“نحن نحتاج أمهاتنا، قال الرسول: أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك، فالرسول وصى بالأم ثلاث مرات، وبالأب مرة واحدة، فالأم ليش سمت مدرسة؟ هي الي علمتنا، هي الي سهرت الليالي، هي الي إنطت، كلشي سوتلنا. من تغير هذا القانون أبوية يريد ياخذنا غصب عنا، يعني إحنا شنو ذنبنا؟ أبوي يريد يدمر مستقبلنا، يريد يزوجنا، يريد يبطلنا من الدراسة، شنو ذنبنا إحنا”.
بهذه الكلمات، وجهت طفلة رسالة تناشد بها رئيس الوزراء العراقي، في وقفةٍ نُظمت في ساحة التحرير في بغداد يوم السبت 27 حزيران، لمجموعة من الأمهات العراقيات اللواتي سُلبت منهن حضانة الأطفال بعد تطبيق فقرات وبنود وأحكام القانون الجعفري والمدونة الجعفرية، بدعوة من تحالف 188 للدفاع عن قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، الذي ضمّ نساء ورجالاً ينشطون في مجال القانون وحقوق الإنسان والمجتمع المدني.
فكيف وصلنا إلى لحظة تاريخية تغيّر فيها الخطاب عن الأمومة بهذا الشكل؟ وكيف أصبحت الأمومة، التي طالما قُدمت بوصفها قيمة اجتماعية ورمزاً للعطاء والرعاية، هدفاً لخطاب يسعى إلى نزع هالتها الرمزية وتشويهها والانتقاص منها، لا إلى مساءلتها أو نقدها نقداً بنّاءً؟ يحاول هذا المقال فهم كيف تشكل هذا التحول في الخطاب العراقي عن الأمومة، من خلال ربطه بالتغيرات الاجتماعية التي رافقت الجدل حول القانون الجعفري ومدونته، وما أفرزته من آثار مست النساء، ولا سيما الأمهات والأطفال.
ركزت مطالب المحتجات على تعديل الأحكام القضائية الصادرة بحضانة الطفل استناداً إلى المادة (2) و(3) والفرع ثانياً التعديل رقم 1 لسنة 2025 (قانون تطبيق أحكام المذهب الشيعي الجعفري)، الذي سأشير إليه في المقال “بالقانون الجعفري”، وتخيير الطفل بين البقاء مع والدته أو والده بعد سن انتهاء الحضانة، حسب المادة 88 من مدونة “الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري”، وهي تعد ملحقاً للقانون، وسأشير إليها في المقال بـ”المدونة الجعفرية”. بموجب الأخيرة تُمنح الحضانة للأب بمجرد إتمام الطفل سن السادسة وحتى سن البلوغ الجنسي والتحقق من الرشد، الذي حدده القرار رقم 93 الصادر عن محكمة التمييز الاتحادية بـ”18 سنة كاملة”. من قانون التعديل رقم 1 لسنة 2025 (قانون تطبيق أحكام المذهب الشيعي الجعفري)، الذي سأشير إليه في المقال “بالقانون الجعفري”، وتخيير الطفل بين البقاء مع والدته أو والده بعد سن انتهاء الحضانة، حسب المادة 88 من مدونة “الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري”، وهي تعد ملحقاً للقانون، وسأشير إليها في المقال بـ”المدونة الجعفرية”. بموجب الأخيرة تُمنح الحضانة للأب بمجرد إتمام الطفل سن السادسة وحتى سن البلوغ الجنسي والتحقق من الرشد، الذي حدده القرار رقم 93 الصادر عن محكمة التمييز الاتحادية بـ”18 سنة كاملة” 1 وكانت المحكمة الاتحادية العليا قد قضت بدستورية مواد الحضانة (81-88) بقرارها رقم 140 الصادر بتاريخ 14 حزيران؛ رداً على دعوى تقدمت بها امرأة تُدعى رفل محسن جاسم إلى محكمة الأحوال الشخصية في الناصرية بعدم دستورية تلك المواد. .
طالبت المحتجات في هذه التظاهرة بإلغاء “الأثر الرجعي” لتطبيق الأحكام القضائية وفق القانون الجعفري وملحقه، وهو تعبير غير دقيق كما سأُفصل لاحقاً في المقال.
“مصلحة المحضون” لا مصلحة الأم
لم تكن تلك الوقفة الأولى، فقد شهدت بغداد وقفاتٍ مشابهة خلال الأشهر الأخيرة. لكن وقفة الـ27 من حزيران كان لها صدى خاص؛ نظراً للقصص الصادمة والمؤلمة التي شاركتها الأمهات بحرقةٍ وغضب، وغصت بها مواقع التواصل الاجتماعي، رافعات شعارات تتمحور حول الأمومة ومصلحة المحضون بالدرجة الأولى، ولم يُطالبن بحقوقهن كأمهات، كحقهن في النفقة والإرث، رغم الكثير من “الخسارات“، كما يصف القاضي السابق رحيم العكيلي، إشارةً لما فقدته المرأة من حقوق كانت قد اكتبستها بموجب قانون 188 للأحوال الشخصية.
فركزت هتافات المشاركات على “تفعيل مصلحة المحضون” و”إنقاذ حقوق الطفل”، من قلب ساحة التحرير التي احتضنت سابقاً التظاهرات الوطنية والحركات الاجتماعية ضد فساد السلطات ونهب الموارد. كما شاركت أمهاتٍ مكلومات آثار سلب الحضانة عليهّ وعلى أطفالهن، ومنها حرمان الأطفال من الدراسة، أو تعنيفهم، وإهمال من له احتياجات خاصة. فمن المتعارف عليه مجتمعياً أن الأم تتولى مسؤوليات الرعاية والتربية في معظم الأوقات، كما تُجسد رمزيات إحدى منحوتات جدارية نصب الحرية الـ14 حيث تقف الأمهات، إذ تُصور الجدارية أماً تحتضن طفلها وتلفه بجسدها كحلقةٍ وسور؛ تعبيراً عميقاً عن الرابطة بين الاثنين وعن معاني الحنان والحب والرعاية.
الشخصي سياسي فقهي عُرفي
بات شعار “الشخصي سياسي” الذي ظهر مع الموجة الثانية من الحركة النسوية في الدول الغربية ركيزةً من ركائز الفكر النسوي، مؤكداً على عدم الفصل بين الفضائين العام والخاص والمشكلات والتجارب الفردية؛ باعتبارها مرتبطة بهياكل القوة في المنظومات الأبوية السياسية والاجتماعية. وفي ضوء هذا الشعار، فإن فهم وتحليل واقع النساء وتجاربهن الحياتية المعاشة وما يواجهن من عوائق وتحديات يتطلب دراسة تلك البنى، كما أن معالجتها لا تتم من دون تغييرات جذرية في السياسة والقوانين والمجتمع.
ورغم أن هذا الشعار لا يزال ينطبق على العراقيات، فإنه يظل محدوداً إذا لم نمده ليشمل الفقه والأعراف، فهي حجر الأساس للقوانين والتشريعات التي تشكل حيوات النساء والمجتمع بشكل ٍعام.
فعلى أثر تشريع القانون الجعفري ومدونته قوضت مركزية وفاعلية قانون 188، وهو الآخر قانون يستمد بنوده من الفقهين السني والشيعي، وتم الالتفاف عليه إثر فشل محاولاتٍ سابقة لإلغائه، وتعزيز السلطة الدينية على حساب القضائية. يظهر ذلك من خلال الدور المحوري للمجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي في إعداد وصياغة بنود المدونة، وإلزامية مخاطبته من قبل المحاكم للحصول على إجاباته الفقهيه والاستفتائية بشأن المسائل الإشكالية، كسن البلوغ والرشد وقضايا النفقة والحضانة 2 انظر المادة 2، الفقرة 3، البند (ز) من القانون رقم 1 لسنة 2025. وتنشيز الزوجة، وتكون إجاباته قطعية وعلى القضاء الأعلى الالتزام بتنفيذها 3 أقصد بتنشيز الزوجة أحكام النشوز المذكورة في الفصل السابع من المدونة، وعلى ضوئها تُعد الزوجة ناشزاً عند امتناعها عن أداء بعض الواجبات الزوجية التي تراها المدونة ملزمة لها، وما يترتب على تلك الأحكام من آثار. وحسب المادة 68 من المدونة، تُحرم الزوجة من النفقة في حالة النشوز، وتشمل ترك بيت الزوجية من دون إذن الزوج وعدم تمكينه من الجماع من دون عذر. .
وعلى الرغم من أن المدونة قد طُرحت بوصفها تعديلاً على قانون 188، الذي من شأنه أن يمنح المواطن العراقي حرية الاختيار في تنظيم شؤونه الشخصية، فإن ذلك الزعم ما هو إلا محض تضليل؛ إذ يسمح القانون الجعفري للرجال المتزوجين بتحويل عقود الزواج من قانون 188 إلى المدونة الجعفرية، دون الحاجة إلى موافقة الزوجة، بما في ذلك من تغييب متعمد لصوت المرأة وقرارها.

لطالما ذكرت في العقود الأصلية عبارة أن المهر المؤجل يُستحق “عند المطالبة والميسرة” 4 فحسب البند أ/ الفقرة 3 / مادة 2، اعتُبر أن عبارة استحقاق المهر المؤجل "حين المطالبة والميسرة" قرينةً على أن هذا العقد كان قد أُُبرم شرعياً وفق المذهب الجعفري. . أما الرجال المطلقون فلهم الخيار في تحويل أحوالهم وأحوال أبنائهم القاصرين تباعاً إلى القانون الجعفري 5 نظر البند ب/ فقرة 3 / مادة 2. . وعليه ففي الحالتين سيُحكم عند التداعي ضد الزوجة والطليقة في القضايا وفق أحكام المدونة الجعفرية، وهذا ما قصدته المحتجات في وقفة ساحة التحرير بـ”الأثر الرجعي”. كما يستطيع الأوصياء والورثة اختيار التحويل إلى القانون الجعفري لتكون الأحكام في صالحهم، وفي المقابل لا يمكن لأي طرف من الأطراف عمل العكس؛ أي اختيار تحويل العقود والأحوال الشخصية من القانون الجعفري إلى قانون 188.
فالقانون الجعفري ومدونته الفقهيه، وكما هو واضح من اسمها، جاءت لتفرض واقعاً جديداً على حياة الأفراد والأسر استناداً إلى الفقه الجعفري، مؤسِّسةً لما يمكن تسميته بـ”فقهٍ حيوي”، على غرار السياسات الحيوية وفق نظريات ميشيل فوكو 6 أقصد بالفقه الحيوي الفقه الذي يتحول بفعل التقنين والتشريعات إلى منظومةٍ من سياساتٍ تُدير الحياة الاجتماعية وتضبط المجالات الخاصة والمسائل الشخصية، كالزواج والطلاق والحضانة وغيرها. وأستخدم هذا المصطلح بوصفه أداة تحليلية مستلهمة من أفكار ميشيل فوكو حول السلطة الحيوية والسياسات الحيوية، التي تشرح كيف تمارس السلطات الحديثة إدارة السكان وتنظيم الحياة من خلال التشريعات والمؤسسات وآليات الرقابة، بما يؤثر في سلوكيات الأفراد وأجسادهم وعلاقاتهم الاجتماعية. انظر على سبيل مثال، ميشيل فوكو، تاريخ الجنسانية (الجزء الأول): إرادة المعرفة. ترجمة جورج أبي صالح. 2023. المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي. نُشرت الترجمة العربية لأول مرة عام 1991، ونُشر النص الأصلي بالفرنسية عام 1976 . فبنودها المستمدة من الفقه الجعفري تهدف إلى ضبط وإخضاع السياسة الحيوية في العراق والفضاء الخاص والعلاقات الاجتماعية، وفق أحكام مستمدة من أراء وفتاوى فقهية، معيدةً هندسة حياة النساء وأطفالهن، تحديداً الشيعيات؛ هندسةً فيها الكثير من الغبن والتمييز والتقليل من شأن المرأة وكيانها، فلا تُعامل موادها النساء كذوات متكاملة أو كمواطنات أسوةً بالرجال.
إذ إن المدونة الجعفرية مليئة بالنصوص التمييزية والظالمة بحق المرأة، وهي انعكاس لفقه ذكوري يعامل المرأة بمقدار ما تقدمه للرجل. فهي أداته للإمتاع الجنسي ووعائه لتكوين طفله وإنجابه وتهيئته ليكون ملكاً خاصاً له، فهو -أي الأب- صاحب “الحق الأول” فيه. في المقابل لا تحصل المرأة سوى على أجر قد يكون زهيداً من مهرٍ ونفقة تشمل الطعام والكسوة، مقابل طاعتها وجميع خدماتها الرعائية والمنزلية غير المقدرة، ولا يُعترف بدورها المحوري في حياة أطفالها وارتباطها الوثيق بهم. ولا تملك المرأة حق التطليق بصورة عامة، وفي حالة الخلع المشروط بموافقة الزوج فإن عليها التنازل عن حقوقها جزئياً أو كلياً 7 وتُعرّف المدونة الخلع في المادة 154 على أنه: "الطلاق بفدية من الزوجة الكارهة لزوجها، وإذا كانت الكراهة من الطرفين كانت مباراة". وتُوضح في المادة 160 أن تلك الكراهة يجب أن تكون "أعم من أن تكون ناشئة من خصوصيّات الزوج كسوء خلقه... ومن أن تكون من جهة عدم إيفائه بعض الحقوق المستحبة للزوجة أو قيامه بما لا ترتضيه". .
بانتفاء “الدخول” وبالتالي الحمل والإنجاب، لا تستحق المرأة المهر والميراث 8 كما جاء في المادة 311: "إذا تزوج المريض ولم يدخل بالمرأة ولم يبرأ من مرضه حتّى مات فزواجه باطل فلا مهر لها ولا ميراث" . وما ترثه الزوجة من زوجها المتوفى لا يشمل “الأرض المملوكة له لا عيناً ولا قيمة”، كما جاء في المادة 314.
في هذه الهندسة الحيوية لغة مهينة من خارج العصر، فالمرأة تصبح “يائسة” إذا ما انقطع عنها الحيض، وغير “طاهرة” في فترات الحيض والنفاس، ويترتب على حالتي “يأسها” و”طهارتها” أو عدمها تبعات. كما يحق للرجل الفسخ إذا ما كانت مصابة بمجموعة من “العيوب”، من بينها “الجذام” و”البرص” “والجنون”، وليس أي منها مدعاة للفسخ لو أصابت الرجل.
كما أن لتلك الهندسة جانباً اقتصادياً هاماً؛ إذ تتقاطع نصوص المدونة مع نزعة نيوليبرالية فاسدة تفكك من مؤسسات الدولة ومن مبدأ المواطنة نفسه لصالح الانقسامات الطائفية. تدفع العراقيات الثمن الأكبر لهذا التزاوج، ويتجسد ذلك في فتح الباب على مصراعيه لتشريع “زواج” المتعة وتزويج القاصرات. إذ تُعرّف المدونة الزواج في مادتها الأولى على أنه “عقد بين الرجل والمرأة تتحقق به علاقة خاصة بينهما يحل بسببها كل منهما على الآخر”. لم تحدد تلك المادة أي مدة أو سن للزواج، كما أنها لا ترى في الزواج مؤسسة تترتب عليها حقوق وواجبات، يسودها الاحترام المتبادل و”المودة والرحمة”، كما يذكر النص القرآني، أو مبدأ “الشركة” وفق الأطر الحقوقية والاجتماعية المعاصرة، فهي تُحيله إلى مجرد “علاقة خاصة” يحل طرفاها جنسياً للآخر.
يبرز التداخل بين العامل في تعزيز هيمنة ونفوذ رجال الدين، فكل قرار لا بد أن يبت به المرجع أولاً، وتًصرف لهم المواريث، كما تُذيل موادها في باب الميراث بما يلي: “وما يرثه الإمام (ع) بولاء الإمامة يصرف بإذن المرجع الديني في تأمين الحوائج الضرورية للمؤمنين” 9 كما تنص المادة 324 "إذا أوصى من لا وارث له الا الامام (ع) بجميع ماله للفقراء والمساكين وأبناء السبيل لم تنفذ وصيته الا بمقدار الثلث كما لو أوصى به في غير ذلك." .
إلا أن تلك القراءات، وكما ترى بتول فاروق، الأستاذة المتخصصة في فلسفة علم الفقه، تقوض مذهباً كاملاً وتنتقي ما تراه مناسباً لمواكبة الأعراف والتقاليد والمنظومة الأبوية الذكورية على نحوٍ عام. فعلى سبيل المثال، تحاجج الدكتورة فاروق متسائلةً بأن “المدونة لا تعطي-مثلا- للبالغة الرشيدة حق تزويج نفسها إذا كانت مستقلة، لكن هناك اجتهادات لمراجع كبار تجيز لها ذلك، فلماذا المدونة أخذت رأي المشهور، مع أنه لا ينسجم مع مجريات العصر الحاضر؟ وينسجم إلى حد ما مع البيئة العشائرية المغرقة في الأبوية”. هكذا يكرس القانون الجعفري ومدونته لواقعٍ تتسيد فيه الأعراف العشائرية، خصوصاً تلك المتلعقة بمفاهيم “الشرف” و”العفة”، وتغيب فيه القوانين والتشريعات التي تحمي النساء والأطفال.

تبرز هذه المواءمة الانتقائية بين الفقه وبين العُرف في قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم 140 وتعريفاته المتناقضة، إذ فصل بين الحضانة والأمومة زاعماً أن الصلة “الطبيعية والنفسية لا تنقطع بالانفصال بين الأم والطفل”، رغم أنه أكد في تفسيره للحاجة إلى حضانة الأم لطفلها في السنوات الست الأولى على قدرات الأم “الفطرية على الرعاية والحنان”، بينما تتطلب المرحلة العمرية بعد الدخول في سن السابعة الدور “التربوي والتوجيهي” للأب.
وفي هذا التقسيم للأدوار اعتراف بأن الأبوة في مجتمعاتنا غير مرتبطة بالرعاية والعاطفة، وهنا يصبح السؤال: “بغياب الأم، من سيمنحهما للطفل بعد الانتقال إلى الحاضن؟” سؤالاً منطقياً ومشروعاً. ووقع كتاب المحكمه في تناقضٍ آخر حين علل حكم إسقاط الحضانة عن الأم في حال الزواج برجلٍ آخر بأنه “قد يشكل خطراً على مصلحته النفسيه والتربوية”، “لانشغال الأم بزوجها الجديد عن رعاية المحضون”، لكنه في الوقت ذاته أشار إلى المادة 87 في المدونة الخاصة بحق التنازل عن الحضانة كـ”إطار قانوني يراعي المصلحة الفضلى للطفل ويكرس حرية الوالدين في تنظيم حياتهم الأسرية”. لم يجد قرار المحكمة أي تناقض بين المادتين أعلاه؛ لأنه لم يستنبط تفسيراته إلا من الفقه الجعفري، ولم يستعن على ما يبدو بآراء ذوي الاختصاص.
وفي ضوء كل ما سبق، وكما تؤكد المدونة في جميع أبوابها، فإنها باتت تخترق الفضاءات الخاصة اختراقاً تبتلع معه الدولة ممثلةً بمؤسستها القضائية ومحاكمها المدنية، فللمرجع الديني السلطة العليا وهو الآمر الناهي، ولا بد من الرجوع إليه واستحصال موافقته على أي مسألة شخصية.
سياسات النقمة والتحشيد للمدونة: وحش الأمهات
لم يأت تشريع القانون الجعفري ومدونته من فراغ، إذ له تاريخٌ ممتد من محاولاتٍ حثيثة لإعادة الفضاء الخاص إلى قبضة السلطة الدينية. سبق إقرار المدونة حملات مكثفة ضد المادة 57 من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 الخاصة بحضانة الطفل. ورغم أن السردية المؤطرة لتلك الحملات كانت تركز على مظلومية الآباء وإغفال مصلحة المحضون من جراء الفصل المزعوم عن الأباء، إلا أن المطالب، ومنذ البداية، لم تكن مدفوعة بدوافع العدالة والإنصاف. فقد ركزت على سلب الحضانة من الأم بجعلها تنتقل إلى الأب بمجرد إتمام الطفل سن السادسة، وعقابها إذا قررت الزواج من شخصٍ آخر هو السحب الفوري للحضانة منها، خلافاً للطليق الذي لا يسلبه الزواج من امرأة أخرى هذا الحق، وهو ما تم فعلاً الاستجابة له بعد تشريع المدونة.
تجاوز التحشيد لتغيير المادة 57 الفضاء الرقمي ليشمل لجاناً تنسيقية مركزية تجمع التواقيع عن العشائر وتنشر بياناتٍ داعمه للتعديل، وهو تجسيد آخر للتشابك بين الفقه والأعراف الحيوية، ودليل على تمتع تلك التعبئة بمستوى عالٍ من التنظيم والتخطيط. واليوم يعود هذا التحشيد مع تجدد المطالبات بتغيير تلك المادة والمطالبة بتشريع مدونة سنية لم تتضح تفاصيلها بعد.
وفرت هذه التحركات أرضية خصبة للبرلمان العراقي وهو ما فتِئ يعاني من شرعيةٍ مهزوزة وثقة تكاد تكون معدومة بين الشعب وممثليه. فالفساد والهدر في الموارد والمال العام، ناهيك عن نظام المحاصصة الطائفي المؤسَّس له منذ عام 2003، والإخفاقات المتكررة للحكومات في ملفات الخدمات والبطالة، بل في توفير حياة كريمة لكل أفراد ومكونات الشعب، كانت المحرك الأساسي لسلسلة من الاحتجاجات والمظاهرات الوطنية والشعبية منذ العام 2011. جوبهت تلك الاحتجاجات، خصوصاً حركة تشرين الاحتجاجية، بعنف جسدي ورمزي غير مسبوق، وبوعود زائفة، ليبقى الحال على ما هو عليه من دون محاسبة ومساءلة فعليين. وباللجوء إلى عدسة فريدريك نيتشه ومن بعده ماكس شيلر الفلسفية، يمكن تفسير تسابق مجموعة من البرلمانيين الإسلاميين الشيعة، على رأسهم النائب رائد المالكي، باتجاه تشريع القانون الجعفري والمدونة، مقابل مساوماتٍ وصفقات برلمانية، بأنه نتاج لسياسات الضغينة أو النقمة أو الاستياء (ressentiment ريسنتموت)، التي تهدف إلى التلاعب بالمشاعر الجمعية للظلم والغضب والقنوط، وتغيير مسارها من مواجهة الظلمة والفاسدين الحقيقيين إلى مجموعة أخرى تحتل مكانة هشة في المجتمع، وبذلك يصنع الفرد المتضرر عدواً لنفسه يحمّله وزر معاناته وآلامه. في السياق العراقي، لا تستفيد تلك السياسات من العواطف الجمعية فحسب، إذ إنها تتغذى أيضاً على الأعراف والتقاليد المتعلقة بتسيد النظرة الدونية للمرأة، وعلى رغبةٍ مسبقة في بسط السيطرة الدينية على الفضاء الخاص.

وظفت أبحاث أكاديمية هذا التفسير لفهم سياسات اليمين في الغرب ضد المهاجرين، حيث يُنظر إليهم على أنهم “كبش فداء” لكل مشكلات تلك الدول الاقتصادية والاجتماعية. وبطريقة مشابهة، باتت العراقيات “كبش فداء” لأصحاب السلطة. فبدل أن يعمل البرلمان العراقي على دراسة القانون 188 دراسة مستفيضة من شأنها تقديم معالجات لأي ثغرات قد يحتويها، وبما ينصف الأطفال والأمهات والأباء ويراعي نمط الحياة السائد في العراق، حيث تقع مسؤوليات التربية ورعاية الأطفال على كاهل الأمهات في المقام الأول، مع الاسترشاد بنصائح وتوصيات المختصين والمختصات، صاغ وأقر مواده المدونة غير المنسجمة مع متطلبات واقعنا المعاصر، والمبنية على لغة فقهية تستند إلى فتاوي المرجع بسرعة لافتة، على حساب حقوق النساء والأطفال.
لا يمكن إغفال الأبعاد الاقتصادية-الأخلاقية لسياسات النقمة. فهي تُعيد تشكيل المنظومة القيمية للأفراد، وتُنتج نعوتاً مهينة للفئة محل الهجوم، وهنا أقصد الأمهات، ويُستخدم الأطفال كـ”ورقة ضغط”، ويُتعامل معهم على أنهم “ملكية” صرفة للأب، أو “الولي الجبري”، يتلاعب بها بعض الأباء ويعنفها ويتنازع عليها في معركة من المساومات والابتزازات.
يلعب هذا الصراع على وتر سمعة الأم المطلقة والأم “الزوجة-الناشز”، ويتخذها وسيلة لـ”كسر” إرادتها، كما تعبّر أماني الحسن في مقال نُشر على موقع السفير العربي، يُوثق معاناة الأمهات في دهاليز المحاكم العراقية، حيث يتواطأ عدد من المحامين مع الآباء على خدش شرف الأم بغية “تجميد النفقات” وكسب الوقت، في ظل غياب رادعٍ قانوني يحاسب الأب ويحمي الأمهات، وتجذر ثقافة الشرف والعار في كل مفاصل الحياة، ومحدودية الدعم المجتمعي لهؤلاء الأمهات. شاركت عدد من النساء المحتجات في الوقفة الأخيرة قصصاً مشابهة عرضتهن لمحاكمةٍ أخلاقية تدور رحاها علناً في الفضاءات الرقمية الذكورية. فلا يوجد من يحاسب على محتوى الكراهية والتحريض والتعهير.
فمنذ بدء التحشيد للمدونة، يتصاعد خطابٌ عدائي ومشيطن للأمهات المطلقات والزوجات عموماً، يرشق سهامه الرجال المنتمون إلى فضاء أنصار القانون والمدونة الجعفرية أو حسابات المانوسفير، تتقدم صفوفَهم نصيراتُ الذكورية والأبوية، على رأسهن “أم عمار“، بالإضافة إلى المحامية سجى العامري، لإحالة الأم إلى “ناشز“، أو “عاهرة“، أو “ساقطة“، وغيرها الكثير من الأوصاف المشينة. تصنع هذه الصفحات كتلة متجانسة من الأيديولوجيا والخطاب وتطرح أسئلة عن الجهات التي تقف وراءها لإفلاتها من المساءلة والمحاسبة، إذ يبدو أن تجريم ما يُسمى بـ”المحتوى الهابط” لا يستهدف خطابات الكراهية والتحريض المستمر ليل نهار ضد العراقيات.
وعلى الرغم من أن خطاب الوقفة الأخيرة لم يتنصل من المذهب الشيعي، فعلى النقيض من ذلك، أكد على انتماء المحتجات إليه وعلى عدم اعتراضهن على المدونة عموماً. لم تسلم المحتجات ولا المحتجين من سيوف التشهير والتشويه الرقمية، سبقتها معلومات مضللة عن أن الوقفة تم إلغائها. وما إن مضت ووثقها الإعلام حتى غص الفضاء الرقمي العراقي بعبارات القدح والإساءة في حق كل من شارك فيها. تستلهم صفحات المانوسفير الذكورية مفرداتها من القاموس المحلي، وذلك المستورد من الفضاء الغربي، لتطعن في كل من خرج مع الأمهات أو دعمهن من خلال حساباته على السوشال ميديا، فتصفه بمجموعة من الأوصاف المذلة، منها “ديوث“، و”حفاظة“.

كما استعان أصحابها بأدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد صور مزيفة عن الوقفة تدعم سردية التعرض للمذهب ورفض المدونة، أو تُظهر النساء المشاركات وهنّ يستلمن مبالغ نقدية لقاء الوقفة، مدعيةً أن المحتجات لسّ سوى ناشطات نسويات يختبئن خلف ستار “الحجاب الزينبي”. لم تكتف تلك الصفحات بذلك التزييف، بل جددت تشويهها للأمهات المطلقات، متهمةً إياهن بالتحايل والتواطؤ مع المنظمات النسوية والجهات الغربية في سبيل هدم كيان الأسرة والمجتمع، ومهددةً من التخطيط للاحتجاج مرةً أخرى بالفضيحة والقذف.
تتساءل أمٌ محتجة باستغراب عن ذلك التحشيد المُشيطن: “شنو السبب؟ السبب إنها أم ما تكدر تنطي ضناها؟… أنا هسه متوقعة، حجيت على حق، شوفو التعليقات الي رح تجيني: “ناشز” شنو “ناشز”؟… مو إحنا أصحاب الدين! جا إذا ديننا ما يحمي الضعيفين الي هنه الأم والطفل، رح تضحك علينا باقي الأديان”.
هكذا تصنع هذه الصفحات بمعية منابر لبعض الرجال المعممين، كما ذكرت إحدى المحتجات، من نسوةٍ غير مطيعات وغير صالحات، حسب المفاهيم الجعفرية والأبوية العشائرية، ومن رجال داعمين لهم جسد وحش فرانكشتاين الذي سيجلب الدمار للجميع، فيتوجب على الآخرين الحذر منه والابتعاد عنه.
في حقيقة الأمر، إن وحش فرانكشتاين المتخيَل ليس إلا مجموعة من ندب وجروح تنزف، من دموعٍ لا تنضب، ومن “قلوب مزرفة تصب دم”، كما تصف إحدى الأمهات. وكما حاكت ماري شيلي وحش فرانكشاتين في روايتها من نسج ما عاشته من أحزان الأمومة والفقدان، فإن فرانكشتاين العراقيات خُلق من أنين الأمهات وسهرهن وتعبهن وعذابهن، وكأنما كُتب لأوجاع الأمهات أن تتلاقى عبر الأماكن والأزمان.
“عرش الأمومة”: من المملكة إلى المنفى
يؤسس هذا التدنيس لخطابٍ مجتمعي جديد يكاد يهوي بعرش الأمومة الرمزي متمثلاً بالأم المتفانية، والمضحية، والقديسة: “ست الحبايب”، “أم الوفا”، “الهواء الذي نشم”، و”الوطن الذي يضم الجميع حباً وحناناً ودفئاً”. لا ينحصر هذا الخطاب الجديد في السياق العراقي وحده، إذ قدمت الدراما الرمضانية المصرية لهذا العام صوراً مشابهة عن الأم “الشريرة” و”المؤذية”، لتطرحها كبديل عن الأم المثالية المعطاءة التي تسيدت الفن المصري لعقود.
تشترك هذه الأعمال في تقديم المرأة المطلقة أو الساعية إلى الانفصال كنموذجٍ نمطي للأم “الجانية” والمتسببة في خراب الأسرة، تساندها الحماة بدور “الساحرة الشريرة” في حثها على الدمار. كما في العراق، يأتي سياق التحول من “القداسة” إلى “التدنيس” في إطار صراعٍ محموم حول قوانين الأحوال الشخصية في مصر.
لا يمثل “تدنيس الأمومة” المرتبطة بشخصية الأم المطلقة تحولاً فعلياً -في الخطاب العربي عموماً والعراقي خصوصاً- في معاني ودلالات الأمومة بقدر كونه تجلياً للنظرة المتناقضة عن الأمومة، والمتمثلة في الوصم المرتبط بالطلاق والأم المطلقة، أو تلك التي تواجه المنظومة العشائرية والأبوية، من جهة، وللتقديس السطحي الخالي من أي تقدير اجتماعي وسياسي وقانوني ملموس للأدوار المرتبطة بالأمومة، من جهةٍ أخرى.

في كتابه “الإسلام والجنس”، يوظف المفكر التونسي عبد الوهاب بوحديبة استعارة “مملكة الأمهات” في توصيف التناقض بين نظرة المنظومة الأبوية للمرأة كأداة، وبين القداسة الرمزية التي تحظى بها حين تصبح أماً10. فالأم تبحث عن تعويض لما فقدته في تلك المنظومة عن طريق صلة الرحم ورابط “الحبل السري” بينها وبين وليدها، خصوصاً الابن الذكر، فهي تحتاجه للحماية، وفي المقابل هو ملاذها العاطفي والنفسي من بطش الأب المجسد لسطوة النظام الأبوي وسيطرته. فيصبح البيت “مملكة للأمهات” تعبيراً عن سلطة الأمهات الرمزية المكتسبة من دورهن في الإنجاب وصنع الحياة وتوفير التربية والرعاية للأبناء والبنات.

تترجَم هذه القداسة لغوياً في الأحاديث والقصائد والأغاني المبجلة للأم والأمومة، فـ”الجنة تحت أقدام الأمهات”، والجدير بالذكر أنه رغم الاتفاق على مضمون هذا الحديث، فإن هناك أراء مختلفة حول صحة أو قوة سنده لدى الفقهَين الشيعي والسني، والأم تنال منزلة عظيمة عند الفقهين إذا ما وافتها المنية عند الولادة قد تصل إلى الشهادة. ولذا كما يؤكد بوحديبة -في معرض تركيزه على المدارس الفقهية السُنية- تكون الحضانة للأم فهي وحدها القادرة على رعاية الطفل والاهتمام به.
يتركز تحليل بوحديبة على العلاقة بين الأم المتزوجة والابن ولا يخبرنا عن شكل العلاقة عند الطلاق. فيبدو أن شرط ذلك الارتباط الوثيق بين الأم وابنها هو وجودها في كنف الزوج والأب، خاضعة ومطيعة. فلا يمكن أن تنال القداسة بدون تحقق هذين الشرطين.
هذا الغياب في تحليل بوحديبه لم يكن عشوائياً أو استثتاءً. ففي تقديس الأم والأمومة يُصار إلى تنميط وتعميم النموذج المثالي في الأدب والإعلام العربي، فيما تُهمَل النماذج الأخرى بوصفها شذوذاً أو استثناء، وهو ما تطرحه الكاتبة شيرين أبو النجا في كتابها “رحم العالم: أمومة عابرة للحدود”. فتقديس الأم يحتاج إلى تحويلها إلى رمزٍ يفوق فردانيتها ليضم العطاء بلا مقابل والاقتران بالوطن والأمة والأرض، فكما يقول الزهاوي: “يا أرض أنتِ أم للإنسان”.
بمعنى آخر، فإن هذا التبجيل يتطلب من كل أم أن تتجرد من أي صفات وصراعات وتجارب ذاتية، وتنصهر في صورة واحدة وثابتة عن الأمومة كقيمة أخلاقية عليا. وكما تحاجج أبو النجا، فإن هذا التقديس ليس إلا أداة من أدوات السيطرة والضبط. وعليه، ظلت الأمومة حبيسة أيديولوجيا “القداسة الشكلية”، بوصفها حصناً يمنع أي خطاب نقدي أو تفكيكي يُقدم تجارب وأشكالاً متنوعة عن الأمومة بنجاحاتها وإخفاقاتها وعذاباتها وذنوبها. فجاء كتابها ومن قبله كتاب الشاعرة المصرية إيمان مرسال “كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها”، كمحاولات ريادية لتفكيك خطاب الأمومة المتجانس. إلا أن هذه المحاولات على أهميتها فتأثيرها لا يتعدى الأوساط المعرفية والأدبية والأكاديمية.
وبهذا ظلت “مملكة” الأمهات مسلماً بها، إلا أنها ولكونها مملكة رمزية، أي مصنوعة من الرمال، آيلة إلى الهدم والسقوط فور استبدال نموذج الأم-الزوجة بالأم-المطلقة، والأم-الزوجة المطيعة بالأم-الزوجة الناشز، كما في السياق العراقي.
“عقدة جودر”: التخلص من شبح قداسة الأمومة
بالعودة إلى بوحديبة، يرى أن الابن لا يمكنه تحقيق الاستقلال والانفكاك عن الأم إلا عندما يدمر تلك القداسة ويتحرر منها. فالأم هي “عقدة جودر”، إشارةً إلى الحكاية الخيالية “جودر الصياد” من قصص ألف ليلة وليلة. فحتى يصل إلى كنز “الشمردل” يتعين على جودر بن عمر فتح سبعة أبواب، كما يخبره الساحر الشيخ المغربي، وحين يصل إلى الباب السابع سيظهر له شبح بهيئة أمه، فيتعين عليه أن يأمرها بتعرية جسدها وإلا قتل ذلك الشبح بالسيف.
يفشل جودر في المحاولة الأولى أمام رجاء شبح والدته ودموعها، فلا يستطيع انتهاك مكانتها وكرامتها وحرمة جسدها، وهي تتوسل إليه بقولها:” يا ابني أنا أمك ولي عليك حق الرضاعة والتربية، كيف تعريني؟” إلا أنه أمام مغريات الجاه والكنز المدفون يستجمع قواه ويصر على أن يعيد الكرة بمعية الشيخ ولا يستسلم هذه المرة. وبالفعل ينجح في محاولته الثانية. ويقرأ بوحديبة هذا المشهد بوصفه عبوراً رمزياً عبر جسد الأم، لا بهدف تدنيسها، وإنما للتحرر من مكانتها المقدسة وهي تقف عائقاً أمام استقلال الابن.
ولأن كل شيء يبدأ وينتهي بالأم كما يذكر بوحديبه، فالتخلص من “شبح الأم القديسة” هو، في تأويله، شرط للوصول إلى الكنز، ولتحرير كلٍّ من الأم والابن من علاقة التبعية الرمزية، ولتحقق رجولة الابن وإنقاذ الأم من براثن الفقر والجوع.
وفي السياق العراقي المعاصر، أطرح قراءة تأويلية مختلفة لهذه الأسطورة، من أجل فهم الخطاب المؤيد للمدونة الجعفرية والطاعن بالأمهات المطلقات أو المتزوجات غير “المطيعات”. فإذا كان جودر لا يمكن أن يصل إلى الكنز إلا بعد هدم قداسة الأم، فإن الخطاب المؤيد للمدونة استند في تبريره الانتقاص من حقوق الأم إلى هدم رمزيات القداسة، وإعادة بنائها باستخدام رمزيات الدناسة بغية الوصول إلى “كنز” المدونة. فبخلاف ما يطرحه بوحديبة من أن زعزعة القداسة تفضي إلى التحرر والاستقلالية، ففي حالة المدونة، لم يسع ذلك الهدم إلى تحرير الأم، وإنما إلى تدنيسها بتنميط صورة عن الأم المطلقة بوصفها موضع شبهة وتشكيك، تُقدّم باعتبارها مصدراً للشرور يحتاج إلى الضبط والانتقام القانوني عن طريق أحكام المدونة، وإلى التأديب والردع على الانتهاك الفعلي أو المتخيل لقداسة مزعومة للمدونة، بوصفها الممثل لحكم إلهي مطلق ومذهب لا يجوز المساس به وبثوابته.

تحمل أم عمار ومثيلاتها فأس “جودر” لتهوي برمزية الأمومة الفاضلة أرضاً. فلا يتوقف حسابها عن نشر كل ما هو كاره، وجارح، وحاقد، وناقم على نساء جنسها، متخذةً الطلاق حجةً وإنصاف الأباء تبريراً، فيما يتخذ آباء المدونة الروحيون دور “السحرة”، استعارة من ساحر حكاية ألف ليلة وليلة، يغرون الرجال العراقيين بمزيد من المكاسب والمصالح والانتصارات، بغية كسب ودهم وضمان استمرار توجيه ضغينتهم وغضبهم نحو النساء على حساب كرامات النساء والأطفال.
والحال هذه، تُتداول مقاطع فيديو لسحب وفصل الأطفال عن أمهاتهن وصرخاتهن، وهي مقاطع من المفترض أن تهز الوجدان، وسط لامبالاة حكومية و انتهاك غير مسبوق للكرامات.
تُركت الأمهات ليواجهن جبهات متعددة من دون سلاح سوى جمرة قلوبهن، يُعبّر عنها نحيبٌ يتردد صداه في ساحة التحرير وفي الإعلام: “دموع الأمهات ستدق آخر مسمار في نعوشكم… ماكو أم تكدر تنام وبزرها مو يمها... شأنسى؟ قراصاتها، ضحكتها؟ عمرها 14 سنة… ولكم عمر، عمر، عمر… بنتي سحبها العسكري من البيت… إحنا عراقيات يمعودين… من تاخذ الطفل من أمه إعدام”11.