سباق الانفكاك والتمرد المفتوح.. لماذا يستحيل تجريد الفصائل من سلاحها الموازي؟

لماذا يبدو نزع السلاح في العراق أصعب مما يُعلن؟ يحلل المقال شبكة المصالح والقوة والمال التي تجعل إنهاء السلاح الموازي للدولة مهمة تتجاوز الشعارات والتصريحات السياسية في بغداد..

عماد حسينعماد حسين | 4 حزيران 2026

يختبر المشهد السياسي والأمني في العراق زلزالاً بنيوياً غير مسبوق، يتجاوز في أبعاده الترتيبات الأمنية المعتادة. فما بدأ كإعلان من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، في 27 أيار 2026، بـ”الانفكاك التام” لسرايا السلام والتحاقها بمؤسسات الدولة، تحول سريعاً إلى نقطة ارتكاز أعادت رسم خارطة التحالفات والعداءات داخل المنظومة السياسية والفصائلية برمتها. 

الحدث انتقل من كونه مناورة صدرية لاحتكار المبادرة الشعبية ووضع الخصوم في زاوية حرجة، ليشمل تبنياً حكومياً وإطارياً مندفعاً تجاه “سردية الدولة”، ومدعوماً بغطاء دستوري صارم من أعلى الهرم القضائي. وفي مقابل هذا الاصطفاف المؤسساتي، برز تشظٍّ فصائلي حاد تراوح بين الاستجابة البراغماتية، وبين التمرد العقائدي والفلسفي الذي ينسف الأسس الكلاسيكية للدولة، مما يضع جهود تفكيك السلاح الموازي أمام تعقيدات مركبة ومفتوحة على كل الاحتمالات. 

دورة “التكيف” والبديل الديموغرافي 

تمثل قرارات تجميد أو حل التشكيلات المسلحة في القاموس الصدري استراتيجية تقليدية لإعادة التموضع والتعاطي مع التغيرات الحادة. تحتفظ الذاكرة السياسية بمسار متكرر يبدأ من إعلانات حل “جيش المهدي”، مروراً بتجميد “لواء اليوم الموعود”، وصولاً إلى النسخة الحالية المتمثلة بـ”سرايا السلام”. يرتبط كل إعلان تفكيك بمتغير سياسي أو أمني ضاغط يستوجب امتصاص الصدمة ثم العودة بواجهة جديدة. يندرج إعلان الانفكاك الأخير ضمن هذه الدورة التكتيكية، مصمَّماً لتجاوز مأزق الخروقات الداخلية والتمردات التي عصفت بالسرايا مؤخراً، ومهيئاً الأرضية لعودة سياسية تتصدر المشهد من بوابة “الإصلاح ودعم الدولة”. 

تتكشف ملامح هذه المناورة بوضوح عند قراءة الآليات التنفيذية المرافقة للقرار. حدّد التوجيه الداخلي الصادر من “الحنانة” سقفاً زمنياً لا يتجاوز الأسبوع الواحد لإتمام عملية الانفصال وتسليم المقدرات، رابطاً إياها برمزية عقائدية تتزامن مع عيد الغدير. من الناحية اللوجستية والعسكرية، تبدو عملية تفكيك فصيل ممتد في قواطع عمليات معقدة ومحمل بترسانة أسلحة خلال أيام معدودة أمراً غير قابل للتطبيق. 

يتأكد الطابع التنظيمي الداخلي للخطوة عبر حصر مهام التنفيذ بلجنة تضم قيادات صدرية حصراً، في غياب لأي لجان حكومية مشتركة من وزارة الدفاع أو الحشد الشعبي للاستلام الفعلي، مما يجرد الإجراء من عمقه المؤسساتي ويحصره في إطار إعادة الهيكلة وفك الارتباط السياسي العلني. 

وتعويضاً عن ورقة السلاح التي جرى طويها إعلامياً، استعان الصدر ببديل استعراضي موازٍ عبر دعوته لزيارة مليونية تتزامن مع الموعد ذاته. يترجم هذا التحول رغبة في استعراض الثقل الديموغرافي والحشد البشري بدلاً من استعراض القوة الخشنة. يوجه هذا الزخم الجماهيري رسالة مزدوجة؛ فهو يؤكد للحكومة أن التخلي عن الواجهة العسكرية لا يعني فقدان السيطرة على مسار الشارع، ويوصل رسالة للفصائل المنافسة تؤكد قدرة التيار على تحريك الشارع والسيطرة على حشود بشرية مليونية، دون الحاجة إلى استمرار الارتباط بـ”سرايا السلام”. 

هندسة التخادم واكتمال الغطاء المؤسساتي 

وفرت مبادرة الصدر فرصة استثنائية لرئيس الوزراء علي الزيدي لتعزيز موقعه السياسي واكتساب الزخم، حيث التقط القصر الحكومي الإعلان بحماسة لافتة، محولاً إياه إلى منصة لاستعراض إنجاز سيادي تحت عنوان “فرض سلطة القانون”. كما يعكس الترحيب الفوري، وحرارة تهنئة الصدر للزيدي بعد التكليف، واستقبال الوفود المتبادلة، حالة من التخادم السياسي المباشر، فيمنح الصدر رئيس الوزراء غطاءً شعبياً وورقة ضغط ثمينة، وفي المقابل، يشرّع الزيدي أبواب العودة أمام الصدر ليتصدر المشهد مجدداً كراعٍ لمشروع بناء الدولة ومساند لمؤسساتها. 

تترافق هذه الاندفاعة الحكومية مع مفارقة هيكلية عميقة تتعلق بشخصية رئيس الوزراء نفسه. يحاول الزيدي تعويض الضوضاء المحيطة باسمه وتاريخه وظروف تكليفه عبر تبني خطاب سيادي متشدد، يدعو إلى حصر السلاح وإنهاء المظاهر المسلحة، مقروناً برؤية براغماتية ترفض “الاقتصاد الاشتراكي”. يطرح هذا التناقض تساؤلات جدية حول قدرة قيادة سياسية، تحيط بها ملفات وشبهات فساد مثيرة للجدل، على إدارة عملية جراحية معقدة تستهدف إخضاع فصائل تمتلك إمبراطوريات مالية واقتصاديات موازية متجذرة في عمق مؤسسات الدولة. 

تتجاوز خطة الزيدي حدود التخادم الثنائي لتشمل محاولة تطويق الفصائل الرافضة عبر خلق اصطفافات سياسية واسعة. كما وفرت بيانات التأييد الصادرة عن قوى سياسية سنية، مثل تحالف العزم، زخماً إضافياً لمبادرة حل السرايا، مانحة إياها أبعاداً وطنية تتجاوز حدود المكون الواحد.  

ويندرج هذا التأييد ضمن مساعي تلك القوى لاستثمار الانقسام الحالي في تقليص نفوذ الفصائل داخل مناطقها، ليستخدمه الزيدي كأداة ضغط سياسي وبرلماني لزيادة العزلة المفروضة على التشكيلات المتمسكة بسلاحها، كما يتزامن هذا الحراك مع تطور دراماتيكي يتمثل في تبني “الإطار التنسيقي” رسمياً لمسار الحكومة ودعوته الصريحة لحصر السلاح، مما يحول الصراع من مناورة حزبية إلى اصطفاف سياسي شامل يسحب الغطاء الشرعي من جبهة الممانعة. 

ويأتي التطور الأبرز في تحصين هذا الاصطفاف من أعلى سلطة قضائية في البلاد، متمثلة برئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، ليمنح خطوات التفكيك شرعية دستورية صارمة. حيث قدم زيدان مرافعة مؤسساتية متدرجة، بدأت بتوظيف ذكرى اغتيال “قادة النصر”، مطلع العام 2026، لتمرير رسالة تؤكد انتهاء المعركة العسكرية، وتعتبر أن الوفاء للتضحيات يكمن في بناء الدولة وحصر السلاح بمؤسساتها. وصل هذا التطويق القضائي ذروته في إصداره بياناً رسمياً يشكر فيه التشكيلات المستجيبة بالاسم، وعلى رأسها “التيار الوطني الشيعي” و”عصائب أهل الحق” و”كتائب الإمام علي”، مشيداً بالتزامهم بنداء المرجعية وتطبيق الدستور وقرارات الإطار التنسيقي.  

هذا الفرز المؤسساتي يحاول وضع الفصائل المتبقية خارج دائرة الإجماع الشيعي، ويجردها من أي غطاء قانوني أو أخلاقي، محولاً إياها إلى كيانات متمردة في نظر مؤسسات الدولة. 

تشظي الفصائل: البراغماتية في مواجهة “حراس الفوضى” 

أحدثت المبادرة الصدرية والاندفاعة الحكومية فرزاً حاداً داخل الساحة الفصائلية، كاشفة عن تباين عميق في استراتيجيات التعاطي مع المتغيرات الحالية. فبرزت توجهات براغماتية مرنة، تمثلت في إعلان بعض القيادات، كزعيم “كتائب الإمام علي” شبل الزيدي، تأييداً صريحاً لسياسات رئيس الوزراء الاقتصادية، ودعماً علنياً لمبدأ حصر السلاح وتشذيب الحشد. يترجم هذا الموقف رغبة شريحة من الفصائل في التماهي مع الحكومة لحماية مكتسباتها المؤسساتية والاقتصادية، وتجنب الاصطدام المباشر مع موجة الضغوط السياسية الراهنة. 

اتسع نطاق هذا المسار البراغماتي ليضم قوى رئيسية أخرى، حيث التحقت حركة “عصائب أهل الحق” بقطار الانفكاك عبر إعلان تشكيل لجنة مركزية لجرد السلاح وتسليمه. تعتمد العصائب في هذه الخطوة على توجيهات سابقة تعود لعام 2017، في محاولة واضحة لسحب أسبقية المبادرة من الصدر، وإثبات انخراطها المبكر في مشروع الدولة. كما تستنسخ هذه الخطوة “المناورة اللوجستية” الصدرية ذاتها، حيث تُناط مهمة جرد السلاح بلجان حركية داخلية بعيداً عن الرقابة الحكومية المباشرة، لتحيل العملية إلى إجراء تنظيمي يعيد إنتاج النفوذ بواجهة مدنية متوافقة مع قرارات الإطار التنسيقي. 

تطور هذا التباين التكتيكي ليتحول إلى قطيعة علنية وهجوم شرس يمزق وحدة البيت الفصائلي، حيث قدمت تصريحات عضو الهيئة العامة لحركة “صادقون”، أحمد عدنان، دليلاً قاطعاً على هذا التشظي، واصفة الجهات الرافضة لمشروع الدولة بـ”حراس الفوضى”. فأدان هذا الخطاب بوضوح توريط الدولة في أزمات معقدة، مستنكراً بشدة استهداف البعثات الدبلوماسية، وقصف دول الجوار، ومهاجمة جهاز المخابرات العراقي، وعمليات خطف الصحفيين، حيث يهدف هذا الموقف الحاد إلى تقديم العصائب كقوة سياسية ناضجة ومسؤولة، تستلهم نموذجاً منضبطاً في التعاطي مع الدولة، وتتبرأ من الممارسات التي تصنفها كأعمال “صبيانية” تتصادم مع إرادة المرجعية الدينية والقائد العام للقوات المسلحة. 

جبهات الرفض: من السلاح المقدس إلى الهجوم الدستوري 

اتخذت فصائل أخرى، في مقدمتها “كتائب حزب الله”، موقفاً متصلّباً يرفض الاستجابة لهذه التحولات. تجلى هذا التصلب في بيان المسؤول الأمني للكتائب، أبو مجاهد العساف، الذي تضمن رسائل هجومية حادة استهدفت أولاً تجريد الصدر من شرعية “المقاومة”، عبر وصف سرايا السلام بأنهم مجرد “إخوة غير منخرطين” في هذا المسار. يرسخ هذا التوصيف قناعة الكتائب بأن سلاح التيار هو مجرد أداة نفوذ داخلي، وتجميده لا يمس جوهر معادلة “المقاومة” التي تحتكرها الفصائل الرافضة للتسليم. 

تجاوز بيان الكتائب حدود المناكفة السياسية مع الحنانة ليصل إلى مستوى الإهانة الصريحة لقدرات مؤسسات الدولة، ناسفاً سردية الزيدي حول قوة الأجهزة الأمنية، حيث عرض البيان تولي مهمة استلام الأسلحة التخصصية كالطائرات المسيرة بحجة افتقار الأجهزة الحكومية للمختصين، مع إبداء الاستعداد التام لدفع أثمان تلك الأسلحة والتكفل برعاية عائلات ضحايا الفصائل التي ستذهب في طريق الانفكاك.  

يشكل هذا الطرح استعراضاً علنياً لتفوق عسكري ومالي موازٍ، ويثبت امتلاك هذه الفصائل إمبراطوريات اقتصادية قادرة على تحدي الخزينة العامة. 

وعلى الضفة نفسها، ولكن بتكتيك مختلف، تتخذ فصائل أخرى من مفهوم “السيادة المنقوصة” غطاءً استراتيجياً لتبرير احتفاظها بترسانتها العسكرية. حيث يقدم بيان “كتائب سيد الشهداء” نموذجاً متقدماً لتكتيك الرفض المشروط، مبدياً استجابة ظاهرية لمشروع حصر السلاح مقرونة بشروط تعجيزية، تتطلب من الحكومة توفير منظومات دفاع جوي متطورة، وإنهاء التبعية الاقتصادية، وإخراج القوات الأجنبية. ويدرك أصحاب هذا الطرح عجز السلطة التنفيذية عن تلبية هذه المتطلبات المعقدة في المدى المنظور، ليتخذوا من هذا العجز مسوغاً مستمراً لإبقاء السلاح.  

كما تتكفل حركة “النجباء” بوضع القفل الأيديولوجي الأخير عبر بيانها الحازم، مستخدمة مصطلح “السلاح المقدس”، لنقل النقاش من المساحة السياسية القابلة للتفاوض إلى مساحة عقائدية مطلقة غير قابلة للمساومة. 

وإلى الجانب الرديف، تنتقل المعركة إلى مستويات التنظير الفلسفي والدستوري عبر الجناح السياسي لكتائب حزب الله المتمثل بـ”حركة حقوق”، التي أعلنت معارضتها لحكومة الزيدي فور تشكيلها بداعي تشكيلها وفق “أعراف خطيرة وتدخل أمريكي مباشر”، بحسب رئيس الحركة حسين مؤنس. 

وبعد ضجة حصر السلاح، وجه النائب في الحركة سعود الساعدي سلسلة أسئلة نيابية تستهدف المنهج الاقتصادي لرئيس الوزراء، مستخدماً نصوص الدستور المتعلقة بالضرائب وملكية الشعب للثروات النفطية لتأليب الرأي العام.  

تتجاوز هذه المواجهة الجانب الاقتصادي لتضرب في صميم التعريف الكلاسيكي للدولة، واصفة مبدأ “احتكار العنف” بالمفهوم المتخلف، ومستدعية نماذج دولية لتشريع وجود “جيوش عقائدية” موازية تتولى مهام إقليمية. 

لكن هذا التنظير الفلسفي يصطدم بمصدّ دستوري صارم وضعه رئيس مجلس القضاء الأعلى في ذروة الحرب بتاريخ 27/3/2026، حيث حذر حينها من أن الانفراد بقرار الحرب يمثل تهديداً للسيادة وتقويضاً للنظام الديمقراطي، وأكد أن الدستور يشترط موافقة السلطات التنفيذية والتشريعية مجتمعة لإعلان حالة الطوارئ أو الحرب، مما يغلق الباب أمام محاولات الفصائل زج العراق في نزاعات إقليمية تحت غطاء التحالفات الخارجية.  

هذا الموقف القضائي الحازم جعل أي تحرك مسلح خارج إطار المؤسسات تمرداً صريحاً يهدد السلم الأهلي، ويُفقد الفصائل المتمسكة بسلاحها أي شرعية للعمل خارج إطار الدولة. 

المتغير الأمريكي وصعوبة الحل 

يفرض العامل الخارجي، وتحديداً الموقف الأمريكي، إيقاعاً ضاغطاً على المشهد برمته، محدداً سقوفاً تفاوضية عالية للفاعلين المحليين، حيث تتزامن المواقف الحكومية مع تصريحات صريحة لوزير الخارجية الأمريكي، تصف تشكيلة الزيدي بأنها “حكومة إنهاء الفصائل”، واضعة بغداد أمام استحقاقات صعبة تتطلب إجراءات ملموسة.  

تدفع هذه الضغوط الفصائل الراديكالية لتبني استراتيجية “عض الأصابع” والمراهنة بقوة على المتغير الزمني وتغير الإدارات في واشنطن، حيث تنقسم دورة حياة حكومة الزيدي فعلياً إلى مرحلتين؛ تقبع الأولى خلال إدارة أمريكية يقودها الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، والتي تتبنى نهجاً حازماً لتفكيك الفصائل المسلحة المقربة من إيران وتقليم أظافرها، فيما تترقب الفصائل تغييراً محتملاً بعودة الديمقراطيين في النصف الثاني من عمر الحكومة، آملة في العودة إلى سياسات الاحتواء التقليدية وإدارة الأزمات، وهو رهان زمني يمنحها دافعاً إضافياً للمماطلة ورفض التسليم. 

وبالنظر من زاوية أوسع، تصطدم الرغبات الأمريكية والمناورات المحلية بحائط الاستحالة البنيوية عند محاولة إنهاء الوجود الفصائلي على أرض الواقع، فهذه التشكيلات تستند إلى بنية تحتية شديدة التعقيد تتجاوز مجرد الوجود العسكري، لتشمل تغلغلاً شبكياً في مفاصل الدولة واقتصاديات موازية تضمن لها التمويل الذاتي والاستقلالية التامة بعيداً عن الموازنة الحكومية.  

وإلى جانب القوة الصلبة، تتسلح الفصائل الرافضة بخطاب أيديولوجي يربط شرعية احتفاظها بالسلاح بمفهوم “السيادة المنقوصة”، وخطاب ديني تطرحه بين الحين والآخر مفاده أن سلاحها هو سلاح “الإمام المنتظر” ولن تسلمه إلا له. كما تستثمر هذه القوى في غياب القدرة الحكومية على منع الانتهاكات الخارجية والتحكم الكامل بالأجواء والمقدرات، لتحول النقاش من مسألة تمرد على سلطة القانون إلى جدل حول الاستقلال الوطني والدفاع عن البلاد، فيحوّل هذا الغطاء العقائدي والسياسي قرار نزع السلاح إلى خطوة تقترب من المستحيل، ما لم تسبقها تحولات جذرية في بنية الدولة وقوتها السيادية والاقتصادية، وهو أمر تفتقر إليه المرحلة الحالية بشكل ملحوظ. 

إعادة تدوير الأزمة وصراع الهويات 

إن مآلات هذا الحراك المتسارع تكشف عن مشهد سياسي يعيد تدوير أزماته بأدوات متجددة بدلاً من معالجتها جذرياً. حيث يثبِت قرار الانفكاك الصدري كونه مناورة سياسية وتعبوية بامتياز، يتقاطع ويتخادم مع طموحات حكومة الزيدي الساعية لإحكام القبضة على الفضاء العام، وتجريد الفصائل من أوراق القوة الجماهيرية والأخلاقية. كما إن الأمر لا يتعلق بنزع حقيقي لسلاح التشكيلات بقدر ما هو صراع محتدم على من يمتلك حق توجيه بوصلة الشارع وتمثيل المكون سياسياً، ومن الأكثر قدرة على استغلال التوقيتات الحرجة والضغوط الدولية. 

يقف المشهد الفصائلي، بانقساماته الحادة واستعراضات القوة المالية والعسكرية التي تبنتها الفصائل الراديكالية، كشاهد إثبات على هشاشة مؤسسات الدولة قبالة هذه الإمبراطوريات الموازية، حيث تجاوزت الأزمة الحالية أبعادها الأمنية لتتحول إلى صراع هويات حقيقي حول تعريف الدولة العراقية؛ بين جبهة تتحدث عن بناء دولة مؤسسات كلاسيكية تحتكر القوة بدعم قضائي ورضا دولي، وجبهة تتبنى نموذجاً يشرعن الجيوش العقائدية الموازية كضرورة للأمن القومي.  

هذه المعطيات مجتمعة تؤكد أن مسألة إنهاء السلاح خارج الأطر الرسمية تمثل استحالة بنيوية تامة في اللحظة السياسية والأمنية الراهنة، لتبقى دعوات حصر السلاح، سواء صدرت من القيادات الدينية أو من القضاء والقصر الحكومي، أوراقاً تكتيكية توظَّف في تصفية الحسابات وإدارة توازنات النفوذ، بعيداً عن أي مشروع واقعي لبناء دولة سيادية قادرة على احتكار قرار السلم والحرب.

تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج“. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب عراقي.