“رايحين لبغداد ووجهتنا شارع الرشيد”.. “غايد لاين” لشارع لم يعد كما كان

حين كنا نقول "رايحين لبغداد" كانت وجهتنا شارع الرشيد. هذا المقال محاولة لاستعادة شارع كان بالنسبة إلى كثير من البغداديين أكثر من طريق..

كريم شغيدلكريم شغيدل | 23 تموز 2026

حين كانت أمي تقول إن أبي “راح لبغداد”، كانت تقصد شارع الرشيد حيث يعمل. وكبرنا على المعنى نفسه، حتى صرنا نقول: “رايحين لبغداد”، فيما كانت وجهتنا دائماً ذلك الشارع. 

سحرني اسمه ربما قبل رؤيته، وصدمتني عطوره والروائح المنبعثة من بوابات السينمات والمقاهي والمطاعم. رائحة الفلافل والهمبرغر والكص والتكة والكباب والكيك والباسطرمة، وكلها أشياء لم أتذوق طعمها بعد. وكذلك العطور المنبعثة من محال الملابس والألعاب والعطور والأحذية. 

أدهشني تمايل النساء وهن ينقلن الخطى بأحذية ذات كعوب عالية كانت تسمى (سكاربيلات)، وصدمتني النساء الأجنبيات وهن يحتضن كلابهن الصغيرة ذات الفراء. ما هذه البنايات الشاهقة؟ ما هذه العطور والروائح؟ الوجوه مختلفة لا تشبه وجوه الناس الذين أعرفهم، والأزياء لا تشبه تلك التي يرتديها الرجال والنساء في محلتنا. 

كان كل شيء أنيقاً ومحسوباً بدقة، المقاسات مضبوطة، والألوان متناسقة، والأحذية لامعة. ليس هناك من يرتدي الدشداشة أو العقال أو الغترة أو البجامة (البازة المخططة) أو الشحاطة أو النعال، وهي ملابس كانت شائعة في بغداد، ولكن ليس في الرشيد. 

نشأت بين محاله وأزقته، وأكملت دراستي الابتدائية في مدرسة العوينة المسائية التي سجلت فيها مضطراً بمصادفة عجيبة. كان مكانها الأول خلف سينما الزوراء، ثم انتقلت إلى نهاية الزقاق قبالة ساحة العوينة الرياضية (أمانة بغداد حالياً)، الزقاق نفسه الذي يؤدي إلى بيت الروائي غائب طعمة فرمان. ومنذ ذلك الوقت وأنا أدخر قصصاً وحكايات وأسراراً ومعلومات كثيرة لا يعرفها إلا من عاش هناك في تلك الحقبة. 

خرائط المشّاء 

سأبدأ من جهة الباب الشرقي، وتحديداً من الناصية اليمنى حيث تقع شركة جقماقجي للأسطوانات. تلك الواجهة المهيبة التي تحتل ركن الشارع، واجهة زجاجية مؤطرة بخشب ساج، يمتد خلفها مكان غريب في تركيبته، حيث توجد أجهزة الغرامفون ورفوف الأسطوانات التي تربك الناظر لكثرتها وجمال تنسيقها. 

وهذه الشركة، كما تشير المصادر، أسسها فتحي قاسم جقماقجي سنة 1918 في الموصل، واتسع نطاق عملها في بغداد. وقد سجلت للعديد من المطربين العراقيين والمصريين كأم كلثوم وعبد الوهاب وقراء القرآن والمنشدين. وفي ثمانينيات القرن الماضي، حاول الحفيد سمير جقماقجي التعاطي مع الموسيقى الغربية المعاصرة والسمفونيات الكلاسيكية، إلا أنها لم تصمد أمام تنافس الكاسيتات والأقراص المدمجة وموجات الغناء الشعبي، ما آل إلى تصفيتها. 

تليها بضعة محال خياطة تعرض واجهاتها أزياء قيافة عسكرية، ثم زقاق يتصل بشارع الخيام، تخصصت محاله بخياطة الملابس العسكرية لا سيما بدلات المراسم الرسمية. وفي الجهة المقابلة تقع الأسواق الحرة التي أُغلقت في الثمانينيات ليحل محلها فرع صغير لـ”أوروزدي باك” مخصص لملابس الأطفال وألعابهم، وقد اقتنيت منه أول جهاز “أتاري”. 

تليه بناية بسلم يفضي إلى بار صغير لتناول البيرة في الطابق العلوي، يرتاده بعض الموظفين ليأخذوا قسطاً من الراحة بعد نهاية الدوام. نعود إلى جهة اليمين لنمر من أمام محلَّين صغيرَين بعد الزقاق، ثم ناصية شارع الخيام. لا أتذكر ماذا كانت قبل أن تصبح باراً منذ أواخر السبعينيات، ثم تحولت إلى محل أزياء. 

أما الناصية الثانية لشارع الخيام فأتذكر جيداً أنها كانت معرضاً رئيساً لمعمل فتاح باشا. وهذه وحدها قصة، إذ يعد هذا المعمل الذي أسسه فتاح باشا بن سليمان البغدادي وافتتحه الملك فيصل الأول في العام 1926، أول مصنع للغزل والنسيج وصناعة السجاد والفرش والبطانيات في المنطقة، ومن أولى المشاريع الاستثمارية التي دمرها قانون التأميم في عهد عبد السلام عارف. 

وقد اختفى هذا المعرض وهُدم وقامت مكانه البناية الحالية التي تضم نقابات العمال. بعد شارع الخيام هناك محال قليلة تتوسطها قيصرية تضم عدة خياطين، أتذكر منهم خياطاً فلسطينياً يدعى أبو العبد، كانت محال الأزياء تتسابق إليه ليخيط لهم بناطيل يبيعونها في محالهم. 

روكسي وحسو وأريدو 

بعدها تواجهنا سينما روكسي التي تحولت إلى مسرح النجاح، وخلفها سينما ريكس الصيفية، اللتان تمتدان في بابيهما الخلفيين إلى شارع الخيام. بعدهما مباشرة كان هناك محل لبيع الكيك والمرطبات واللبن، وبعده محل أريدو لبيع الأربطة الحريرية. 

ثم تواجهنا بناية مميزة تشغل مساحة كبيرة على ناصية زقاق يؤدي إلى شارع الجمهورية. ولهذه البناية قصة أيضاً، فإلى منتصف السبعينيات كانت تعلو سطحها يافطة كبيرة كُتب عليها “أسواق حسو المتحدة”، ويبدو أنها كانت أقدم مول في الشرق الأوسط، أسسته عائلة “حسو”، وهي العائلة المارونية الوحيدة في العراق من أصل لبناني. 

كان لهم محل كبير لغاية الثمانينيات لبيع الملابس والأربطة الحريرية يسمى “إلياس حسو أخوان”، مقابل بيت ساسون حسقيل أول وزير مالية عراقي (منتدى السينما حالياً، منتدى المسرح سابقاً)، وكانت تشغله دائرة الهواتف. وفي المنطقة ذاتها عيادة أحد أفراد الأسرة (الطبيب الجراح لبيب حسو). 

روى لي أحد كبار السن آنذاك أن البناية قد بيعت بالمزاد العلني في الستينيات. وكان من بين المزايدين عليها الشيخ مهدي بلاسم الياسين، شيخ عشيرة مياح الذي تسنم حقيبة وزارية في حكومة انقلاب البعثيين في تموز 1968، لكنه تخلى عنها بعد مدة وجيزة وتوفي في العام نفسه إثر جلطة دماغية. وهو من كبار المشايخ الملاكين، حتى أُشيع عنه أن الدولة خلال حكم الزعيم عبد الكريم قاسم استدانت منه مبلغاً من المال، وهي مجرد إشاعة. 

والشخصية الأخرى التي أثارت تساؤلات الحضور واستغرابهم لحماسها في المزايدة من أجل الحصول على البناية هي ابنة يوسف مسيح، صاحب معمل “عرق مسيح” المشروب الكحولي الشهير. 

وفي مطلع الثمانينيات فوجئنا بتحول البناية إلى جمعية لموظفي الدولة تسمى جمعية “خير الله طلفاح”، لا نعرف كيف حصلت عليها. وكانت تبيع الملابس والسجائر المحلية والمستوردة والأجهزة الكهربائية والمواد الغذائية، وتفرض مع كل سلعة شراء كتاب من كتب طلفاح سيئة الصيت. كانت الكتب تلقى في القمامة خلسة عن أعين المراقبين، بينما يسرع المستهلكون والدلالون والدلالات لبيع السلع بإضافة أرباح بسيطة. 

على ناصية الزقاق المجاور لها كان استديو “ألوان الربيع”، الذي كان يملأ الجدار بالصور. ولعل أول صورة غير شمسية بقميص جديد التقطتها هناك، وكانت من أجمل ما يكون. 

بجوار هذا الاستديو كانت تلفت انتباهي سيارة سوداء اللون، أظنها من ماركة “دوج” أو “رولز رويس”، ربما أربعينية أو ثلاثينية الموديل، مركونة في كراج يغلقه باب (كبنك) يُرفع في أغلب الأوقات. 

هذه المنطقة غالبية أملاكها عائدة للطائفة الموسوية اليهودية. ففيها بيت ساسون حسقيل الذي شُيد في العام 1919، والمحال التي تحولت إلى مبنى عقارات الدولة الحالي، والمحال المقابلة. 

وقد اشتهر اليهود هنا بحرفة نادرة هي صناعة سلال الولادة وعربات الأطفال والحجلات وبعض كماليات السيارات من القصب والمواد الأخرى، وكان يطلق عليهم لقب “القصبجية”. أتذكر منهم داوود الذي كان يعتمر السدارة الفيصلية، وصباح السمين المرح ذا النظارة السميكة، وكذلك سليم مراد شقيق المطربة الشهيرة سليمة مراد، والذي استبدل اسمه ليكون محمد سليم مراد بعد أن أسلم ليتمكن من الزواج من فتاة أحلامه المسلمة من سكان محافظة ديالى. 

بجوارهم كان هناك محل كبير لبيع الهدايا والثريات والحيوانات المحنطة والتحف وبعض الأجهزة الكهربائية، يعود للحاج أديب سوري الأصل. وهو على ناصية زقاق غير نافذ يضم عيادة لبيب حسو وشركة البهباني، الذين طالهم التسفير مطلع الثمانينيات ثم عادوا إلى العراق، وقيل إن أحد أنسابهم كان ضابطاً في القصر الجمهوري فتوسط لهم عند رأس النظام الحاكم فأُعيدوا ثانية. 

طبعاً كان هناك تسفير سابق شمل اليهود وما سمي بالتبعية الإيرانية في العام 1969. وعلى الناصية الأخرى كان محل جورج للقرطاسية، الذي انتقل من الجهة المقابلة بعد أن حجزت الدولة ما سمي بالأموال المجمدة (عقارات الدولة حالياً)، أي أملاك اليهود. 

وفي الزقاق نفسه كانت ورشة سليم مراد لصناعة كماليات السيارات، وكذلك ورشة أبو وليد لصناعة الأطراف والمساند لذوي الإعاقة، ومحل خياطة حازم الترزي المختص بالقيافة العسكرية للجنرالات الكبار، ثم محل “إلياس حسو أخوان”. 

بعده محل الخيام، الذي كان يديره شخص من أصول مسيحية ضخم هو وزوجته، التي كانت بضخامته، بوجهين سمحين مبتسمين، لبيع الكماليات النسائية. بعده تأتي بوابة كبيرة لبناية من أجمل البنايات، بشرفات مزخرفة تطل على الشارع، وتعلو سطحها علامة كبيرة لماركة “مارسيدس”، حيث مقر الشركة. 

كانت هناك عائلة مسيحية تسكن في إحدى الشقق المطلة على الشارع. كثيراً ما كنت أشاهد فتيات جميلات يقفن في الشرفة العالية بملابس شفافة، وشعر أشقر تنسدل خصلاته على الأكتاف. كان والدهم حلاقاً في محل قريب. 

في الوقت نفسه، كان خلف البوابة صحيفة “التآخي” الكردية، التي تحولت فيما بعد إلى صحيفة “العراق”. مرة شاهدت رجال الأمن يفتشون المارة ممن يحملون صحفاً يومية، وحين وصلت إلى مقر صحيفة “التآخي” كانت هناك حركة غير طبيعية، إذ تم سحب الصحيفة من الباعة ومن القراء، وعادت شاحنات النقل الصغيرة (بيك آب) برزم كثيرة. 

تبين فيما بعد أن هناك خطأ في المانشيت الرئيسي، إذ سقط حرف الباء من اسم “البكر” فأصبح “الكر”، وهي كلمة ذات معانٍ واشتقاقات قاموسية عديدة، لكنها في العامية العراقية بضم الكاف تعني الجحش. 

وكانت هذه البناية تنطوي، كما كان يبدو لي، على أسرار غامضة. ففي الثمانينيات، مع بداية الحرب، كان يخرج منها شخص مسن أشيب ضخم، ببذلة أنيقة وقميص أبيض وربطة عنق عريضة، ويبدأ ببث خطابات حماسية، ويزبد ويرعد، ثم يختمها بعبارة: اللواء الركن كذا… الحبوش، القائد العام للقوات المسلحة. 

وكانت طريقة أدائه تشبه نوعاً ما طريقة “أبو حقي”، مجنون شارع الرشيد العتيد، الذي كان يستفزه المارة بعبارة “حقك أبو حقي”، التي باتت مثلاً أو كناية ساخرة تقال لمن يطالب بحقه. وهو الآخر كان يرتدي بذلات أنيقة وربطات عنق، ويرتدي أحذية من ماركة “فان هاوزن”، يحرص على تلميعها، على الرغم من كونها قديمة. 

ولا أحد يعرف إن كانت الحكومة فعلاً قد صادرت أمواله أم كان يتوهم ذلك. تخيلوا خصوصية مجانين هذا الشارع العجيب. 

أرشيف عصبي للهندسة المعمارية 

بعد البوابة يقع محل شاهين للألبسة، وكانت أسعاره مرتفعة بسبب جودة بضاعته، وموقعه أسفل تلك البناية. ثم تأتي بناية أخرى يتصدرها محل كبير لبيع المعدات المنزلية، ثم محل إيمان للأحذية، ومحل عبد الله الشبوط لبيع الساعات والأجهزة الكهربائية. 

ثم محل محمد علي الشجاعي الذي تم تسفيرهم. ابنه جلال تم حجزه لكونه عسكرياً، وأعدم فيما بعد. يليهم محل كان يعد علامة تجارية مهمة بفرعين، الثاني يقع مقابل الشورجة، وأعني أحذية الشروق، التي كانت من أغلى وأحسن وأفخم الأحذية، وكان زبائنهم من نمط برجوازي، أو قل من نمط أرستقراطي، إذ تصطف سيارات حديثة أمام المحل لاقتناء العديد من الأحذية. 

ولهذا المحل قصة قاسية، إذ صودرت أموالهم المنقولة وغير المنقولة بسبب إعدام ابن لهم اتُّهم بالانتماء إلى حزب الدعوة الإسلامية. ثم مُنح المحل لشخص تكريتي برتبة لواء ركن، فافتتح بدلاً منه محل البسوس للألبسة الرجالية والنسائية والعطور. 

بعده محل أبو طارق الدونجوان، الذي يشبه رشدي أباظة. ثم محل فاضل أبو الشربت، وهو في الأصل سلم (محل صغير)، أصبحت له شعبية، ثم انتقل مقتسماً مع مهدي علي باراً أُغلق بسبب تحول البناية وقفاً دينياً. 

كان يضع الجوز على وجه قدح كبير من عصير الزبيب. وفاضل هذا شخص غريب الأطوار، كان يعمل في مواسم الحج “حملداراً” لغرض المتاجرة بالممنوعات، ثم كوّن شبكة من مجموعة مصريين للمراهنات السرية في نادي الفروسية، الذي يطلق عليه العراقيون “الريسز”، بعد أن مُنعت المراهنات فيه من قبل الحكومة، فألقي القبض عليه وسجن. وبعد خروجه سألته: لماذا تعرّض نفسك للخطر؟ فرد علي ضاحكاً: سُجنت ثلاثة أشهر، لكن ربحي كان 30 ألف دينار. 

تزوج من فتاة جميلة من الديانة المسيحية، واقتنى سيارتين برازيليتين باللون الأحمر، واحدة له والثانية لها. ثم ساءت أموره في التسعينيات، وطلب مني أن أساعده في العثور على مكان يركن فيه عربة لبيع العصائر في الباب الشرقي، واختفى بعدها نهائياً. باع محله ليحل بدلاً منه “عصائر مشمشة”. 

مقابل أسواق حسو، أو جمعية طلفاح، كان هناك بيت في زقاق صغير يؤدي إلى نهر دجلة. في هذا البيت كانت هناك “جمعية حماية الفنون والآداب”. كانت المطربة سليمة مراد تأتي إليها برفقة زوجها المطرب ناظم الغزالي بسيارتها “الأوبل”. وأتذكر أنني فوجئت بصراخ ولغط لأشخاص متعددين يخرج من الغرفة التي تشغلها الجمعية. 

تبين فيما بعد أنها “بروفات” كان يجريها الفنان سعدي يونس بحري على مسرحية أظن عنوانها “الدربونة”، عُرضت في حديقة الأمة، كما عُرضت لاحقاً في نادي الرافدين (مركز شباب الفارس العربي لاحقاً) في مدينة الثورة، وربما في مناطق شعبية أخرى. 

ويقال إن هذا البيت يرتبط ببيت آخر في الجهة المقابلة عبر نفق تحت الشارع، كالنفق الذي يربط خان مرجان بجامع مرجان في منطقة الشورجة. 

وفي منطقة السنك ذاتها، كان بجوار بيت ساسون حسقيل محل لبيع الأربطة الحريرية، ثم محل العروسة لبيع الأقمشة النسائية، صاحبه من أصل سوري. وكانت العائلات التي تقتني منه تبدو عليها علامات الترف والغنى. 

وبجواره محل خياطة الشروق، ثم محل جورج للأقمشة الرجالية، وبجواره محل الحاج إبراهيم لإطارات السيارات، الذي تحول إلى بيع الساعات والأجهزة الكهربائية. وبجواره محلان صغيران هما سلمان، الأول لبيع الملابس الداخلية والعطور والنظارات، والثاني مكتب استنساخ. 

ثم مخزن ناصر الحديث، وكان بواجهة كبيرة، عُرف ببيعه لقمصان “ألفا وبيتي روز وتهامة”، وهي مصانع قمصان رسمية متميزة. ثم تأتي دائرة الأحوال المدنية الحالية، وهي بناية تراثية غاية في الروعة، غرف وأجنحة وشرفات وسلالم وسراديب وأعمدة ونقوش ومرآب لوقوف السيارات، تقع على نهر دجلة، وتحيطها حديقة كبيرة. يقال إنها في الأصل كانت فندقاً سياحياً يدعى “فندق زيا”، وصاحبه من الطائفة اليهودية. 

إعلان لفندق زيا، مصدر الصورة: الكاتب.

بعدها كان هناك محل لبيع أدوات احتياطية للسيارات، انتقل إلى شارع الجمهورية، وحل بدلاً منه محل كامل أبو مصطفى لبيع الأزياء. بعده محل صغير (سلم) لبيع الملابس الداخلية، ثم محل أكد للأزياء. 

وصاحب هذا المحل كادح حقيقي، بنى حياته من الصفر كما يقال. فقد كان عاملاً في أحد محال الأزياء في منطقة راس القرية في شارع الرشيد، وهي المنطقة المحصورة بين حافظ القاضي أو ساحة الوثبة والشورجة أو ما يسمى “عكد الجام”. 

حصل على حصته من إرث بسيط من والده، فتشارك مع صديقه جاسم أبو نجلاء، يرحمهما الله، ثم انتقل جاسم إلى محل آخر بعد فض الشراكة. كانت المحال تباع بما يسمى “السرقفلية”. 

بعدها أفرغ المصور “عبوش” الشهير محله المقابل لساحة الوثبة، وقيل إن مالك البناية سيقوم بتهديمها قريباً. إلا أن جبار، بكل جرأة، استأجر محل عبوش من دون سرقفلية، وحوله إلى محل فخم لبيع الأزياء، فضرب ضربته كما يعبر أبناء السوق. 

فالبناية لم تهدم حتى هذه اللحظة، وتحول جبار إلى واحد من أكبر تجار شارع الرشيد. وهو شخص كيس متواضع يساعد الفقراء، وله مواقف مع عماله وجيرانه من أصحاب المحال والكسبة. 

بجانب ذلك المحل كان محل أحذية ريفان، الذي اكتسب شهرة واسعة منذ السبعينيات، وافتتح فروعاً أخرى في منطقتي الكسرة والمنصور. ثم محل خياطة يحيى مشكور. 

مرة قلت للفنان غازي الكناني: “عندما كنت صغيراً كنت أراك تتردد على يحيى مشكور؟” فقال: “صديقي، مرة فصّلت عنده بدلة (قاط)، وعندما اشتدت ملاحقة الأمن البعثي للشيوعيين هربت، وبقي القاط هناك”. 

يحيى مشكور باع المحل لشاب كان يعمل معه، بعد أن تسرح من العسكرية، يدعى فخري، بالتقسيط المريح، مكافأة لجهوده وأمانته. لكن فخري تم تسفيره مطلع الثمانينيات، وعاش في السويد بعد عناء. 

وفي التسعينيات جاء إلى العراق بجوازه السويدي، وبقي يتردد على المكان، ويقف أمام محله ويتحسر، لكنه لا يستطيع أن يتكلم، فقد مُنح المحل لأحد رجال الأمن. 

بجانبه محل أحذية الروابي، الذي كان محلاً لبيع الأربطة والعطور، وكانت تديره فتاة مسيحية تدعى “روزا”. وكانت مهووسة بنظافة المحل وتعطيره بعطر منعش ومميز. 

ثم باب خشبي بطراز قديم يؤدي إلى بناية ذات غرف كثيرة وشرفات تطل على الشارع. كانت معملاً للملابس الداخلية، ثم أصبحت فندقاً بعد تدفق الآلاف من المصريين. 

ثم محل أبو رشدي، الذي اشتهر بصناعة بناطيل “كاسكا”. وبجواره باب سلم يفضي إلى عيادتين لأشهر طبيبتين آنذاك، أخصائية العيون ثريا فتوحي مراد، التي أجرت لوالدي عمليتين لإزالة الماء، وشقيقتها أمل فتوحي مراد أخصائية الأمراض النسائية، أطال الله في عمرها. 

ثم محل عمو إسماعيل (أبو حقي)، وكان خياطاً ومستورداً قديماً. وأتذكر في منتصف السبعينيات أن صدام حسين عندما كان نائباً، وخلال جولة من جسر الأحرار حتى جسر الجمهورية، دخل إلى محل أبو حقي واقتنى منه كمية من الملابس الداخلية من ماركة (B.Y.D) اللبنانية، وأخبره بأنه كان يشتري منه هذه الملابس قبل الثورة. 

ثم محل البشائر لشاكر الخفاجي، الذي كان يمتلك معملاً لصناعة الفراء والجلود الطبيعية، وأحذية (21)، ومحل حلاقة، وأسواق. 

ثم محل جواد الشكرجي، المشهور ببيع بطاقات اليانصيب والتمور والحلويات. وبجانبه محلات الخضيري للتجهيزات الرياضية، وبجانبه “عراق سبورت” للتجهيزات الرياضية أيضاً. 

ولهذا المحل قصة غريبة، فصاحبه كان هندياً، وقد أصدرت الحكومة منتصف السبعينيات قراراً بتخيير الأجانب ممن مر على وجودهم 25 سنة فما فوق بين التجنيس أو المغادرة، ففضل المغادرة. 

العالم في شارع الرشيد 

في الثمانينيات عاد إلى العراق خياط فلسطيني، كان يعمل في هذه المنطقة قبل أن يغادر إلى الكويت، حاملاً توكيلاً من التاجر الهندي، فأعاد افتتاح “عراق سبورت”. 

وبعده يأتي فندق ابن الهيثم، الذي كنت أتهجى لافتته السابقة بصعوبة: “تايكر بالاس”. وهو فندق جميل، على جانبي بوابته محلان صغيران، الأول للملابس الرجالية، كانت تديره فتاة جميلة، والثاني يشغله غالي الأعرج، أشهر رواف ملابس في بغداد. 

وهنا تنتهي منطقة السنك، بعد أن أزال جسر السنك منطقة حيوية منها. 

بعد الفندق كان هناك محل أحذية، ثم مطعم “تاجران” الشهير، وفرعه الثاني في بداية شارع السعدون، الذي تم تسفير صاحبه وآل إلى أحد رجال الأمن. وكثيراً ما كانت تقام فيه مأدبات الأعراس، وهو من طابقين، ويشغل ناصية شارع يفضي إلى نهر دجلة. 

وفي الناصية المقابلة كان مطعم أبو يونان الشهير للهمبرغر. وداخل الفرع كان هناك مقهى كبير، ثم مطعم صغير يقدم أكلات منزلية يديره متي المسيحي الخلوق الهادئ. وكان يجلب قدور الكبة الموصلية والجلفراي من منزله القريب. 

وكانت هناك قيصرية تفضي إلى فندق كبير على نهر دجلة كانت تقام فيه الحفلات، ومديرية الكمارك، ومحال أخرى، حتى نصل إلى المصرف الزراعي. 

كنت أتحين الفرص عند نهاية الدوام لأرى بابه الكهربائي الفضي، كيف يرتفع من الأرض ويغلق الواجهة. 

في المساء كان يقف على ناصيته رجل مسيحي يبيع اللحم بعجين، ويتحلق الناس حوله لسماع حكاياته ورطانته بثماني لغات كان يتقنها. 

ثم ندخل إلى شارع فرعي آخر يؤدي إلى منزل عبد الرحمن النقيب. على جهته اليسار مديرية شباب بغداد، وقد رأيت أكثر من مرة المصارع عدنان القيسي يخرج منها بسيارة “مارسيدس” بلون أخضر فاتح؛ لأنه عُين مديراً عاماً آنذاك. 

وفي الجهة المقابلة مقهى كبير. من هنا تبدأ منطقة المربعة، التي غلب عليها طابع التنوع. 

ونبدأ من مكتبة حسن ضايع، ثم مكتبة يوسف اليهودي، ثم عصير زبيب أبو بشار المصلاوي، ثم محل كهربائيات يعرض أجهزة تلفزيون صغيرة الحجم. 

ثم مطعم كبير تحول فيما بعد إلى بار، يديره إيزيديون من سنجار. ثم محل الأرمني آرتين الذي يصنع إطارات الصور. ثم هيكاز الحلاق، الذي كان يحمل حقيبته أحياناً ويركب سيارات فارهة تنقله إلى شخصيات مهمة ليحلق لهم في منازلهم. 

ثم بوابة خشبية بدرفتين، مفتاحها ذهبي، طوله ربما أكثر من 20 سم. كانت تشغلها رئاسة تنفيذ بغداد النظامي، ثم اشتراها شخص كردي وعرضها للإيجار، فتحولت إلى فندق، ثم مطعم، ثم مخزن. 

وهي بناية جميلة بطابقين، ولي فيها ذكريات طفولية. إذ تتوسط باحتها شجرتا تكي ونبق. وكان لحارسها المسيحي بطرس ولد يسمى صباح، كان يهز الأشجار ويرمي العصي لإسقاط التكي والنبق والعصافير الصغيرة من الأعشاش، ثم نلتقط أنا وهو ما يتساقط فنلتهمه. 

بعدها محل كيك، يرتبط بمعمل داخل منطقة السنك حيث محال الأدوات الاحتياطية الآن وإعدادية النضال. كان يصنع كيك أعياد الميلاد والأعراس، يديره شخص مسيحي يدعى فرج. 

ثم محل أبو علاء لبيع الملابس “الكابوي” والقديفة. بعده محل كربيت للكيك واللبن والباسطرمة. 

كان يعرض نوعاً من الباسطرمة التي تسمى “القيصرية”، لم يعد موجوداً، وهي طبقات لحم، أظنه مقدداً، وشحم ملفوفة بطبقة من التوابل الحمراء حارة المذاق. 

لم يعد هذا النوع موجوداً في أسواقنا. دُهشت حينما رأيت الممثل خليل الرفاعي (أبو فارس) وهو يشتري الباسطرمة هو وزوجته، فوقفت أمعن في ملامحه. 

التفت لي وطلب مني أن أصرف له ديناراً، أي أن أعطيه بدلاً منه فئات أصغر. أخذت الدينار وأعطيته فئات ورقية صغيرة ومعدنية، فأمسك بي ودس في كفي درهماً (50 فلساً). 

تمنعت، لكنه أصر. يا إلهي، ربما هذه المرة الأولى التي أمسك بها درهماً ملكاً لي. 

ثم محل الإسكافي العجيب الأرمني ستراك خنكيك يان. وكان محلاً أنيقاً، مغلفة مقاعده بالنايلون الشفاف السميك. تلك المقاعد العالية التي يجلس عليها الزبائن لصبغ أحذيتهم وتناول “السفن آب”، إذ كان يضع على بابه وعاء كبيراً يشبه الزورق، بداخله قناني السفن آب، وعليها قطع الثلج، حيث اقترنت عندي رائحة السفن برائحة صبغ الأحذية. 

لغاية الثمانينيات كنت أراه محني الظهر، يحمل كيساً جلدياً، وتكاد جبهته تصل إلى ركبتيه. 

وهناك أيضاً بيت قديم ببوابة خشبية، هو مكتبة كبيرة لبيع الكتب القديمة بمختلف اللغات. يعرض أمامه بسطة كتب رجلٌ حزين، نادراً ما يبتسم، يسمى حامد. 

وكان هناك محل كبير لبيع إطارات السيارات لرجل أنيق تعلو شيب رأسه شقرة خفيفة. كانت تزوره المطربة عفيفة إسكندر، وكان أبي يتندر عليه ويمازحه بسبب تلك العلاقة الغامضة. 

ومحال أخرى كثيرة لها حكايات وأسرار، وأزقة لم يسعني ذكرها. فبعد المربعة تأتي منطقة سيد سلطان علي، حيث أحذية صادق محقق، وسعيد حراق، وأورزدي باك، ومقهى شط العرب، ومكتبة مكنزي، والمقهى البرازيلي، وحافظ القاضي، ثم الشورجة، وشارع السمؤل المكتظ بالصرافين، وسوق القماش أو التجار، وصولاً إلى الميدان، مروراً بعكد الجام، وساحة الرصافي، وشارع المتنبي، والسراي، والمتحف البغدادي، وسينما الزوراء والوطني، وأخرى بجانبهما، والبيضاء مقابل الرصافي، ومقاهي البرلمان، وحسن عجمي، وأم كلثوم، وسوق الهرج. 

أحتفظ بتفاصيل عن أمكنة كثيرة في هذا الشارع، الذي كان يمثل العراق حقيقة بجميع مكوناته. فتجد السني، والشيعي، واليهودي، والمسيحي، والأرمني، والماروني، والكردي، والفيلي، والإيزيدي، والفلسطيني، والسوري، وحتى الهندي، متعايشين ويشاركون بعضهم بعضاً في المناسبات، وبينهم مصالح تجارية، وعلاقات أخوة، وتكافل، ومحبة، واحترام. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

شاعر وناقد وباحث أكاديمي وكاتب مسرحي حاصل على شهادة الدكتوراة في اللغة العربية وآدابها، صدر له في الشعر: "مخطوطة الألم"، "ثمارها المعاصي"، "العناية بالرماد"، "الأسلاف الخونة"، وفي النقد: "خطاب الحداثة"، "الشعر والفنون"، "تحولات النص"، وفي المسرح أربع مسرحيات قصيرة.
بمشاركة