“الحاكم يريد”.. هل يجب أن نثق برئيس الوزراء علي الزيدي؟ 

ماذا لو كان رئيس الوزراء علي الزيدي يضللنا؟ يناقش هذا المقال حدود الثقة والشفافية في تجربة الزيدي، وما إذا كان مشروعه يؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والعراقيين، أم يعيد إنتاج العلاقة القديمة نفسها.

حسين فاضلحسين فاضل | 13 تموز 2026

ماذا لو كان رئيس الوزراء علي الزيدي يضللنا؟ ليس المقصود بهذا السؤال اتهام علي الزيدي بالكذب، فالكذب السياسي يمكن أن تكشفه الوقائع مع مرور الوقت. أما التضليل فهو أكثر تعقيداً؛ إذ قد  يكون المسؤول صادقاً في كل جملة يقولها، لكنه يختار من الحقائق ما يخدم روايته، ويؤجل إعلان حقائق أخرى، أو يحجب المعلومات التي تتيح للمجتمع اختبار صحة ما  يقوله. 

ومع علي الزيدي، عاد السؤال الذي رافق معظم رؤساء الحكومات بعد 2003: هل نثق برئيس الوزراء الجديد؟ لكن السؤال الأدق هو: هل يمنحنا علي الزيدي ما يكفي من المعلومات حتى تصبح الثقة بحكومته وبرنامجه وقراراته قراراً عقلانياً، أكثر منها مجرد رهان على حسن نواياه؟ 

علي الزيدي.. مختلف 

يختلف الزيدي عن معظم رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على العراق بعد عام 2003. فقد اعتاد العراقيون رؤية رؤساء حكومات قادمين من قوى سياسية أو مناصب  تحكمها التوازنات، ويتحركون داخل حدود موازين القوى. أما الزيدي، القادم من عالم المال السياسي، فقد اختار أن يقدم نفسه بوصفه صاحب مشروع لإعادة بناء الدولة، لا مجرد مدير لها، كما سابقيه. وأشار إلى أن منصب رئيس مجلس الوزراء عُرض عليه مرتين في السابق لكنه رفضه، وقبله أخيراً لأنه وجد مناخاً لتشكيل حكومة تُحدث تغييراً في العمل الحكومي. 

ومنذ تشكيل حكومته، شرع في إجراء تغييرات واسعة في الإدارة العليا، وأعاد النظر في العقود الحكومية التي أبرمتها الحكومات التي سبقته، وأوقف أو راجع مشاريع  كبيرة مثل مشروع تطوير مطار بغداد، وأطلق حملة كبيرة ضد الفساد أدت إلى اعتقال وملاحقة عشرات المسؤولين، منهم السياسي السني مثنى السامرائي، وبدأ بإعادة رسم العلاقة بين الدولة والشركات المحلية، ومنح الشركات الأجنبية، وخاصة الأمريكية، عناية خاصة، وباتت أغلب القرارات الكبرى تصدر باسمه أو ترتبط بتوجيهاته المباشرة، حتى على مستوى تغيير المدراء العامين في الوزارات. 

هذا الاتساع في نطاق القرارات والاستحواذ عليها يمنح الزيدي، بطبيعة الحال، مساحة أوسع للحكم، لكنه يفرض عليه أيضاً مسؤولية أكبر في تفسير ما يفعل. فكلما اتسع نطاق التغيير اتسع حق المجتمع في معرفة أسبابه وأهدافه وكلفته واحتمالات نجاحه وفشله. 

غير أن هذا الحق في المعرفة لم يتحقق للمجتمع حتى الآن. فما يقدمه الزيدي للرأي العام ليس برنامجاً حكومياً منشوراً ولا هو خارطة طريق واضحة، بقدر ما هو سلسلة من الرسائل المطمئنة. 

اختبار الثقة 

قد يمتلك الزيدي بالفعل تصوراً متماسكاً لإدارة الأزمة المالية والإدارية، وربما ينجح في تجنيب العراق خيارات قاسية، مثل تخفيض قيمة الدينار أو اللجوء إلى الاقتراض  الداخلي والخارجي، وكذلك في تسوية قضية الفصائل المسلحة. لكن نجاح الزيدي لا يقاس بالتصورات والتصريحات والوعود وحدها، بل بقدرته على الإجابة، برحابة صدر، عن أسئلة: كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ ومن يشارك؟ وما الضمانات؟ وأين الشفافية؟ 

فالثقة، في نهاية المطاف، لا تُطلب من الناس، وإنما تبنى معهم. وكلما اتسعت المعرفة ضاقت مساحة الشك، وكلما غابت المعلومات أصبحت النوايا وحدها غير كافية لإقناع مجتمع أنهكته التجارب المتكررة القائمة على الوعود فقط. 

ويزداد هذا الأمر أهمية إذا تذكرنا طبيعة الدولة العراقية نفسها. فهذا النظام السياسي لم ينتج فساداً داخل مؤسساته فقط، بل سمح للفساد بأن يتحول، عبر سنوات طويلة، إلى ثقافة اجتماعية تتفاوت درجاتها بين الكبير والصغير، وبين الجريمة المنظمة والمجاملة اليومية، وبين النفوذ السياسي والعلاقات الشخصية. لقد تشكلت بيئة كاملة اعتاد فيها  العراقيون على رؤية السلطة وهي تعِد بالإصلاح، ثم تنتهي إلى إعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة. ولذلك، فإن الشك في أي مشروع إصلاحي جديد ليس موقفاً عدائياً، بل  نتيجة منطقية لذاكرة سياسية مثقلة بالخيبات. 

الحال هذه، فإن الشك بعلي الزيدي نفسه يبقى مشروعاً، ولا سيما أن تاريخه السياسي والاقتصادي لا يخلو من علامات استفهام وأسئلة لم تُحسم. لكن من المشروع أيضاً  منح أي محاولة إصلاح فرصة لإثبات نفسها، إذا كانت تقوم على ضمير حي، وإدراك لطبيعة التحالفات التي لا يمكن تجاوزها، وعدالة في إدارة التسويات التي لا يستطيع  أي نظام سياسي الاستغناء عنها.  

وقد نُقل عن الزيدي أكثر من مرة، بتصريحه أو من خلال المقربين منه، وصية والده بأن يجعل الناس أمام عينيه في كل قرار يتخذه. وإذا كانت هذه الوصية تمثل بالفعل بوصلة مشروعه فإن أفضل وفاء لها هو أن يجعل الناس شركاء في  المعرفة. 

فالشفافية ليست قيمة أخلاقية، بل هي شرط لنجاح أي مشروع أو خطّة لإنقاذ العراق. وكلما اتسعت الشفافية والمعرفة تقلصت مساحة الشائعات، وكلما كانت القرارات مشروحة وقابلة للفحص أصبح الدفاع عنها أكثر سهولة، وأصبحت محاسبة أصحابها أكثر عدلاً. 

ولا يبدو من الحكمة أن تواجه حكومة علي الزيدي الشكوك المتصاعدة بشأن دوافع حملات مكافحة الفساد، أو أسباب التغييرات الإدارية الواسعة، أو الأسئلة المتعلقة بالسياسات الاقتصادية وتضارب المصالح، بالتضييق على المجال العام أو بالنظر إلى وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي بوصفها خصماً يجب إخضاعه. فإذا كانت الحكومة ترى أن هذه الشكوك تستند إلى معلومات غير دقيقة أو حملات سياسية، فإن الرد الطبيعي عليها هو تقديم المعلومات والوثائق والإجابات، لا تقييد النقاش حولها. 

ومن الطبيعي أن يختلط النقد بالمبالغة والتهويل، وأن تتجاور المعلومات الدقيقة مع الشائعات وحملات التشويه، وأن تستثمر القوى السياسية منصات الإعلام والتواصل في صراعاتها. لكن هذه الظواهر ليست سبب الأزمة، بل إحدى نتائجها. فقد نشأت هذه الفوضى خلال سنوات طويلة من تراجع حرية التعبير، وضعف المؤسسات، وانحدار الثقة، وغياب المعلومات الرسمية الكافية. وإذا حاولت حكومة الزيدي معالجة هذه الظواهر بالأدوات الأمنية أو القانونية، كما تفعل الآن، فإنها لن تفعل أكثر مما فعلته الحكومات السابقة، فتُبقي مساحة حرية التعبير مهددة، بدلاً من معالجة الأسباب التي أنتجت هذا المناخ أصلاً، أو فهم هذا المناخ وتنظيمه بدلاً من منعه. 

فالرد الأكثر قوة على الشائعة ليس الاعتقال، بل المعلومة الموثقة، والرد الأكثر إقناعاً على الحملات المنظمة ليس إسكاتها، بل كشف الوقائع التي تجعلها أقل تأثيراً.  

مقومات علي الزيدي وواقعه 

يمتلك الزيدي فرصة سياسية قد لا تتكرر كثيراً في العراق بعد عام 2003. فالقوى السياسية التي جاءت به تبدو اليوم في واحدة من أكثر مراحلها حاجة إلى نجاح حكومته، بعدما تآكلت ثقة جزء كبير من الشارع بها، وتزايدت الضغوط الداخلية والخارجية عليها. ولذلك، فإن نجاح الزيدي لا يمثل نجاحاً شخصياً له، بقدر ما يمثل محاولة من النظام السياسي لإثبات أنه ما زال قادراً على إنتاج حلول من داخله. 

ويبدو أن هذا الإدراك لا يقتصر على أزمة الشرعية السياسية، بل يمتد إلى ملف الفساد نفسه. فشبكات الفساد اتسعت خلال العقدين الماضيين إلى درجة أنها صارت تشكّل عبئاً على النظام السياسي وقدرته على الاستمرار، بعدما تجاوزت حدود المنافسة بين القوى السياسية إلى تهديد الدولة ومواردها واستقرارها وقدرتها على الإنفاق. ومن هنا، تبدو قوى السلطة وكأنها تتجه، ولو ضمنياً، إلى القبول بمحاولة إعادة ضبط هذه المنظومة، وحصر الفساد وتقليص نطاقه ومنع تمدده، أكثر من السعي إلى اجتثاثه بالكامل. وهذا التوافق الضمني، إن صح، يمنح الزيدي هامشاً سياسياً أوسع للتحرك، لكنه يضعه أيضاً أمام اختبار أكثر صعوبة: هل سيكتفي بإعادة تنظيم الفساد، أم سيتمكن من تفكيك جزء حقيقي من بنيته، ووضع مسار للقضاء عليه لاحقاً؟ 

ويبدو أن هذا المشروع تدعمه وتشرف عليه مؤسسات نافذة داخل الدولة، وفي مقدمتها السلطة القضائية، وهو ما يمنح الحكومة هامشاً أوسع للتحرك في ملفات حساسة، مثل مكافحة الفساد، وإعادة ترتيب الإدارة العامة، ومراجعة العقود والالتزامات المالية. لكن اتساع هذا الهامش لا يخفف من مسؤولية الحكومة، بل يضاعفها؛ لأن امتلاك أدوات أكبر يعني أن مبررات الإخفاق تصبح أقل إقناعاً. 

ومع ذلك، تبدو المشكلة حتى الآن أن سقف الخطاب السياسي لعلي الزيدي أعلى من سقف الإمكانات الواقعية، إذ تُطرح هذه الملفات بوصفها وعوداً مطلقة، لا أهدافاً قابلة للقياس. 

وكان يمكن لهذا الخطاب أن يكون أكثر إقناعاً لو تحولت الوعود إلى أهداف قابلة للقياس والمحاسبة. فبدلاً من الحديث عن القضاء على الفساد بوصفه شعاراً عاماً، تستطيع الحكومة أن تعلن حجم الأموال التي تستهدف استعادتها، وعدد القضايا التي تعطيها الأولوية، والإطار الزمني الذي تعمل ضمنه، والآليات القانونية التي ستعتمدها، وحدود التسويات التي قد تلجأ إليها، والضمانات التي تمنع تحول تلك التسويات إلى باب جديد للإفلات من العقاب.  

عراق الزيدي الجديد 

يعِد الزيدي ببناء عراق جديد، يطوي صفحات من ماضيه، ويفتح المجال لتعافي الدولة واستعادة قدرتها على العمل.  

لكن السؤال الحقيقي، رداً على هذا المشروع، ليس إن كان علي الزيدي صادقاً أو غير صادق، ولا إن كانت نواياه حسنة أو سيئة، بل إن كان مستعداً لبناء نموذج مختلف في الحكم يلغي الحاجة إلى أحكام الصدق وحسن النوايا، ويقوم على كشف المعلومات قبل طلب الثقة، وعلى شرح القرارات قبل الدفاع عنها، وعلى قبول النقد بوصفه جزءاً من الإصلاح، لا تفسيره على أنه عقبة في طريقه. 

لن ينجح مشروع الزيدي لأنه يملك نوايا أفضل من سابقيه -إن كان يملكها كما نتمنى كمجتمع- بل إذا نجح في بناء دولة لا تضطر إلى مطالبة مواطنيها بالثقة أصلاً، كما تفعل الحكومة الآن، دولة تستطيع أن تثبت صحة قراراتها بالأرقام والوثائق والنتائج، لا بالخطابات والوعود. فالثقة ليست نقطة البداية في الحكم الرشيد، وإنما هي النتيجة التي يصل إليها المجتمع عندما تصبح السلطة قابلة للمساءلة والتحقق والنقد. 

وهذه الثلاثية هي الأساس الذي تبنى عليه الدول الحديثة. فهي لا تنتج مؤسسات أكثر كفاءة فحسب، بل تنتج مواطنين أكثر حساسية تجاه الصالح العام، يرون الفساد اعتداءً عليهم شخصياً، ويعتبرون هدر المال العام خسارة تخصهم، ويغضبون لكل مخالفة تمس الدولة كما يغضبون لأي اعتداء على حقوقهم الخاصة. 

غير أن هذا المواطن لا تصنعه الخطب ولا الشعارات وطلب الثقة، بل تصنعه الدولة نفسها. فالدولة التي تريد مجتمعاً يحمي القانون، عليها أولاً أن تبني بيئة تحترم القانون. والدولة التي تريد مواطناً يدافع عن الصالح العام، عليها أن توفر له اقتصاداً يفتح أبواب العمل والإنتاج والاستثمار، ومؤسسات تكافئ الكفاءة وتحمي الحقوق، ومناخاً يشعر فيه الفرد بأن مستقبله مرتبط بازدهار بلده، لا بقربه من السلطة أو التفافه على القوانين. عندها فقط، يصبح الدفاع عن المال العام مصلحة شخصية، لا مجرد فضيلة أخلاقية، ويصبح احترام القانون سلوكاً يومياً، لا استثناءً. وعندها أيضاً، لن يكون الإصلاح مشروع رئيس وزراء، ولا مهمة حكومة، بل ثقافة مجتمع كامل. ولن يضطر العراقيون إلى أن يسألوا -أحياناً بخوف- في كل مرة إن كان رئيس حكومتهم يضللهم أم لا؛ لأنهم سيكونون قد بنوا دولة لا تجعل الحقيقة امتيازاً تحتكره السلطة، بل حقاً يملكه الجميع، ودولة يصبح فيها تضليل المواطنين أصعب. 

وقد تبدو هذه الدولة بعيدة المنال في العراق اليوم، لكن وظيفة رئيس الوزراء ليست أن يقيم هذه الدولة كاملة خلال دورة حكومية واحدة، بل أن يضع أسسها، أن يبني أرضية قانونية ومؤسساتية واجتماعية تسمح لها بالنمو، وأن يرسخ قيماً وممارسات تجعل الدولة أكثر شفافية، والمجتمع أكثر قدرة على مساءلتها، بحيث يصبح ما يبدو اليوم حلماً ممكناً غداً، لا لأن “الحاكم يريد”، بل لأن المجتمع ومؤسساته أصبحا قادرين على حمايته والاستمرار في بنائه. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب عراقي