تنظيم الفساد في العراق 

قراءة في ما وراء حملة الاعتقالات الأخيرة التي تقودها حكومة علي الزيدي، هل تستهدف الدولة الفساد... أم تعيد تنظيمه، وما علاقة القضاء بذلك؟

جمارجمار | 29 حزيران 2026

تطرح حملة الاعتقالات الأخيرة سؤالاً يتجاوز أسماء الموقوفين والاتهامات الموجهة إليهم. فالقضية، في نظر بعض الأوساط السياسية، تتعلق بمحاولة لإعادة تنظيم علاقة  الدولة بمنظومة الفساد التي تشكلت داخل مؤسساتها خلال العقدين الماضيين. 

ووفق هذه القراءة، فإن الفساد لم يعد يقتصر على مسؤولين يستغلون مناصبهم أو شبكات تتنافس على العقود، بل تحول إلى منظومة مترابطة تضم مسؤولين وسياسيين  ووسطاء، وتنتج مراكز نفوذ تمتلك مصالحها وآليات عملها وقدرتها على التأثير في القرار الإداري والسياسي وتغييره. ومع اتساع هذه المنظومة، ارتفعت كلفتها المالية  والإدارية، وأصبح استمرارها بالشكل الذي وصلت إليه يضغط على قدرة الدولة على الاستمرار. 

وتُطرح قضية وكيل وزارة النفط السابق، عدنان الجميلي، مثالاً على هذا النمط، بعدما كشفت التحقيقات، بحسب ما تسرب منها، عن شبكة واسعة من العلاقات مع مسؤولين وسياسيين وأعضاء في مجلس النواب، مما يعكس طبيعة الترابط الذي وصلت إليه ملفات الفساد. 

وتُفسَّر الحملة الأخيرة التي تقودها حكومة علي الزيدي بوصفها محاولة لإعادة ضبط منظومة الفساد، وإعادة قرار فتح الملفات والإحالة إلى القضاء والمحاسبة إلى  مؤسسات الدولة، ووضع حدود لانتشار شبكات النفوذ داخلها، أكثر من كونها محاولة لإنهاء الفساد بصورة شاملة. 

وتنفيذ مثل هذا المسار لم يكن ممكناً بالقرار القضائي وحده، ولا بالسلطة التنفيذية وحدها. وبحسب مصادر سياسية، فإن فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، لم يكتفِ بدعم وصول علي الزيدي إلى رئاسة الحكومة، بل كان أحد مهندسي هذا الخيار خلال مرحلة فك الانسداد السياسي. وترى هذه المصادر أن اقتران النفوذ  القضائي بالسلطة التنفيذية أوجد، للمرة الأولى، إمكانية لتحويل كثير من أوامر القبض والملفات القضائية إلى إجراءات ميدانية، بعد سنوات كانت تتوقف فيها عند حدود  النفوذ السياسي أو الأمني أو الحزبي. 

غير أن هذا النموذج يثير، في الوقت نفسه، أسئلة تتجاوز نتائج الحملة الحالية. فاستمرار هذا المستوى من التداخل بين السلطتين القضائية والتنفيذية قد يمنح الدولة قدرة  أكبر على تحريك ملفات معقدة، وإنتاج تسويات، وتشديد قبضتها على مؤسساتها، لكنه يطرح أيضاً إشكالات تتعلق بحدود الفصل بين السلطات، ومدى تأثير كل سلطة في  الأخرى، وإمكان توظيف هذا التقارب في إدارة الصراع السياسي. 

وتزداد أهمية هذه الأسئلة إذا اتسعت الحملة في المستقبل. فملفات الفساد في العراق لا تتحرك في فراغ، بل تتقاطع مع توازنات حزبية وبرلمانية وأمنية واجتماعية. ومع كل توسع في التحقيقات، ستبرز أسئلة عن المعايير التي تحكم اختيار الملفات، وأسباب تقديم بعضها وتأجيل بعضها الآخر، والحدود التي تقف عندها المحاسبة ضد الأشخاص. 

مع ذلك، يبقى هذا المسار في بدايته. فالحملة لم تصل حتى الآن إلى أكثر الشخصيات نفوذاً، ولم تشمل كثيراً من ملفات الفساد الكبرى المتراكمة منذ سنوات. وإذا استمرت  واتسعت لتشمل شبكات أوسع فقد تؤسس لقواعد جديدة في إدارة العلاقة بين الدولة ومنظومة الفساد. أما إذا انتهت بتسويات، أو خرج الموقوفون من دون نتائج قضائية  واضحة، أو توقفت عند حدود معينة، فإنها قد تتحول إلى أحد أكبر أسباب تآكل الثقة بالنظام السياسي، بعدما رفعت سقف التوقعات لدى الرأي العام؛ لأن السؤال لن يعود  متعلقاً بقدرة الدولة على تنفيذ الاعتقالات، بل بالمعايير التي حددت من يُحاسَب ومن بقي خارجها. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم