الزيدي يضلّ الطريق.. كيف تحوّل الريع النفطي إلى اشتراكية في عيون الحكومة الناشئة؟

يفكك محمد حلو وصف رئيس الوزراء للاقتصاد العراقي بأنه "اشتراكي"، ويجادل بأن أزمة البلاد تكمن فيما يسميه "رأسمالية الغنائم الريعية" و"دولة الصراف الآلي التوزيعية"، التي تعتمد على النفط لتوزيع الثروة بدل إنتاجها..

محمد حلومحمد حلو | 11 حزيران 2026

في خضم البحث عن مخارج من الأزمات الهيكلية المزمنة التي تكبّل الدولة العراقية، خرج رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي بتوصيف أثار الكثير من الاستغراب والجدل في الأوساط الاقتصادية والأكاديمية، حين وسم الاقتصاد العراقي بأنه “اقتصاد اشتراكي”.  

هذا الوصف، وإن كان يحاول الإشارة “بالمجاز” إلى تضخم القطاع العام وهيمنة الدولة على التوظيف، إلّا أنه يعبّر عن أزمة مفاهيم حقيقية تعتلي ركام الواقع الريعي المشوّه. فالاشتراكية بوصفها نظاماً اقتصادياً وأيديولوجياً بريئة من الواقع الهيكلي في العراق، وجنوح البوصلة الحكومية نحو هذا المفهوم يجانب الصواب العلمي والواقعي من عدة زوايا بنيوية.  

فخ الخلط بين الاشتراكية الإنتاجية والرعاية التوزيعية  

تكمن الخطيئة العلمية الأولى لهذا التوصيف في الخلط بين المفاهيم؛ فالاشتراكية (Socialism) هي نظام يقوم على ملكية المجتمع لوسائل الإنتاج، والتخطيط المركزي الشامل لتوليد القيمة المضافة وخلق السلع والخدمات عبر ذراع إنتاجية وطنية. بينما يُشير مصطلح الدولة الريعية (Rentier State) إلى الدولة التي تعتمد على ريع خارجي -كتصدير النفط في الحالة العراقية- وهو يتولد خارج العملية الإنتاجية المحلية، وتكتفي فيه السلطة بدور “الموزع” لهذه الأموال عبر رواتب وشبكات رعاية لضمان السلم الاجتماعي.  

والعراق لا يملك خططاً إنتاجية مركزية، بل يملك موازنة تشغيلية تستهلك النفط لشراء السلع الاستهلاكية من الخارج، إنها رأسمالية دولية تشتري سلماً اجتماعياً محلياً وليست اشتراكية تنموية، فعندما توظف الدولة ملايين المواطنين في قطاع غير منتج فإنها لا تمارس الاشتراكية، بل تمارس التوزيع الريعي مقابل الولاء السياسي وتأمين السلم الاجتماعي.  

ولا بد من الإشارة إلى أن النظم الاشتراكية، مثل الاتحاد السوفيتي السابق أو الصين سابقاً، كانت تؤمم المصانع والمزارع ووسائل الإنتاج لكي تنتج محلياً وتتحكم في الأسعار. أما في العراق، فالدولة أممت عوائد النفط (الريع) عام 1972، لكنها تركت وسائل الإنتاج الحقيقية معطلة، واعتمدت على الاستيراد لتلبية كل احتياجات المجتمع من الغذاء إلى الإبرة، وهذه التبعية المطلقة للخارج تجعل الاقتصاد العراقي أبعد ما يكون عن الاشتراكية التي تهدف تاريخياً إلى الاكتفاء الذاتي، وتجعله في المقابل حلقة استهلاكية مشوهة في المنظومة الرأسمالية العالمية.  

هيكل الملكية: قطاع خاص مشوه وليس قطاعاً عاماً اشتراكياً 

في الاشتراكية الحقيقية، تهيمن الدولة على الملكية لمنع التراكم الرأسمالي الخاص وحماية الطبقات العاملة. أما في العراق بعد عام 2003 فنحن أمام مشهد معكوس تماماً، حيث أصبحت الدولة الممول الأكبر لثراء قطاع خاص طفيلي لا يُنتج شيئاً. 

إن وصف هذا التشوه بالاشتراكية يعفي القطاع الخاص الطفيلي والمنظومة السياسية من مسؤولية الفشل التنموي. العراق لا يعاني من هيمنةٍ اشتراكية، بل يعاني من رأسمالية غنائمية مشوهة، تموِّل فيها الدولة بأموال النفط ثراء قلة متنفذة، بينما تشتري لعامة الشعب وظائف وهمية لا تنتج سلعاً ولا تخلق تنمية. 

المفارقة الصارخة تبدأ من العقد الاجتماعي والسياسي للبلد؛ إذ نصت المادة (25) من الدستور العراقي لعام 2005 صراحة على أن تكفل الدولة إصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس اقتصادية حديثة، وبما يضمن الاستثمار الكامل لموارده، وتنويع مصادره، وتشجيع القطاع الخاص وتنميته.  

هذا التبني الدستوري لآليات اقتصاد السوق يثبت أن الهوية القانونية للدولة هي رأسمالية تهدف إلى التحول نحو الحرية الاقتصادية. لكن الأزمة تكمن في أن هذه السوق لم تُبنَ على أسس التنافسية والإنتاج، بل ولدت مشوهة ومكبلة بآليات الفساد الإداري والمحاصصة السياسية.  

ولم تتعامل الحكومات المتعاقبة مع وزارة المالية بصفتها وزارة مسؤولة عن التخطيط المالي، بل بمثابة أمين صندوق أو “محاسب” تنحصر مهامه في استلام عائدات النفط من جهة، وتحويلها إلى رواتب ونفقات جارية من جهة أخرى، وفي النموذج الريعي العراقي تم تقزيم أدوار وزارة المالية وتجريدها من بعدها الاستراتيجي، للتحول عملياً إلى “دائرة محاسبة كبرى”. 

ويعد اختزال دور وزارة المالية في مهام أمين الصندوق الذي يوزع الرواتب في نهاية كل شهر هو التجسيد الأكبر للفشل الريعي في الحالة العراقية. هذا التحجيم لدور الوزارة جعلها عاجزة عن استخدام أدواتها التقليدية للإصلاح، إذ بدلاً من أن تكون الضرائب أداة لإعادة توزيع الدخل وتحفيز الإنتاج المحلي عبر فرض رسوم حمائية، تحولت الجباية في العراق إلى إجراء هامشي غارق في البيروقراطية والفساد، حيث يعجز “المحاسب الحكومي” عن جباية الإيرادات غير النفطية.  

بالإضافة إلى معضلة التوسّع في الإنفاق الاستهلاكي، إذ لا تملك وزارة المالية سلطة رفض النفقات الاستهلاكية غير المتوقعة التي تفرضها الضغوط السياسية والانتخابية، بل يقتصر دورها على تدبير السيولة النقدية لتغطية تلك القرارات، مما يجرّدها من قدرتها على فرض الانضباط المالي. 

نحو هوية اقتصادية حقيقية… فك الارتباط بالوهم  

ليس الإصرار على رمي أزمات الاقتصاد العراقي في سلة الاشتراكية مجردَ مغالطة علمية وجنوح عن جادة التوصيف الدقيق، بل هو هروب صريح عن مواجهة حقيقة الفشل التنموي المتراكم منذ عقود. إن المنظومة السياسية والاقتصادية في العراق لم تطبِّق يوماً الفلسفة الاشتراكية، بل أنتجت نموذجاً فريداً في تشوّهه وهو “رأسمالية الغنائم الريعية”؛ نموذجٌ يخصّص الأرباح والثروات لصالح قلة متنفذة وطفيلية، في حين يؤمم الخسائر والأزمات ويدفع بها إلى كاهل الموازنة العامة والطبقات الهشة.  

يتطلّب الخروج من هذا النفق حسمَ الهوية الاقتصادية، عن طريق الانتقال الفعلي والعملي من نموذج “دولة الصراف الآلي التوزيعية” إلى نموذج “الدولة التنموية الضامنة”، عبر تفعيل المادة (25) من الدستور لحماية القطاعات الإنتاجية الحقيقية. بالإضافة إلى إجراء إصلاح هيكلي صارم للموازنة العامة عبر إيقاف التضخّم المنفلت في النفقات الجارية، مع توجيه الإنفاق الاستثماري لبناء بنية تحتية جاذبة لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية. 

الخطيئة الكبرى للنظام الريعي المشوه في العراق هي أنه ربط المواطنة بالراتب الحكومي، وحوّل الدولة في ذهن المواطن من راعٍ للقانون والخدمات إلى المُعيل الوحيد. هذا الارتهان يمثل العائق السيكولوجي الأول أمام أي حركة تصحيحية، وهو ما يتطلب تصفير الفجوة بين القطاعين العام والخاص.  

إن إعادة صياغة جذرية لقوانين العمل والضمان الاجتماعي في القطاع الخاص، وجعلها متطابقة أو متفوقة على الامتيازات الحكومية، هي الخطوة الأولى لإيقاف الضغط الهائل على التوظيف العام، إضافة إلى ربط مخرجات التعليم العالي بالاحتياجات الفعلية لسوق العمل، بدلاً من الاستمرار في سياسة التجهيل المقنع وضخّ آلاف الخريجين في تخصصات راكدة تنتظر التعيين المركزي.  

خلاصة القول؛ لم يعُد ركام الريع النفطي قادراً على ستر عورات الخلل الهيكلي في العراق، وتوصيفُ رئيس مجلس الوزراء يُثبت أن السلطة تشعر بالخطر لكنها تُخطئ في قراءة الخارطة. العراق بحاجة ماسة اليوم إلى مصالحة معرفية واقتصادية شجاعة، وإلى الاعتراف بأن الأزمة ليست في إرث اشتراكي وهمي، بل في عقلية ريعية حية تُدار بها الدولة، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من كسر هذه الحلقة المفرغة، قبل أن تلتهم الموازنات القادمة ما تبقى من مصدات نقدية واحتياطيات أجنبية.  

تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج“. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب وباحث