يمثل الاتفاق على مذكرة التفاهم التي توصلت إليها الولايات المتحدة وإيران في حزيران 2026، نقطة تحول مهمة في البيئة الإقليمية للشرق الأوسط، ليس لأنه أنهى مرحلة من المواجهة العسكرية المباشرة بين الطرفين فقط، بل لأنه فتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية والاقتصادية في المنطقة. ويكتسب هذا الاتفاق أهمية خاصة بالنسبة للعراق، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه مع كل من واشنطن وطهران، فضلاً عن كونه إحدى الساحات الأكثر تأثراً بالصراع الأمريكي-الإيراني منذ عام 2003.
خلال السنوات الماضية، ارتبط مستوى الاستقرار السياسي والأمني في العراق ارتباطاً كبيراً بطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. فكلما اتجهت العلاقات بين الطرفين نحو التصعيد انعكس ذلك على الداخل العراقي عبر التوترات الأمنية والاستقطابات السياسية، فيما كانت فترات التهدئة تمنح بغداد هامشاً أوسع للحركة وإدارة ملفاتها الداخلية والخارجية.
ورغم أن الاتفاق الحالي ما يزال في مرحلة انتقالية ويقوم على مذكرة تفاهم تمهد لاتفاق نهائي خلال 60 يوماً، فإن انعكاساته بدأت بالظهور على مستوى الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية في المنطقة، الأمر الذي يجعل العراق أمام مرحلة جديدة تتطلب إعادة تقييم موقعه ودوره في بيئة إقليمية متغيرة.
العراق بين نهاية مرحلة الصراع وبداية مرحلة التوازن
طوال العقدين الماضيين كان العراق أحد أهم ميادين التنافس الأمريكي-الإيراني. فواشنطن نظرت إليه بوصفه ركناً أساسياً في استراتيجيتها الإقليمية، بينما اعتبرته طهران عمقاً استراتيجياً ضرورياً لأمنها القومي ونفوذها الإقليمي.
ومع انتقال العلاقات الأمريكية-الإيرانية من مرحلة المواجهة العسكرية المباشرة إلى مرحلة التفاوض وإدارة الخلافات، فإن العراق قد يخرج تدريجياً من موقع “ساحة الصراع” إلى موقع “مساحة التوازن”. ويعني ذلك تراجع الضغوط التي كانت تدفع بغداد إلى إدارة علاقاتها مع أحد الطرفين على حساب الآخر، وامتلاك هامش أوسع لصياغة سياسة خارجية أكثر استقلالية.

ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية؛ لأن العراق لم يكن مجرد طرف متأثر بالصراع، بل كان أحد أهم ساحاته، فالكثير من الأزمات السياسية والأمنية التي شهدها خلال العقدين الماضيين كانت مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بحالة التنافس بين واشنطن وطهران. ولذلك فإن أي انتقال نحو مرحلة أكثر استقراراً في العلاقات بينهما قد يمنح الدولة العراقية فرصة أكبر للتركيز على أولوياتها الداخلية، بدلاً من الانشغال الدائم بتداعيات الصراعات الإقليمية.
لكن هذا التحول لن يكون تلقائياً؛ لأن كثيراً من البنى السياسية والأمنية التي تشكلت خلال سنوات الصراع ما تزال قائمة، كما أن ملفات النفوذ المتبادل داخل العراق لا يمكن تفكيكها بسرعة وسهولة. ولذلك فإن نجاح العراق في الاستفادة من هذه المرحلة سيعتمد على قدرته على تحويل التهدئة الإقليمية إلى فرصة لتعزيز مؤسسات الدولة وترسيخ استقلالية القرار الوطني.
الملف الأمني وإعادة تعريف دور الفصائل المسلحة
من أكثر الملفات تأثراً بأي اتفاق أمريكي-إيراني مستقبلُ الفصائل العراقية المسلحة المتحالفة مع إيران. ففي مرحلة الصراع كانت هذه الفصائل تمثل إحدى أدوات الردع الإيرانية في مواجهة الولايات المتحدة، أما في مرحلة التفاهم فإن الحاجة إلى هذا الدور قد تتراجع بصورة تدريجية. كما أن استمرار حالة التهدئة بين الطرفين سيؤدي إلى تقليص المبررات التي كانت تستند إليها بعض الفصائل للاحتفاظ بأدوار إقليمية تتجاوز الإطار الوطني العراقي.

ومن هنا قد يجد العراق نفسه أمام فرصة تاريخية لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة ضمن إطار قانوني ومؤسساتي أكثر وضوحاً، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع دعم أمريكي وإيراني غير معلن لسياسة حصر السلاح بيد الدولة. وقد يساعد ذلك الحكومة العراقية على المضي بخطوات أكثر جدية في إعادة هيكلة البيئة الأمنية وتعزيز احتكار الدولة لاستخدام القوة.
غير أن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطاً بمدى استقرار الاتفاق نفسه؛ لأن أي انهيار محتمل للتفاهمات الأمريكية-الإيرانية سيعيد إنتاج بيئة الصراع السابقة ويجعل العراق، مرة أخرى، ساحة للمواجهة غير المباشرة. كما أن أي إصلاح أمني حقيقي يتطلب توافقاً عراقياً داخلياً يضمن عدم تحول ملف السلاح إلى مصدر جديد للانقسام السياسي.
المكاسب الاقتصادية المحتملة للعراق
يحمل الاتفاق فرصاً اقتصادية مهمة للعراق على عدة مستويات، فإعادة فتح مضيق هرمز بشكل طبيعي، وتخفيف التوترات العسكرية في الخليج، يساهمان في رفع مستوى الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، ومنح العراق بيئة أكثر ملاءمة لتصدير النفط واستقطاب الاستثمارات الأجنبية. كما أن تراجع المخاطر الأمنية في المنطقة سيؤدي إلى خفض كلفة النقل والتأمين، وهو ما ينعكس إيجابياً على النشاط الاقتصادي الإقليمي.
بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي تخفيف العقوبات المفروضة على إيران إلى إعادة تنشيط التجارة الإقليمية، وهو ما يمنح العراق فرصة للتحول إلى عقدة لوجستية تربط الخليج وإيران وتركيا وبلاد الشام. فالموقع الجغرافي للعراق يمنحه أفضلية مهمة ليكون مركزاً لحركة البضائع والطاقة والنقل بين مختلف الأطراف الإقليمية.

كما يمكن أن يسهم تراجع التوتر الأمريكي-الإيراني في تسهيل تنفيذ مشاريع استراتيجية عراقية كبرى، وفي مقدمتها مشروع طريق التنمية وميناء الفاو الكبير، اللذان يحتاجان إلى بيئة إقليمية مستقرة نسبياً لضمان نجاحهما وجذب الاستثمارات المرتبطة بهما.
لكن هذه الفرص قد تتحول إلى تحديات إذا أصبح العراق مجرد ممر اقتصادي لإيران دون أن ينجح في بناء مصالحه الاقتصادية الوطنية المستقلة. ولذلك فإن التحدي الحقيقي يتمثل في استثمار الانفتاح الإقليمي لتعزيز الاقتصاد العراقي لا لتحويله إلى اقتصاد جانبي للقوى الإقليمية.
السياسة الخارجية العراقية بعد الاتفاق
ربما يكون التأثير الأهم للاتفاق على مستوى السياسة الخارجية العراقية. فالعراق خلال السنوات الماضية كان يتحرك ضمن معادلة دقيقة تقوم على محاولة تجنب الانحياز الكامل لأي من الطرفين. أما إذا نجح الاتفاق الأمريكي-الإيراني في الانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً، فإن بغداد قد تتمكن من تطوير نموذج جديد في سياستها الخارجية يقوم على مبدأ “التوازن الإيجابي”.

ويعني ذلك أن يتحول العراق من دولة تتأثر بالتوازنات الإقليمية إلى دولة تسهم في صناعتها، مستفيداً من علاقاته مع الولايات المتحدة وإيران ودول الخليج وتركيا في آن واحد. كما أن هذا التحول قد يمنح بغداد فرصة أوسع لتعزيز مصالحها الوطنية بعيداً عن ضغوط الاستقطاب الإقليمي التي طبعت المشهد السياسي خلال السنوات الماضية.
ومن جهة أخرى، فإن تراجع التوتر الإقليمي قد يمنح العراق فرصة لتعزيز دوره كوسيط إقليمي، وهو الدور الذي حاولت بغداد ترسيخه خلال السنوات الماضية عبر استضافة الحوارات الإقليمية المختلفة. وإذا نجحت الحكومة العراقية في استثمار هذه المكانة، فقد يتحول العراق من ساحة تأثر بالصراعات إلى منصة للمساهمة في إدارتها وتسويتها.
السيناريوهات المحتملة لمستقبل العراق بعد الاتفاق
بافتراض نجاح الاتفاق وتحوله إلى تسوية استراتيجية، فهذا يعني أولاً تحوّل الاتفاق إلى إطار طويل الأمد لإدارة العلاقات بين الطرفين. وفي هذه الحالة سيكون العراق أحد أكبر المستفيدين، من خلال تراجع الضغوط الأمنية وتحسن البيئة الاقتصادية وتعزيز فرص الاستقرار السياسي. كما قد تتمكن بغداد من المضي بخطوات أكثر جرأة في ملفات الإصلاح الأمني والاقتصادي، مستفيدة من انخفاض مستوى التوتر الإقليمي.
أما إذا بقيت الاتفاقات هشّة غير حاسمة؛ لأسباب مثل البرنامج النووي أو العقوبات أو مستقبل إدارة مضيق هرمز والدور الإقليمي الإيراني، فسيبقى العراق معرّضاً للارتدادات الناتجة عن أي أزمة جديدة بين الطرفين، كما أن حالة عدم اليقين ستجعل كثيراً من المشاريع السياسية والاقتصادية العراقية مرتبطة بمستقبل المفاوضات الأمريكية-الإيرانية.

أما إذا فشلت المفاوضات النهائية فإن المنطقة قد تعود إلى دائرة التصعيد. وسيكون العراق حينها من أكثر الدول تأثراً، بحكم استمرار الوجود الأمريكي وتشابك المصالح الإيرانية داخله، ما يعيد إنتاج معادلة “الساحة المفتوحة” التي عانى منها العراق طوال السنوات الماضية. وقد يؤدي ذلك إلى عودة الضغوط الأمنية والسياسية التي سعت بغداد إلى تجاوزها خلال مرحلة التهدئة.
بالمجمل، لا يمثل الاتفاق الأمريكي-الإيراني نهاية للصراع بقدر ما يمثل بداية مرحلة جديدة من إدارته. وبالنسبة للعراق، فإن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في وقف الحرب أو خفض التوتر، بل في الفرصة التي يوفرها لإعادة تعريف موقع الدولة العراقية في النظام الإقليمي. فإذا نجحت بغداد في استثمار هذه اللحظة الاستراتيجية، فقد تنتقل من موقع الدولة المتأثرة بالتنافسات الإقليمية إلى موقع الدولة المؤثرة فيها. أما إذا استمرت الانقسامات الداخلية وبقيت مؤسسات الدولة عاجزة عن فرض أولوياتها الوطنية، فإن العراق قد يجد نفسه، مرة أخرى، رهينة لمستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران وخارج طاولتهما، مهما تغيرت طبيعة هذه العلاقة.
إن مستقبل العراق بعد الاتفاق لن يتحدد بما ستتفق عليه واشنطن وطهران فقط، بل بمدى قدرة الدولة العراقية على توظيف المتغيرات الإقليمية لبناء سياسة أكثر استقلالاً، واقتصادٍ أكثر قوة، ومؤسسات أكثر قدرة على حماية المصالح الوطنية. فالاتفاق قد يفتح نافذة للفرص، لكن تحويل هذه الفرص إلى مكاسب استراتيجية سيبقى مسؤولية عراقية بالدرجة الأولى.
- تُنشر المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”.