ثمة أزمات تستطيع الدول التعايش معها زمناً ما دامت تقع متفرقة، أو تستطيع الخزينة العامة امتصاص آثارها. والعراق فعل ذلك لسنوات، إذ اشترى بالنفط ما لا ينتجه، ودفع من عائداته رواتب ملايين المواطنين، وموّل شبكة واسعة من الإنفاق العام، وأبقى اختلالات المياه والزراعة والكهرباء والعمل قائمة من دون أن تتحول جميعها، في اللحظة نفسها، إلى أزمة معيشة متفاقمة.
لكن القدرة على شراء الوقت بالمال تتراجع الآن؛ إذ تتعطل صادرات النفط وتتراجع الإيرادات وتتأخر الرواتب وترتفع أسعار الغذاء وتنخفض احتياطيات العملة، فيما تشح المياه وتتلوث الأنهر ويتراجع الإنتاج الزراعي. وكل خلل في هذه السلسلة يوسع أثر الآخر، في اقتصاد تعتمد قدرته على التحمل إلى حد بعيد على استمرار تدفق النفط.
ويزداد هذا الضغط ثقلاً حين يصل إلى الغذاء نفسه. فأحدث إحصاءات الزراعة تكشف تراجعاً حاداً في إنتاج مجموعة من المحاصيل الأساسية، فخلال عام 2025، انخفض إنتاج الطماطم 44.2 بالمئة، والباذنجان 58.3 بالمئة، والبامية 48.2 بالمئة، والخيار 51.9 بالمئة، وهي محاصيل أساسية في الزراعة العراقية والغذاء اليومي، وأعانت العراقيين على تجاوز فترات الجوع في التسعينيات أثناء الحصار الاقتصادي على البلاد.
وتربط هيئة الإحصاء هذا الانخفاض بمحددات الري وتراجع الحصص المائية والتحديات البيئية والمناخية. وهذه المياه القليلة تصل محملة بمشكلة أخرى، فالدولة تحصي مئات التجاوزات ومصادر التلوث على دجلة، فيما تستمر مياه الصرف ومخلفات أنشطة مختلفة بالوصول إلى الأنهر التي يشرب منها السكان وتُسقى منها الأراضي الزراعية.
والحال هذه، فما لا تنتجه الأرض العراقية ستحتاج السوق إلى تعويض جزء منه من الخارج ما دام الطلب قائماً. وهنا تنتقل أزمة الزراعة إلى الاقتصاد الأوسع؛ فالاستيراد يحتاج إلى العملة، والعراق يحصل على معظم عملته الأجنبية من تصدير النفط، وهو المصدر نفسه الذي تعتمد عليه الخزينة لتمويل جانب كبير من الإنفاق العام ودفع الرواتب.
ولسنوات، سمحت الإيرادات النفطية بإدارة هذه الاختلالات من دون حلها، إذ أمكن تعويض ضعف الإنتاج بالاستيراد، واستيعاب أعداد كبيرة من العاملين بالتوظيف الحكومي، وتمويل الخدمات والاستثمارات العامة من الموازنة. واستمرت هذه الصيغة ما دام النفط يوفر للدولة المال الكافي لتحمل كلفة المشكلات المتراكمة.
إلا أن قلة السيولة واضطراب تصدير النفط ينقلان المشكلات التي ظلت موزعة بين ملفات الوزارات إلى ميزانية الأسرة، لتنعكس على الطعام الذي تشتريه، والراتب الذي تنتظره، والكهرباء التي لا تصل إلى بيتها، والمياه التي تحتاج إليها للشرب أو الزراعة.
وقد بدأت بعض هذه الضغوط تظهر في الشارع. ففي واسط، تحولت احتجاجات الكهرباء إلى اعتصام مفتوح أمام مجلس المحافظة؛ للمطالبة بزيادة حصة المحافظة من الطاقة. وفي قضاء الفهود بذي قار، نصب الأهالي خيامهم بسبب تردي الكهرباء والخدمات، وطالبوا بربط القضاء بمنظومة كهرباء البصرة. وفي ناحية العزير بميسان، قطع محتجون طريق ميسان–البصرة بعد انقطاعات طويلة للتيار.
وعاد الحراك في شمال البصرة بمطالب تتعلق بالخدمات والإعمار، ووصل التصعيد إلى التهديد بإغلاق الطرق والحقول النفطية في مناطق تنتج جانباً مهماً من الثروة التي تقوم عليها مالية الدولة.
كما وصلت أزمة الرواتب إلى الاحتجاج. ففي الخامس من آب، تظاهر موظفون وتدريسيون في جامعات كركوك والبصرة وبابل وتكريت وذي قار وواسط بسبب تأخر رواتبهم ومستحقاتهم. وفي كركوك، قال موظفون إن انتظار الراتب اقترب من خمسين يوماً، فيما استمرت التحركات في بابل خلال اليوم التالي. لا تشكل هذه الاحتجاجات حركة واحدة، لكن تزامنها يكشف اتساع الضغوط التي وصلت إلى الحياة اليومية.
والسؤال الآن: ماذا سنأكل، وكيف سنشتري حين لا يعود ممكناً شراء الوقت نفسه؟
اشتركوا بالنشرة البريدية لتصلكم كل اثنين.