن أن يجمع بين خدمة الزائرين والحفاظ على الذاكرة التاريخية للموقع، مع إبقاء إمكانية التنقيب العلمي قائمة في المستقبل.
بيد أن توصيف الموقع إدارياً تغير لاحقاً، وانتقلت الأرض إلى مسار استثماري، وأُدرجت ضمن مشاريع سكنية مقترحة، على الرغم من حساسية الموقع وضيق المنطقة المحيطة به.
هذا التعدد في القراءة أنتج مساراً إدارياً متقلباً، وقد أعاد فتح ملف تل الصيّاغ على نحو مختلف، ليس بوصفه أرضاً مهملة تحتاج تنظيماً، وإنما بوصفه نقطة تقاطع بين التاريخ والقانون والاقتصاد.
قراءة تاريخية
يوضح د. عقيل غالب، الباحث في الآثار وعضو منظمة “طوى” المعنية بحماية المواقع الأثرية، أن تل الصيّاغ يُعدّ من المواقع الأثرية المهمة في قضاء الكوفة؛ لأنه يمثل المرحلة الأولى من بناء المدينة.
ويشير إلى أن الموقع يضم مرحلتين تاريخيتين متعاقبتين: الأولى تعود إلى فترة حكم الإمام علي بن أبي طالب في الكوفة، حيث كانت أسواق المدينة قائمة في هذا الموضع، ومنها سوق الصاغة حيث كان يُصاغ الذهب والعملات، وهو ما تدعمه الدلائل المادية المكتشفة في الموقع، على حد قوله.
ويضيف غالب أن المرحلة اللاحقة تعود إلى العصر العباسي، حيث ازدهرت السوق مجدداً، وظهرت معالم معمارية ما تزال بحاجة إلى تنقيب واسع.
ويبيّن أن البعثات التنقيبية العراقية التي عملت في فترات سابقة كشفت عن عملات تعود إلى الفترات الإسلامية الأولى، إضافة إلى مسكوكات ذات أهمية تاريخية عالية.
وبحسب غالب، تكمن أهمية الموقع في كونه دليلاً مادياً على وجود أسواق الكوفة القديمة التي ورد ذكرها في المصادر التاريخية والجغرافية، وإن بقاء هذه المباني المطمورة وإخضاعها للتنقيب يمثل ضرورة علمية وتاريخية.
ويرى أن المواقع الأثرية في مدينة النجف تتطلب وقفة جادة من الحكومة المحلية، تقوم على فهم قيمة التراث المادي وعدم التفريط به تحت أي مسوغ.
ويشير إلى أن تل الصيّاغ مسجل رسمياً لدى الهيئة العامة للآثار والتراث، ويحظى باعتراف وزارة الثقافة والسياحة والآثار بوصفه موقعاً أثرياً مهماً يتطلب الحماية، وأن هذا الأمر مثبت في كتب رسمية متداولة داخل المؤسسات المعنية.

بين الاستثمار وتنظيم المكان
يعبّر بعض أبناء المنطقة عن قراءة مختلفة لوظيفة الأرض، إذ تظاهر بعضهم كل يوم جمعة لأكثر من سنة، مطالبین بألا يقام عليها مجمع سكني.
ولم تفلح الاحتجاجات في منع المشروع المخطط له أن يكون مجمعاً سكنياً عمودياً، إذ يحيط بالموقع سياج حديدي مغلق تماماً يُحظر التصوير حوله، فيما يؤكد أهل المنطقة أن العمل ما زال في مرحلة الحفر وصب الأساسات.
ويقول كريم حاتم، وهو من المهتمين بالشأن المحلي، إن منطقة تل الصيّاغ يجب أن تبقى على حالها حتى إن بدت أنقاضاً؛ لأن قيمتها لا تقاس بشكلها الظاهر.
يضيف: “تل الصيّاغ يحمل حقبة تاريخية مهمة، والتنقيب العلمي الصحيح قد يعيد إحياء المكان بطريقة تحفظ ذاكرة المدينة، وتمنح الأجيال اللاحقة فرصة الاطلاع على مرحلة تأسيسية من تاريخ الكوفة”.
وفي المقابل، يرى بعض سكان المنطقة المحيطة بالموقع أن التطوير العمراني يمثل حلاً لمعاناة خدمية طويلة، إذ يقول أبو أيمن، وهو من سكان المنطقة القريبة من تل الصيّاغ، إن “المناطق المهملة تظل مصدر فوضى ومشكلات خدمية”، فهو يرى أن إقامة مجمع سكني استثماري يمكن أن يساهم في تنظيم المكان ومحيطه، وأن البناء السكني، من وجهة نظره، يفرض تنظيماً للبنية التحتية، ويُنهي حالة الإهمال التي استمرت سنوات.
تل الصيّاغ في القانون
ينقل التجاذب بين الذاكرة التاريخية والتوسع العمراني ملف تل الصيّاغ من دائرة الجدل حول وظيفة الأرض إلى سؤال قانوني أكثر حساسية، يتعلق بحدود التصرف بالمواقع الأثرية والجهة التي تمتلك صلاحية تقرير مصيرها.
الخبير القانوني محمد جمعة يرى أن القانون العراقي يضع الأراضي الأثرية ضمن نطاق حماية خاصة تمنع التصرف بها على نحو يغيّر طبيعتها أو معالمها، سواء بإقامة الأبنية أو القلع أو الاستحداث أو إدخالها في مشاريع استثمارية. ويؤكد أن ثبوت الصفة الأثرية للأرض يجعل الأحكام المنظمة لحماية الآثار هي الأساس في التعامل معها، وتصبح الجهات التي تقع الأرض ضمن حدودها الإدارية مسؤولة عن المحافظة عليها ضمن الصلاحيات التي رسمها القانون.
يشير جمعة إلى أن المحافظة والبلدية لا تمتلكان، من الناحية القانونية، صلاحية تحويل الأرض الأثرية إلى أرض استثمارية بمجرد وقوعها ضمن حدودهما الإدارية، إذ تبقى طبيعة الموقع الأثرية خاضعة لاختصاص الجهة المعنية بالآثار، ولا يمكن لأي إجراء إداري أن يحل محل الموافقات التي يتطلبها القانون في التعامل مع هذه المواقع.
تتسع الحماية، بحسب قراءة جمعة، لتشمل المواقع التي تتوفر مؤشرات جدية على وجود آثار فيها حتى قبل حسم تسجيلها بصورة رسمية. ففي مثل حالة تل الصيّاغ، يتوجب الرجوع إلى هيئة الآثار لتحديد طبيعة الأرض قبل اتخاذ أي إجراء يتعلق بها؛ لأن غياب التسجيل في مرحلة معينة لا يمنح الجهات الأخرى مساحة للتصرف بالموقع ما دامت أثريته موضع اشتباه يستند إلى شواهد تستوجب الفحص والتحقق.
ويضع جمعة تسلسلاً قانونياً يسبق التصرف بمثل هذه الأراضي، يبدأ بحسم طبيعة الموقع من الجهة المختصة بالآثار، ثم تحديد صفته وما يترتب عليها من أحكام، وبعد ذلك يمكن معرفة حدود الاستخدام الذي يسمح به القانون. ويذهب إلى أن تجاوز هذه الإجراءات أو التفريط بالمواقع الأثرية يفتح باب المسؤولية القانونية عن الأضرار التي قد تلحق بها.
ولهذه القراءة أهمية مباشرة في حالة تل الصيّاغ، خصوصاً مع ما يورده الباحث في الآثار د. عقيل غالب بشأن تسجيل الموقع لدى الهيئة العامة للآثار والتراث، وما تشير إليه الوثائق المتداولة من مواقف سابقة للجهات الأثرية تجاه إقامة المشاريع فيه. وعند هذه النقطة يصبح السؤال القانوني متعلقاً بالمسار الذي أتاح انتقال الأرض إلى الاستثمار، والموافقات التي استند إليها هذا الانتقال، ومدى انسجامها مع الصفة الأثرية للموقع والأحكام التي تنظم حمايته.
وتضع المادة 15 من قانون الآثار والتراث العراقي رقم 55 لسنة 2002 نطاقاً للحماية يشمل المواقع الأثرية والتراثية والتاريخية، ومن بينها التلول والأراضي المنبسطة التي تظهر فيها ملتقطات أثرية، حتى في بعض الحالات التي لم يسبق نشرها في الجريدة الرسمية إذا كانت ظروف الموقع تسمح للشخص المعتاد بمعرفة طبيعته. كما تحظر المادة ذاتها الزراعة والسكن وإقامة الأبنية والمحدثات الأخرى على المواقع الأثرية والتراثية ومحرماتها وتحظر أي إجراء يؤدي تغيير معالمها.
وتتجاوز قضية تل الصيّاغ المفاضلة بين مشروع سكني وموقع متروك لتطال أصل القرار نفسه، والأساس القانوني الذي استند إليه التصرف بأرض تحمل صفة أثرية، والجهة التي حسمت التعارض بين استثمارها والموقف الأثري منها.
غياب الردود الرسمية
حاولنا مراراً الحصول على ردود رسمية من هيئة استثمار النجف وأعضاء في مجلس المحافظة ومفتشية آثار النجف، لكن المحاولات كانت دون جدوى. ويترك غياب الإيضاحات هذا الملف معلقاً بين وثائق تشير إلى القيمة الأثرية للموقع، وقراءات قانونية وأثرية تؤكد ضرورة الحفاظ عليه، ومسار إداري انتهى بإدخاله ضمن الاستثمار، من دون موقف رسمي يبيّن الأسس التي استند إليها تغيير وظيفته.
ولم يأتِ هذا التحول عبر إعلان صريح أو نقاش علني، بل من خلال إجراءات متراكمة أعادت تعريف الأرض خطوة بعد أخرى. لذلك لا تتعلق القضية بالمستثمر وحده، بل بمنظومة اتخاذ القرار الممتدة من وزارة الثقافة والسياحة والآثار وهيئة الاستثمار إلى الحكومة المحلية، والمعايير التي اعتمدتها في التعامل مع موقع ذي حساسية تاريخية ودينية.
ويبقى تل الصيّاغ معلقاً بين ذاكرة لم تُنقّب بعد، واستثمار يسعى إلى إعادة توظيف المكان. وبينهما، يبقى السؤال عن كيفية اتخاذ القرار بشأن أرض قد يحمل باطنها ما يجعل قيمتها أبعد من حسابات الاستثمار القريب.