من نافذة الطائرة الهابطة في مطار بغداد، كانت الأوغندية مونيكا (22 سنة) تحدّق، وتظن أنها تصطحب حقائبها نحو دولة مستقلة تحمل هذا الاسم، من دون أن تدرك أنها تخطو نحو عاصمة بلاد تجهل تماماً جغرافيتها وثقافتها.
لم تكن صدمة الجغرافيا سوى أولى العتبات في رحلة عملها في العراق، قبل أن تختزلها عبارة عنصرية عابرة أطلقها صبي من نافذة سيارة في أحد الشوارع بسبب لون بشرتها.
قال لها الصبي: “ها السودة”. فهمت الشابة الإفريقية تلك العبارة التي وضعتها أمام حقيقة عالمها الجديد.
لم يكن هذا الموقف مجرد سلوك صبياني فردي عابر، بل كان ستاراً يخبئ ملامح سوق كاملة للعمالة المنزلية الأجنبية في العراق، بمنظومة موازية تدار خلف أبواب مكاتب الاستقدام وشاشات الهواتف الذكية، حيث يتداخل الاستثمار المالي في الهشاشة الإنسانية، وتتحول العلاقة في كثير من الأحيان -بفعل الفراغ التشريعي وتواطؤ الرقابة- من تعاقد مهني رسمي إلى تبعية شخصية كاملة، تفرضها الممارسات اليومية في ظل غياب المساءلة.
خلف الستار الرقمي الذي يعرض صور العاملات المنزليات في منصات التواصل الاجتماعي العراقية، تدار عمليات جلب هؤلاء النساء عبر قنوات بالغة التعقيد، تتقاسم إدارتَها شبكاتٌ خفية من الوسطاء المحليين والدوليين.
تبدأ الرحلة من وطأة الفقر الخانق، وارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض الأجور في دول المصدر، حيث تقع النساء تحت طائلة الحاجة الاقتصادية، ما يدفعهن إلى تسليم مصائرهن لوسطاء يوجهونهن نحو السوق العراقية.
وبمجرد حصول الشركات المحلية في بغداد والمدن الكبرى على الترخيص الرسمي والتسجيل لدى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، تنطلق آلية الاستقدام عبر فاعل أساسي في العملية يُعرف باسم “السوبر فايزر”، وهو وسيط يتحرك في بلد المنشأ ليكون حلقة الوصل المباشرة مع المكاتب داخل العراق، ويتولى تأمين الأعداد المطلوبة من العاملات وتجهيز وثائقهن قبل نقلهن عبر المطارات.
تتضح الفجوة التنظيمية في هذا القطاع عند فحص طبيعة العلاقات القانونية والتعاقدية التي تربط مكاتب الاستقدام العراقية بأولئك الوسطاء في الخارج، إذ تختلف الآليات وفقاً لجغرافيا دول المصدر.
ففي حالة العاملات الإفريقيات القادمات من بلدان مثل نيجيريا وكينيا وإثيوبيا بصورة أكبر، ومدغشقر وغيرها من الدول بصورة أقل، يغيب أي عقد رسمي يوثق العلاقة بين المكتب العراقي والوسيط الخارجي، حيث يدار هذا النشاط التجاري بناء على تفاهمات شفوية وعلاقات شخصية غير محمية قانونياً، وفق ما وثقه مُعدّ التحقيق.
وتظهر العقود الرسمية والأطر الأكثر تنظيماً عند استقدام العاملات الآسيويات، حيث تُحكم العلاقات بين الوكلاء والمكاتب العراقية بضوابط قانونية أوضح، يعززها وجود تمثيل دبلوماسي وسفارات فاعلة لبلدانهن داخل العراق، بخلاف الدول الإفريقية التي تفتقر إلى أي بعثات دبلوماسية قادرة على تتبع مواطنيها وحمايتهم.
ممارسات تتجاوز التنظيم
من الناحية الرسمية، تخضع مكاتب الاستقدام المحلية لسلسلة من الإجراءات الإدارية والقانونية الرامية إلى إدخالها ضمن الأطر المنظمة، إذ يتطلب تأسيس المكتب دفع رسوم مالية تقارب مليوني دينار لدى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، كخطوة أساسية للحصول على رخصة العمل الرسمية التي تتيح للشركة ممارسة نشاطها وفقاً لقانون العمل العراقي.
وعلى الرغم من هذه الواجهة التنظيمية، فإن الممارسات الميدانية تثبت أن هذه الإجراءات الإدارية ما زالت هشة وقابلة للتجاوز، بدلاً من أن تكون أداة حازمة لفرض سيادة القانون، حيث تعجز الآليات الحالية عن توفير الحماية الفعلية لأطراف العلاقة التعاقدية أو رصد الانتهاكات خلف الأبواب المغلقة للمنازل.
ويتعمق هذا الفراغ الرقابي والمؤسسي عندما تنشأ النزاعات والخلافات بين العائلات المشغِّلة والعاملات الأجنبيات في العراق، ففي ظل غياب جهات حكومية مستقلة يسهل الوصول إليها لفض هذه الخصومات، تحولت مكاتب الاستقدام نفسها إلى هيئات تحكيم موازية غير رسمية.
يُحال النزاع مباشرة إلى شركة التشغيل لتلعب دور الوسيط والقاضي في آن واحد، وهي ممارسة تكرّس تضارباً صارخاً في المصالح، إذ يسعى صاحب المكتب بالدرجة الأولى إلى حماية أرباحه واستثماراته المالية بدلاً من الإنصاف المستقل، ما يحرم العاملة، الطرف الأضعف في هذه المعادلة، من أي نافذة قانونية محايدة تضمن حمايتها.
ولا يتوقف الانتهاك عند حدود غياب النصوص المنصفة، بل يمتد ليتخذ طابعاً استعراضياً في الفضاء الرقمي العراقي، ففي مشهد أثار جدلاً واسعاً عبر منصات التواصل الاجتماعي، ظهرت إحدى المؤثرات في مواقع التواصل في مقطع فيديو وهي تصطحب طفلها إلى أحد مكاتب استقدام العاملات في بغداد، وتطلب منه اختيار “الأجمل” من بينهن، في سلوك وثقته الكاميرا كعملية انتقاء مادية قائمة على المظهر الخارجي والشكل.

قوبل هذا التصرف بانتقادات حادة من المتابعين الذين اعتبروه سلوكاً مهيناً يقوم على المفاضلة الشكلية بين العاملات الأجنبيات، ويعيد إنتاج ثقافة التمييز أمام الجمهور.
ولا يبدو هذا السلوك معزولاً عن سياق ثقافي واقتصادي أوسع يتحكم في بنية هذه السوق في العراق. وفقاً لشهادة محمد العبيدي، وهو صاحب مكتب “قمر أريدو” لاستقدام العاملات في بغداد، فإن تفضيلات العائلات العراقية تخضع لتقسيمات طبقية وجنسية واضحة، إذ تحظى العاملات الآسيويات بأجور أعلى مقارنة بالعاملات الإفريقيات؛ لأسباب يربطها أصحاب العمل والمكاتب بما يصفونه بـ”الانضباط” أو جودة الخدمة المقدمة.
كما تحرص أغلب العائلات على تسلم تقارير طبية خاصة بالعاملات يجريها أصحاب المكاتب فور وصولهن؛ للتأكد من أن العاملة ليست حبلى أو مصابة بأمراض معدية، فتخضع أجسادهن للفحص المستمر من أجل تفادي المشكلات قبل تسليمهن للبيوت.
ويؤكد العبيدي أن محددات الاختيار داخل السوق العراقية تتجاوز اعتبارات الكفاءة المهنية نحو أحكام مسبقة، إذ تبدي بعض العائلات تحفظاً صريحاً على تشغيل العاملات الإفريقيات، بناء على مبررات تتعلق بالمظهر الخارجي، أو بذريعة خوف الأطفال من لون بشرتهن.
وتعكس هذه الادعاءات تصورات نمطية مرتبطة باللون والشكل، وتكشف كيف يتحول الفضاء المنزلي إلى مساحة تمارَس فيها تفضيلات تمييزية تؤثر بشكل مباشر في القيمة السعرية للعاملة وفرص حصولها على العمل.
ولا تقتصر معايير الانتقاء على الأبعاد الشكلية أو الجنسية فحسب، بل تمتد لتشمل اعتبارات ثقافية ودينية بالغة الحساسية، إذ تشير الإفادات الميدانية إلى أن بعض العائلات تأخذ بعين الاعتبار الدين، وأحياناً الطائفة، عند اختيار العاملة، ما يوضح حضور شروط عقائدية قد تصل في بعض الأحيان إلى حد رفض الآخر والامتناع عن تشغيله بغض النظر عن مهارته.
فوضى رقمية
تختلف الأجور الفعلية استناداً إلى نوعية المهام الموكلة إلى العاملة، فقد تتولى رعاية كبار السن، أو الاهتمام بالأطفال، أو تتفرغ لأعمال التنظيف المنزلي، أو تتولى هذه المهام كلها براتب شهري يتراوح بين 200 و400 دولار كحد أقصى.
وفي مقابل هذه الأجور، برزت في الفضاء العام ظاهرة استعراضية، تتحول العاملة الأجنبية بموجبها إلى جزء من مظاهر “البرستيج” الاجتماعي والطبقي، حيث تحرص بعض العائلات على اصطحاب عاملاتهن إلى الأماكن العامة والمرافق التجارية الفاخرة كدلالة رمزية على الثراء.
هذا التوظيف الطبقي لوجود العاملة في الحياة اليومية سرعان ما ينتهي إلى أزمات حادة عندما تختفي مظاهر الزينة وتبدأ رحلة الخلافات.
على مدار الأشهر الأخيرة، انتقل التوتر الكامن في علاقات العمل المنزلية من الغرف المغلقة إلى الفضاء الأزرق، إذ رُصد نشاط مكثف لمجموعة عامة على منصة فيسبوك تحمل اسم “هروب العاملات الإفريقيات والآسيويات”.
تُنشر في هذه المجموعة بشكل متكرر بلاغات هروب لعاملات من المنازل، أو شكاوى عائلية من خلافات حادة معهن، وتكشف طبيعة التفاعل والتعليقات داخل هذا الفضاء الرقمي عن مستوى عال من الاحتقان والعدائية، يتجاوز حدود التعبير عن المشكلات الفردية إلى إنتاج خطاب منظم يحمل طابعاً عنصرياً وتحريضياً، حيث انتقد معلقون اقتصار الإجراءات الرسمية عند ضبط العاملات الهاربات على الترحيل من دون عقوبات رادعة تمنع تكرار الأمر، في حين ذهب معلق آخر إلى أبعد من ذلك، مفنداً فرضية التعامل الإنساني معهن بقوله: “لازم تنركع بالنعال”. وهو ما يُظهر حجم القبول المجتمعي المفرط لاستخدام العنف ضد المستضعفين.
ولا تقتصر هذه المجموعات على بث الشكاوى والتحريض، بل تحولت بفعل غياب الرقابة إلى “سوق رقمية موازية” وغير منظمة لتبادل النساء، حيث يعرض بعض المستخدمين عاملاتهم الحاليات “للنقل” والتخلي عنهن لصالح عائلات أخرى، عبر ترتيبات وصيغ تُقدَّم تحت مسمى “تحويل كفالة” بضمان مكاتب الاستقدام.

وتتضمن التعليقات في أحيان كثيرة انتهاكات صريحة وموثقة لحقوق الإنسان، إذ كتب مستخدم أخفى هويته الحقيقية أن “العراقيين لا يعرفون التعامل مع العاملات”، مقارناً الوضع -بحسب زعمه- بدول خليجية تُستخدم فيها أساليب قسرية كالعنف والإهانة اللفظية والجسدية كوسيلة أساسية لتحسين الأداء وضبط السلوك، وهو طرح يكشف عن مدى تغلغل الأنماط العنيفة بوصفها أدوات مقبولة للإدارة الإنسانية، من خلال هذه الفضاءات الرقمية التي باتت تعويضاً عن القنوات الرسمية الغائبة لتقديم الشكاوى والانتصاف القانوني.
هذا الانسداد المؤسسي يدفع العائلات والعاملات على حد سواء إلى اللجوء إلى فضاءات رقمية مفتوحة وغير خاضعة لأي رقابة قانونية، ما يحولها إلى بيئة خصبة لانتهاك الخصوصية، وتبادل الاتهامات، وممارسة البيع والشراء السري تحت غطاء الكفالة.
وتضع هذه الفوضى الرقمية وزارة الداخلية أمام مسؤوليتها القانونية والأمنية المباشرة، إذ تقع إدارة ملف الأجانب وضبط إقاماتهم ومراقبة سلامة التعامل معهم في قلب اختصاصات الوزارة التنفيذية.
وبدلاً من أن تتحرك الأجهزة الأمنية لضبط هذه الأسواق الموازية، ما زال الفضاء الرقمي مفتوحاً أمام ممارسات تخرق القوانين الوطنية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان من دون رادع.
الاقتصاد الخفي
على الرغم من أن بعض العاملات الأجنبيات يعشن تجارب مستقرة نسبياً في العراق -كما تشير الطبيبة رسل التي تقول إنها تحرص على توفير بيئة تعامل متوازنة لعاملتها الأوغندية مونيكا – فإن الجانب الآخر من المشهد يكشف عن واقع ميداني أكثر قسوة وتطرفاً.
تكشف شهادات أخرى عن بلوغ المعاناة الإنسانية حدوداً تدفع بالنساء الوافدات نحو خيارات اضطرارية شديدة الخطورة، تفادياً لظروف العمل القاسية خلف الأبواب.
في هذا السياق، تؤكد عاملة أجنبية اسمها “ميلينا” أنها باتت تفكر بشكل جدي في الهروب من المنزل الذي تعمل فيه؛ نتيجة تعرضها المستمر لسوء المعاملة، الذي يتجاوز التعنيف اللفظي والصراخ لأتفه الأسباب إلى الاعتداء الجسدي والضرب المباشر.
وتوضح ميلينا لجمّار أنها تفتقر تماماً إلى معرفة أي جهة رسمية أو مؤسسية يمكنها اللجوء إليها لتقديم شكوى أو طلب الحماية، وهو العجز الذي دفعها إلى التواصل السري مع “شبكة غير رسمية” تديرها عاملات هاربات سابقاً.
تعمل هذه الشبكة التضامنية الموازية على تأمين ملاذات آمنة للوافدات الجديدات، وتوفير فرص عمل بديلة في السوق السوداء بعقود أقل تقييداً وأجور مالية أعلى.
ويشير هذا النمط المتصاعد إلى نشوء اقتصاد خفي مواز ومستقل خارج الأطر الرسمية للدولة، تديره العاملات بأنفسهن كمحاولة للتحرر من الاضطهاد، لكنه يفتح في الوقت ذاته أبواباً جديدة للاستغلال والاتجار في ظل غياب الحماية القانونية الواضحة.
ويكشف الفحص القانوني لملف الخدمة المنزلية في العراق عن ثغرات بنيوية وتجاوزات صريحة للقوانين النافذة، إذ يوضح المحامي أيوب حميد أن عاملات الخدمة المنزلية -وغالبيتهن من دول إفريقية- يواجهن إشكالات قانونية متزايدة تضعهن في موقف هش أمام السلطات وأصحاب العمل.
ويبرز في مقدمة هذه الإشكالات استغلال مكاتب الاستقدام سمة الدخول السياحية (التي تمنح حق الإقامة في العراق لمدة 30 يوماً) المنصوص عليها في قانون إقامة الأجانب رقم 76 لسنة 2017، لتشغيلهن داخل المنازل بشكل مستمر من دون تحويل هذه السمات إلى إقامات عمل رسمية، ما يحرم العاملات من أبسط الضمانات والتعويضات القانونية، ويعد خرقاً واضحاً لقانون تشترك في تمريره المكاتب وأصحاب العمل على حد سواء.
وعلى الرغم من وجود مسار قانوني رسمي ينظم استقدام العمالة عبر شركات مرخصة تخضع لإشراف وزارة العمل، ويشترط إصدار إجازة عمل وتسجيل العاملات في نظام الضمان الاجتماعي، فإن التجاوزات الميدانية تظل هي السائدة، حيث يُتعمَّد تخفيض الرواتب الفعلية الممنوحة للعاملات عن ما هو مصرح به رسمياً لدى الدوائر الحكومية، وبما يقل عن الحد الأدنى المقرر لأجور العمال الأجانب.
ويمتد هذا الخرق إلى الحرمان من ساعات الراحة والإجازات، إذ تعمل كثير من العاملات طوال أيام الأسبوع من دون يوم راحة واحد، في مخالفة صريحة للمادة 67 من قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015.

نص المادة 67 من قانون العمل رقم 37 لسنة 2015:
أولاً: لا تزيد ساعات العمل اليومية على ثماني ساعات في اليوم، أو 48 ساعة في الأسبوع، مع مراعاة الاستثناءات المنصوص عليها في هذا القانون.
ثانياً: في الأعمال التي تؤدى بدوامين وفي الأعمال المتقطعة لا يجوز أن تزيد مدة بقاء العامل في مكان العمل على عشر ساعات، على ألّا تزيد ساعات عمله الفعلية على ثماني ساعات في اليوم.
ثالثاً: تخفض ساعات العمل اليومية في الأعمال الخطرة والمرهقة أو الضارة بالصحة، وتحدَّد هذه الأعمال والحد الأقصى لساعات العمل بموجب تعليمات يصدرها الوزير باقتراح المركز الوطني للصحة والسلامة المهنية.
رابعاً: يستثنى من أحكام هذه المادة ما يأتي:
أ – المشاريع التي لا يعمل بها سوى أفراد أسرة صاحب العمل.
ب – الأشخاص الذين يشغلون وظائف الإشراف والإدارة.
جـ – الأشخاص المستخدمون في أعمال تتطلب السرية.
د – العمال الذين يقومون بالأعمال التحضيرية أو التكميلية التي تؤدى خارج الحدود المقررة لساعات العمل في المشروع.
هـ – عمال الحراسة.
و – الموفدون للقيام بعمل خارج مشاريعهم.
ز – عمال الزراعة.
خامساً: يُصدر الوزير تعليمات يحدد فيها ساعات عمل الحالات المنصوص عليها في البند “رابعاً” من هذه المادة.
الأركان الاحتكارية
فيما يتعلق بالجانب المالي والاستثماري لهذه السوق، يوضح العبيدي أن رواتب العاملات تتراوح بين 200 و300 دولار تدفعها العائلة شهرياً، في حين تتركز الفائدة الاستثمارية للشركة في أرباح ما يُتعارف عليه بـ”بيع العاملة” إلى الأسرة الراغبة، وينظَّم ذلك بعقد مواز تدفع بموجبه العائلة مبلغاً مقطوعاً يتراوح من 2000 إلى 5000 دولار لصالح مكتب الاستقدام.
وتكتمل أركان هذه المعاملة الاحتكارية بإجراء غير رسمي تلجأ إليه مكاتب التشغيل أو العائلات كضمانة مادية، يتمثل في مصادرة واحتجاز جواز السفر الخاص بالعاملة لمنعها من المغادرة أو الحركة.
وتحدث هذه الممارسات القسرية، وعلى رأسها حجز وثائق السفر والإكراه البدني أو المعنوي لتأمين استمرار العمل، على الرغم من أن قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012 يجرّمها بوضوح، ويفرض عليها عقوبات صارمة قد تصل إلى السجن لمدة 15 سنة.
نص المادة 5 من قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012:
أولاً: يعاقب بالسجن المؤقت وبغرامة لا تقل عن خمسة ملايين دينار ولا تزيد على عشرة ملايين دينار كل من ارتكب أحد الأفعال المنصوص عليها في المادة 1.
ثانياً: تكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على 15 سنة، وغرامة لا تزيد على عشرة ملايين دينار لكل من ارتكب جريمة الاتجار باستخدام إحدى الوسائل الآتية:
أ – استخدام أي شكل من أشكال الإكراه، كالابتزاز أو التهديد أو حجز وثائق السفر أو المستمسكات الرسمية.
ب – استخدام أساليب احتيالية لخداع الضحايا أو التغرير بهم.
جـ – إعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو منافع للحصول على موافقة من له السلطة أو الولاية عليهم.
ومع ذلك، ما زالت هذه الانتهاكات تسجل رسمياً في ظل غياب المتابعة والتدقيق، فضلاً عن غياب تطبيق شرط تشغيل نسبة 80 بالمئة من العمالة العراقية في هذا القطاع، الذي يفتقر تماماً إلى قانون خاص ينظم العمل المنزلي ويضمن حقوق أطرافه.
ويتعمق الفراغ الرقابي في ملف العاملات الأجنبيات في العراق عند الاصطدام بغياب البيانات، إذ لا تتوفر حتى الآن أي تقارير رسمية حكومية أو مسوح محلية شاملة توثق بدقة أعداد هؤلاء النساء، أو تحدد خريطة حقوقهن وواجباتهن، كما تغيب الإحصاءات الرسمية المتعلقة بمؤشرات الانتهاكات المسجلة.
هذا الفراغ المعلوماتي يجعل من الصعب تقييم الحجم الحقيقي للظاهرة، ويحول دون إخضاع مكاتب الاستقدام والجهات المعنية للمساءلة القانونية والمؤسسية على أسس دقيقة وثابتة.
وفي ظل هذا الغياب للبيانات الرسمية، يظل المشهد معلقاً بين روايات فردية منشورة عبر الإنترنت، تتحدث فيها بعض العاملات عن تعرضهن لانتهاكات قاسية تشمل التعنيف الجسدي أو اللفظي، من دون محاسبة الجناة، وبين تجارب إيجابية أخرى لوافدات تلقين معاملة محترمة وحوافز مادية وعينية من العائلات المشغلة.
يعكس هذا التباين الحاد واقعاً معقداً يتحرك في منطقة رمادية غامضة، لا تتحكم في صياغتها نصوص القوانين المعطلة بقدر ما ترسم ملامحها الممارسات اليومية والمزاجية الفردية لأصحاب العمل.

وقالت رازاو صالحي، الباحثة المعنية بالعراق في منظمة العفو الدولية، إن الفشل في حماية حقوق العاملات المنزليات المهاجرات في العراق، كما هو موثق في هذا التحقيق، يكشف عن وجود فجوة هيكلية في نظام الحماية، تسمح بانتشار الاستغلال والانتهاكات خلف الأبواب المغلقة.
وعلى الرغم من وجود قوانين في القانون العراقي توفر الحماية، فإن انتشار الإساءات العنصرية، والعنف، والمعاملة غير المتساوية، واختلاف الأجور بناءً على الجنسية أو لون البشرة، إضافة إلى المصادرة المستمرة لوثائق الهوية والسفر، كما تقول صالحي لجمار، كلها تُعد مؤشرات على فشل مزمن في تنظيم هذا القطاع والإشراف عليه بشكل فعّال.
وتضيف الباحثة التي تعمل على توثيق المخالفات في العراق، أن من الضروري إنشاء آلية خاصة لمتابعة تنفيذ هذه القوانين، ومراقبة مدى الالتزام بها، والتحقيق في مزاعم الانتهاكات والاستغلال، وضمان محاسبة المسؤولين عن هذه المخالفات.
إضافة إلى ذلك، ترى صالحي أن البلدان الأصلية لهؤلاء العاملات يجب أن تتحمّل مسؤوليتها في حماية مواطنيها، من خلال مراقبة ومحاسبة الجهات التي تقوم بعمليات التوظيف غير القانونية، وبدون وجود محاسبة حقيقية بين جميع الدول المعنية ستستمر دائرة الانتهاكات.
تظل العاملات الأجنبيات الطرف الأضعف في منظومة تعيد إنتاج التبعية في سوق تتسع بلا ضوابط، من مكاتب الاستقدام إلى إجراءات الكفالة الرقمية الموازية، ليظل السؤال الأهم معلقاً في أروقة القرار: من يحمي هؤلاء النساء؟ وهل يمكن تنظيم قطاع اقتصادي واعد من دون إطار تشريعي خاص يضمن الحد الأدنى من الكرامة والعدالة الإنسانية؟