“هيا نقضي على الاشتراكية”.. علي الزيدي ضد اقتصاد صعد من داخله

يبحث هذا المقال في حقيقة "الاشتراكية" التي يتحدث عنها السياسيون العراقيون، ومفارقة أن علي الزيدي نفسه صعد من داخل النموذج الاقتصادي الذي يدعو اليوم إلى تغييره، فيما لا يزال البديل غامضاً.

حسين فاضلحسين فاضل | 1 حزيران 2026

يشدد رئيس الوزراء علي الزيدي على ضرورة القضاء على ما يسميه الاشتراكية في العراق. وهو خطاب تكرر على ألسنة رؤساء حكومات وسياسيين عديدين منذ عام 2003، حتى أصبح تحميل “الاشتراكية” مسؤولية أزمات البلاد الاقتصادية أقرب إلى بديهية سياسية لا تحتاج إلى نقاش. ومع ذلك، نادراً ما يتوقف أصحاب هذا الخطاب عند سؤال بسيط: ما هي الاشتراكية التي يتحدثون عنها؟ وهل يمتلك العراق أصلاً نموذجاً اقتصادياً يمكن وصفه بأنه اشتراكي؟

تكمن المشكلة في أن الإجابة على سؤال الاشتراكية ليست واضحة. فمن الصعب العثور على تعريف متماسك للاقتصاد العراقي خلال العقود الأخيرة، أو تصنيفه ضمن مدرسة اقتصادية محددة. فالعراق لم يتبنَّ بعد عام 2003 نموذجاً اقتصادياً مستقراً يمكن وصفه بأنه اشتراكي أو ليبرالي أو اقتصاد سوق بالمعنى المعروف. وحتى قبل ذلك، كان الاقتصاد انعكاساً لطبيعة السلطة السياسية أكثر مما كان نتاج رؤية اقتصادية متماسكة. 

وبعد الغزو الأمريكي للعراق، تشكل نموذج أكثر تشوهاً، يعتمد على النفط بوصفه المصدر شبه الوحيد للثروة، وعلى الدولة بوصفها الموزع الأكبر للدخل، من دون أن ينجح في بناء قطاع خاص قوي أو نظام حماية اجتماعية حديث أو مؤسسات قادرة على تحقيق النمو خارج الريع النفطي.

وعادة ما يرتبط مصطلح الاشتراكية بنماذج اقتصادية تقوم على دور واسع للدولة في التخطيط والإنتاج وتملك قطاعات رئيسية من الاقتصاد، مع مستويات متفاوتة من إعادة توزيع الثروة والخدمات العامة. وقد حققت بعض هذه النماذج نجاحات ملموسة في مجالات التعليم والصحة والتصنيع خلال مراحل تاريخية معينة، كما حدث في دول أوروبية وآسيوية مختلفة، لكنها واجهت أيضاً مشكلات تتعلق بالبيروقراطية وضعف الكفاءة وتقييد المنافسة والابتكار في تجارب أخرى. وفي المقابل، طورت دول عديدة نماذج مختلطة تجمع بين اقتصاد السوق ودولة الرفاه، بحيث تحافظ على شبكات حماية اجتماعية واسعة من دون التخلي عن المنافسة والاستثمار الخاص.

أما العراق، فمن الصعب وضعه ضمن أي من هذه النماذج. فهو لا يمتلك اقتصاداً مخططاً مركزياً بالمعنى الاشتراكي، ولا اقتصاد سوق متكاملاً بالمعنى الليبرالي، بل نموذجاً مشوهاً، تشكل حول عوائد النفط والدور التوزيعي للدولة أكثر مما تشكل حول رؤية اقتصادية واضحة.

فما يُعرّف غالباً بالاشتراكية في الخطاب السياسي العراقي ليس نظاماً اشتراكياً بالمعنى الاقتصادي المعروف، بل أقرب إلى نظام عطايا ومكارم يعتمد على توزيع جزء من الريع النفطي عبر الوظائف والإعانات والعقود الحكومية. وهو نموذج نشأ نتيجة عجز السلطات عن بناء دولة وبدائل حديثة وفعالة، أكثر مما نشأ نتيجة تبني مشروع اقتصادي اشتراكي متكامل. وقد تحولت هذه الأدوات مع مرور الوقت من وسائل لمعالجة الفقر والبطالة إلى قنوات لتوزيع المنافع وكسب الولاءات وإعادة تدوير الريع النفطي داخل النظام السياسي نفسه.

يمكن ملاحظة ذلك بوضوح في مديريات الرعاية الاجتماعية. فبدلاً من بناء نظام رقمي شفاف يعتمد معايير واضحة للاستحقاق ويحد من التدخلات السياسية، تحولت هذه البرامج في كثير من الأحيان إلى مساحة للوساطات والتنافس على النفوذ. ويكفي التذكير بأن شبكة الحماية الاجتماعية في صلاح الدين تلقت وحدها أكثر من 11 ألف معاملة مقدمة من نواب لضم مواطنين إليها. وفي مثل هذه الحالات لا تبدو المشكلة في وجود الحماية الاجتماعية، بل في الطريقة التي تُدار بها، حين يصبح الوصول إلى حق اجتماعي مرتبطاً بالنفوذ السياسي أكثر من ارتباطه بمعايير الاستحقاق.

والأمر نفسه يظهر في ملف البطاقة التموينية والسلة الغذائية. ففي دول كثيرة تُمنح المساعدات الغذائية من خلال قسائم أو تحويلات نقدية مباشرة، تسمح للمستفيد بالشراء من السوق، وتقلل من تكاليف النقل والخزن والتوزيع، وتدعم النشاط الاقتصادي المحلي في الوقت نفسه. أما في العراق فما زالت الدولة تدير سلسلة طويلة من شراء المواد الغذائية واستيرادها وخزنها ونقلها وتوزيعها، وهي سلسلة تستهلك مبالغ ضخمة وتخلق حولها شبكة واسعة من العقود والمصالح الاقتصادية.

ولا يتعلق الجدل هنا، بطبيعة الحال، بوجود الدعم الغذائي بحد ذاته، بل بالآلية التي يُدار بها. فبدلاً من تقليص حلقات الوساطة وتوجيه الدعم مباشرة إلى المستفيدين، استمر النموذج العراقي في توسيع شبكة التوريد والعقود المرتبطة بالدولة، ما جعل السلة الغذائية واحدة من أبرز صور الاقتصاد القائم على إدارة الريع وتوزيعه.

وتبرز المفارقة في أن علي الزيدي، الرجل الذي يدعو اليوم إلى القضاء على ما يسميه الاشتراكية، لم يأتِ من خارج هذه المنظومة، بل بنى حضوره الاقتصادي داخلها. فقد ارتبط اسمه لسنوات بشركات عملت في تجهيز المواد الغذائية والعقود المرتبطة بالسلة التموينية، وهي واحدة من أكبر برامج الإنفاق الحكومي في البلاد. ولذلك يبدو النقاش أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة بين الاشتراكية والسوق، لأن كثيراً من الشخصيات التي تنتقد هذا النموذج اليوم هي جزء من البنية الاقتصادية التي نشأت حوله واستفادت من استمرارها.

غير أن المشكلة لا تتعلق فقط بمن استفاد من هذا النموذج، بل بما يُطرح بديلاً عنه. فالحكومة تتحدث عن القضاء على الاشتراكية، من دون أن تقدم تصوراً واضحاً للنظام الاقتصادي الذي تسعى إلى بنائه. هل المقصود اقتصاد سوق أكثر انفتاحاً؟ وهل يشمل ذلك إعادة النظر في منظومة السلة الغذائية والدعم الاجتماعي والتوظيف الحكومي؟ وكيف ستُدار الآثار الاجتماعية لمثل هذه التحولات في بلد ربطت فيه السلطات معيشة ملايين المواطنين بصورة مباشرة أو غير مباشرة بإنفاق الدولة؟

استطراداً، فالدعوة إلى القضاء على ما يسمى الاشتراكية ليست جديدة في العراق، بل رافقت معظم الحكومات التي تعاقبت بعد عام 2003. وفي كل مرة كان يجري الحديث عن تغيير النموذج الاقتصادي القائم، وتقليص دور الدولة، وتنشيط القطاع الخاص، وتنويع مصادر الدخل. ولعل “الورقة البيضاء” التي أطلقتها حكومة مصطفى الكاظمي كانت التعبير الأكثر وضوحاً عن هذا التوجه، إذ قُدّمت بوصفها مشروعاً لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي وتقليل اعتماده على الدولة والوظيفة العامة والإنفاق الريعي.

لكن النموذج الاقتصادي العراقي لم يتشكل أصلاً نتيجة رؤية اقتصادية متماسكة حتى توضع رؤية أخرى أكثر تماسكاً بدلاً منه. فقد نشأ عبر سلسلة طويلة من الارتجالات السياسية ومحاولات احتواء الأزمات الاجتماعية، ومن خلال البحث الدائم عن وسائل سريعة لامتصاص الغضب الشعبي عبر التوظيف والدعم والإنفاق الحكومي. وفي الوقت نفسه تشكلت حوله مصالح اقتصادية واسعة، استفادت من العقود الحكومية والإنفاق العام وتدفق الأموال النفطية، حتى أصبح استمرار هذا النموذج جزءاً من استمرار النفوذ السياسي والاقتصادي لأغلب القوى المهيمنة على الدولة.

ولهذا لم يكن الفشل في تغيير النموذج الاقتصادي العراقي ناجماً عن نقص الخطط أو الشعارات، بقدر ما كان ناجماً عن أن القوى التي تعلن رغبتها في تغييره تجد نفسها في النهاية مضطرة إلى العمل داخله، أو مستفيدة من بقائه، أو عاجزة عن تحمل الكلفة السياسية والاجتماعية المترتبة على إصلاحه.

حكومة علي الزيدي بدورها لم تخرج من هذه المعادلة. فبينما يهاجم رئيس الوزراء النظام الاقتصادي القائم ويدعو إلى التخلص مما يسميه الاشتراكية، يواصل في الوقت نفسه استخدام الأدوات نفسها التي قام عليها هذا النظام، عبر تقديم وعود التمويل والتوظيف والتثبيت والإنفاق والتوسع في التزامات الدولة، بينما رصيد الدولة العراقية المالي لا يتجاوز تريليون دينار، في حين تحتاج إلى نحو عشرة تريليونات دينار شهرياً لتغطية الرواتب والنفقات الحاكمة، وفق تصريح رئيس الوزراء علي الزيدي.

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب عراقي