خلال شهر واحد فقط، أُعيد تشكيل صورة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي على المنصات الرقمية أكثر من مرة، فمن رئيس وزراء يقود حملة ضد الفساد، إلى “جندي الإصلاح”، ثم إلى سياسي يدور حوله جدل بشأن علاقته بالفصائل المسلحة وإيران، قبل أن تعيد زيارته إلى واشنطن ولقاؤه بالرئيس الأمريكي تقديمه في صورة زعيم إقليمي.
يرصد هذا التقرير أكثر من عشرة آلاف مادة نُشرت بين 15 حزيران و15 تموز 2026، لتحليل كيف تشكلت هذه الصور الرقمية، ومن هم أبرز الفاعلين الذين ساهموا في إنتاجها وإعادة تدويرها عبر المنصات المختلفة.


عند التاسعة و20 دقيقة تقريباً من مساء 27 حزيران 2026، بدأت صفحات عراقية متفرقة بنشر ادعاء واحد يفيد بأن رئيس الوزراء علي الزيدي “يشرف بنفسه” على اعتقال المطلوبين في حملة الفساد الكبيرة التي أطلقها، وظهر الادعاء خلال دقائق على صفحات محلية، من بينها “شوارع كربلاء”، و”جريدة وادي الرافدين”، و”ديالى 24″، و”من بغداد”، قبل أن ينتقل سريعاً إلى عشرات الصفحات والحسابات الأخرى.
خلال تسع ساعات، ظهرت 85 مادة عن الإشراف الشخصي للزيدي على الاعتقالات، نشرها 83 فاعلاً مختلفاً. وعلى تيك توك، حصد مقطع لحساب “حميد الأعرج” يكرر الرواية نفسها نحو 369 ألف تفاعل، ليتجاوز بفارق كبير التفاعل الذي حققته معظم الصفحات التي كانت أول من نشر الرواية.
شكّلت موجة الاعتقالات صورة سياسية لرئيس الوزراء بوصفه قائداً حازماً، حاضراً في الميدان، يتابع ملاحقة المتهمين بالفساد بنفسه.
رئيس يبحث عن صورة
في الأيام الأولى من الرصد، لم تكن للزيدي صورة رقمية مستقرة، وقد وضعه كل حساب إلكتروني تقريباً داخل قصة مختلفة.

نشر حساب “الحجي” على تيك توك ادعاءً عن إعفاء رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، وحصد أكثر من نصف مليون تفاعل. في المقابل، نشر حساب “جمجمة” رواية مضادة تقول إن إيران وجهت الزيدي إلى حل الفصائل، بينما ركز حساب “ابن العراق” على قرار توحيد الأعلام فوق المؤسسات الحكومية، مقدماً رئيس الوزراء من زاوية السيادة وهيبة الدولة.

تكشف هذه المنشورات المبكرة ثلاث صور رئيسية رافقت الزيدي لاحقاً: علاقته بالحشد، وموقعه بين إيران والدولة، ومحاولته الظهور بوصفه رئيساً يستعيد سلطة المؤسسات.
منحت سردية مكافحة الفساد الزيدي أول صورة رقمية متماسكة، قابلة للتداول والتكرار عبر المنصات. وسرعان ما تبنتها صفحات إخبارية ومحلية، نشرت أخباراً وادعاءات متشابهة عن المداهمات والاعتقالات، ورسخت تقديمه بوصفه قائد حملة واسعة لملاحقة الفساد.
وفي المقابل، حاولت حسابات أخرى كسر صورة الرئيس الإصلاحي. نشر حساب “الرأي السياسي” على تيك توك مقطعاً يصف الزيدي بأنه “المالكي الثاني”، محولاً الحزم من فضيلة لدى مؤيديه إلى تحذير من إعادة إنتاج نموذج سلطوي لدى منتقديه.
لم يكن الخلاف حول الاعتقالات نفسها، بل حول معناها: هل تمثل استعادة لسلطة الدولة، أم بداية لتركيز جديد للسلطة؟
قرار الأطباء: عندما تتجاوز الرسالة مصدرها
بعد ساعات من موجة “جندي الإصلاح”، ظهر ادعاء مختلف ينسب إلى الزيدي قراراً يلزم كل طبيب يعمل في عيادة خاصة بتقديم استقالته من الوظيفة الحكومية.
خلال نحو 27 ساعة، ظهر الادعاء في 292 منشوراً نشرها 286 فاعلاً، كان معظمها على فيسبوك. وفي أكبر مجموعة من النصوص المتطابقة التي رصدها التقرير، أعادت 46 صفحة وحساباً نشر صيغة واحدة 47 مرة خلال أقل من أربع ساعات.
امتد انتشار الادعاء إلى صفحات محلية في محافظات عراقية مختلفة، من صلاح الدين والأنبار إلى كركوك والسليمانية والحلة، عبر صفحات مثل: “هنا صلاح الدين الإخبارية”، و”أخبار الديوانية حبيبتي”، و”الأنبار الآن”، و”مخمور نيوز”، و”موصل تيوب”، و”كركوك الحدث”، و”السليمانية مدينتي”، و”شارع 40 الحلة”.




خلال نحو 27 ساعة، ظهر الادعاء في 292 منشوراً نشرها 286 فاعلاً، كان معظمها على فيسبوك. وفي أكبر مجموعة من النصوص المتطابقة التي رصدها التقرير، أعادت 46 صفحة وحساباً نشر صيغة واحدة 47 مرة خلال أقل من أربع ساعات.
امتد انتشار الادعاء إلى صفحات محلية في محافظات عراقية مختلفة، من صلاح الدين والأنبار إلى كركوك والسليمانية والحلة، عبر صفحات مثل: “هنا صلاح الدين الإخبارية”، و”أخبار الديوانية حبيبتي”، و”الأنبار الآن”، و”مخمور نيوز”، و”موصل تيوب”، و”كركوك الحدث”، و”السليمانية مدينتي”، و”شارع 40 الحلة”.
ولم يقتصر التشابه على مضمون الادعاء، بل شمل أيضاً العبارات التفسيرية والسؤال الموجه إلى المتابعين عن رأيهم فيه، بينما حققت بعض النسخ المنشورة تفاعلاً ملحوظاً، من بينها منشور حساب “علي الشريفي” الذي حقق أكثر من 4800 تفاعل، بينما حققت نسخ “مخمور نيوز” و”موصل تيوب” و”شارع 40 الحلة” تفاعلاً ملحوظاً داخل الموجة.
تختلف هذه الحالة عن إعادة نشر بيان سياسي معروف أو خبر عاجل صادر عن مؤسسة رسمية، فقد تحرك الادعاء بين شبكة واسعة من الصفحات المحلية، من دون أن يظهر في البيانات مصدر أول واضح يتناسب مع حجم انتشاره.
وعلى الرغم من ذلك لا يثبت أن الصفحات تلقت تعليمات من جهة واحدة، لكن تظهر قدرة شبكات إعادة النشر على تحويل صيغة واحدة، خلال ساعات، إلى قضية تبدو كأنها حاضرة في مناطق وبيئات رقمية متعددة.
صورتان للرئيس نفسه
مع انتقال النقاش إلى إيران والحشد الشعبي، تولت المؤسسات الإعلامية الكبرى دوراً أوضح في تحديد الإطار الذي يُرى الزيدي من خلاله.
قدمت “الجزيرة” مشهد استقبال الزيدي برفقة الرئيس الإيراني لجثمان المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في النجف، بينما نشرت “العربية” حديثاً لمحلل سياسي يصف مشاركة الحشد في التشييع بأنها “تجديد للبيعة” وتوظيف سياسي للجنازة.


لا يتعلق الاختلاف هنا بالمعلومات وحدها، بل بطريقة بناء المشهد. في الإطار الأول يظهر الزيدي كرئيس يؤدي دوراً رسمياً ودبلوماسياً، وفي الثاني يصبح الحدث دليلاً على استمرار نفوذ الحشد وإيران في العراق.
وبرزت صفحات مرتبطة بهوية الحشد أو مؤيدة له، مثل “فرسان الحشد” و”رباطات العراق الرسمي”، إلى جانب وسائل إعلام وحسابات ناقدة لدور الفصائل. وبين الطرفين، ظلت صورة الزيدي معلقة على السؤال نفسه: هل يمثل دولة تستوعب القوى المسلحة، أم دولة تستعد لمواجهتها؟
واشنطن تصنع أكبر موجة
بلغ النقاش ذروته مع زيارة الزيدي إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
في 13 تموز انتشر إعلان بدء الزيارة في عشرات النسخ. أعاد 18 حساباً نشر صيغة واحدة خلال 75 دقيقة، وكان أبرزها من حيث التفاعل حساب “ماهر موحي”، الذي حقق منشوره قرابة 28 ألف تفاعل. وظهرت الصيغة نفسها على “سوالف+عراقية”، و”النجف الآن”، و”الديوانية”، و”هوى نينوى”، و”وكالة الشافعية للأنباء”.
في هذه الحالة، يمكن تفسير التزامن بطبيعة الأخبار العاجلة واعتماد عدد كبير من الصفحات على مصدر خبري واحد، لذلك يمثل مؤشراً أضعف على التنسيق من حالة “قرار الأطباء”.
لكن الصورة تغيرت بعد بدء اللقاء، إذ لم تعد الصفحات تكرر خبر وصول الزيدي إلى واشنطن فقط، وإنما بدأت تنتقي من الحدث ما يناسب جمهورها.



حقق حساب “حسين آل طالب” أكثر من 235 ألف تفاعل على مقطع اللقاء الأول بين الزيدي وترامب. وركز “دستور 38” على سؤال ترامب للزيدي بشأن الجنرال الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، اللذين اغتيلا بضربة أمريكية قرب مطار بغداد عام 2020، وقد حصد نحو 148 ألف تفاعل. أما “بلينكس” فاختارت مزاح ترامب عن كون الزيدي “شاباً ووسيماً”، في مقطع حقق نحو 79 ألف تفاعل.
قدمت “قناة الفرات” عبارة الزيدي: “شبعنا من الماضي ونريد نسولف عن المستقبل”، بينما ركزت “قناة التغيير” على إعلانه موعداً لمنع الفصائل من حمل السلاح. وعلى فيسبوك، أعادت صفحات بينها “وكالة اليوم الإخبارية” تدوير عبارة منسوبة إلى ترامب تقول إن الزيدي سيصبح “زعيماً على مستوى الشرق الأوسط”.
لم تفرض زيارة واشنطن صورة واحدة، إذ أنتجت عدة صور متزامنة مثل: الزعيم الإقليمي، والرئيس الشاب، ورجل الدولة الذي يريد تجاوز الماضي، والحليف الأمريكي المحتمل، والمسؤول الذي يواجه سؤال الفصائل وإيران.
وكان تيك توك هو الفاعل الأهم في منح هذه الصور انتشارها، فالمنصة لم تنتج سوى نسبة محدودة من مواد الرصد، لكنها استحوذت على معظم التفاعلات بفضل عدد صغير من المقاطع عالية الانتشار.
من يصنع الصورة؟
لم تكشف البيانات عن غرفة مركزية واحدة تدير الحديث عن الزيدي، وما ظهر أقرب إلى منظومة من الفاعلين، يؤدي كل منهم دوراً مختلفاً.
تُنتج المؤسسات الإعلامية الكبرى الإطارات السياسية الأوسع، كما ظهر في تغطيات “الجزيرة” و”العربية” و”الفرات” و”التغيير” و”بلينكس”. وتمنح الصفحات المحلية الرسائل حضوراً جغرافياً واسعاً، من “شوارع كربلاء” و”ديالى 24″ إلى “مخمور نيوز” و”موصل تيوب”.

أما الحسابات السياسية أو القريبة من البيئات الحزبية، فتتولى تعبئة المؤيدين حول شعارات مثل “جندي الإصلاح” أو “الدفاع عن الحشد”. وفي الوقت نفسه، يستطيع صانع محتوى واحد على تيك توك، مثل “حميد الأعرج” أو “حسين آل طالب”، أن يمنح رواية واحدة تفاعلاً يفوق ما تحققه عشرات الصفحات مجتمعة.
وتوضح الحالات أن تكرار النص ليس متساوي الدلالة دائماً، فإعادة عشرات الصفحات خبر وصول الرئيس إلى واشنطن قد تكون تداولاً إخبارياً طبيعياً، وتوزيع خطاب معلن لمقتدى الصدر قد يمثل تعبئة سياسية صريحة، أما انتشار ادعاء غير واضح المصدر بالنص نفسه بين صفحات محلية متباعدة فيمثل مؤشراً أقوى على وجود شبكة لتوزيع المحتوى تستحق الفحص.
لم تصنع جهة واحدة هذه الصور. صنعتها المنافسة بين الأخبار والخطابات السياسية والصفحات المحلية وخوارزميات الفيديو القصير، حيث لا تنتصر الرواية بالضرورة لأنها الأكثر دقة أو لأن عدداً أكبر من الناس أنتجها، بل لأنها وجدت الفاعلين القادرين على تكرارها والحسابات القادرة على منحها الانتشار.
خلال شهر واحد، انتقل الزيدي من رئيس لم تستقر صورته بعد، إلى قائد لحملة اعتقالات، ثم “جندي للإصلاح”، وطرف في معادلة إيران والفصائل، قبل أن تعيد واشنطن تقديمه بوصفه زعيماً إقليمياً ورئيساً شاباً يحظى باهتمام ترامب.
- تُنشر المادة بالشراكة مع مجتمع التحقق العربي.