قطعت والدة محمد جوادي أموري حبله السري بأسنانها أثناء الولادة لينجو. لم يكن لها طفل قبله؛ فقد فقدت 12 جنيناً ماتوا أثناء المخاض.
ولعل شيئاً من لهفة الأم على جنينها تسرب إلى تلك اللحظة الفاصلة، فوهبه الحياة، بعدما بدا مصيره امتداداً لمصير إخوته الذين سبقوه، والذين لم يتركوا وراءهم سوى عظام رخوة لم تُتَح لها فرصة أن تشتد، انتقلت من الرحم إلى اللحد قبل أن تعرف الحياة.
وُلد أموري في 31 آذار 1935 على ضفاف نهر الهندية. وكان محمد جواد الطفل الوحيد لوالده أموري، الذي رزق به وقد تجاوز الـ50 من عمره، كما كان فرحةً كبرى لوالدته التي ورث عنها الذكاء وسرعة البديهة.
نشأ محمد جواد مدللاً في كنف عائلته، وكان الذكر الوحيد بين أخواته، وفي مدينة طويريج بمحافظة كربلاء عُرف بلقب “الوحيد”. أحاطه والداه بعناية استثنائية بعد سنوات طويلة من الانتظار والفقد، فكبر مغموراً بالمحبة والدلال.
ومنذ طفولته لفت الأنظار بسرعة بديهته ورجاحة عقله، حتى صار أهل طويريج يطلقون على أسرته اسم “بيت الشايب”؛ لأن طفلهم الصغير كان يفكر بعقل الشيوخ، ويُستأنس بآرائه في المواقف الاجتماعية على نحو يثير الدهشة. وهكذا اجتمعت له بيئة مشبعة بالحنان، وذكاء اتّقد باكراً، وموهبة أخذت ملامحها الأولى تتكشف منذ سنواته الأولى.

أمضى طفولته محاطاً بالبساتين والخضرة وأوراق الأشجار في قضاء طويريج، فملأت الطبيعة خيال محمد أموري بالموسيقى والجمال. كانت ظلال الأشجار وأصوات الطبيعة تمنحه إحساساً عذباً، حتى بلوغه السابعة من عمره ودخوله إلى المدرسة الابتدائية، فكان متفوقاً وشعلة ذكاء وصاحب نشاط في الرسم والرياضة والموسيقى، ومن الأوائل دراسياً، وشغوفاً بالتعلم.
وفي سن العاشرة، بدأ برسم صور لشخصيات معروفة أو ممثلين، كانت تباع في الدكاكين والمحال، ويتنافس مع صديق طفولته في الحي، كاظم كمونة، في مسابقات بريئة وطفولية للرسم.
كان والده أموري نجاراً معروفاً في طويريج، مما دفعه وهو طفل فضولي لأن يكتشف مواهبه مبكراً، ويختبر كل ما يقع بين يديه، فصنع آلة تشبه القانون من أسلاك كهربائية رفيعة شد بعضها إلى بعض، ثم ثبتها بمسامير، وأخذ يجرب العزف عليها.
وبعدها صنع آلة “الفيفرة” وهي آلة أقرب إلى الناي، وأكثر تطوراً من آلة القانون التي صنعها، فيها ثقب رئيسي في الأعلى يُعرف بـ”التبدور” وعدة ثقوب ثانوية، يعزف عليها النغمات وتقاسيم اللحن ومقطوعات الأبوذية، فكان يجمع أطفال الحي ويعزف بينهم. وبأذن موسيقية تميز اللحن صارت صناعة الآلات الموسيقية والعزف عليها وسيلته للعب والمتعة، قبل أن يدرك أنها أولى تجاربه في الفن والحياة ليشق طريقاً طويلاً نحو إتقان العزف والتلحين.

محمد جواد أموري برفقه العود.
صوته الشجي أهّله ليكون على رأس فرقة الإنشاد المدرسية ويقودها. وبحكم نشأته، وهو ابن بيئته، كان مغموساً بالمجتمع الكربلائي وما يحمله من التزامات دينية وشعر، يحضر المجالس الحسينية، ومواكب العزاء في محرم وعاشوراء، إذ تأثر بصوت عبد الأمير الطويرجاوي، الذي لُقب بـ”بلبل الريف”، فقد استمع إليه في المجالس والأعراس، وأحب أسلوبه في المقامات والغناء الريفي.
وفي المقابل، مدح الطويرجاوي عزف محمد جواد أموري، وهو لم يتجاوز الـ15 من عمره، مرهفاً هاوياً للعزف، وأخبر والده متنبئاً بمستقبله: “هذا ابنك سيكون ذا شأن بالمسقبل؛ لأن شكد أني كاعد ويه موسيقيين بالإذاعة ما يعرفون يعزفون بالعود مثله”.
فضلاً عن صوته القوي، كان يحفظ لحن القصائد والكلمات عن ظهر قلب، وهو طفل على سجيته قبل أن يكون ملحناً، وبرز صوته على أصوات الرجال آنذاك، فصاروا يتنافسون فيما بينهم ليحضر مجالسهم.
كانت تلك بدايته في تأمل الألحان وقوالبها الفنية، والتمعن في بنائها وأسلوبها، والاستماع بشغف إلى الأغاني التي تُبث عبر الإذاعة آنذاك، كأغنية “شدعيلك يلي حركت كلبي” لنرجس شوقي، وأغنية “عزيز الروح” التي أحبها منذ سماعها للمرة الأولى.

ترك الموروث الحسيني أثراً عميقاً في شخصيته الفنية، وظل طين النشأة الأولى حاضراً في ألحانه، لذا تميزت بالأصالة والصدق، ورفض أن يكون التأثر بالألحان المصرية أو التركية أو السورية.
استمر تفوقه الدراسي طوال مراحله الدراسية، حتى أحرز المرتبة الأولى في امتحان البكالوريا الوزاري عام 1950.
في الصف الثالث المتوسط، تلقّى محمد جواد أموري أول تشجيع جاد على دراسة الموسيقى أكاديمياً من ابن عمته وأستاذه لطيف رؤوف المعلمجي، الذي تتلمذ على يديه عدد من الفنانين، منهم عبد الحسين الأنباري، ومحسن فرحان، وحميد كركوشي.
وحين استعد أموري للالتحاق بدار المعلمين في الأعظمية، أوصاه المعلمجي قائلاً: “إذا انقبلت بدار المعلمين روح مباشرة إلى قسم الموسيقى، وإلى الأستاذ أكرم رؤوف، حتى تتعلم الأصول بطريقة علمية صحيحة”.
وفي 1951، قُبل أموري في معهد المعلمين بالأعظمية، وبدأ تعلم عزف العود على يد الأستاذ أكرم رؤوف. كان أموري يسعى للخلود عبر عزفه، فأقفل باب قاعة التدريب وعزف العود ليلاً ونهاراً حتى نسي مواعيد الأكل في القسم الداخلي، واكتفى بالعزف حتى أتقن عزف العود خلال ثلاثة أشهر فقط، وألّف أول ألحانه فكانت مقطوعة موسيقية اعتز بها المعهد وعزفها لثلاث سنوات بعد تخرجه.
صار العود رفيق أموري الأقرب، ولم يفارقه حتى سنوات حياته الأخيرة. وجد فيه الآلة التي تُجسد روحه بوصفه ملحناً شرقياً، وكان يؤمن بأن صوته قادر على التعبير عن أدق الانفعالات والمقامات التي تقوم عليها الموسيقى العربية. ولم يكن تعلقه به مصادفة؛ فالعود في نظره امتداد لإرث موسيقي ضارب في عمق حضارات بلاد الرافدين والشرق القديم.
واحتفظ أموري بعودٍ مميز صنعه محمد فاضل القدّاد، أحد أبرز صناع الأعواد في العراق، وظل يعزف عليه طوال مسيرته، حتى أصبح جزءاً من صورته الفنية ورفيقاً لا يفارقه.
اختاره الأستاذ أكرم رؤوف مساعداً له في قيادة فرقة دار المعلمين، وعازف كمان شرقي، ورافق مطربين كباراً، منهم رضا علي وأحمد الخليل.
وفي حوار مع جريدة دار الشؤون الثقافية، يذكر أموري تفاصيل رحلته الأكاديمية:
“تخرجت عام 1954 من دار المعلمين، وعُينت في الحلة، وأسست فرقة موسيقية قدمنا من خلالها أجمل الأعمال. وفي عام 1959 قُبلت في معهد الفنون الجميلة، ونُقلت إلى بغداد كعازف كمان أول في الأوكسترا السيمفونية الوطنية العراقية لـ16 عاماً. دخلت معترك الإذاعة والنشاط المدرسي لأصبح مدير النشاط المدرسي، ثم أصبحت رئيس الفرقة القومية للفنون الشعبية. لحّنت في هذه الأثناء نسبة كبيرة من الأغاني العاطفية التي تغنى بها المطربون وسميت بأغاني السبعينات الناجحة”.



تزوج محمد جواد أموري وأنجب خمسة أبناء، ولدين هما نصير وسمير، وثلاثة بنات أكبرهن أنغام، وفي الوقت نفسه استمر في التلحين، فكانت زوجته أم نصير دائمة الدعم له، وأول من يستمع إلى كل تدريباته على الكمان والعود، فقد اعتادت أن تصغي إلى تدريباته المتواصلة خاصة في العطل الصيفية، رغم حدة صوت الكمان والتكرار.
التلحين عند أموري سيلاً متدفقاً في المخيلة. ما إن تلوح له فكرة موسيقية حتى يسارع إلى الإمساك بها قبل أن تتبدد. كان يحمل معه دائماً ورق النوطة، وإن لم يجده دوّن اللحن على أي ورقة تقع بين يديه، ثم ينقله لاحقاً إلى الورق الموسيقي المخصص.
وغالباً ما كان يختبر جمله اللحنية على العود، يحفظها أولاً، ثم يثبتها بالتدوين الموسيقي. وفي أحيان كثيرة كان اللحن يسبق الكلمات، فيبني عليه لاحقاً النص الغنائي، لا العكس.
لم يكن الإلهام يعرف موعداً أو مكاناً، فقد يباغته وهو يقود سيارته، أو أثناء استحمامه، أو في جلسة عائلية عابرة، عندها كان يسرح بعيداً عمن حوله، غارقاً في عالمه الداخلي، منشغلاً بجملة موسيقية صغيرة لا يلبث أن يشيد فوقها لحناً كاملاً.

لحّن أول أغنياته في الساحة الفنية وهي أغنية “أبو زركة”، التي غناها ياس خضر:
أبو زركة طلع من البيوت
يحاجيني ويبوك العقل بسكوت
دجيبوا لي حبيبي كبل ما أموت
يحاجيني ويرد روحي إليه
أريده ترضون ما ترضون أريده
ثم جاءت أغنية “الريل وحمد”، قصيدة مظفر النواب الشهيرة، التي عرضها عليه الفنان رضا علي. وما إن قرأها أموري واستمع إلى حكايتها حتى غلبه التأثر وبكى. كانت القصيدة تروي بلسان فتاة قصة حب قديم بدأ منذ الطفولة، ثم فرّقته الأيام، قبل أن تمر الفتاة بديار حبيبها وتستعيد وجع الفقد والحنين.
“يا ريل صيّح بقهر.. صيحة عشك يا ريل”
لحّن أموري الأغنية، فإذا بها تتحول إلى واحدة من أشهر الأغاني العراقية. وبصوت ياس خضر وجدت الأغنية طريقها إلى وجدان الجمهور، وأسهمت في ترسيخ حضوره كواحد من أبرز الأصوات في الذاكرة الغنائية العراقية.
كان أموري وراء ظهور عدد من أبرز الأصوات في الغناء العراقي، وأسهم في انطلاقة أكثر من 33 مطرباً ومطربة، من بينهم سعدون جابر، وأنوار عبد الوهاب، وأمل خضير، وأحلام وهبي، وفاضل عواد، وصباح السهل، وستار جبار، وعباس العطار، وحميد منصور.
كما لحّن لعدد من المطربين العرب، منهم عوض دوخي، وفيصل العبد الله، وسميرة توفيق، ومحي البحراني، وإلهام بديع. وإلى جانب التلحين قدّم بصوته مجموعة من الأغاني التي جمع فيها بين الأداء واللحن، من بينها:
غربة وتمر الليالي، مكتوب أشوفك من بعيد، يا ترف مثل الليل، مر الشتا وعمري انطوه، خلينا نشوفك، على ياجسر.
وفي مطلع السبعينيات، توفيت زوجته أم نصير، تاركة محمد في مأساة فقْد شديد، مع خمسة أطفال يحنّون إلى وجود أمهم، كان رحيلها من أشد محطات حياته ألماً.
وتأثراً بوفاة زوجته لحّن أغنية “يا دفان ريض” كموسيقى تصويرية في فلم “حمد وحمود” مخاطباً الدفان بلوعة موجعة:
يا دفان ريّض لا تدفنه
ريض لا تدفنه بكاع ودفنه بكلبي الملتاع
واخذ روحي وبيها مشط كذلته
وهاك دمعي وبيها رطب شفته
كما غنّى أغنية “وداعة الله” التي كتب كلماتها الشاعر زامل سعيد فتاح في ليلة دفن زوجته حزناً على فراقها، فصبت دموعه ودموع أبنائه الذين يشاركونه مرارة الوداع، بصوت مفعم بالشجن، تعبيراً عن الفقد والحنين برحيل الأحباب.
وداعة الله موادعينك ياخد
وداعة الله وما بعد لينه ترد
وداعة الله وخل أشمك شمه
وبعد الموادع إبرينا الذمه
هاك صدري أبجي لصدرك ضمه
شوف دكاته البعد ما تنعد
وداعة الله مودعينك ياخد
ثم جاءت “يا حريمة” و”يمّه يا يمّه”، وكلتاهما تنبعان من وجدان الجنوب المشبع بالحنين. وفيهما نسج أموري ألحانه على دارميات من تأليفه، لتغدو الأغنية تعبيراً مباشراً عن تجربته الإنسانية، وما اختزنته من شوق ووجع وذاكرة.
حسبالي سهلة.. بعدج حياتي تصير
تنطيني مهله.. تضحك علي دنياي
كالولي ونسه.. كل اليعيش وحيد
أبدا ما ينسه.. ثاري اليروح اهواه
ليش ما تجيني.. موعمري يكضي بساع
مولحت عيني.. وين الصبر ينباع
ثم كتب أموري في 15 أب 1984 أبياتاً بالعتب والحنين متسائلاً:
صدك تنسين كل كعداتي وياج
وصدك ذيج الروابي تقبل جفاج

لم تفارق الأحزان حياة أموري، ففي الثمانينيات تلقى صدمة أخرى بوفاة ابنه الأكبر”نصير” في الحرب العراقية-الإيرانية.
تخرّج نصير مهندساً زراعياً، وقُتل في الحرب في عز شبابه، وفقد أموري فلذه كبده وسنده، فكان رحيله جرحاً رافقه لسنوات، وانعكس في ألحانه وكلماته وأدائه الغنائي فغنّى:
ون خوي ون.. يا محلى ونات الحزن.. كلها تون
تكلي تون.. مو وحدي أون
كلها تون.. ما يندره إعليمن تون
ون بويه ون.. يا محله ونات الحزن
خلوني أون.. يا محله ونات الحزن
كانت هذه من أجمل الأغاني التي ظهرت في الثمانينيات، في زمنٍ كان فيه الموت والحرب يخيّمان على حياة العراقيين. فانتشرت بين الناس انتشاراً واسعاً، إذ عبّرت عن مشاعر الأمهات الثكالى، والزوجات الأرامل، والأطفال اليتامى، الذين فقدوا أبناءهم وأزواجهم وآباءهم على جبهات القتال.
تحول الحزن إلى جزء أصيل من شخصية أموري الفنية، وتجلى في ألحانه وأغانيه التي لامست وجدان العراقيين، وكان تجربة حياة عاشها بكل مواجعها، وحوّلها إلى ألحان خالدة، بقيت شاهدة على معاناته، ومعاناة جيل كامل من الحروب وفقد الأحبة.
عمري محطة سفر للي مشوا عنه
بس ما وصلني الخبر
نبض الكلب غنى
ما بين صبر الشمع ومساهر الحنه
منذور اظل للعشك للمامش اتعنه
كلمات: كاظم إسماعيل الكاطع
ألحان: محمد جواد أموري

يا حبيبي إنت نعمة.. وجنه وياك الوصال
وانكضت بهواك ليلة.. حلم
بعد وفاة زوجته الأولى، تزوج محمد جواد أموري من سناء وتوت، ابنة بنت عمته. وكانت سناء في الـ15 من عمرها، بينما كان أموري في منتصف الثلاثينيات، وهو فارق كبير في العمر بين الزوجين.
تروي سناء أن نشأتها في ظل غياب والدها عاطفياً وجسدياً جعلتها تبحث عن الشعور بالأمان والاحتواء، وأنها وجدت في أموري ذلك السند. كما انتقلت معه من بيئة النجف المحافظة إلى حياة أكثر انفتاحاً في بغداد، وهو تحول عدّته نقطة مفصلية في حياتها. وتلخص تجربتها بقولها: “تزوجته لأنني كنت أحتاج أباً وبيئة منفتحة… لذلك عشنا معاً سنوات من السعادة الغامرة”.



لكن تلك الحياة المشتركة لم تستمر على الحال نفسها. فمع مرور السنوات بدأت الخلافات تتسع بين الزوجين، وانتقلت سناء مع طفليها إلى دولة الإمارات رغم رفض أموري وإصراره على عودتهما إلى العراق. كما ازداد التوتر بينهما على خلفية عدد من الالتزامات المالية، من بينها نفقات تتعلق بدراسة ابنتهما بتول.
ومع مرور الوقت، تحولت العلاقة التي بدأت بالمودة والاحتواء إلى جفاء وخلاف.
وفي خضم تلك الظروف، تعرض أموري لحادث سير خطير كاد يودي بحياته. أسفر الحادث عن إصابات بالغة، شملت كسوراً في اليدين والرجلين، وتهشماً في الفك والجمجمة، لتبدأ مرحلة جديدة من المعاناة الجسدية والعلاج الطويل، فعادت سناء، زوجته، لتكون إلى جانبه وتعتني به.
أصبح أموري بعد الحادث في حالة حرجة. فقدَ القدرة على الكلام والحركة وتناول الطعام بصورة طبيعية، وقضى أشهراً طويلة طريح سرير المستشفى، يخوض رحلة علاج شاقة استمرت عاماً كاملاً من دون تحسن يُذكر.

وحين تجاوز مرحلة الخطر كانت الصدمة الكبرى بانتظاره. فقد أبلغه الأطباء بأن إصاباته خلّفت شللاً في يده اليمنى وأثرت في قدرته على المشي، وأن التدخلات الجراحية الممكنة معقدة، مرتفعة الكلفة، ومحفوفة بالمخاطر، في وقت لم تكن فيه الإمكانات الطبية داخل العراق قادرة على تقديم ما يتجاوز إنقاذ حياته.
دخل بعدها مرحلة طويلة من العلاج وإعادة التأهيل، متنقلاً بين المستشفيات، لكن آثار الحادث لازمته حتى سنواته الأخيرة. تكلست مفاصل يده اليسرى، وفقد القدرة على العزف كما اعتاد طوال عمره، وهي الخسارة التي كانت، بالنسبة إليه، أشد قسوة من الإصابة نفسها.
لم يكن العود مجرد آلة موسيقية في حياة أموري، بل كان رفيقاً لازمه منذ طفولته. وحين عجز عن حمله بدا كأنه فقد جزءاً من هويته. ذلك الفقد عمّق ألمه النفسي والوجودي، حتى خُيّل إلى من عرفه أن الحزن الذي صاغ به أجمل ألحانه ظل يرافقه إلى أيامه الأخيرة.
وفي 11 تموز 2014، رحل محمد جواد أموري عن عمر ناهز الـ79 عاماً، مودعاً جمهوره ومحبيه، بعد رحلة طويلة ترك خلالها إرثاً موسيقياً كبيراً وألحاناً خالدة ما زالت حاضرة في الذاكرة العراقية والعربية. وظل “أبو نصير” واحداً من أبرز المجددين في الأغنية العراقية، وفناناً حمل المراثي الحزينة في ألحانه حتى آخر أيام حياته.
أموري رحل بعدما خسر زوجته الأولى، وابنه، ثم قدرته على العزف، لكنه لم يخسر الشيء الذي عاش من أجله. فما زالت ألحانه، بعد رحيله، تُغنّى كما لو أنها وُلدت اليوم، شاهدة على رجل حوّل أكثر تجاربه قسوة إلى موسيقى، وجعل الحزن جزءاً من الذاكرة العراقية.
مصادر:
١- كتاب “السيرة” لمحمد جواد أموري، تأليف سناء وتوت
٢- لقاءات محمد جواد أموري