تكشف الجرائم التي تهز الرأي العام في العراق عن هشاشة اجتماعية، وثغرات مؤسساتية، وأسئلة أعمق حول قدرة الحكومة على حماية مواطنيها، ولا سيما في مراكز الاحتجاز، وتوفير الحماية لمن هم تحت مسؤوليتها.
هذا ما تطرحه قضية النزيلة التي قالت، مؤخراً، إنّها تعرضت لاعتداء جنسي داخل مركز شرطة النهضة في محافظة الديوانية، وهي قضية ما تزال قيد التحقيق، لكنها أعادت إلى الواجهة ملف أوضاع النساء داخل أماكن الاحتجاز في العراق.
وبحسب ما أعلنته قيادة شرطة الديوانية، أُحيل ضابط برتبة نقيب وثلاثة منتسبين إلى التحقيق على خلفية شكوى تقدمت بها نزيلة كانت موقوفة في المركز.
وكانت الشابة محتجزة على ذمة المادة 248 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، المتعلقة بتضليل القضاء وإخفاء الأدلة أو تقديم معلومات كاذبة، قبل أن تتحول من متهمة إلى مشتكية تتهم عناصر أمنية بالاعتداء عليها أثناء فترة احتجازها.
القضية اليوم أمام القضاء، وهو الجهة المخولة بتحديد المسؤوليات الجنائية، إلّا أن الوقائع التي رافقتها تطرح أسئلة تتجاوز حدود ملف التحقيق، وتمتد إلى التساؤل حول إجراءات الرقابة داخل المركز، وآليات الإشراف، وكيفية التعامل مع شكاوى المحتجزين، ومدى التزام أماكن الاحتجاز بحماية النساء وفق المعايير القانونية والإنسانية.
الهشاشة قبل الجريمة
بحسب ما تحدثت به الضحية، فإنها لم تعرف الاستقرار منذ طفولتها. فقدت والدها في سن مبكرة، وتنقلت بين منزل ابن عمها ومنزل شقيقها، ولم تتمكن من إكمال تعليمها، كما لم تجد من يوفر لها الرعاية أو الإسناد. وتزوجت مرتين وانتهى الزواجان بالانفصال، فيما يعيش أطفالها الأربعة مع والدهم.
تشير الضحية أيضاً إلى أنها عاشت سنوات طويلة وسط ظروف اجتماعية قاسية، تعرضت خلالها للاستغلال أكثر من مرة، وهو ما يعكس مساراً من الهشاشة الاجتماعية أكثر مما يعكس حياة اجتماعية مستقرة.
هذه التفاصيل لا تغير شيئاً من طبيعة التهمة التي كانت موقوفة بسببها، لكنها تكشف أن كثيراً من النساء اللواتي يصلن إلى أماكن الاحتجاز قد مررن بسلسلة طويلة من الفقر والتفكك الأسري، وهي عوامل تزيد من احتمالية تعرضهنّ للاستغلال والانتهاك.

وبحسب الزميلة الصحفية منار الزبيدي التي التقت الضحية أثناء احتجازها، كانت الشابة تتحدث بصوت خافت، وتبكي وهي تروي ما حدث، مؤكدة أنها لم تتقدم بشكوى في البداية خوفاً من الوصمة الاجتماعية، وقد انتشر خطاب لوم الضحية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ شهدت محاولات لتحميل الضحية المسؤولية بعبارات مثل: “هي من أعطت المجال” و”ما حدث كان بالتراضي”، وهو خطاب ينقل العبء من الجاني إلى الضحية.
ذلك رغم أن الاعتداء الجنسي مسؤولية مرتكبه حصراً، ولا يمكن تبريره أو افتراض الموافقة عليه، لا سيما في ظروف الاحتجاز، وتكرار هذا الخطاب يدفع الضحايا إلى الصمت خوفاً من التشهير.
عندما تصبح الحكومة مسؤولة عن الحماية
في ظل النظام القانوني لا يفقد المحتجز حقوقه الأساسية بمجرد سلب حريته. فواجب الحكومة لا يقتصر على تنفيذ القانون، بل يمتد إلى حماية سلامة المحتجزين الجسدية والنفسية؛ لأنهم أصبحوا تحت مسؤوليتها المباشرة.
ومن هذا، فإن أي ادعاء بوقوع اعتداء داخل مركز احتجاز لا يمثل مجرد جريمة محتملة يرتكبها أفراد، بل يثير أيضاً تساؤلات حول إجراءات الرقابة والإشراف داخل المؤسسة نفسها.

وتزداد هذه الأسئلة أهمية مع ما أُثير حول إطفاء كاميرات المراقبة في مركز الشرطة، وهو ما دفع، بحسب رسمية المعلومات المعلنة، إلى فتح التحقيق في القضية.
ملف قديم يعود إلى الواجهة
قضية الديوانية لا تظهر في فراغ، فقد سبق أن رصدت تقارير رسمية وحقوقية مشكلات تتعلق بأوضاع النساء داخل أماكن الاحتجاز.
وأشار التقرير السنوي لوزارة حقوق الإنسان (التي أُلغيت رسمياً عام 2015) حول أوضاع السجون ومراكز الاحتجاز لعام 2012، إلى وجود اكتظاظ في عدد من السجون يفوق طاقتها الاستيعابية، كما وثق حالات تعذيب، واعتداءات جنسية أو تهديد بها بحق محتجزات، فضلاً عن ضعف الخدمات الأساسية داخل سجون النساء، مثل غياب الحضانات للأطفال المرافقين لأمهاتهم، ونقص الخدمات المقدمة للنزيلات من ذوات الاحتياجات الخاصة. وذكر التقرير أن عدد النساء المحتجزات في عموم العراق بلغ آنذاك 1165 محتجزة.
أوضاع الاحتجاز
بعد عام واحد من صدور تقرير وزارة حقوق الإنسان، برزت قضية السجينة إسراء ربيع، التي توفيت في تموز 2013، أثناء تنفيذ محكوميتها في سجن الحلة. ووفق ما أُثير آنذاك في وسائل الإعلام وتقارير حقوقية، فقد تدهورت حالتها الصحية بعد تلقيها حقنة، قبل أن تُنقل إلى سجن “السايت” في بغداد، حيث استمرت، بحسب تلك الروايات، في طلب الإسعاف لساعات قبل وفاتها، وسط اتهامات بوجود تقصير في تقديم الرعاية الطبية. وأصبحت قضيتها آنذاك واحدة من أبرز القضايا التي أعادت النقاش بشأن الرعاية الصحية داخل أماكن الاحتجاز، وأهمية المساءلة عن أي تقصير قد يهدد حياة النزلاء.
وفي السياق نفسه، قال مدير مكتب مفوضية حقوق الإنسان في الديوانية، عباس العيساوي، إن مركز شرطة النهضة الذي شهد الواقعة يعاني من سوء الخدمات، شأنه شأن عدد من مراكز الاحتجاز التي تعاني من تهالك الأبنية والاكتظاظ، وهو ما ينعكس على مستوى الخدمات المقدمة للنزلاء، ويزيد من التحديات التي تواجه إدارة هذه المراكز.

كما أعادت القضية التذكير بما وثقته منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها الصادر عام 2014، بعنوان “لا أحد آمن.. انتهاك حقوق المرأة في نظام العدالة الجنائية العراقي”. واستند التقرير إلى مقابلات مع نساء وفتيات وأقاربهن ومحامين ومسعفين، وتناول مزاعم عن تعرض محتجزات لسوء المعاملة والتعذيب والاعتداءات الجنسية، إضافة إلى انتقادات وجهتها المنظمة لآليات التحقيق في شكاوى التعذيب وسوء المعاملة آنذاك. كما أشار التقرير إلى أن بعض النساء أكدن أنهن احتُجزن لفترات طويلة دون استكمال الإجراءات القانونية، وأن عدداً منهن قدمن شكاوى بشأن ما تعرضن له.
ولا يعني استحضار هذه الوقائع أن الانتهاكات تمثل واقعاً عاماً في جميع مراكز الاحتجاز، لكنه يوضح أن قضية الديوانية ليست الأولى، وأن الاعتداء على النزيلات والمحتجزات وسلب حقوقهن أو حرمانهن منها موجود في العراق بالفعل، الأمر الذي يفسح مجالاً واسعاً للتأكيد على ضرورة تعزيز الرقابة والمساءلة داخل أماكن الاحتجاز، ولا سيما الخاصة بالنساء.
هل تنتهي القضية بمعاقبة المتهمين؟
إذا انتهى التحقيق إلى إدانة من تثبت مسؤوليته فإن ذلك سيكون خطوة أساسية لتحقيق العدالة. لكن القضية تطرح سؤالاً أكبر عن مدى كفاية محاكمة الجناة في ظل بيئة ومجتمع يسمحان بوقوع الجريمة، بل وتكرارها.
كما يثير ذلك تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كانت الجهات المختصة قد استمعت إلى بقية النزيلات اللاتي كُنّ موجودات في المركز خلال الفترة التي وقعت فيها الحادثة، وما إذا أتيحت لهن فرصة الإدلاء بأي معلومة أو شكوى في بيئة آمنة ومستقلة.
إن طرح هذا السؤال لا يفترض وجود ضحايا أخريات، لكنه ينسجم مع مبدأ أن التحقيق الشامل يجب أن يتحقق من سلامة أوضاع جميع المحتجزات، لا أن يقتصر على الواقعة التي انكشف أمرها.
وبين امرأة عانت سنوات طويلة من الفقر والحرمان، ومؤسسات يفترض أنها مسؤولة عن حمايتها عندما أصبحت في عهدتها، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستكون قضية الديوانية بداية مراجعة حقيقية لواقع النساء في أماكن الاحتجاز، أم أنها ستنضم إلى سلسلة من القضايا التي أثارت الغضب ثم غابت من الذاكرة بعد انتهاء التحقيق؟
- تُنشر المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”.